‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2001. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2001. إظهار كافة الرسائل

السبت، ١ يناير ٢٠٠٠

الجانب السييء‏!‏

05-01-2001
أنا فتاة في الثالثة والعشرين من عمري‏..‏ نشأت بين أبوين يسود بينهما الحب والتفاهم ومع أخوة أحباء من الجنسين لكل منهم حياته الخاصة الموفقة‏,‏ وقد بدأت قصتي التي دفعتني للكتابة إليك منذ‏3‏ سنوات وأنا في بداية دراستي الجامعية فلقد تعرفت علي شاب يتقاربني في العمر ويدرس بإحدي كليات القمة وشعرت تجاهه بالاحترام والتقدير ثم لم ألبث أن شعرت بعد فترة قصيرة من تعارفنا بقلبي يخفق تجاهه وكانت المرة الأولي التي يخفق فيها لأحد‏..‏ ولم يمض وقت طويل حتي صارحني بمشاعره وارتبط كل منا بالآخر وازداد عمق العلاقة بيننا ومضي عام علي هذا الارتباط‏,‏ ثم حدث أن حضرنا معا احتفالا صغيرا لزواج أحد الأصدقاء عرفيا من زميلة لنا‏..‏ فطرأت الفكرة علي ذهن كل منا في وقت واحد تقريبا‏..‏ لماذا لا نفعل ما فعلاه وبالطريقة نفسها؟
وخلال أيام أبدي كل منا رغبته في أن نتزوج زواجا عرفيا لا يعلم به أحد من الأهل‏..‏ ولكن بشرط أن أحتفظ بعذريتي وكان دافعي إلي ذلك هو أن يطمئن قلبي إلي أن ارتباطنا سيصبح بذلك أبديا وحتي نهاية العمر‏,‏ وبالطريقة نفسها التي تم بها زواج الصديقين أتممنا زواجنا عند أحد المحامين وأعطاني فتاي مهرا وشهد علي العقد شاهدان من أصدقائه‏,‏ وعلم به بالفعل بعض الأصدقاء المحدودين علي سبيل الإشهار وعشنا بضعة أشهر تملأ السعادة والحب والاحترام حياتنا إلي أن جاء يوم والتقيت به في شقته الخاصة تلبية لرغبته ولكي أري عش الزوجية الذي سأصبح ملكته المتوجة بعد التخرج كما قال لي‏,‏ وباختصار فلقد خرجت من مسكنه تلك الليلة وأنا سيدة ومشاعري متضاربة بين الخوف والقلق والترقب‏,‏ وتوقفت عن الاتصال به لمدة يومين كنت خلالهما أراجع نفسي فيما انتهي إليه أمري وأحاول تبين موضع قدمي‏,‏ فاتصل بي هو معبرا لي عن سعادته بأنني قد أصبحت زوجته بالفعل‏..‏ ومؤكدا لي أن علينا أن نستمتع بحياتنا الزوجية الكاملة خلال فترة الانتظار إلي أن نتخرج ويتمكن من تحويل الزواج العرفي إلي زواج رسمي‏..‏ ولم أكن أملك سوي إطاعته في كل شيء وعشنا عاما آخر كاملا علي هذا النحو لمست خلاله في زوجي كل معاني الرجولة والإخلاص وكان الجانب السييء الوحيد في ذلك هو أنني كنت أشعر في داخلي بأنني لصة أسرق الوقت الذي أذهب فيه لزوجي لتلبية احتياجاته‏..‏ وأسرق من أبي وأمي عمرهما الذي أضاعاه في تربيتي ورعايتي وتوفير كل مطالبي وأحترف الكذب عليهما وأخون ثقتهما التي أعطياها لي بلا حدود‏,‏ وشق علي تحمل هذا الوضع لفترة أخري فصارحت زوجي بأفكاري وطالبته بأن يتقدم لخطبتي خاصة أنني قد رفضت أكثر من خاطب مناسب دون إبداء أي أسباب‏..‏ فكانت الصاعقة التي أصابتني في مقتل حين رفض التقدم لطلب يدي وتخلي عني متعللا بأنه لن يتمكن من إقامة بيت وتكوين أسرة قبل عشر سنوات‏..‏ ولأنه سوف يظلمني بزواجه مني لأن حبي له أكبر من حبه لي‏!‏
وتجلت الحقيقة المؤلمة أمامي‏..‏ وانهرت نفسيا وصحيا وذبل جمالي وماتت الضحكة في وجهي‏..‏ وتساءلت لماذا فعل بي ذلك؟ أليس لأنني قد تساهلت معه علي طول الخط؟
وأليس معني هذا أنه وبعد أن أخذ مني كل شيء يريد لنفسه الآن فتاة أكثر حرصا علي نفسها لكي يعطيها اسمه؟ ومرت بي أيام عصيبة إلي أن تمالكت نفسي وطلبت منهالانفصال علي أمل أن يرجع عن رأيه السابق‏..‏ فإذا به بعد قليل من التردد يوقع الطلاق‏..‏ وإذا بي أري الدنيا كلها أمامي سوداء وأكره نفسي وكل الرجال‏.‏
وعشت فترة من أسوأ فترات عمري‏..‏ أشعر بخوف قاتل من مواجهة كل من هم حولي وأحس بنظرات الناس جميعا لي وأنا في الطريق وكأنها تتهمني في شرفي وتلومني علي ما فعلت بنفسي وحياتي وأسرتي‏..‏ وظللت هكذا إلي أن تقدم لي شاب لم أستطع رفضه وهتف بي هاتف في قلبي أن أقبل به خاصة أن بعض صديقاتي قد طمأنني علي إمكان إصلاح الخطأ الذي تورطت فيه‏!‏
وتمت الخطبة وفوجئت خلال تعاملي مع خطيبي بنوع لم آلفه من البشر فهو شاب ممتاز وأخلاقه كريمة وقلبه طيب للغاية ويزداد حبا لي يوما بعد يوم‏..‏ فبدأت أسائل نفسي ما ذنب هذا الشاب الطيب في أن ينخدع في؟ ولماذا لم ألتق به قبل خطيئتي الفاجعة؟‏..‏ وبعد تفكير غير قصير قررتألا أتحمل وزر خديعة هذا الشاب المخلص ويكفيني ما تحملته من أوزار في الفترة السابقة‏,‏ وصارحته بعجزي عن إتمام الزواج وقدمت له وثيقة الزواج العرفي‏..‏ فقرأها وغرق في صمت عميق لعدة دقائق ثم غادر بيتنا بلا سلام‏.‏
ومضي يومان شعرت خلالهما ـعلي الرغم من الأسيـ بأنني قد تحررت من بعض الذنب الذي يثقل علي صدري‏..‏ ثم اتصل بي قائلا لي إن لكل إنسان خطأ مخجلا في حياته وإنه‏,‏ علي الرغم من فداحة خطئي الذي لا يغتفر‏,‏ فإنني كنت أستطيع خداعه وإتمام الزواج منهدون أن يكتشف الحقيقة‏,‏ وأن عذري الوحيد فيما فعلت أنه كان زواجا حتي ولو كان عرفيا‏..‏ ولم أكن قد التقيت به بعد‏.‏ وبالتالي فهو يصفح عما جري ويرغب في إتمام الارتباط‏.‏ فشعرت بالخجل من نفسي أكثر وأكثر‏,‏ ومزقنا معا ورقة الزواج الملعون‏..‏ واتفقنا علي أن نبدأ صفحة جديدة في حياتي خالية من الأخطاء‏..‏ وخلال ذلك إذا ببركان من الحنق والغيظ والغضب ينفجر في قلبي تجاه فتاي الأول‏..‏ وإذا بي أتمني أن يأتي اليوم الذي يشعر فيه بخطئه الفادح ويأتي لكي يطلب مني الصفح والعفو عنه‏..‏ أو أن يتزوج وينجب بنات يخدعهن شباب مثلهبالكلام المعسول المخادع ويتخلون عنهن كما تخلي عني‏..‏
إنني أكتب لك هذه الرسالة لكي أحذر كل فتاة في مثل عمري ألا تنخدع بوهم الحب الزائف وخديعة الزواج العرفي التي يتحايل بها بعض الشباب علي الفتيات لكي ينالوا منهن ما يريدون‏,‏ ثم يلقون بهن وراء ظهورهم كما حدث معي‏..‏ أرجو أن تؤكد هذا المعني كما تفعل كثيرا وأن تكتب كلمة لفتاي السابق تذكره فيها بأن في السماء ربا يمهل ولا يهمل‏,‏ ولن ينجو من عقابه عما فعل بي‏..‏ أما أنا فإن الإحساس المرير بالذنب يقتلني وأستغفر ربي ليلا ونهارا‏..‏ وأتساءل هل أتمم زواجي من خطيبي الحالي بعد كل ما جري‏..‏ خوفا من أن يعيرني به في المستقبل بعد الزواج‏..‏ أم أتركه لمن هي أفضل مني‏..‏ وأنتظر شخصا آخر لا يعلم شيئا عما حدث وأخدعه بالطهر والعفاف المزيفين كما تفعل بعض الفتيات‏!‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
الجوانب السيئة في قصتك هذه كثيرة وليست جانبا واحدا كما تقولين في رسالتك‏..‏ ولن أحدثك فقط عن خيانتك لثقة أبويك فيك وهما اللذان أفنيا عمريهما في رعايتك وتلبية احتياجاتك ومنحاك ثقتهما المطلقة بلا حدود‏..‏ وإنما سأحدثك أيضا عن الاندفاع والتهور والاجتراء علي كل الأعراف والتقاليد بإقدامك علي الزواج العرفي السري من شاب يقاربك في العمر ويدرس معك بالجامعة نفسها‏,‏ وأنت في الثالثة والعشرين من عمرك ودون التوقف لحظة واحدة للتساؤل عن مدي مشروعية هذا الزواج‏..‏ وجديته وحله أو حرمته في غياب الأهل وأولياء الأمر‏..‏ وهل هو الطريق الصحيح إلي الزواج المشروع العلني فيما بعد أم أنه مجرد حيلة قانونية لإضفاء مشروعية كاذبة علي علاقة خاصة‏..‏ والتعلل بها لاستباحة الأعراض والاغتراف من اللذة المؤقتة‏,‏ إلي أن يزهد فيها أحد الطرفين أو يصحو من غفلته؟‏.‏
ودون التوقف للتساؤل عن أثر مثل هذا الزواج المزعوم ــ حتي ولو كان قد تم في مكتب محام ووقع عليه شاهدان وعلم به بعض الأصدقاء علي سبيل الإشهار كما تقولين ــ علي حياة الفتاة التي تتورط فيه في المستقبل أو إذا تراجع الزوج عن الوفاء بعهده لمن أوقعها في حبائل هذا الشرك الخداعي ولم يتقدم لأسرة فتاته ويدخل البيوت من أبوابها لطلب يدها من أبويها كما فعل معك فتاك الأول؟
ولو أنكما حين انبهرتما بتجربة زواج عرفي مماثل تم بين بعض الأصدقاء‏,‏ وأغراكما ذلك كما تفعل القدوة السيئة غالبا بتقليد التجربة بدعوي تأبيد العلاقة وضمان استمرارها‏,‏ لو أنك قد حاولت حينذاك استقصاء أو تتبع مصير بعض حالات الزواج العرفي التي تمت بين طلبة وطالبات جامعيين أو فتية صغار خارج دائرة الأهل وبهذا المبرر المزعوم نفسه‏..‏ لتعرفي كم منها قد حقق الغرض المنشود من ورائها‏..‏ وتخرج الطرفان وتوجا قصتهما بالزواج الرسمي‏,‏ وكم منها قد انتهي بالخذلان والخيبة والغدر بالعهود‏,‏ لأدركت عمق الهاوية التي تنجرفين إليها من البداية‏,‏ وعرفت أن معظم هذه الزيجات قد انتهي تقريبا بالنهاية المفجعة نفسها‏,‏ إما لأن الشاب ومهما تظاهر بعكس ذلك لم يعف فتاته ـعلي الرغم من دوره الكبير في إغوائهاـ من الاتهام الباطني لها بالتفريط والاستهتار بالأعراف والتقاليد‏,‏ فتخوف من الارتباط الرسمي بها بعد أن قضي منها وطره‏,‏ وإما لأن الفتاة قد اكتمل نموها النفسي والعاطفي والعقلي‏,‏ وفتر جموحها العاطفي فرأت في شريكها في المغامرة شخصا غير أهل للزواج العلني منها ورغبت في طي صفحته من حياتها والارتباط بمن يكون لائقا بها اجتماعيا وعائليا وماديا‏.‏
وعزوف الشاب عن استكمال مثل هذه القصة هو الأغلب والأعم في الحالات المماثلة‏,‏ لكن آفة الكثيرين منا أنهم لا يتعلمون من تجارب الآخرين ولا يصابون بالظن علي نحو ما قاله عمرو بن العاص حين سئل عن العقل فقال إنه الإصابة بالظن ومعرفة ما سيكون بما قد كان‏!‏
وأبلغ دليل علي ذلك هو تبرير فتاك الأول لتخليه عنك بأنه لن يستطيع تكوين أسرة قبل عشر سنوات‏,‏ فهو عذر أقبح من الذنب‏,‏ إذ يتضمن اعترافا واضحا منهبانه لم يقصد بزواجه الوهمي منك تأيبد العلاقة وضمان استمرارها إلي حين إضفاء المشروعية عليها كما بررت أنت لنفسك إقدامك عليه‏..‏ وإنما قصد به التمتع مؤقتا بفتاة ملبية ومخدوعة بوهم هذا الزواج المزيف‏..‏ أما خشيته عليك من أن يظلمك إذا تزوجك لأن حبك له أكبر من حبه لك فهو مبرر لا يقل بشاعة عن سابقه‏..‏ لأنه قد ظلمك بالفعل حين استدرجك لهذا الشرك‏..‏ وكان من واجبه أن يرفع عنك هذا الظلم بوفائه لك بالعهد لا أن يضاعف منه بالغدر والخذلان وبركان الغضب والحنق الذي يتفجر في أعماقك له مبرراته المفهومة‏,‏ أما ما هو ليس مفهوما حقا فهو ما يراودك من أمنيات مكتومة في أن يجيء ذات يوم ليطلب منك صفحك عنه‏..‏ وكذلك مناشدتك لي أن أذكره برب السماء الذي يمهل ولا يهمل ولا يبدل القول لديه‏,‏ إذ ماذا يهمك من أمره وقد انطوت صفحته الكريهة من حياتك إلي غير رجعة؟ ولماذا تنشغلين بعقاب من السماء ومستقبل بناته والانشغال نوع من الاهتمام لا يستحقه‏.‏
إن من يستحق الانشغال به حقا هو هذا الشاب الأمين الذي قدر لك مصارحتك له بحقيقة أمرك بدلا من خديعته‏,‏ ولم يتخل عنك ورغب في إتمام الزواج منك‏..‏ وتفكيرك في التخلي عنهلمن هي أفضل منك قد يكون نوعا من عقاب النفس وازدرائها وجلدها بأخطائها‏,‏ وقد يكون أيضا نوعا من الندم علي مصارحته بالحقيقة والتخوف من أثرها السلبي عليه حين يجمعكما عش الزوجية‏..‏ أو تعلقا بالأمل الغامض في عودة مياه النهر إلي منابعها بدلا من تدفقها في مسارها الطبيعي إلي مصبها وهو أمل مستحيل كما ترين‏!‏
فإذا كان الأمر كذلك فإني أقول لك إن من يرغب فينا ويحرص علينا ويتمسك بنا علي الرغم من كل شيء هو أفضل لنا من كل من عداه‏,‏ فتفكيرك في خداع شاب ثالث وبناء حياتك معه علي مثل هذا الأساس الخادع ليس مما ترضاه فتاة كريمة لنفسها ولمن تختاره الأقدار لمشاركتها حياتها‏.‏
والمهم دائما هو أن يكون صفح خطيبك عما جري قبل أن ترتبطي به صفحا عقلانيا ناتجا عن تفكير عميق وناضج‏,‏ وليس فقط بتأثير الفوران العاطفي الذي يحسه تجاهك الآن‏,‏ وفترة الخطبة والاستعداد للزواج يمكن أن تكون مفيدة بالفعل في امتحان هذا الصفح والتأكد من عمقه وجديته‏.‏
المزيد ....

الانتصار الهادئ

12-01-2001
أنا سيدة في الخمسين من عمري وزوجة لرجل يكبرني بعدة سنوات ولهمن الأخلاق الكريمة ما يعجز لساني عن وصفه‏,‏ وعلي قدر من الزهد وخدوم ومحب للخير ويمتلك عملا خاصا ناجحا والحمد لله‏.‏ وربما كانت صفاته الإيجابية هذه هي بداية مشكلتي التي أهدرت عاما طويلا مريرا من عمري‏..‏
فلقد بدأت المشكلة حين خرجت في رحلة لعدة أيام خارج القاهرة بصحبة قريبة لزوجي تصغرني بسنوات‏,‏ وتعمل عملا مهنيا مرموقا ومتزوجة ولديها أبناء بمراحل التعليم المختلفة‏,‏ وخلال الرحلة كنت كأي زوجة محبة لزوجها لا أدع مناسبة يذكر فيها اسم زوجي دون أن أشيد بمميزاته وفضائله وأدعو له من أعماق قلبي بالصحة وطول العمر ولنا بدوام الصحبة والسعادة‏,‏ ودون أن أحمد الله كثيرا علي ما أسبغه علي حياتي معه من نعم‏..‏ وانتهت الرحلة بسلام ورجعنا إلي أسرتينا‏..‏ وبعد فترة قصيرة اضطررت للسفر إلي خارج البلاد لمرافقة ابني الذي يستكمل دراسته العليا في إحدي الدول‏..‏ ولم أكن أدري أن سفري وغيابي عن بيتي وأسرتي سيكون الأرض الممهدة لتلك القريبة التي استثارها فيما يبدو حديثي الدائم عن زوجي‏,‏ لكي تبذر فيها بذرتها المخربة‏,‏ فلقد علمت بعد سفري بفترة أنها قد طلبث الطلاقمن زوجها دون أي سابق مشكلة بينهما تستوجب الانفصال أو تدعو إليه‏,‏ وعلي الرغم من أننا لم نلمس منه إلا كل ما هو خير خلال سنوات زواجهما‏,‏ وتم الطلاق بالفعل وبدأت هي في خطتها الجهنمية للتقرب من زوجي وراحت تكثر من اتصالها التليفوني به شاكية له حالها بعد الطلاق مستغلة في ذلك طيبة زوجي
وكرم أخلاقه مع الآخرين خاصة مع أقاربه‏,‏ ولاحظت أنا خلال سفري كثرة شغل خط تليفون منزلي في الساعات المتأخرة من الليل‏,‏ وأثار ذلك الريبة في قلبي فسألت زوجي هل يتصل بقريبته خلال تلك الساعات فأنكر ذلك‏,‏ ولم أعط للأمر أهمية كبيرة‏,‏ إلي أن فوجئت بأبنائي وأحفادي الصغار يتصلون بي من مصر ويرجونني في العودة‏,‏ وترك ابني لإنقاذ أبيهم وجدهم من الأفعي التي استغلت غيابي عن أسرتي وتحاول بكل جهدها تخريبها‏..‏ وصعقت لما سمعت وصدمت صدمة أشد حين علمت أنها كانت تخرج معه بحجة زيارة بعض الأقارب ووصل الرحم‏.‏ وانتابتني حالة من عدم الاتزان والقلق‏,‏ واتصلت بها من الخارج وواجهتها بما عرفت وتمنيت في نفسي لو أنها تنفي لي ما سمعته‏,‏ وتؤكد لي ولو من باب الحرج احترامها للروابط الزوجية بيني وبين زوجي‏,‏ ففوجئت بها لا تنكر شيئا مما واجهتها به‏,‏ بل وتبرره بكل صفاقة بأنها أولي بقريبها وبماله وعزه مني أنا التي شاركته رحلة الكفاح ثلاثين عاما‏!‏
وحسمت تلك الصفاقة الغريبة كل تردد من جانبي‏..‏ وقررت العودة إلي مصر وترك ابني ليواجه حياته معتمدا علي نفسه دون أن أبلغ أحدا من أسرتي بعزمي علي ذلك‏.‏
وركبت الطائرة عائدة إلي مصر للدفاع عن حياتي وأسرتي وإنقاذها من الدمار‏,‏ وفوجئ بي زوجي أمامه في مصر دون سابق إخطار فما أن رآني حتي انسابت دموع الخجل والحب من عينيه‏,‏ وهممت بمواجهته بكل شيء لكن كبريائي تغلبت علي في اللحظة الأخيرة ومنعتني من المواجهة لكيلا أكسر حاجز الاحترام المتبادل بيننا‏..‏ وفضلت تجاهل الأمر في حديثي معه اكتفاء بوجودي في حياته ودفاعي المستميت عنه ضد الأعداء الخارجيين‏.‏ وبدأت الحرب الباردة بيني وبين تلك السيدة‏..‏ واستعر أوارها وأنا أقاتل للحفاظ علي زوجي واستقرار أسرتي وهي تجاهد للفوز بمن تراه جديرا بأن يحقق لها أحلامها المادية وتطارده في مكتبه‏,‏ إلي أن تصادف أن حضر ابني ذات يوم وبالصدفة لقاء لها مع أبيه في مكتبه‏,‏ واستطاع أن يكشف لأبيه حقيقة أغراضها المادية‏,‏ حيث طلبت من زوجي مساعدتها في إنشاء عمل خاص لها في مجال تخصصها بالرغم من أنها تعمل في عدة جهات‏,‏ ولا يقل دخلها الشهري عن ثلاثة آلاف جنيه‏..‏ وتبينت الحقيقة واضحة أمام زوجي وهي أن مودتها له ليست سوي قناع زائف للرغبة في استغلاله ماديا والاستفادة منه‏..‏

وخلال مراحل هذه الحرب الباردة كنت قد تصورت أن والدتها يمكن أن تتدخل بيني وبين ابنتها وتردعها عما تفعل‏,‏ فاتصلت بها وكلمتها في الأمر فلم أجد منها عونا ولا إنصافا‏,‏ وعرفت علي العكس أنها تؤيد ابنتها في خطتها وأنها سعت للإيقاع بيني وبين زوجي عدة مرات‏..‏
وبعد أن فشلت الخطة واتضحت النيات تماما ضاق زوجي بتلك السيدة ولم يعد يطيق سماع اسمها أمامه‏,‏ فجن جنونها وانطلقت تهددني أنا زوجة من أرادت اختطافه‏,‏ بتهديدات مختلفة منها إلقاء ماء النار علي‏,‏ ومنها أنها سوف تتزوج زوجي رغما عني مهما طال المدي إلخ‏,‏ فلم أر مفرا من كشف كل تصرفاتها أمام الأهل والأقرباء ليطلعوا علي الجانب الخفي من شخصيتها‏..‏ ولم أملك في النهاية سوي أن أدع الأمر لله العزيز الحكيم وأحتسب ما تعرضت له خلال دفاعي عن أسرتي لديه‏.‏ وطلبت من زوجي أن نزور معا البيت الحرام لنطوي في رحابه تلك الصفحة المظلمة من حياتنا‏,‏ ونبدأ صفحة جديدة مضيئة بالحب والإخلاص‏,‏ وأدينا العمرة بالفعل في رمضان الماضي ورجع زوجي إلي سابق عهده معي ومع أبنائه وأسرته وحمدت الله حمدا كثيرا علي نعمته وعلي ما حباني به من صبر طوال عام الحرب الباردة هذه وما هداني إليه من عدم التسرع في الأمر بما يضر بأسرتي وبيتي‏,‏ وأنصح الآن كل زوجة ألا تحكي عن حياتها الشخصية مع زوجها لأحد بعد تجربتي المريرة هذه حيث لم أعد أعرف من يحبني ممن يكره الخير لي‏,‏ وأنصحها كذلك بعدم الإشادة بمزايا زوجها أمام الأخريات إذ من يدري أنه لن تكون بينهن من تنغص عليها هذه السعادة وتسعي لاصطياد زوجها لنفسها وحرمانها منه‏,‏ كما فعلت تلك القريبة‏,‏ كما أنصحها بالتحلي بالصبر وألا تستسلم للضعف والغضب إذا هبت علي حياتها مثل هذه العاصفة الهوجاء‏.‏ ولقد يئست الآن هذه السيدة من زوجي ومن الانتصار علي في معركة الاستيلا عليه‏..‏ وحاولت بعد ذلك باستماتة العودة إلي زوجها السابق إلا أنه رفض كل محاولاتها بإصرار وأكد لها أنه قد انتهت من حياته للأبد‏.‏
وأريد في النهاية أن أشكر أخوة زوجي الأفاضل والفضليات الذين ساندوني في معركتي ضد ملكة النحل التي كانت تسعي لقتل زوجي بعد رحيقه‏..‏ والحمد والشكر قبل الجميع لله رب العالمين الذي أعانني علي أمري وهداني سواء السبيل‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
من حقك يا سيدتي أن تسعدي بفوزك المبين في معركة الحفاظ علي زوجك وأسرتك وحمايتها من غزاة الحصون الآمنة‏..‏ وهواة جني ثمار الأشجار الوارفة التي لم يشقوا غرس بذورها وفي رعايتها حتي أتت أكلها كل حين‏.‏ والحق أنك قد فعلت ما ينبغي للزوجة المحبة الحريصة علي زوجها وأسرتها وسعادتها أن تفعله في مثل هذا الموقف العصيب‏..‏ وهو التصرف بحكمة الأم التي ترغب دائما في صلاح أمر ابنها المخطئ وليس في تدميره أو الانتقام منه‏..‏ وهدتك فطرتك السليمة إلي ترجيح العودة في الوقت المناسب تماما إلي أسرتك وزوجك علي الاستجابة لنداء الأمومة والبقاء بجوار الابن المغترب‏,‏ تاركة الأرض وراءك ممهدة لبذر البذور المدمرة فيها‏..‏ فكانت عودتك لزوجك والالتصاق به والدفاع عنه بغير مواجهات تصادمية معه تؤدي إلي اتساع الفتق الطارئ بينكما بدلا من رتقه هي البداية الصحيحة بالفعل للانتصار في معركة استرداده والذود عنه‏..‏ وكان تفضيلك لعدم المواجهة الصاخبة معه توفيقا إضافيا في أداء مهمتك المقدسة‏..‏ وتركيزا علي الهدف الأهم وهو حصر الجهد في إبعاد المتطفلين عنه بدلا من تشتت الجهود وضياع الهدف الأسمي وإغراء الزوج بالمزيد من الابتعاد والارتماء في أحضان الغزاة حين تتحول الحياة بينه وبين زوجته إلي جحيم في مثل هذه المواجهات الضارية‏..‏ فمن أهم وسائل الفوز وتحقيق الغايات‏,‏ أن يحدد المرء بوضوح تام الهدف الأسمي الذي يسعي إلي تحقيقه ثم يوجه إليه كل جهده الرئيسي بغير الانشغال عنه بأهداف جانبية تضعف من تركيزه أو تقلل من أثر سعيه لتحقيق أغراضه‏..‏
والعالم البريطاني الشهير داروين يقول لنا إن الذين يستطيعون الانتصار هم الذين يؤمنون في قرارة أنفسهم بقدرتهم علي ذلك‏,‏ ولهذا فلابد من الثقة في النفس أولا وفي عدالة القضية التي يحارب المرء من أجلها ثم توجب كل الجهد والطاقة بعد ذلك لخدمة الهدف العادل الذي يسعي إليه‏.‏

ولقد كانت لديك الثقة في النفس وفي عدالة القضية وأنت تخوضين تلك الحرب الباردة مع من أرادت اغتصاب زوجك منك والاستئثار به وذلك دون أبنائه وأسرته‏.‏ كما تحليت بالفهم والصبر وطول الأناة واحترام النفس والعشير خلال قتالك بإصرار للذود عن حياتك وسعادتك وأسرتك ضد أطماع الطامعين فكان لك الفوز المستحق والحمد لله رب العالمين‏.‏
غير أن تجربتك مع من أغراها حديثك المنصف عن زوجك وإشادتك بمزاياه وفضائله أمامها بالطمع في الفوز به دونك‏,‏ لايجوز تعميمها علي الجميع أو استخلاص بعض الدروس الخاطئة منها‏,‏ كنصح الزوجات مثلا بألا يشدن بأزواجهن أمام الأخريات‏..‏ أو كفقد الثقة في الجميع والعجز عن التفرقة بين الصالحين والطالحين منهم‏.‏

فالحق هو أن من واجب الزوجة المحبة المنصفة ألا تغمط زوجها المحب الذي يحسن عشرتها حقه في الإشادة به في مواضع ذكره بدعوي الخوف عليه من إغراء الأخريات به‏,‏ والشيء نفسه بالنسبة للزوج تجاه زوجته المحبة المعطاءة التي تحسن عشرته وترعي حدود ربها معه ومع أبنائها معه‏.‏ ذلك أن هذه الإشادة من جانب الزوجة بزوجها والزوج بزوجته‏,‏ هي في النهاية نوع من الاعتراف لصاحب الفضل بفضله ومظهر من مظاهر الشكر للخالق العظيم جل شأنه علي ما حبانا به من فضل في حياتنا ولا يجوز لنا كتمانه وإلا وقعنا في خطيئة جحود نعمة الخالق العظيم جل شأنه‏..‏ فلقد جاء في الحديث القدسي عبدي لم تشكرني إذ لم تشكر عبدي الذي أجريت نعمتي علي بديه‏.‏
وجاء في الحديث الشريف من لم يشكر الناس لم يشكر الله‏.‏
وجاء في حديث آخر‏...‏ فإن من أثني فقد شكر ومن كتم فقد كفر‏.‏
كما جاء في الأثر أيضا أن المؤمن إذا مدح في وجهه ربا الإيمان في قلبه‏..‏ أي زاد الإيمان في قلبه واستحب أن يكثر من العمل الطيب‏.‏
الذي استحق به ثناء الآخرين عليه‏.‏

ونحن جميعا كبشر نحب أن نكون كما يعتقد الآخرون فينا‏..‏ حتي ولو كان ظنهم بنا أفضل من ظننا بأنفسنا‏,‏ فإذا أشادوا بنا وأنصفونا واعترفوا لنا بفضائلنا أحببنا أن نكون كما يظن الناس بنا وأكثر واستزدنا من الخير والأعمال الطيبة التي دفعت الآخرين للإشادة بنا‏,‏ وربما أحجمنا عن بعض ما كنا نفعله في الخفاء لكيلا يطلع عليه الآخرون وينقص قدرنا واحترامنا لديهم‏.‏
وهذه هي أهمية الجهر بالشكر والإشادة لمن يحسنون عشرتنا ويؤدون واجباتهم تجاهنا بأمانة‏..‏ وتجاه الحياة بشرف بوجه عام‏.‏ فكتم الشكر جحود‏..‏ حتي ولو كان تحرزا من أطماع البعض وأحقادهم‏,‏ وإنكار الشكر حتي ولو بمثل هذا المبرر يؤدي إلي انتشار قيم الأنانية والفردية والإحجام عن العطاء ويرسخ في النفوس المرارة تجاه من لا يقابلون عطاءهم لهم إلا بالتستر عليه والكتمان مهما كانت دوافعهم لذلك المرء لحجب عطائه عمن لا يشكر له هذا العطاء أو يتكتمه أو يتجنب الاعتراف به والإشادة بفضله في موقع ذكرهوإذا كانت هناك ثمة نصيحة يمكن أن توجه للجميع في هذا الشأن فهي فقط بالتحفظ والاعتدال في مثل هذه الإشادة أمام من قد تغريهم ظروفهم التعسة أو أخلاقياتهم الفاسدة بأن ينغصوا علي الآخرين حياتهم أو يتمنوا زوال نعمتهم‏,‏ والتفرقة بين هؤلاء وبين من لا ينغصون الغير حياتهم بل وقد تغريهم مثل هذه الإشادة بتقليدها ومحاولة الانتفاع بدروسها الإيجابية في حياتهم الشخصية ليست عسيرة‏,‏ فإذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول‏:‏ ما من أحد عنده نعمة إلا وجدت لها حاسدا‏,‏ ولو كان المرء أقوم من القدح لوجدت له غامزا‏.‏
فإن رحمة الله بالبشر أوسع وأرحب من ذلك‏,‏ ولسوف يظل الفضلاء ومن يرعون حدود الله في حياتهم ويقصرون الطرف علي ما منحهم الله سبحانه وتعالي من نعم حتي ولو كانت محدودة‏,‏ هم الأغلبية الصامتة التي لا تعلن عن نفسها‏,‏ والمهم دائما هو إنصاف الغير من أنفسنا والاعتراف لهم بفضائلهم ومزاياهم باعتدال وفي مواقع ذكرهم وليس في غير مناسبة تدعو إلي ذلك ولا من باب التفاخر الكريه وإثارة المرارات في نفوس التعساء كما قد يفعل البعض فهنيئا لك يا سيدتي عودة السعادة والأمان إلي حياتك‏,‏ وشكرا لك لإطلاعنا علي تجربتك هذه ونصائحك للزوجات الأخريات بالاستفادة منها في حماية حصونهن الآمنة من الغزاة والمتطفلين‏.‏
المزيد ....

رحيق السعادة‏!‏

19-01-2001
يكتيه : عبدالوهاب مطاوع
أنا رجل في الثانية والاربعين من عمري حاصل علي مؤهل عال تزوجت منذ عشر سنوات من فتاة من أسرة طيبة‏..‏ وكنت حينئذاك اعمل محاسبا بمستوصف خاص باحدي دول الخليج‏,‏ وارتبطت بهذه الفتاة وعقدت قراني عليها في مدينتي الصغيرة بالوجه البحري‏,‏ وسافرت هي إلي حيث اقيم لاتمام الزفاف توفيرا للنفقات‏.‏
وبعد خمسة شهور من زواجنا من الله سبحانه وتعالي علينا بحمل زوجتي في توءم‏,‏ ومضت شهور الحمل الأولي عادية إلي جاء الشهر السادس‏,‏ وتطورت الظروف واحتاجت زوجتي فجأة إلي اجراء جراحة كبري لها‏..‏ وكان مطلوبا أن يتوافر عدد كبير من المتبرعين لها بالدم لإنقاذ حياتها خلال الجراحة‏,‏ والحمد لله فلقد تجمعنا أنا وعدد كبير من زملائي بالعمل في المستشفي وتقدمنا جميعا للتبرع بالدم المطلوب‏,‏ وأبلغني الأطباء أنهم يسعون إنقاذ حياة الزوجة علي حساب حياة التوءم وكان قراري وباجماع زملائي كلهم هو أن انقاذ حياة الزوجة هو الأهم‏..‏ أما التوءم فهما في ذمة الخالق العظيم وهو الذي خلقهما بقدرته العليا‏..‏ وهو الذي يستطيع أن يعوضنا عنهما بارادته حين يشاء واستراح ضميري وضمير زملائي جميعا لهذا القرار‏,‏ واستغرقت العملية الجراحية عشر ساعات‏,‏ كنت خلالها عاكفا في مسجد المستوصف أسجد لله خوفا وأملا واتضرع اليه واتلو آيات الذكر الحكيم‏,‏ وخاصة سورة ياسين‏,‏ إلي أن خرج الأطباء وقالوا لنا أنهم قد فعلوا كل ما يستطيعون‏..‏ ولم يبق الا الأمل في رحمة الله‏.‏

فنقلت زوجتي من غرفة الجراحة إلي العناية المركزة‏,‏ وأخذنا التوءم اللذين لم يكتب لهما ان يريا الحياة واستودعناهما عند من لا تضيع عنده الودائع سبحانه‏.‏
وظلت زوجتي في العناية المركزة شهرا كاملا‏..‏ وكانت قد سألتني عن توءمها حين أفاقت ولم أجد ما يدعو إلي اخفاء الحقيقة أو التهرب منها فصارحتها بأنهما أمانة عند الخالق العظيم وسيكونان شفيعين لها بإذن الله يوم القيامة‏,‏ فتجلدت زوجتي واسترجعت‏..‏ وقالت هو من أعطي وهو من أخذ فاللهم اجرني واجر زوجي عنهما يوم الحساب‏.‏

وخرجت زوجتي من المستشفي وسط دهشة كثيرين لم يصدقوا احتمال شفائها أو نجاتها من الموت بعد أن اكد الأطباء من قبل أن نسبة نجاح تلك الجراحة الكبري ضئيلة للغاية‏.‏
وعدنا لحياتنا الطبيعية وبعد فترة ليست طويلة‏,‏ بدأت زوجتي تشعر ببعض الألم والمغص في البطن‏..‏ وبدأنا نتردد علي المستشفي فيعطيها الأطباء بعض المسكنات ويذهب الألم‏..‏ ثم لا يلبث ان يعود من جديد‏..‏ إلي أن قرروا اجراء جراحة استكشاف للبطن للكشف عن اسباب هذا الألم‏,‏ وامتثلنا لقرار الأطباء واجريت الجراحة ووجدوا ان الامعاء بها التهاب لا يحدث الا بنسبة الواحد في المليون في مثل هذه الظروف‏,‏ واتخذ الأطباء قرارهم باجراء جراحة ثالثة لها لفصل الأمعاء إلي جزءين‏.‏

وبعد الجراحة توجهنا لأداء العمرة‏..‏ والابتهال إلي الله أن ينعم عليها بنعمة الشفاء‏,‏ ورجعنا إلي مصر لقضاء فترة الاجازة السنوية فرجعت نفس الآلام والمشاكل مرة أخري‏..‏ واحتاجت زوجتي إلي اجراء جراحة رابعة كبري في احد المعاهد المتخصصة في مصر‏..‏ وتقبلنا أنا وزوجتي كل ذلك بصبر وامتثال وبحمد الله علي نعمه والثناء عليه‏.‏
ثم عدنا إلي مقر عملي بالبلد الخليجي‏,‏ واستقرت الحالة الصحية لزوجتي وانتهت الآلام إلي غير رجعة والحمد لله‏..‏ ومارسنا حياتنا الطبيعية إلي أن انتهت فترة عملي بالغربة‏,‏ ورجعنا للاستقرار في بلدنا‏,‏ وكنت خلال ذلك قد استخدمت كل أو معظم مدخراتي في الغربة في بناء شقة بمنزل ابي وتجهيزها ورجعت إلي عملي كموظف بالحكومة‏..‏ وبعد عودتنا بفترة بدأت المشاكل من جانب آخر هو جانب والدتي يرحمها الله واخوتي‏,‏ وكان مثار كل تلك المشاكل هو الحديث عن الجراحات الأربع التي تعرضت لها زوجتي ومدي تأثيرها علي فرصتها في الانجاب‏,‏ ورغبة أبي وامي في ان يريا لهما حفيدا مني‏,‏ وكنت في كل تلك المشاكل اقول دائما لأبي وأمي واخوتي ان الانجاب كالرزق والعمر وعلم الساعة كلها من أمر ربي وحده‏,‏ ولكن دون جدوي فلا يمر يوم دون أن أرجع من عملي وأجد زوجتي تبكي بكاء مريرا بسبب كلمة أو اشارة وجهت اليها في هذا الشأن‏,‏ أو خبر نما اليها عن ضغط اهلي علي لكي اطلقها لاتزوج من أجل الانجاب‏.‏
وتحت ضغط هذه الظروف كلها اضطررت لمصارحة ابي وامي بالسر الذي كنت اكتمه عنهما وهو انني انا أيضا اعاني من سبب عضوي يضعف من فرصتي في الانجاب‏..‏ وان حمل زوجتي الأول قد تم خلال فترة كنت اتلقي فيها علاجا مكثفا لحالتي‏,‏ اما الآن فانني احتاج إلي عملية زرع انسجة‏,‏ وهي مكلفة جدا ولا طاقة لي بها‏,‏ وبالتالي فإن ظروفي وظروف زوجتي متشابهة وهذه هي حياتنا ونحن راضيان بها‏,‏ لكن ابي وامي لم يقتنعا بذلك وفسراه علي طريقتهما‏,‏ بإنني انسب إلي نفسي العجز عن الانجاب لكي يتوقفا عن الضغط علي للزواج مرة أخري‏,‏ واستمرت الضغوط القاسية بلا هوادة‏..‏ وبعد فترة فوجئت بابي وأمي يضعانني امام خيار صعب هو إما أن اطلق زوجتي هذه واتزوج من أخري علي أمل الانجاب منها‏..‏ وأما أن اغادر الشقة التي بنيتها بشقاء العمر في الغربة‏,‏ وابحث لنفسي عن مسكن مستقل خارج نطاق الأسرة‏.‏
وبالرغم من قسوة الاختيار فإني لم اتردد لحظة في اتخاذ قراري وهو التمسك بزوجتي والبحث لنفسي عن سكن آخر‏,‏ بعد أن أعيتني كل الحيل مع أهلي‏,‏ وبعد أن استشرت أهل الذكر ورجال الدين فاجمعوا كلهم علي ان ما يطلبه مني ابي وامي هو تدخل في أمور خاصة بقدرة الله وحده‏,‏ وليس لي ولا لزوجتي يد فيها‏.‏
وقبلت بالقرار الصعب وغادرت شقتي في منزل الأسرة‏,‏ لكيلا اغضب أبوي وأهلي واقترضت من البنك علي مرتبي لكي ادفع مقدم ايجار لشقة صغيرة استأجرتها بمائة وخمسين جنيها كل شهر‏..‏ وكل مرتبي لا يزيد علي مائتين وسبعين جنيها‏,‏ وزوجتي وهي حاصلة علي بكالريوس التجارة لا تعمل‏.‏
وانتقلنا للشقة الجديدة‏..‏ ووجدتني ادفع اكثر من نصف مرتبي كل شهر كايجار لها ولي في نفس الوقت شقة خالية بنيتها بعرقي وكفاحي في منزل الأسرة‏,‏ ثم رحلت أمي عن الحياة فجأة يرحمها الله‏..‏ وبعد فترة الحداد حاولت مع أبي جاهدا أن أعود إلي مسكني‏..‏ وتدخل بعض الصالحين بيني وبينه في ذلك‏,‏ فإذا به يتمسك بالرفض النهائي ومازال علي موقفه هذا إلي الآن‏.‏
وبالرغم مما نعانيه من ضيق العيش وجفاف الحياة ونفقات الأطباء المختصين بأمر الانجاب بالنسبة لزوجتي ولي‏,‏ فلقد أزداد تمسك كل منا بالآخر واقتناعه به وحاجته إليه‏..‏ واستشعاره الراحة والسعادة بين يديه‏..‏ وفي نهاية كل يوم يجد كل منا قلبا مفتوحا للآخر يقدم له العطاء والتضحيات ويتحمل العناء من أجله والحمد لله علي ذلك حمدا كثيرا‏,‏ واأنني أكتب لك هذه الرسالة لكي أعلق بها علي رسالة الأرض الخصيبة للزوج الشاب الذي يئس من عدم انجاب زوجته حتي زهدها‏,‏ وأقول له إنه علي قدر صبر الإنسان تكون جوائز السماء التي يبشر بها صاحب بريد الجمعة الصابرين والمبتلين‏,‏ ولأرجوه أن يصبر وألا ييأس من روح الله‏,‏ كما أفعل أنا مع تمنياتي للجميع بالسعادة وتحقيق الأمنيات إن شاء الله‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول
‏ ظننت في البداية أنك قد كتبت رسالتك هذه لكي تطلب مني في ختامها أن أناشد أباك أن يخفف من غلوائه ويسمح لك بالعودة إلي مسكنك الذي بنيته بشقاء الغربة بدلا من معاناتك لشظف العيش في شقة مستأجرة لا يسمح لك دخلك بتحمل عبء ايجارها‏,‏ فاذا بكبرياء الحب الذي جمع بينك وبين زوجتك وصمد لكل الأحوال والتحديات‏,‏ يحول بينك وبين ذلك‏,‏ وإذا بك تختتم رسالتك بأنشودة بليغة وقليلة الكلمات عن السعادة وسكون القلب إلي جوار من يحب والرضا بكل ما تحمله له أعاصير الحياة والصبر عليها والاستعانة بالحب الصادق والعطاء المتبادل والتضحيات المشتركة علي اجتياز العقبات واحتمال جفاف الحياة‏..‏ وإذا بك تهدي تجربتك في الصبر علي ما جرت به المقادير والتطلع الدائم إلي الأمل في رحمة الله‏,‏ إلي كاتب رسالة الأرض الخصيبة راجيا له جوائز السماء للصابرين والمحتسبين‏,‏ وطالبا منه الا ييأس أبدا من روح الله وأن يصبر علي ظروفه كما تفعل أنت‏!‏
يا إلهي‏..‏ لقد القيت علينا درسا جديدا في معني السعادة الحقيقية‏,‏ وكيف أنها لا ترتبط أبدا كما يتوهم الواهمون بأسباب الحياة المادية ولا حتي بعطايا السماء من الأبناء في بعض الأحيان‏,‏ وإنما بالحب الصادق والعشرة الجميلة‏,‏ والعطاء المتبادل والتضحيات المشتركة‏..‏ والتطلع الدائم للغد بروح الأمل والتفاؤل‏..‏ والرضا بأقدارنا في الحياة والتسامح معها‏.‏

لقد ذكرتني رسالتك هذه بالحوار الفريد الذي قرأته ذات يوم في مسرحية الكاتب الايرلندي الكبير أوسكار وايلد امرأة لا أهمية لها ودار بين أم الشاب الفقير المشكوك في نسبه وبين الفتاة الثرية التي أحبها واحبته وترغب في الارتباط به بالرغم من فقره‏,‏ فلقد قالت الأم للفتاة التي حدثتها عن حبها لأبنها بأشفاق‏:‏ ـ لكننا فقراء‏!‏
فأجابتها الفتاة في تعجب صادق‏:‏ كيف يكون المرء فقيرا وهناك من يحبه؟ فقالت لها الأم‏:‏ لكننا ملطخون بالعار في إشارة إلي نسب الفتي‏..‏ وخطيئة الأباء لابد أن يحملها الأبناء‏..‏ إن هذه هي شريعة الله فردت عليها الفتاة قائلة في إيمان‏:‏ إن شريعة الله هي الحب‏!‏

نعم‏..‏ نعم‏..‏ إن شريعة الله هي الحب والخير والعدل والرحمة والتسامح والعطاء والإحسان‏,‏ وكل القيم والمعاني السامية النبيلة وليست أبدا القسوة والبغضاء وجلد الآخرين بظروفهم كأنها ذنب ارتكبوه بارادتهم وليست اقدارا مقدورة عليهم‏.‏
غير أن بعض الأباء والأمهات في مثل ظروف قصتك لايصدقون بالحب أبدا كمبرر كاف للتمسك بزوجة حرمتها اقدارها من القدرة علي الانجاب‏,‏ ويميلون غالبا إلي تفسير ذلك بخنوع الأبناء لزوجاتهم والخضوع لسيطرتهن والتأثر الأعمي بسحرهن‏..‏ ويتهمون مثل هذه الزوجة عادة باستلاب إرادة زوجها والتفنن في احكام سيطرتها عليه‏..‏ وإساءة ظنه بأهله‏..‏ وتحريضه عليهم كخط دفاع أخير لها ـ في تصورهم ـ ضد مخططاتهم للفصل بينهما‏..‏ وإغرائه بالزواج من أخري‏..‏ ولهذا فقد تسوء العلاقة بين الطرفين ويصبح من الصعب في بعض الأحيان أن تمضي طبيعية بينهما‏..‏ ولقد يبدأ تحفظ الأهل علي ظروف الزوجة في مثل حالتك‏,‏ بالاشفاق علي الابن من الحرمان من الانجاب‏..‏ وينتهي في بعض الأحيان بالتحفظ علي شخصية الزوجة نفسها ونياتها تجاههم وباتهامها بمعاداتهم وتسميم روح زوجها ضدهم‏,‏ وتكريس طاقتها لاحكام سيطرتها علي ابنهم لكيلا يستجيب لضغوطهم عليه للتخلص منها والارتباط بغيرها‏..‏ أو علي الأقل الزواج عليها‏.‏ فتتسمم مياه النبع الذي يشرب منع الطرفان إذا كانت الحياة المشتركة تجمع بينهما ويتعذر عليهما استمرار الحياة في موقع واحد‏,‏ كما حدث في مثل ظروفك ولست اعترض هنا علي استقلا
لك بحياتك في سكن بعيد عن منزل الأسرة إذا كانت العلاقات قد فسدت بالفعل بين زوجتك وبين اهلك‏,‏ لكن الاعتراض هو علي تخييرك بين البقاء في جنة الأسرة‏..‏ وبين ارغامك علي طلاق زوجتك بزعم عدم قدرتها علي الانجاب‏,‏ كما أنه ليس من العدل ولا من الرحمة أن يجبر ابوان ابنهما علي ترك مسكنه الذي بناه بكفاحه وناتج عمله‏,‏ ليقيم في مسكن مستأجر يستهلك نصف دخله‏,‏ أو اكثر‏,‏ دون أن يسعيا إلي تعويض عن مسكنه الأصيل الذي اضطراه لمغادرته إذا كان قادرين علي ذلك أو يقوما بتوجيه مساعدة مادية شهرية له تعينه علي تحمل عبء الايجار الجديد‏..‏ أو يسمحا له في النهاية إذا عجزا عن مثل هذه المساهمة بالعودة لمسكنه مع تفادي أسباب الاحتكاك بين الطرفين وترك الابن لاقداره وحياته كما رضيها لنفسه وسعد بها فمثل هذا التعنت‏..‏ ليس من شريعة الله بالفعل‏,‏ ولا هو مما يعين الابن علي البر بأبويه‏..‏ فلندع إذن موقف ابيك منك جانبا‏..‏ ولنتحدث عن حياتك مع زوجتك لكي أقول لك في النهاية إنه سواء أكان ما صارحت به أبويك من ظروفك الصحية التي تسهم في صعوبة انجابك صحيحا وحقيقيا أو كان من قبيل الشهامة والفروسية وانتحال الأسباب لاعفاء زوجتك من لوم الأهل لها‏,‏ فإني أقول لك أنك قد اخترت الا تخذل زوجتك الشابة التي امتحنتها اقدارها بفقد توءمها قبل الميلاد‏..‏ وبمحنة الألم والمرض والخضوع لمبضع الجراح في‏4‏ جراحات كبري وأنه اختيار إنساني ورحيم ولايحق لأحد ان يعاقبك بطردك من جنته بدلات من أن يحييك عليه ويعتز بمثالياته‏.‏
لقد اخترت إيها الصديق ان ترضي بما اختاره الله لك والا تعدل به شيئا كما اخترت رحيق السعادة والوفاء والاخلاص والرضا والبساطة وهجوع القلب إلي من يستريح إليه‏,‏ ولم تكن أنانيا في ذلك ولا خذولا ولا خائنا لعهد الوفاء مع زوجتك‏..‏ ولا معاقبا لها بما لا حيله لها فيه فمن ذا الذي يلومك علي مثل هذا الاختيار النبيل؟
المزيد ....

جمال الاشياء جديد

30-03-2001
أكتب إليك من بلاد بعيدة سافرت إليها مضطرا منذ أكثر من شهرين‏,‏ وآمل أن تنتهي مهمتي فيها علي خير وأرجع إلي بلدي وأصدقائي وأهلي وكل حياتي السابقةفي أقرب وقت إن شاء الله‏,‏ فأما أنا فإنني لست بغريب عليك لأنك تعرفني عن قرب فاذا كنت في حاجة إلي أن أقدم نفسي لأحد فلقرأئك الذين يتابعون هذا الباب ولهم اقول إنني طبيب وأستاذ بإحدي كليات الطب العريقة في بلادنا‏.‏ بدأت حياتي العملية حين تخرجت في نفس الكلية وعمري‏21‏ عاما‏,‏ ثم واصلت دراساتي العليا فحصلت علي دبلوم الجراحة وبدأت أستعد للحصول علي الماجستير ثم الدكتوراه‏,‏ وفي هذه الفترة تعرفت علي الإنسانة التي سيقدر لي أن ترتبط بها حياتي إلي النهاية وتبادلنا أعمق المشاعر والأحاسيس‏..‏وبدأت أخطط للارتباط بها‏,‏ وقضاء بقيةالعمر إلي جوارها وكأي طبيب شاب في مقتبل حياته بدأت الرحلة من نقطة الصفر‏..‏ وكان مرتبي وقتها لايزيد علي‏27‏ جنيها‏..‏ فأثثنا عشا صغيرا بسيطا احتوانا وعوضنا بدفئه وصدق المشاعر داخله عن بساطة حياتنا وبعد حصولي علي الماجستير‏..‏ تمكنت من استئجار شقة متواضعة في أعماق حي القلعة الشعبي لم يكن إيجارها يزيد علي ثلاثة جنيهات في الشهر‏,‏ وبدأ الرزق القليل يأتي إلي‏,‏ كالقطرات ومع ذلك فلقد كان له قيمة كبيرة وكنت أسعد به كثيرا‏..‏ وكذلك زوجتي‏..‏
وحصلت علي الدكتوراه وترقيت مدرسا ثم أستاذا مساعدا ثم أستاذا ورئيس قسم وأنا امارس عملي في هذه العيادة الشعبية المتواضعة وأعالج المرضي مقابل رسم زهيد لايتجاوز بضعة جنيهات وبالمجان في كثير من الأحيان لمن يقدرون حتي علي دفعها‏,‏ إلي جانب عملي بالكلية ولقد كان من الممكن أن تمضي مسيرتي العملية والعلمية كطبيب وجراح‏,‏ إلي النهاية لولا أن شهدت حياتي الشخصية منعطفا مهما هيج أحزاني وأثار تأملاتي ودفعني للتحول إلي طريق آخر‏.‏
فلقد كان لزوجتي الحبيبة شقيقة صغري كنت اعتبرها بمثابة ابنة لي إلي جوار بناتي من زوجتي‏..‏ ثم مضت السنون وكبرت الشقيقة الصغري وتزوجت وحملت فلم تمض شهور علي حملها حتي أصيبت بالمرض اللعين في الصدر‏,‏ وفزعنا جميعا لما أصابها‏..‏ وهرعت بها الي زملائي الأطباء الذين تخصصوا في هذا المرض‏..,‏ وأشاروا علينا بضرورة أن تتخلص شقيقة زوجتي من حملها لكي تزداد فرص نجاتها وشفائها من المرض‏,‏ وعرضنا عليها ذلك فرفضته بإصرار عنيد وتمسكت بحملها مهما كانت العواقب‏,‏ وتشاورت مع زوجتي في الأمر طويلا وكنت بمثابة ولي أمر لهذه الشقيقة وانتهينا إلي موافقتها علي رغبتها بالرغم من المخاطر عسي الله أن يكشف عنها الضر ويسعدها برؤية أول وليد لها‏,‏ ووضعت الشقيقة الصغري مولودها بسلام وسعدت به سعادة وأملت في أن تترفق بها الأيام وتتيح لها فسحة من العمر تقوم خلالها بتربيته غير أن المرض اللعين كان قد تمكن منها فلم تمض شهور حتي رحلت عن الحياة مبكيا عليها من كل من عرفها‏..‏ وكان اول قرار لنا أنا وزوجتي بعد رحيلها المحزن هو أن نضم الوليد الذي خلفته وراءها إلي حضانتنا لينشأ بين بناتنا كابن آخر لنا‏.‏
وأثار مرض شقيقة زوجتي أحزاني وتأملاتي في نفس الوقت‏..‏ فتساءلت ما هذا المرض اللعين الذي لايمهل ضحيته وقتا طويلا ولايكاد يفلح معه علاج شاف في ذلك الوقت من أين يأتي‏.‏ وكيف يمكن اكتشافه مبكرا ومقاومته‏,‏ وانتهيت من تساؤلاتي وتأملاتي إلي قرار مصيري بالنسبة لي وهو أن أتخصص في الكشف عن هذا المرض وفي تشخيصه في وقت مبكر لكي يسهل علاجه والانتصار عليه‏,‏وبدأت أقرأ كل شيء عن هذا المرض اللعين‏..‏ وأحضر كل مايعقد عنه من ندوات ومؤتمرات في مصر‏..,‏ واسافر كل سنة لحضور عدد من المؤتمرات التي تركز علي اكتشافات الأدوية وسبل علاج هذا المرض‏..‏
وخلال ذلك فوجئت باصابة زوجتي الحبيبة بنفس المرض في الثدي‏..,‏ لكنه كان من حسن حظنا أن اكتشفناه في وقت مبكر بعد أن تعلمنا الدرس الأليم من مرض شقيقتها‏..‏ وبعد أن تعمقت أنا في دراسة المرض وكيفية الكشف عنه فكان أن من الله عليها بالشفاء منه تماما‏..‏وفي ذلك الوقت خطرت لي فكرة إنشاء وحدة تتخصص في تشخيص الأوارم والكشف عن دلالاتها‏,‏ لتساعد المرضي علي اكتشاف المرض في بدايته وبما يسمح بنجاح العلاج معه‏.‏ وتقدمت بفكرتي إلي الكلية التي أعمل بها‏..‏ ونلت الموافقة علي إنشائها‏.‏ وبدأت جهودي لإنشائها وجمع التبرعات لها حتي وفقني الله وبمعاونة عدد كبير من الفضلاء من أهل الخير في إنشاء الوحدة‏..‏ وخلال سنوات أصبحت هذه الوحدة هي الوحدة الأم لعدد كبير من الوحدات المماثلة ساعدت في انشائها في كليات الطب الأخري ولم أفكر طوال ذلك في أن أحول هذا الجهد إلي نشاط خاص لي أو أن أنشيء وحدة مماثلة لحسابي لتدر علي عائدا ماليا كبيرا‏,‏ وإنما صرفت كل جهدي لتدعيم وحدة كلية الطب وتقديم العون للزملاء الذين يرغبون في إنشاء وحدات مماثلة في كلياتهم‏..‏ وفي حضور المؤتمرات العلمية المحلية والعالمية حول هذا المرض
أما علي المستوي الشخصي فلقد كانت حياتي العائلية سعيدة وبهيجة‏..‏ فشريكة عمري هي الحنان كله والرقة كلها والبسمة التي لاتغيب عن الوجه والواحة التي أهجع إليها وأجد لديها كل الحب والعطاء والوفاء‏..‏ وبناتي يتقدمن في التعليم وينثرن حولي أربح حبهن ودفء مشاعرهن وإيناس صحبتهن‏..‏ وتفوقهن الدراسي‏..‏ والتزامهن الأخلاقي وعوادي الأيام التي لاتخلو منها حياة تمر بنا كغيرنا من البشر لكنها لاتنال من سعادتنا ورضائنا وابتهاجنا بدنيانا الخاصة‏..‏ فلقد أديت انا وزوجتي مثلا فريضة الحج منذ سنوات وبعد عودتنا من الأراضي المباركة‏..‏ فوجئنا باصابة زوجتي بانفجار في القولون لم نعرف سببه حتي الآن‏,‏ وقضت بالمستشفي شهورا طويلة تم خلالها نقل عشرة أكياس من الدم لها‏..‏ ثم من الله عليها بالشفاء وعادت إلي بيتنا باسمة راضية عهدها دائما وبعد سنوات من هذه المحنة اكتشفنا اصابتها بفيروس سي اللعين وعرفنا انه قد أنتقل إليها من أحد أكياس الدم الملوثة‏,‏ ومع ذلك فلقد ظلت زوجتي تحيا حياتها راضية وسعيدة وتنشر السعادة والبهجة‏,‏ في حياتنا وكانت سعادتها طاغية بزواج الابنة الكبري‏..‏ ثم الوسطي‏..‏ ثم بمجيء الأحفاد‏..‏ كما كانت سعادتها عارمة أيضا بتقدم الابن الوحيد لنا في مراحل العمر والدراسة وبلوغه مرحلة الدراسة الجامعية‏,‏وهو بالطبع الوليد الذي احتضنته زوجتي وحدبت عليه بعد رحيل أمه شقيقتها الصغري ومضت بنا الأيام وبعد أكثر من‏30‏ عاما من ممارستي للطب في العيادة الشعبية وفقني الله منذ ست سنوات فقط في افتتاح عيادة ملائمة بوسط المدينة مازلت أسدد اقساطها حتي الآن ولم تغير العيادة الجديدة من أوضاعي المالية كثيرا‏..‏ فلقد عشت حياتي دائما مستورا بفضل من الله وأجد دائما ما احتاج اليه لمتطلبات حياتي وحياة أسرتي وزواج البنات وأسفاري الخ‏,‏ ولكن بلا فائض مادي كبير وثروة خاصة سوي ثروة حب الأسرة والأهل والأصدقاء والزملاء‏..‏ وهي التي لاتقدر بمال‏.‏
ثم شهدت حالة زوجتي الصحية تطورا جديدا اضطرنا للسفر الي أوربا لبضعة أسابيع طلبا للعلاج فقد هاجمها المرض اللعين مرة أخري في مكان آخر‏.‏ ورجعنا وقد استقرت حالتها وعادت هي لممارسة أمومتها مع الجميع ابتداء من زوجها الي بناتها إلي أزواجهن إلي الأهل والأقارب‏..‏ومنذ حوالي‏6‏ شهور كنت في البيت عقب سهرة عائلية ممتعة مع البنات‏..‏ امتدت حتي اقترب الفجر‏..‏ ودخلت فراشي استعدادا للنوم‏..‏ لكن زوجتي أصرت علي انتظار أذان الفجر لتؤدي الفريضة قبل النوم وفرشت السجادة بجوار الفراش وجلست عليها تنتظر الأذان‏..‏ وتحدثني لتصرف عني النوم وتقول لي من حين لآخر ألن تصلي الفجر؟
فأطمئنها إلي أني أريح جسدي فقط وأغمض عيني للاسترخاء لكني مستيقظ وسوف اصلي الفجر معها حين يحين وقته إن شاء الله وأغمضت عيني من جديد‏..‏ فإذا بي أسمع صوتها فجأة يستغيث بي‏..‏ ونهضت مفزوعا إليها فإذا بها يرحمها الله ويحسن مثوبتها تحتضر وتودع الحياة في لحظات بلا الم ولا أية معاناة بالرغم مما كانت تعانيه من امراض وغابت ابتسامة هذه السيدة الطيبة المؤمنة الصبور من حياتنا للأبد وشعرت بان حياتي قد انتهت برحيلها عن الحياة‏..‏ لكن الله سبحانه وتعالي ألهمني الصبر والسكينة‏,‏ وأعانني علي ان أواصل حياتي من بعدها لكي أستكمل رسالتي مع الابنة الصغري التي خطبت قبل رحيل الأم وتستعد للزواج‏..‏ ومع تلاميذي واحبائي الذين ارتبطت بهم خلال رحلة العمر‏..‏
واحاطني الأحباء والزملاء بعطفهم وحاولوا التخفيف عني‏,‏ وبدأت أتكيف بعض الشيء مع حياة غابت عنها شريكة العمر الوفيهة للأبد ومضت شهور ثم شعرت ذات يوم بصداع رهيب ومتصل فطلبت من أحد زملائي قياس ضغط الدم فوجدةه مرتفعا بشدة‏,‏ ودخلت المستشفي لبضعة أيام لضبط ضغط دمي واجراء بعض التحاليل في المستشفي وصاحبني في المستشفي بالطبع اقرب الأصدقاء إلي روحي وأقدمهم وهو زميل لي في نشاط الجمعية الدوليةالتي أنشأناها لأطباء تشخيص الأورام فإذا به يفاجئني بعد بضعة أيام بما رأي إنه لايجوز كتمانه عني فلقد شك هذا الصديق في بعض أعراض حالتي‏..‏ فطلب سرا إجراء بعض الفحوص الاضافية لي‏..‏ واطلع علي نتائجها بعيدا عني‏..‏ فإذا بها تكشف له عن إصابتي بنفس المرض الذي كرست حياتي للكشف المبكر عنه ومساعدة المرضي علي الشفاء منه‏!‏
وصارحني صديقي بذلك وهو مشفق علي ففوجيء باتسامتي العريضة تزداد اتساعا وفوجيء بي أتقبل الخبر بكل هدوء ورضا وأقول له ضاحكا إن طباخ السم لابد ان يذوقهثم اناقشه في طرق العلاج واختيار أفضلها‏!‏
ولاعجب في ذلك فلقد ظللت حوالي العشرين عاما اطالب مرضاي بالثبات ورباطة الجأش أمام المرض‏..‏ واقول لهم ان الإيمان بالله سبحانه وتعالي والثقه به والتفاؤل والروح المعنوية العالية والأمل هو الطريق الأمثل للشفاء من هذا المرض إلي جانب العلاج والأخذ بالأسباب‏,‏ فلا غرابة اذن ان اعتمد أنا أيضا علي سلاح الإيمان والتفاؤل والأمل في مقاومة هذا المرض‏..‏وأنا الآن أتلقي العلاج في أحد المراكز المتخصصة في أقصي الجنوب بالولايات المتحدة‏...‏ وقد جئت إليه علي نفقة الجامعة‏.‏ التي أنتمي إليها لأن النوع الذي اصبت به من المرض لايتوافر علاجه حاليا إلا في أمريكا واوربا بسبب ندرته وصعوبة الجراحة التي يتطلبها بعد العلاج ولست حزينا لمرضي الذي امتحنت به لانني اعرف الكثير والكثير عن الابتلاء واختبارات الحياة لكني مشفق علي ابنتي الصغري التي اصطحبتها معي‏..‏ والتي اعترض مرضي وسفري للعلاج‏,‏ مشروعها للزواج وأجله بعض الوقت‏.‏
كما أنني مشفق عليها كذلك من عناء خدمتي‏..‏ والسهر علي في الغربة ولقد كتبت هذه الرسالة لكي أؤكد لك أن روحي المعنوية عالية وفي السماء بفضل إيماني بالله سبحانه وتعالي وثقتي في رحمته وتمسكي بروح التفاؤل والأمل دائما‏,‏ ولأقول لك إن علاجي يتقدم باطراد وأنه قد تجمع حولي عدد من الأطباء المصريين الشبان الذين يدرسون بكلية الطب التي اعالج في مستشفاها حاليا ومعظمهم من تلاميذي‏,‏ وهم يحيطونني بحبهم واهتمامهم‏..‏ وأرجو الله سبحانه وتعالي أن يجمع بيننا ذات يوم قريب وكلانا في صحة وعافية لأكشف لك عن شخصيتي ان لم تكن قد عرفتها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أكاد أن أكون قد عرفتك أيها الصديق الغالي فإذا صح ظني فيك فأنت ذلك الإنسان الفاضل الذي عرفت فيه سماحة النفس والقلب والضمير والذي وهبه الله سبحانه وتعالي القدرة علي العطاء للآخرين بلا حدود ومنحه نعمة القبول لديهم فما يكاد يعرفه أحد أويقترب منه حتي يصبح وكأنه من خاصة أصدقائه الحميمين‏..‏
فإذا كنت هذا الانسان الكريم وأنت غالبا كذلك ـ فلعلي أقول لك إنني مارأيتك مرة إلا وتذكرت أبيات الشعر الجميلة التي عارض بها الإمام أحمد بن حنبل أستاذه الأمام الشافعي رضي الله عنهما‏..‏حين قال الإمام الشافعي ذات يوم في تواضع الأتقياء‏:‏
أحب الصالحين ولست منهم
لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي
ولو كنا سويا في البضاعة
فما أن سمع الإمام ابن حنبل هذه الأبيات حتي أنشد يخاطبه علي البعد‏:‏
تحب الصالحين وأنت منهم‏.‏
عساهم ان ينالوا بك شفاعة
وتكره من تجارته المعاصي
حماك الله من تلك البضاعة
ولاغرابة في ذلك لانك بالفعل من الصالحين الذين يكرهون من تجارته المعاصي‏,‏ ولأن الأمر كذلك ومثلك ياسيدي لايخزيه الله أبدا ولا يتخلي عنه ان شاء الله ولست في حاجة ياصديقي لأن أحدثك عن اختبارات الحياة التي ينبغي لنا أن نقبل بها راضين راجين من الله سبحانه وتعالي ان يعيننا علي الصمود لها واجتيازها بسلام‏..‏ ولا أنت في حاجة لأن أحدثك عن حكمة الابتلاء‏..‏ أو عن الأجر الموفور الذي يثيب به الله سبحانه وتعالي المبتلين عن بلائهم فيرفع بوخزة الشوك التي تصيبهم من درجاتهم عنده‏..‏ او يمحو بها من سيئاتهم كما انبأنا بذلك الهادي الأمين صلوات الله وسلامه عليه‏..‏
فإذا كان ثمة مايقال في هذا الشأن فهو أن محنة المرض إنما ثعين الإنسان غالبا علي أن يراجع حياته واولوياته واهدافه وعلي ان يتبصر حقائق الأمور ويدرك قيمة الأشياء إدراكا أعمق يفرق معه بين مايستحق منه ان يحرص عليه ويتمسك به وبين مالايستحق أن يأسي عليه أو يبدد العمر الثمين في السعي اليه‏,‏ حتي ولو كان قد بدا له من قبل شديد الأهمية‏,‏ أو كانت له قيمة كبري لدي الغير‏.‏ وهذا هو الجانب الآخر للمرض الذي يعيننا علي الفهم الأفضل للحياة والمؤسف حقا هو أننا لاندرك قيمة الأشياء جيدا في أغلب الأحيان إلا حين تعترضنا المحن وتهاجمنا الآلام‏,‏ فنتلفت حولنا حينذاك مندهشين ونكتشف روعة الحياة التي غفلنا عنها سنوات طوالا من قبل‏,‏ علي حد تعبير الجدة العجوز في الرواية النرويجية الشهيرة عالم صوفيا‏,‏ او نكتشف مع الأديب البرازيلي باولو كويلو ان الحياة مكونة من عجائب صغيرة وكبيرة وانه لاشيء ممل فيها علي الاطلاق لأن كل شيء في الحياة يتغير ولأن الملل ليس جزءا منها وإنما يجيء من نظرتنا نحن للأمور فنتمني مع الأديب الكولومبي جاريك جارسيا ماركيز كما قال في رسالته التي بثها علي الإنترنت بعد أن اشتد عليه المرض‏,‏ لو أن الله قد وهبنا قطعة أخري من الحياة علي حد تعبيره الفريد‏,‏ اذن لاستمتعنا خلالها بكل الأشياء الصغيرة والجليلة التي شغلنا سباق الفئران اللاهث وراء اهدافنا من قبل عن الالتفات اليها أو إدراك قيمتها‏..‏
ومع انني اتصور أنك لم تحرم نفسك من متع الحياة البريئة من قبل وأنك قد نعمت بالحب الصادق والجو العائلي الدافيء‏..‏ ونعمة الصداقة وعطر المودة للآخرين ومودتهم لك بفضل روحك السمحة وحبك الفطري للغير‏,‏ إلا أنني اتصور كذلك أنك سوف تحتاج بالضرورة لأن تعيد صياغة حياتك من جديد بعد عودتك السالمه وتمام شفائك من مرضك بإذن الله بحيث تزيد من مساحة المتع الروحية والإنسانية البريئة ومساحة التأمل‏..‏ واستجلاء جمال الأشياء والاماكن والبشر فيها وتقلل بعض الشيء من مساحة اللهاث الدائم وراء الأهداف‏..‏ والانشغال المستمر بما يبدد طاقة المرء ويكاد يفسد عليه روحه ولك في ذكرياتك الجميلة عن شريكة العمر الوفية ما سوف يعوضك لبعض الشيء عن غيابها عنك وعن حياتك‏.‏
ولك ايضا في زهراتك الثلاث واحفادك منهن وابنك الوحيد الذي نهل من حبك وعطفك وحنانك طوال رحلة السنين ما سوف يملأ حياتك بالحب والدفء والجمال‏,‏ ناهيك عن عشرات الاصدقاء والمحبين والمريدين الذين يحفظون لك الود ويسعدون بصحبتك والاقتراب منك‏.‏
فاستعن بإيمانك العميق بالله سبحانه وتعالي وبحسن ظنك به وبروح التفاؤل التي طالما بثثتها في نفوس مرضاك علي الصمود لهذا الاختبار الجديد واجتيازه بسلام‏..‏ ولسوف يكون النصر حليفك في هذه المعركة بإذن الله ولسوف ترجع الي بلدك وأهلك ومحبيك صحيحا معافي بإذن من إذا اراد شيئا قال له كن فيكون‏..‏ لتثري الحياة من حولك بكل ما هو نبيل وجميل وتواصل عطاءك المخلص دوما للآخرين بإذن الله‏.‏
المزيد ....

التجربة الفاسدة‏!‏

06-04-2001
قرأت رسالة الجانب السييء للفتاة أو السيدة الصغيرة بمعني أصح التي تزوجت زميلا لها في الكلية زواجا عرفيا سريا لمدة ثلاثة أعوام‏..‏ وبعد أن تخرج كل منهما ابتعد عنها زميلها‏..‏ ووجدت نفسها في مأزق وهي تعيش بين أهلها كفتاة بريئة لم تسبق لها أية تجربة‏..‏ ويتقدم إليها الخطاب‏..‏
ولن أعلق علي الجانب الأخلاقي في هذه القصة‏,‏ وإنما سوف أقول إنني وقعت مثل هذه الفتاة في مشكلة مماثلة تماما مع اختلاف بسيط هو أنني كنت الطرف الآخر في القصة أي الشاب وليس الفتاة‏.‏ فأنا شاب عمري‏26‏ عاما مات أبي وأمي وأنا في سن صغيرة وكافحت كفاح الأبطال حتي أنهيت تعليمي وتخرجت في كلية عملية‏,‏ وخلال دراستي بالثانوية العامة تعرفت علي فتاة عوضتني عن حنان الأم‏,‏ ومشورة الأب ووقفت بجانبي ولن تبخل علي بشيء‏..‏ خاصة أن ظروفها كانت ميسرة ماديا في حين أن ظروفي أنا قاسية‏..‏ وبمرور الأيام تعمق الارتباط بيننا حتي وجدنا نفسينا نتساءل بعد ثلاث سنوات من العلاقة ماذا يمنعنا من أن نتزوج سرا‏,‏ لكي يصبح ارتباطنا أبديا‏,‏ خاصة أن ظروفي المادية لن تسمح لي بالإقدام علي الزواج العلني قبل سنوات عديدة‏..‏ وهكذا تزوجنا عرفيا وسريا وعشنا فترة سعيدة لاهية من العمر‏..‏ وبعد عامين من الزواج تخرجت فتاتي في كليتها وأنا مازلت في السنة النهائية بكليتي‏..‏ وبدأ الخطاب يتقدمون إليها‏..‏ لأنها جميلة ومحترمة ويتمناها أي إنسان‏!‏ وتقدم لها شخص مناسب تماما عائليا واجتماعيا وماديا رحبت به الأسرة‏..‏ وجاءت هي إلي تبكي وتسألني المشورة‏..‏ ولم أجد بد
ا من التقدم إلي أهلها لكي أوقف ضغطهم عليها لتتزوج‏..‏ فتقدمت إلي والدها أطلب يدها‏..‏ وسألني الأسئلة التقليدية عن عملي فأجبته بأنني مازلت طالبا بالبكالوريوس‏..‏ فسألني عن إمكاناتي المادية فأجبته بأنها صفر‏!‏ فسألني عما إذا كنت أملك سكنا أو لدي أية خطة للحصول علي سكن في المستقبل القريب‏,‏ فأجبته بأنني لا أملك سكنا ولا خطة للحصول عليه في القريب العاجل‏..‏ فنظر إلي متعجبا وانتهي الأمر بالرفض طبعا‏.‏ وبعد ضغوط شديدة مارستها فتاتي علي أهلها قبلوا كارهين بالخطبة بشرط إنهاء دراستي والالتحاق بعمل مناسب وتقديم شبكة لائقة‏,‏ والبدء في مشروع للحصول علي شقة ولو بالإيجار‏,‏ وأنهيت دراستي بالفعل‏..‏ وقبل أن أجد عملا كنت قد التحقت بالخدمة العسكرية‏..‏ وبعد أن أنهيتها بدأت أبحث عن عمل مناسب‏..‏ والتحقت بأكثر من عمل لفترات قصيرة‏.‏ ولم أستقر في واحد منها إلي أن ارتبطت بعمل مناسب في النهاية‏..‏ وبدأت ألتقط أنفاسي‏..‏ وتصورت أن أمامي مهلة كافية لكي أستطيع تنفيذ الالتزامات المطلوبة مني خطوة بعد أخري‏..‏ لكني فوجئت بأن أسرة فتاتي قد ضاقت بطول الانتظار‏..‏ وبأنها تخيرني بين تقديم الشبكة وإيجاد المسكن أو فسخ الخطبة‏,‏ خاصة أنه قد تقدم للفتاة شاب ملائم من كل الوجوه وجاهز ماديا ولديه شقة‏..‏ واستنجدت بفتاتي مرة أخري لكي تضغط علي أهلها ليترفقوا بي‏..‏ وعرضت عليها أن تصارحهم بالحقيقة وهي أننا متزوجان عرفيا‏,‏ لكن فتاتي خشيت علي سمعة أهلها وسمعة شقيقاتها البنات إذا شاعت حكاية زواجها السري ورفضت ذلك الحل‏..‏ فعرضت عليها أن نتزوج رسميا ونضعهم أمام الأمر الواقع فرفضت ذلك أيضا للاعتبارات السابقة نفسها‏,‏ وطلبت مني أن أطلقها لأن أهلها سوف يعقدون قرانها علي الشخص الذي تقدم إليها ولن يكلف أسرتها شيئا وطلقتها استجابة لرغبتها وأكدت لها أنني سوف أقف إلي جوارها إلي أن تتجاوز المحنة التي تواجهها‏,‏ وصاحبتها إلي طبيب أجري لها جراحة أزالت آثار زواجنا العرفي‏,‏ وتزوجت الآخر بسلام وانتهت قصتي معها وقصتها معي وأنا الآن أراها علي البعد تحيا حياتها مع زوجها في سعادة وأماني‏,‏ أما أنا فإني أعيش في ضياع بعد أن فقدتها‏..‏ ولهذا فقد عاهدت نفسي ألا أجرب الحب مرة أخري‏..‏ وألا أثق في أي فتاة أيا كانت لكيلا تخدعني كما خدعت فتاتي زوجها الجديد ولم تصارحه بزواجها السابق مني‏!‏
وأريد في ختام رسالتي أن توجه كلمة إلي الآباء والأمهات ألا يغالوا في مطالبهم من الشباب‏..‏ فنحن نريد أن نتزوج لكيلا ننحرف لكن الأهل يغالون في المطالب غالبا فتكون النتيجة هي الوقوع في مثل هذه المشكلة خاصة بعد أن أصبحت إزالة آثار الزواج العرفي لا تتكلف كثيرا‏..‏ ولا تقارن بالتكاليف الباهظة للزواج الرسمي‏!‏
والسلام‏!‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أسوأ التجارب هي التي يخوضها المرء ويدفع ضريبتها كاملة من عمره ثم لا تكسبه زادا يحسن من قدرته علي التعامل السليم مع الحياة وتجنب الأخطاء والأشواك في قادم الأيام‏.‏
فإذا كان تمام العقل طول التجارب كما يقول لنا الشاعر العربي‏,‏ فإن المقصود بطول التجارب هنا هو الاستفادة بدروسها في التمييز بين الخطأ والصواب وفي تفادي العثرات والبعد عن الشبهات‏..‏ وأنت أيها الشاب تتحدث عن تجربتك مع ما تسميه بالزواج العرفي السري من فتاة صغيرة بعيدا عن أهلها وخروجا علي إرادتهم وطاعتهم‏,‏ وكأن الخطأ الجوهري في هذه القصة المخجلة كلها هو موقف الأهل الذين تمسكوا بشرط العمل والشبكة ووضع القدم علي بداية الطريق للحصول علي سكن‏,‏ ثم حين لم يجدوا أية بادرة أمل في تحقق ذلك رحبوا بمن طرق بابهم في العلن طالبا يد ابنتهم‏.‏

والحق أننا إذا كنا نطالب الأهل دائما بتقدير ظروف الشباب والتيسير عليهم إذا جاءهم من يرضون دينه وخلقه وإلا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير كما جاء في مضمون الحديث الشريف فإن ذلك لا يعني أيضا أن يرحب هؤلاء الأهل بلا تحفظ بمن لم ينه دراسته بعد ولم يعمل ولم يبدأ أية خطوة علي طريق الحياة العملية دون شروط ولو حتي من باب حثه علي الكفاح الجاد في الحياة من أجل تحقيق الأهداف‏..‏ كما أن ذلك ينبغي ألا يصرفنا أبدا عن الأخطاء الجوهرية الحقيقية التي صنعت هذه المشكلة بغض النظر عن تساهل الأهل أو تشددهم ابتداء من إغرائك لفتاة صغيرة بالمرحلة الثانوية بالارتباط بك‏,‏ أي إغواءك لها بأن تسلم لك نفسها وهي طالبة جامعية بزعم الزواج العرفي السري الئي لا يختلف في مثل هذه الظروف عن مضمون العلاقة غير المشروعة في شيء مرورا ببقية الأخطاء التي تشمل اقتراحاتك النيرة‏..‏ لإحراج الأهل وإرغامهم علي قبولك زوجا لابنتهم عن طريق مصارحتهم بهذه العلاقة وما تردت إليه‏,‏ أو الزواج رغما عنهم ووضعهم أمام الأمر الواقع‏,‏ ختاما بالتحايل لإزالة آثار هذه العلاقة غير المشروعة‏,‏ فهذه هي الأخطاء الجسيمة حقا التي ينبغي لك أن تتوقف أمامها طويلا في هذه القصة وتشعر بالأسف لها وبالندم عليها‏..‏ وهذا هو الدرس الذي ينبغي لك أن تستوعبه جيدا وتطلب من الآخرين أن يستفيدوا منه‏..‏ وملخصه في عبارة واحدة هي أن خداع النفس بغرض تحري الحلال والعفاف بالزواج العرفي بين الفتية والفتيات الصغار في مثل هذه الظروف ليس سوي ممارسة للعلاقات السرية غير المشروعة تحت طلاء زائف لا يصمد للحقيقة‏..‏ ولا يعفي أطرافه من الإدانة والنبذ ولو لم يكن الأمر كذلك لما تكتمت فتاتك هذا الزواج المزعوم عن أهلها وزوجها الحالي ولما خشيت من أثر ذيوع أمره علي سمعتها‏..‏ وسمعة شقيقاتها وأسرتها‏.‏ إما أن يكون درس التجربة كلها بالنسبة إليك هو لوم الأهل علي تشددهم من وجهة نظرك في مطالبهم ممن تقدم لابنتهم‏,‏ وعدم الثقة في كل الفتيات خوفا من أن تخدعك فتاة كما خدعت فتاتك السابقة زوجها الحالي وتكتمت عنه زواجها المزعوم‏,‏ فهذا هو حقا أكثر الدروس فسادا وأبعدها عن الحق والعدل والمنطق‏,‏ ولقد قلنا مراراوتكرارا إن حب المراهقة لا يصمد لعوامل الزمن أو حقائق الحياة في معظم الأحيان وإن مرور السنين عليه واكتمال نضج طرفي القصة كثيرا ما يغير من شخصية كل منهما وسماته النفسية والمزاجية‏..‏ فيكتشف غالبا أن ما كان يظنه حب العمر ليس سوي مشاع
ر ساذجة غير حقيقية‏,‏ وأن من يحسبه قرين الروح والقلب إلي نهاية المطاف‏,‏ يكاد يكون شخصا آخر لا يحمل تجاهه أكثر من المشاعر الحيادية وبعض الذكريات الخاصة‏..‏ فينصرف عنه‏..‏ ويتجه وجهة أخري في حياته‏,‏ وهذا هو ما حدث معك في تقديري‏,‏ حين نضجت مشاعر فتاتك السابقة واكتسبت بعض القدرة علي التفكير الواقعي‏,‏ وتقدير العواقب فرغبت في طي هذه الصفحة المخزية من حياتها‏,‏ وبدء صفحة جديدة نظيفة لا تحتاج خلالها إلي التخفي عن الآخرين بشيء‏..‏ فاستوعب مغزي تجربتك الخاطئة جيدا أيها الشاب ولا تعمم درسها الفاسد علي بقية الفتيات‏,‏ فليست كل الفتيات سواء في استجابتهن للغواية أو في خداع النفس بوهم مثل هذا الزواج العرفي المزعوم‏,‏ كما أن كل الشبان أيضا ليسوا علي هذه الشاكلة حتي ولو بدا للمتشائمين غير ذلك‏..‏ ما أكثر من يرعون حدود الله في حياتهم الشخصية من الفتيات والفتيان‏,‏ وما أكثر من لا يقبلون علي أنفسهم ولا علي ذويهم ولا دينهم مثل هذا الخنا‏..‏ لكن صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار كما يقول لنا القطب الصوفي أبو بكر الشبلي‏,‏ تماما كما أن صحبة المتساهلين أخلاقيا تورث سوء الظن بغيرهم كما تقول لنا تجربتك المدمرة هذه‏..‏ فإذا رغبت حقا في الاستفادة من هذه التجربة‏,‏ فاقتنع أولا بخطئها منذ البداية إلي النهاية‏..‏ واستشعر الندم عليها واعقد العزم علي التكفير عنها بصدق الندم والاستغفار وعدم العودة إلي مثلها أبدا‏,‏ ولن يمضي وقت طويل حتي يتفتح قلبك لأخري وترحب بك أسرة كريمة تيسر لك طريق العفاف بالطريق المشروع وتعينك علي أمرك بإذن الله‏.‏
المزيد ....

البوح الجميل‏!‏

13-04-2001
كنت قد عاهدت نفسي ألا أقلب صفحات الماضي حتي لا تتجدد أشجاني‏..‏ ولكي يكون أجري عند ربي كاملا غير منقوص‏,‏ لكن بعض كلمات رسالة جمال الأشياء التي نشرت منذ أسبوعين قد دفعتني للخروج عن صمتي والبوح لك بهذه الكلمات‏:‏ فأنا سيدة في الثانية والأربعين من عمري اختصني الله سبحانه وتعالي بأكثر من اختبار في النفس والصحة والقدرة‏.‏
فأما اختبار الصحة فلقد بدأ منذ ستة عشر عاما وبعد زواجي بفترة قصيرة حين بدأت أشكو من بعض الأعراض المؤلمة‏..‏ وترددت علي عدد من الأطباء إلي أن ذهبت إلي الطبيب الكبير كاتب رسالة جمال الأشياء فاكتشف إصابتي بالمرض الملعون‏..‏ وبدأت رحلة العلاج وتم استئصال الثديين‏,‏ ثم تم استئصال الرحم ولم يكن قد مضي علي زواجي سوي ثلاث سنوات فقط‏..‏ ثم توالت عمليات الاستئصال بعد ذلك لأن المرض الملعون كان قد امتد إلي عصب الجسم‏,‏ ثم أشار علي كاتب الرسالة بالسعي للسفر للعلاج في الخارج لأن هذا النوع من المرض يعالج بنجاح أكبر هناك‏,‏ ولم تكن لي حيلة في ذلك لكن زوج أختي جزاه الله عني كل خير بذل مجهودا كبيرا حتي حصل لي علي الموافقة علي سفري للعلاج في الخارج بعد أن تفاقمت حالتي وأصبت بشلل نصفي وبفقدات مؤقت للذاكرة وأصابني الهزال الشديد حتي بلغ وزني‏46‏ كيلو جراما ولم أعد أستطيع تحمل العلاج الكيماوي‏..‏ وأصبحت أشعر أنني بقايا امرأة وأم وزوجة‏.‏ وسافرت بالفعل وعولجت لفترة في الخارج ورجعت إلي بلدي ومضت الأيام بعد ذلك مابين التحسن‏..‏ والانتكاس ثم التحسن النسبي وهكذا وأما الاختبار في النفس فهو ان الله سبحانه وتعالي قد وهبني طفلا مريضا بمرض نفسي نتيجة لما عاناه في طفولته وظروف ولادته من عدم الاهتمام به والانشغال عنه بظروف مرضي‏,‏ فكانت النتيجة أن أصيب بهذا المرض وراحت تعاوده نوباته المحزنة من حين لآخر‏.‏ وأما الاختبار في القدرة‏..‏ فلقد حدث حين ضغط أهل زوجي سامحهم الله عليه بشدة لكي يتركني ويتزوج من غيري ومارسوا عليه في سبيل ذلك كل أنواع الضغط الممكنة والتي لا تخطر علي قلب بشر‏,‏ ولم يتوقف كربي عن ذلك وحده وإنما شاءت الأقدار أيضا أن يتعرض زوجي لحادث مروع دمر حياتنا الاقتصادية‏,‏ وتدهورت بعده أحوالنا المادية بشدة حتي فقدت شقتي وأثاثي وممتلكاتي أكثر من مرة وفي ظروف متعددة لا مجال لذكرها هنا‏,‏ واعتصمت إزاء كل هذه الاختبارات بإيماني بربي وصبري علي قضائه وقدره‏,‏ وكنت شديدة الثقة بالله سبحانه وتعالي أنه لن يخذلني ولن يتخلي عني‏..‏ ورددت دائما في أعماقي قوله تعالي‏:‏ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون‏,‏ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون‏.‏

ورددت أيضا عنه كل خسارة مادية لحقت بنا قوله تعالي مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء وأنك علي كل شيء قدير‏.‏
ورددت كلما اشتد ضغط أهل زوجي عليه لكي يتركني وينصرف عني قول الحق سبحانه‏:‏ وأفوض أمري إلي الله إن الله بصير بالعباد فكانت النتيجة أن جاءتني جوائز السماء تتري علي حد قولك في بعض ردودك‏.‏
فأما محنة الصحة فلقد جعلتني شديدة الاقتراب من ربي وساعدتني فترات المرض الطويلة علي حفظ ثلثي القرآأن والمواظبة علي صلاة الفجر والصلاة في أوقاتها وصيام التطوع يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع إلي جانب الصيام في كل المناسبات الدينية‏,‏ وأشعرني اقترابي الشديد من ربي بالشفافية والراحة النفسية والاطمئنان حتي لأشعر أنني مادعوت ربي في شيء إلا واستجاب لي سبحانه وتعالي‏..‏ وفضلا عن ذلك فلقد تحقق لي مايشبه المعجزة الإلهية‏..‏ وبلغت حدا من الشفاء من المرض اللعين يكاد أن يكون تاما بإذن ربي‏..‏ وحتي حين أصبت بجلطة منذ أسابيع فلقد تلطف بي ربي وتحسنت حالة الشلل في النصف الأيسر وحالة الثقل في اللسان اللتان خلفتهما هذه الجلطة ولا ينتقصني لتمام الشفاء بإذن الله سوي ان يستجيب الله سبحانه وتعالي لدعائي ودعائكم لي ويتم علي نعمته‏.‏

أما محنة النفس فلقد خفف الله عني كثيرا من بلائها وتحسنت حالة طفلي الصغير كثيرا وقلت النوبات النفسية التي كان يتعرض لها حتي كادت تنعدم والحمد لله بكرة وأصيلا‏.‏
وأما محنة القدرة فلقد صمد زوجي أكرمه الله وجزاه عني كل خير لكل ضغوط أهله لكي يتخلي عني‏..‏ وتمسك بي وازداد حبا وعطفا وحنوا علي‏..‏ وحباه الله بعمل ممتاز بعد ان كان قد فقد عمله السابق بسبب اجازاته المتكررة لمباشرة علاجي والاهتمام بالأبناء‏,‏ وعوضني الله عن شقتي التي فقدتها بشقة أخري صغيرة لكنها تضم أسرتي الصابرة تحت سقف واحد وتجمع بيننا في حب وعطف وتفاهم‏.‏ وحباني ربي فوق كل ذلك بابن آخر مثالي ومتفوق ومتدين ومطيع ويتمناه كل أبوين لنفسيهما‏,‏ فضلا عن أهل يفوق عطاؤهم لي كل عطاء‏,‏ وبزملاء عمل لن أنساهم ماحييت كما أعطاني أيضا الكريم الرحيم سبحانه العمر أو قطعة أخري من الحياة كما قلت في ردك علي رسالة جمال الأشياء لكي أرعي الولدين الي ان يشتد عودهما ويصبحا في حاجة إلي أفلا أكون إذن راضية عن أقداري وشاكرة لربي جوائزه وعطاءه لي ولأسرتي ؟
إنني أدعو الله لكل مريض أن يتم الله عليه نعمة الشفاء‏,‏ وأرجو أن يعود الطبيب الإنسان كاتب رسالة جمال الأشياء من رحلة علاجه في الخارج من المرض الملعون الذي طالما داوي هو مرضاه منه‏,‏ سليما معافي بإذن الله‏,‏ وأدعو الله لزوجته الفاضلة اللطوف بالرحمة والمغفرة وقد عرفتها عن قرب رحمها الله خلال علاج زوجها لي‏..‏

وأشكر زوجي العظيم ستره الله في الدنيا وفي الآخرة كما سترني في دنياي وكان لي نعم العون ونعم الرفيق‏.‏
وأشكر زوج أختي الفاضل الذي لا أنسي له أبدا مواقفه الكريمة معي في الماضي والحاضر‏,‏ كما أشكر أختي المتفانية والأم التي عوضني بها ربي فكانت نعم التعويض‏,‏ وأشكر رجلا عظيما آخر هو رئيسي في العمل الذي وقف إلي جواري وقدر ظروفي حتي تجاوزت إحدي محن العمل الصعبة‏,‏ وأشكر في النهاية كل الأطباء الذين عالجوني ولايزالون يباشرون علاجي‏..‏ وأدعو للجميع بالصحة والسعادة والأمان في حياتهم والسلام عليكم ورحمة الله‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
إذا كان الصمت أو الكتمان بمعني عدم الشكوي من أقدارانا يضاعف من الأجر عند الابتلاء فان البوح بمثل هذه الكلمات المعطرة بعطر الإيمان والرضا بالقضاء‏..‏ والصبر الجميل علي عوادي الأيام‏,‏ لمما يضاعف أيضا في ظني من هذا الأجر‏,‏ ويرشح صاحبه لنيل جوائز الصابرين الشاكرين‏.‏
ومثل هذا البوح الجميل الذي لا يقل فضلا عن الصبر الجميل الذي لا شكوي فيه ولا أنين‏,‏ إنما يصدر دائما عن نفس جميلة راضية مؤمنة لم تتسمم بالمحن والآلام والاختبارات القاسية ولم تسكن المرارة أعماقها فتفسد عليها تذوقها للحياة‏,‏ وتشغلها عن إدراك قيمة الأشياء‏.‏

ومثل هذه النفس الجميلة هي التي لا يشغلها الألم عن الشكر علي النعم ولا يصرفها همها بنفسها عن تقدير المنحة التي تجني في أثناء كل محنة كما جاء في الحديث الشريف الذي يقول إن لله تعالي في محنه منحة‏.‏
والمهم دائما هو ألا يشغلنا الحزن أو الجزع عن الاحتفاء بهذه المنحة والتعزي بها عما أصابنا‏..‏ والشكر عليها وماأكثر المنح التي رافقت محنتك ياسيدتي وخففت من أثرها عليك ولم يغب عنك شكر خالقك عليها‏,‏ ومنها الزوج المحب الذي رفض كل ضغوط الأهل عليه لينصرف عنك إلي غيرك فصمد لها‏..‏ وواصل حدبه عليك ورعايته لك واعتزازه بك‏,‏ ومنها الابن المثالي المتدين الذي يتمناه كل أبوين لنفسيهما‏..‏ والابن الآخر الذي يقترب من تمام الشفاء بإذن الله‏,‏ والأخت المتفانية وزوجها الكريم والأهل الرحماء وزملاء العمل ورئيسه المتراحمون‏..‏ وفوق ذلك وكله هذا الدفء الإنساني الذي يجمع بين أفراد أسرتك‏,‏ ويجمع بينك وبين كل من حولك‏..‏
أليست هذه كلها منح جليلة تستحق الاعتزاز بها والشكر عليها؟
لقد هبطت عليك بعض جوائز السماء لكي تخفف عنك بعض ماتعانيه وتثبت أقدامك وتؤكد لك قول الحق سبحانه وتعالي‏:‏ إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب‏,‏ لكن ماينتظرك في علم الغيب كثير وكثير أيضا بإذن الله‏..‏ فترقبي المزيد منها كل حين‏..‏ وشكرا لك علي تمنياتك الطيبة لكاتب رسالة جمال الأشياء وللجميع‏..‏ والسلام‏.‏
المزيد ....

قانون السماء

20-04-2001
ترددت كثيرا قبل أن أكتب إليك ثم دفعني دافع لكي أفتح قلبي وأروي لك عما يشغلني‏,‏ فأنا رجل متوسط العمر أحمل مؤهلا فوق المتوسط‏..‏ بدأت حياتي العملية من الصفر‏,‏ فعملت في وظيفة صغيرة بالحكومة‏..‏ ورحت أعطي دروسا خصوصية لتلامذة المرحلة الابتدائية بالمدارس الأجنبية‏,‏ حققت في هذا المجال نجاحا كبيرا وازداد الإقبال علي حتي إنني كنت لا أجد وقتا لتناول الغداء إلا خطفا وأنا واقف‏..‏ وطرق الحب باب القلب فانفتح له‏..‏ وأحببت قريبة لي تصغرني بعشر سنوات‏,‏ وتزوجنا في شقة أبي بعد رحيله عن الحياة رحمه الله‏..‏ وأقمت مع أمي وشقيقي الأصغر‏..‏ فاستقللت بحجرتين منها واستقلت أمي بحجرة وأخي بالحجرة الرابعة‏..‏ ومضت بنا الأيام دافئة وجميلة‏..‏ وأنا أتبادل الحب الخالص مع زوجتي وأرعي أمي‏..‏ وأستبشر بدعائها كل يوم‏,‏ وأسعد بحبها لي ولزوجتي التي بادلتها أيضا حبا بحب وأحسنت رعايتها‏,‏ وتهرع لخدمتها في غيابي‏..‏ وتحثني علي البر بها لكي يشملنا الله سبحانه وتعالي برعايته‏..‏ ثم سافر أخي الأصغر للعمل بإحدي الدول العربية‏..‏ وأصبح المنزل الذي نقيم به آيلا للسقوط‏..‏ ولكن من أين لي بالمبالغ الكبيرة التي يتطلبها الحصول علي شقة أخري بالإيجار أو الشراء؟‏.‏ وكان الحل هو أن أسافر للعمل مع أخي الأصغر‏..‏ ولم يمض وقت طويل حتي كان أخي قد وجد لي فرصة معه‏..‏ واستأذنت أمي في السفر‏,‏ مؤكدا لها أن زوجتي سوف ترعاها في غيابي بأفضل مما كانت تفعل في وجودي‏,‏ وشرحت لها أسباب السفر‏,‏ وأكدت لها أنني سأعود بمجرد توفير قيمة خلو الرجل المطلوب للانتقال إلي شقة مناسبة‏..‏ وودعتني أمي بالدعاء الحار وسافرت وعملت لمدة عام واحد رجعت بعده ووضعت كل ما أحضرته من نقود وهدايا بين يدي أمي للتصرف فيه‏,‏ وعدت إلي عملي السابق وبحثت عن شقة أخري إلي أن وجدتها وانتقلنا إليها أنا وأمي وزوجتي والطفلان‏..‏ وبعد انتقالنا إليها بأسبوعين فقط رحلت أمي عن الحياة راضية عني وداعية لي بالخير والسعادة‏,‏ وأعانتني زوجتي بحنانها الغامر علي تجاوز حزني علي رحيل أمي‏,‏ وكان قد تبقي معي بعد دفع الخلو مبلغ لا بأس به فبدأت أستثمره في تجارة صغيرة‏,‏ فأشتري الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية من المزادات وأبيعها بالتقسيط‏,‏ ورزقني الله برزق أطفالي وبفضل رضاء أمي عني يرحمها الله‏..‏ وتحسنت أحوالي المادية بالتدريج حتي تمكنت بعد سنوات من الانتقال إلي شقة تمليك بمصر الجديدة‏,‏ وأديت فريضة الحج‏,‏ ونذرت لله أن أؤدي الفريضة عن أبي وأمي اللذين لم تسمح لهما الظروف بأدائها‏..‏ وحججت بالفعل عن أبي وأمي واصطحبت زوجتي الحبيبة معي في المرة الأخيرة‏,‏ وتقدم الأبناء في العمر ومراحل الدراسة‏,‏ فبلغت الابنة الكبري السابعة عشرة والابن الرابعة عشرة وبعد عودتنا من الحج بشهر واحد فوجئت بزوجتي تهمس لي في خجل بأنها حامل وتريد أن تجهض نفسها قبل أن يموت الجنين حتما في بطنها‏,‏ لأنها لم تأخذ الحقنة اللازمة عقب آخر ولادة لها وبالتالي فلديها أجسام مضادة سوف تقتل الجنين‏..‏ فرفضت بإصرار فكرة إجهاضها وأكدت لها أن هذا الجنين هدية لنا من السماء وإذا شاءت الإرادة الإلهية له أن يكتمل فلسوف يكتمل ويجيء إلي الحياة مهما تكن الأحوال‏..‏ واستشرت طبيبا متخصصا فطمأنني إلي أن هذه الأجسام المضادة تموت بعد‏6‏ سنوات من آخر ولادة وبالتالي فلا خطر علي حياة الجنين بإذن الله‏..‏ وسعدت بذلك كثيرا‏..‏ وشعرت بأن الحياة تتجدد حولي وتزداد إشراقا‏,‏ وأرجعت ذلك كعادتي إلي رضاء أمي عني يرحمها الله‏..‏ وجاء موعد الولادة‏..‏ فرزقنا الله بطفل كالبدر المنير في جماله‏..‏ ولم ينزل اللبن من صدر أمه فأرضعناه صناعيا تحت إشراف الطبيب‏,‏ وجاء الخير علي المولود الجديد فترقيت في عملي حتي صرت مديرا‏,‏ وازداد رزقي‏,‏ وازداد إحساسي بدفء الأسرة والأبناء‏..‏ وأصبحت أتعجل عودتي إلي البيت كل يوم لأداعب طفلي الوليد‏..‏ وأراقب نموه يوما بعد يوم‏..‏ واصطحبت زوجتي ومولودنا الصغير لأداء العمرة‏..‏ وشكرت ربي طويلا في البيت الحرام علي نعمه الجليلة علي‏..‏ قلت له‏:‏ يارب لقد كنت فقيرا فأغنيتني‏..‏ ومظلوما فنصرتني‏,‏ وضعيفا فقويتني فلك الحمد والشكر آناء الليل وأطراف النهار وفي كل حين‏,‏ ومضت بنا الأيام‏..‏ ودرج طفلي الصغير علي الأرض زاحفا‏..‏ ثم ماشيا‏..‏ ثم جاريا‏..‏ ثم أصبح محور البيت الذي يملؤه صخبا وبهجة وسعادة وسافرت لأداء العمرة وحيدا في العام التالي ورجعت فاستقبلتني زوجتي بالبكاء لأول مرة‏..‏ وسألتها عن السبب‏..‏ فإذا بها تقول لي إنها قد شعرت لأول مرة خلال غيابي بأننا قد لا نلتقي مرة أخري فتشاءمت لذلك واكتأبت‏,‏ واحتضنتها مطمئنا إياها أن الأعمار بيد الخالق وحده سبحانه ومضت بضعة شهور أخري‏,‏ ثم دخل زوج شقيقة زوجتي مستشفي القوات المسلحة بشارع العروبة لإزالة ورم‏,‏ ورجعت من عملي ذات يوم متعبا فوجدت زوجتي قد أعدت بعض الطعام وتستعد للذهاب به إلي المستشفي بمجرد رجوعي‏,‏ فطلبت منها أن تنتظرني حتي أستريح بعض الوقت ثم أخرج معها لزيارة زوج شقيقتها‏..‏ وتناولت الغداء ودخلت الفراش لأغفو قليلا فاستغرقت في نوم ثقيل‏,‏ واستيقظت علي يد زوجتي تنبهني وتقول لي إنني متعب ومن الأفضل لي أن أواصل النوم وآذن لها هي بالذهاب إلي المستشفي مع طفلنا الصغير علي أن ألحق بها فيما بعد‏,‏ وأذنت لها بذلك وأنا بين الصحو والنوم‏..‏ وغفوت مرة أخري‏..‏ فلم يمض وقت طويل حتي كان رنين التليفون يدوي في الشقة كالنذير‏..‏ ويحدثني من يبلغني بأن حادث تصادم قد وقع وأصيبت فيه زوجتي وطفلي فنقلا إلي المستشفي القريب وهرولت إلي هناك وأنا لا أشعر بما حولي‏..‏ ووجدت زوجتي التي أخلصت لي الود والعشرة وكانت نبعا للحب والحنان والخير للجميع قد رحلت عن الدنيا ورحل معها طفلي الصغير الذي جدد الحياة في عروقي وأنار الدنيا من حولي‏,‏ وعرفت بعد أن أفقت من صدمتي‏,‏ أنهما كانا يسيران فوق الرصيف أمام الباب الرئيسي لمستشفي القوات المسلحة فجاءت سيارة يقودها شاب مستهتر عمره‏20‏ سنة مدمن هيروين وبجواره فتاة‏,‏ وفي الخلف شاب آخر وفتاة أيضا‏,‏ فصعدت السيارة علي الرصيف وقتلت الزوجة والابن وأطفأت شمعة السعادة في حياتي‏,‏ وهرب الجناة تاركين السيارة القاتلة وراءهم‏..‏ وانتابني حزن وألم شديدان وزهدت في الطعام والشراب والعمل وكل شيء‏..‏ ثم لجأت إلي عوني الوحيد في الحياة وهو الله سبحانه وتعالي فأكثرت من الصلاة وقراءة القرآن‏..‏ والدعاء لزوجتي وطفلي الحبيبين‏..‏ وتماسكت بعد حين واحتضنت ابنتي الشابة وابني‏,‏ وحاولنا أن نتقبل حياتنا في غياب الصدرالحنون الذي كان يحتوينا جميعا وتابعت التحقيق في حادث التصادم وكلي أمل في أن يلقي الجاني المستهتر عقابا رادعا يطفئ بعض ناري أو يشفي غليلي‏,‏ وانتهت محاكمته ففوجئت بالقاضي يحكم عليه بالسجن سنة واحدة لا غير أمضي منها ستة شهور ثم أفرج عنه لقضاء نصف المدة وخرج إلي الحياة من جديد لكي يواصل استهتاره وعبثه بأقدار الآخرين واشتري له والده الكيميائي بإحدي الدول العربية سيارة جديدة ليقتل بها المزيد من الضحايا‏!‏ وتبين بعد ذلك أن أهل الجاني وهم أصحاب مال ونفوذ قد أثروا علي ضابط مباحث الشرطة التابع له الحادث فلم يقبض علي الجاني علي الفور لكي يتم تهريبه إلي الإسكندرية وإدخاله المستشفي لعلاجه من الإدمان‏,‏ وتجاهل شهادة حرس المستشفي الذين أكدوا وجود فتاة إلي جوار الشاب المستهتر لأن والدها لواء شرطة سابق‏,‏ فضلا عن اختفاء الرسم الكروكي لموقع الحادث‏,‏ وبعد‏16‏ يوما من الحادث سلم الجاني نفسه للشرطة وزعم أنه صدم زوجتي وطفلي في الطريق العام وليس فوق الرصيف‏,‏ وأنه كان وحيدا في السيارة‏..‏ إلخ‏,‏ وكانت النتيجة هي هذا الحكم المخفف بالرغم من أن تقرير وردية الشرطة اللاسلكية التي انتقلت إلي مكان الحادث أثبت أن السيارة توقفت علي بعد‏40‏ مترا من الموقع مما يدل علي أن سرعتها لم تكن تقل عن‏170‏ كيلو مترا‏.‏ لقد تقدمت بشكاوي عديدة للنيابة أطلب التحقيق في كل ذلك‏,‏ وشكوت للسيد وزير الداخلية فأمر بالتحقيق مع ضابط المباحث وتم نقله إلي حرس الجامعة‏..‏ وما أكتب لك بشأنه الآن هو أنني أشعر بأن الجاني لم ينل ما يستحقه من جزاء‏,‏ وأري أمامي زوجتي وطفلي والسيارة القاتلة ترفعهما في الهواء‏,‏ يستغيثان بي لكي أقتص لهما ممن حرمني منهما‏,‏ وهذه النار تحرقني كل يوم ألف مرة حين أدخل مسكني فلا أسمع فيه صوت زوجتي الحاني ولا صوت طفلي البهيج‏,‏ وأشعر برغبة قوية في القصاص لهما‏..‏ لأن هذا هو قانون السماء‏..‏ فإما دية مسلمة إلي أهل الضحية وإما القصاص العادل‏,‏ وما ناله هذا الشاب المدمن المستهتر لم يكن قصاصا عادلا‏..‏ بسبب تواطؤ ضابط مباحث‏,‏ وجهود محام استغل قدراته في إنقاذ جان من العقاب الرادع‏,‏ وأهل استخدموا مالهم ونفوذهم في حماية ابنهم‏.‏

إنني مصمم علي القصاص‏..‏ وعلي تنفيذه بنفسي‏..‏ وأريد أن أسمع رأيك وأن تقدم لي النصيحة المخلصة لأنني كنت أتصور أنني قد تجاوزت سنوات العناء والكفاح وآن لي أن أستريح وأستمتع بأسرتي وحنان زوجتي‏..‏ ومرح طفلي الصغير وحب ابنتي وابني‏..‏ وكل ما رزقني الله به من عطايا وهبات‏..‏ فإذا بكل ذلك ينهار فجأة بسبب شاب مستهتر قاتل‏!‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أنت محق بالفعل يا سيدي في حزنك علي اغتيال زوجتك وطفلك الصغير وسعادتك العائلية بمثل هذا الاستهتار القاتل‏,‏ ومحق أيضا في غضبك لتواطؤ البعض علي حماية الجاني ومساعدته علي الإفلات من العقاب الرادع حتي جاء حكم القضاء عليه رفيقا هينا وكأنما لم يزهق أرواحا ولم يهدم سعادة أسرة بأكملها‏.‏
ولقد أري معك أن القصاص العادل يشفي النفوس من بعض حرقتها علي من فقدتهم ويعفي المكلومين من الرغبة في الانتقام ممن هدموا سعادتهم‏,‏ لكن ماذا يجدينا أن نحترق نحن بالرغبة في الاقتصاص ممن نحمله مسئولية حرماننا من السعادة‏,‏ وانتقامنا منهم لن يعيد إلينا غائبا ولن يرد علينا يوما واحدا من أيام السعادة المفقودة؟

لقد تولي عنا المجتمع‏,‏ ممثلا في سلطة القانون‏,‏ هذه المسئولية وأعفانا منها بغض النظر عن عدالة حكمه في مثل ظروفك هذه أو بعده عن العدل‏,‏ وفي كل الأحوال فإنه ليس من صالح الحياة حتي ولو لم يسعفنا القانون في الاقتصاص لنا أحيانا أن نتولي نحن إصدار الأحكام علي الآخرين وتنفيذها بأيدينا‏,‏ وإلا ارتدت الحياة إلي الهمجية واضطربت موازينها‏.‏
وقانون السماء ليس القصاص وحده وإنما هو العدل والرحمة والتسامح والحب بكل القيم السامية التي تجمل الحياة وتكبح نوازع العدوان في نفوس البشر‏.‏

والإنسان ليس في حاجة ـكما أومن دائماـ إلي أن ينتقم من ظالمه بيده‏,‏ لأن قانون السماء سوف يعفيه من مئونة ذلك ويقتص له ممن أساء إليه بغير أن يلوث هو يده بدمه‏,‏ ولن يطول الأمد حتي يكون الجاني قد أدي ضريبة ما فعل من حياته أو سعادته أو صحته أو ماله أو بنيه‏.‏ فحتي لو بدا لنا أنه يمضي في الحياة سالما من كل سوء‏,‏ فإن ما ينتظره من عقاب السماء قد يهون إلي جواره كل عقاب الأرض ما لم يتبرأ هو من جرمه ويندم عليه ندماصادقا ويكفر عنه ويطلب الصفح والعفو من أصحاب الحق عليه‏.‏
ولقد كان المفكر الفرنسي جان جاك روسو يقول إنه في أوقات الضيق يتسلي بالتفكير فيما سوف يناله الظالمون من عقاب صارم علي مظالمهم في السماء‏!‏ وأنت يا صديقي لديك الكثير مما هو أهم من التفكير في الاقتصاص من هذا الشاب المستهتر‏,‏ لكي توليه رعايتك وتركز عليه فكرك في المرحلة الحالية‏.‏

فهناك أسرتك التي فقدت واسطة عقدها برحيل زوجتك عن الحياة‏,‏ وتحتاج منك إلي كل وقتك وفكرك لكي تحفظ عليها كيانها وتحميها من الانفراط وتدفع عنها أشباح التعاسة والحزن‏,‏ وهناك ابنتك الشابة وما تتطلبه رعايتها والاهتمام بأمرها من جهد وطاقة‏,‏ فضلا عن التفكير في مستقبلها والاستعداد له‏..‏ وهناك ابنك الفتي وما يحتاج إليه من فهم خاص لنوازعه وهواجسه وأفكاره في مرحلة المراهقة لكي يجتازها بسلام ويلتحق بالجامعة ويحقق أهدافه وأمانيه‏..‏ وهناك عملك وحياتك الشخصية وأهلك وعلاقاتك الإنسانية مما يستحق منك أن توجه إليه بعض اهتمامك ووقتك‏..‏ فلماذا تحصر فكرك في أمرهذا الشاب المستهتر وحده؟
لقد نال عقابه كما رآه المجتمع حتي ولو كان هذا العقاب غير عادل ولا يشفي لنا غليلا‏..‏ وهو بعد ذلك لا يستحق منا أن ننشغل به أو أن يشغل من فكرنا أية مساحة‏..‏ وإنما علينا أن ندعه للقانون الإلهي الذي يقول لنا إن ما لا نناله من العدل في الأرض سوف ندركه في السماء بغير جهد منا ولا عناء فتسل أنت أيضا حين يشتد بك الضيق بالتفكير فيما سوف يناله ظالموك من عقاب رادع في السماء حين يحين الأوان‏..‏ وواصل الحياة مستعينا علي عنائها باستعادة ذكريات الأيام الجميلة‏..‏ وأثرها الباقي في النفس‏,‏ ولسوف تتفتح الورود مرة أخري في حياتك ذات يوم قريب‏..‏ والله المستعان علي كل أمر عسير‏.‏
المزيد ....

اللقاء العابر

27-04-2001
أنا طبيب في منتصف العمر متزوج منذ‏28‏ عاما‏,‏ ولي ابن تخرج في كلية وابنة في عامها الجامعي الأخير‏..‏ وقد وفقني الله سبحانه وتعالي في حياتي العائلية والعملية‏..‏ فعملت خارج مصر نحو عشرين عاما وحققت ثروة تكفيني وتكفي أبنائي وتكفل لنا ولهم حياة كريمة بإذن الله‏.‏
ومنذ شهرين فاتحني ابني بأن أحد زملاء شقيقته يرغب في أن يتقدم إليها بعد نهاية العام الدراسي الحالي‏,‏ لكنه للأسف لا يملك شيئا وفهمت من حديث ابني إن شقيقته معجبة به بالرغم من ظروفه وتميل إليه ودهشت لذلك لأنها من النوع المتحفظ ومن الصعب عليها أن تكلم شابا غريبا عنها‏..‏ وسألتها عما أعجبها فيه‏,‏ فأجابتني بأنه علي خلق ودين‏,‏ وكان يتطلع إليها في صمت منذ بداية المرحلة الجامعية ولا يجرؤ علي مفاتحتها بمشاعره‏,‏ إلي أن نظمت الكلية رحلة وطلبت هي مني السماح لها بالاشتراك فيها‏,‏ وكانت أول رحلة تشارك فيها خلال دراستها فوافقت علي ذلك‏,‏ لكنني اشترطت عليها أن تأخذ معها شقيقها‏,‏ وفي هذه الرحلة تحدث هذا الزميل إلي ابني وشرح له ظروفه وعبر له عن رغبته في التقدم لابنتي‏.‏

ورفضت هذا الشخص بالطبع قبل أن أراه‏..‏ بل وهددت إبنتي إن هي تمسكت به بمنعها من الذهاب إلي كليتها‏..‏ وأنتهت هذه القصة عند هذا الحد‏..‏ ثم منذ اسبوعين حضرت حفلا أقامته إحدي شركات الأدوية فإذا بي أري فيه إنسانة لم تقع عيني عليها منذ ثلاثين عاما‏,‏ فتصحو الذكريات القديمة‏..‏ وتهتز أفكاري‏..‏ فلقد كنت طالبا بالسنة الثانية بكلية الطب وكانت هي طالبة بالسنة الأولي‏,‏ ولأننا كنا ندرس في مشرحة واحدة فلقد أكتفينا كثيرا بالنظرات الصامتة‏,‏ وبعد معاناة طويلة تأكدت خلالها من أنها قد تملكتني تماما‏,‏ تجرأت وفاتحتها برغبتي في الارتباط بها وتم الاتصال بين الأسرتين وأصبحنا شبه مخطوبين‏,‏ وعشنا أياما سعيدة للغاية ونحن ننتظر الانتهاء من دراستي لكي أعلن خطبتي لها‏..‏
وفي هذه الأثناء مات والدي ـ يرحمه الله ـ فجأة ولم يترك لنا معاشا ولا ميراثا سوي قطعة أرض كانت محل نزاع بينه وبين بعض أقاربه‏,‏ وبالرغم من أنه كان يكسب كثيرا من عمله بالمقاولات إلا أنه كان مسرفا ولا يدخر شيئا‏,‏ لهذا فقد تدهورت أحوالنا سريعا بعد رحيله عن الحياة ولولا أن أمي كانت تحتفظ ببعض المصاغ وبدأت في بيعه للإنفاق علينا لما اجتزنا هذه المرحلة الصعبة بسلام‏.‏

وبسبب ظروف وفاة والدي واضطراب حياتنا من أثر ذلك رسبت في الامتحان لأول مرة‏,‏ وشعرت بتغير موقف أهل فتاتي مني بعد الرسوب ورحيل الأب وتدهور الأحوال وبدلا من نظرات الترحيب والتشجيع التي كنت أراها في عيونهم بدأت أري نظرات الازدراء والاستهانة‏,‏ وبدا واضحا لي أنني لم أعد العريس المرغوب لابنتهم وألح عليها الأهل في قطع صلتها بي فعرضت علي أن ترتبط وتقيم معي في بيت أسرتي إلي أن تتحسن الأحوال في المستقبل‏,‏ لكن ظروفي العائلية لم تكن تسمح للأسف حتي بهذا الحل‏,‏ ولم يكن هناك مفر من إنهاء قصة الحب‏..‏ وإعفاء فتاتي من ارتباطها بي‏..‏
وعشت أياما عصيبة بعد انتهاء قصتي معها أصبت خلالها باكتئاب شديد وأحسست إحساسا مريرا بالفقر والهوان وقلة الشأن‏..‏ ولازمني طيفها في خيالي طوال الوقت‏..‏ حتي أنني كنت أدعو الله في صلاتي أن ينزع حبها من قلبي وأبلل سجادة الصلاة بدمعي‏,‏ ومع ذلك فإنني لم أحاول أن أتصل بها أو أتكلم معها بالرغم من توافر الفرص لذلك في الكلية‏..‏ وكنت حين أراها أمام المدرج أتظاهر بالحديث مع أحد الزملاء وتتظاهر هي بالحديث مع زميلة لها وكل منا يشعر بوجود الآخر بشدة‏.‏

وفي غمرة ضيقي وحزني واكتئابي صممت علي أن أكون شيئا‏..‏ فضاعفت من جهدي في المذاكرة بالرغم من عجزي ماديا عن شراء الكتب التي أحتاج إليها‏..‏ وضاعفت ساعات دراستي‏,‏ وتخرجت في كليتي‏,‏ وكانت فرحتي بنجاحي طاغية وغابت فتاتي السابقة عن أنظاري منذ ذلك الحين فلم أرها ولم أعد أسمع عنها شيئا منذ ذلك الحين‏.‏
وبعد نجاحي أرتبطت بإنسانة ممتازة وتزوجنا وبدأنا حياة زوجية هادئة وحصلت علي الماجستير من أول مرة‏,‏ وسافرنا معا للعمل في دولة عربية‏,‏ وأنجبنا الأبناء وسعدنا بحياتنا العائلية‏,‏ ولم تشهد حياتنا الزوجية سوي تلك المناوشات الصغيرة التي تقع في كل بيت من حين لآخر‏,‏ وأرضتني زوجتي دائما بجمالها وعقلها وحسن رعايتها لأسرتها وأبنائها‏.‏

وبعد عشرين عاما من الغربة قررنا أن نرجع إلي بلدنا ونستمتع بحياتنا ومارزقنا الله به من عطاء‏,‏ فرجعنا واقتتحت لنفسي عيادة خاصة‏..,‏ واشتريت مسكنا جميلا‏..‏ وشقة بأحد المصايف‏..‏ ورضيت عن نفسي وعن حياتي وأبنائي‏,‏ ورضيت أخيرا كذلك عن امتثال إبنتي لقراري برفض زميلها‏..‏ الذي رأيت فيه صالحها‏..‏ ولم يساورني أي شك في ذلك إلي أن لبيت دعوة شركة الأدوية ورأيت في الحفل تلك الزميلة السابقة التي خفق قلبي بالحب قبل ثلاثين سنة ولم أكن قد رأيتها طوال تلك السنين‏,‏ فإذا بي أعرفها للوهلة الأولي وإذا بها تعرفني فلا أرفع عيني عنها طوال الحفل‏..‏ وتتلفت هي نحوي كل حين‏..‏ وإذا بي أتساءل كيف اتسع قلبي لكل هذا الحب ذات يوم ؟ وهل يموت الحب حقا ؟
وإذا بهذا اللقاء العابر ينكأ جرحا قديما ويثير خواطري وأفكاري وشجوني فأتساءل‏:‏ فماذا عن قلب ابنتي الشابة‏..‏ هل أحرمها هي الأخري من حب قد يكون أغلي شيء عندها الآن‏,‏ لأن من ترغبه لا يملك شيئا وهل أحطم قلب هذا الشاب لمجرد أنه بسيط الحال ومستقبله لا يبشر بالخير‏,‏ ومن أنا حتي أدخل في علم الله وأحكم علي مستقبله بذلك ؟ لقد كنت أتطلع لزواجها من ابن دبلوماسي مصري كان يعمل في الدولة التي كنا نقيم بها وهو شاب ممتاز بالفعل وتقدم لطلب يدها‏,‏ لكني أرجأت البت في الموضوع لما بعد تخرجها‏..‏ وكان يقيني أن هذا هو الاختيار الأمثل لها وأن رفضي لزميلها هو القرار الحكيم الذي لا يداخله الشك‏,‏ إلي أن ذهبت إلي هذا الحفل‏..‏ واهتز كياني كله وأهتزت أفكاري‏..‏ فبماذا تنصحني أن أفعل هل أختار لابنتي من يناسبها من وجهة نظري دون النظر لمشاعرها أم أوافق علي من أختاره قلبها ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أتدري ياسيدي ماهو الفرق بين الأب المستبد الذي لا يقيم وزنا لرغبات الأبناء الراشدين ومشاعرهم‏,‏ وبين الأب العطوف الذي يضع هذه الرغبات والمشاعر في اعتباره ويحرص علي ألا يقهر أبناءه علي شيء ولو كان يري فيه مصالحهم ؟
إنه الفهم‏!‏ فهم المشاعر‏..‏ والرغبات‏..‏ والدوافع‏..‏ والتجربة الإنسانية‏,‏ فمن يفهم يكون أكثر استعدادا للعطف والتماس الأعذار وعدم التصلب في المواقف ومن لم يجرب ولم يفهم قد يصعب عليه استشعار أهمية مايبدو لغيره ضروريا وشديد الحيوية‏.‏

وأنت قد أتاحت لك التجربة الإنسانية التي عشتها في شبابك أن تتفهم مشاعر ابنتك إذا هي حرمت ممن تحبه وترغبه‏,‏ بل وأيضا ومشاعر هذا الشاب إذا حرم من أمله فيها لغير ذنب جناه سوي ضعف إمكاناته المادية‏.‏
ونحن نحتاج لكي نحسن الحكم علي الآخرين ومواقفهم‏,‏ أن نتمثل ظروفهم ومشاعرهم ودوافعهم إليها‏..‏

ولقد جاء هذا اللقاء العابر في حفل شركة الأدوية مع من خفق قلبك لها بالحب في سنوات الدراسة الجامعية‏,‏ لكي يذكرك بما كادت شواغل الحياة المادية تنسيك إياه‏,‏ وينبهك إلي أنه من الظلم حقا أن يحرم الإنسان من حقه المشروع في السعادة بمجرد أن هناك من يفضله في الإمكانات المادية والأوضاع الاجتماعية‏,‏ أو لأن الآخرين لا يطيقون الصبر عليه حتي يبني حياته ويصمد لصعوبات البداية‏,‏ كما أنه من الظلم أيضل ألا نحكم علي الغير إلا بالمعايير المادية وحدها ونتجاهل مقوماتهم الشخصية والخلقية والدينية والعائلية‏,‏ وغيرها من المعايير الأهم‏..‏ فلقد تكون السعادة والتوفيق في الحياة مع البساطة والبداية الصغيرة‏,‏ ولقد يكون الشقاء مع البريق واللمعان والوفرة المادية‏.‏
ولاشك في أن رحلة العمر وشواغل الكفاح وبناء الذات لم تفقدك بعد رقة المشاعر ولا القدرة علي فهم الاعتبارات العاطفية وتقديرها‏..,‏ فأهاج هذا اللقاء العابر في الحفل أفكارك وخواطرك وذكرك بأهمية المشاعر في اتخاذ القرارات السليمة‏,‏ مادامت لا تتعارض مع أحكام العقل‏,‏ ولا تتصادم تصادما فادحا مع مقتضيات الحكمة وحسن تقدير الأمور‏,‏ فكان جميلا منك أن تتمثل مشاعر ابنتك الشابة إذا هي حرمت ممن يرغبه قلبها‏..‏ وأجبرت علي الارتباط بغيره‏.,‏ حتي إذا ألتقت به بعد طول السنين تحركت شجونها كما ثارت شجونك ونحت باللائمة في أعماقها علي من لم يتفهموا عمق مشاعرها ذات يوم بعيد‏.‏

غير أن الأجمل أيضا هو أن تتمثل كذلك مشاعر هذا الشاب الذي يتطلع لابنتك بنظراته الصامتة منذ بداية المرحلة الجامعية ولا يجرؤ علي مفاتحتها برغبته فيها‏,‏ إذ إنه ليس أقسي علي نفس الحر من إحساسه المرير بالعجز وقلة الشأن والهوان علي الآخرين‏.‏ فلقد شكا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه من مثل هذا الإحساس المرير إلي ربه حين ذهب إلي الطائف يعرض علي الناس دينه فآذوه وسخروا منه فأوي إلي حائط يستريح فيه وبث شكواه إلي ربه قائلا‏:‏ اللهم إني أشكو إليك ضعفي وقلة حيلتي وهواني علي الناس‏.‏
وأسوأ مافي النفس البشرية‏,‏ كما قال ذات يوم المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي ـ هو أن يقلد الإنسان مافعله به جلادوه مع الآخرين بدلا من أن يتعفف عن تكرار ماعاناه بنفسه مع غيره‏!‏

ولقد كان أهل فتاتك السابقة هم جلاديك الذين أشعروك حينذاك بالعجز والضعف والهوان‏,‏ بغير سبب سوي ظروفك المادية التي لم تكن مواتية وقتها‏,‏ فهل تكرر مافعلوه بك مع هذا الشاب ؟
إننا كآباء وأمهات نريد لأبنائنا دائما الأفضل والأرفع والأنفع‏,‏ لكن من واجبنا خلال ذلك هو ألا نتجاهل كذلك مشاعرهم ورغباتهم المشروعة والتي لا تتناقض مع أحكام العقل والدين‏.‏

وهذا الشاب الذي تميل إليه ابنتك‏,‏ وأحسب أن مشاعرها تجاهه أقوي من مجرد الميل وأكثر عمقا‏,‏ زميل لها بنفس الكلية وعلي خلق ودين وليس في سجله العائلي والشخصي مايعيبه سوي أنه كغيره كثيرون تعوزه الإمكانات المادية بالمقارنة بما حققته أنت من نجاح مادي بعد‏28‏ عاما من الزواج‏,‏ وبالتالي فإن رفضه قبل أن تراه لا يقوم سوي علي الاعتبار المادي وحده‏,‏ وسوي علي رغبتك أنت لها في أن ترتبط بمن يفضله ماديا وعائليا‏,‏ وأفضلية إنسان علي آخر من وجهة نظر الأب لا تعني الحكم علي المفضول بعدم الجدارة‏,‏ وإنما تعني في الحقيقة أن كلا منهما جدير بالابنة‏,‏ لكن ظروف أحدهما العائلية والمادية أكثر بريقا من ظروف الآخر‏,‏ فإذا وضعنا في الاعتبار رغبة الابنة في المفضول ماديا واجتماعيا ومشاعرها تجاهه خاصة إذا تأكدنا من جديتها وعمقها‏,‏ فإن ذلك يكفي تماما لترجيح كفته عند ذوي القلوب الحكيمة‏.‏
فليكن اختيارك إذن علي أساس امتحان أخلاقيات هذا الشاب الذي ترغبه إبنتك‏,‏ واختبار طباعه وحسن معاشرته وصدق تدينه وصحة رؤيته للحياة وسلامة ظروفه العائلية مما يسوءه‏,‏ لان هذا هو حقا ما لا يمكن جبره إذا أنكسر‏,‏ أما الإمكانات المادية فإن الشجرة المثمرة تحتاج إلي بضع سنوات لكي تثمر ثمارها وتورق أوراقها مع الرعاية والعناية والصبر‏,‏ كما حدث في حياتك الشخصية‏,‏ وكما يحدث في حياة الأغلبية العظمي من البشر الذين يبدأون حياتهم بدايات صغيرة‏,‏ ثم تورق أشجارهم وتثمر ثمارها الخيرة بعد حين‏.‏

ثم ماقيمة المال ياسيدي إذا نحن لم نعن به أبناءنا علي السعادة ؟ ولم كان الكفاح والعرق وعناء السنين إذن‏,‏ إذا لم يكن لكي نستطيع ذات يوم أن نيسر لأبنائنا طريق السعادة ونزيح عنه أحجار الصعوبات المادية ؟
ليس من صالح الحياة أبدا أن نزيد عدد التعساء فيها اثنين كابنتك وهذا الشاب إذا كان بمقدورنا أن نتيح لهما السعادة بشيء من الفهم والتسامح والعطاء والتنازل عن بعض الاعتبارات المادية‏.‏
وإني لأترك لحكمتك كأب وإنسان ذاق لوعة الحرمان العاطفي من قبل‏,‏ لغير سبب سوي المال أن تتخذ القرار السليم في هذا الشأن‏,‏ وأذكرك فقط بالحكمة الإنجليزية القديمة التي تقول‏:‏ تجربة آلمتني‏..‏ تجربة علمتني‏..‏ وشكرا‏.‏
المزيد ....

القنبلة الموقوتة

04-05-2001
حاولت الكتابة إليك مرات عديدة‏..‏ وفي كل مرة كنت أتردد وأحجم عن أن أروي لك قصتي‏..‏ فأنا سيدة متوسطة العمر‏..‏ تزوجت في شبابي لمدة عام واحد‏,‏ ذقت خلاله كل ألوان العذاب من رجل لا ضمير له ومريض بالبخل الشديد والشك وحب الذات‏,‏ فحول أيامي معه إلي جحيم بالرغم من أنني كنت نعم الزوجة المخلصة له والمتفانية في خدمته‏,‏ ونظرا لأنني لست من أنصار نظرية ظل الرجل ولا ظل الحائط فإنني لم أحتمل طباعه وطلبت منه الطلاق وتنازلت له عن كل حقوقي وكل شئ مقابل النجاة بنفسي وطفلي الوحيد‏,‏ وغادرت بيت الزوجية عائدة إلي بيت أبي وطفلي الوحيد لايزيد عمره علي شهر واحد‏,‏ وقررت ألا أخوض تجربة الزواج مرة أخري‏,‏ وأن أعيش لابني فقط وأعطيه كل حناني وحبي واهتمامي‏..‏ وبدأت أبحث عن عمل لأعوله به‏,‏ لأنني من أسرة بسيطة‏,‏ وبعد أن رفض والده أن يتحمل نفقاته بالرغم من قدرته المالية‏,‏ نكاية في‏,‏ ولم ننازعه قضائيا ابتعادا عن المشاكل‏,‏ وكنت الابنة الوحيدة لأبي وأمي فاعتبرا طفلي ابنا ثانيا لهما‏.‏
وساعدني بعض المعارف في الحصول علي عمل‏,‏ وبدأته فكانت ساعاته تستغرق النهار كله من الصباح حتي المساء‏..‏ وتحملت ذلك بسعادة وكنت أترك طفلي في رعاية أمي‏..‏ وأحاول بعد عودتي من العمل مرهقة أن أعوضه بحناني عن غيابي عنه‏.‏

ومضت الأيام وأنا سعيدة بالرغم مما ألاقيه من عناء الحياة‏,‏ وراح الجميع من حولي يلحون علي في الزواج مرة أخري لأنني شابة جميلة وقال لي بعضهم إن ابني سيكبر ذات يوم وسينصرف لحياته الخاصة المستقلة ولن يشكرني حينذاك علي تضحيتي من أجله بعدم الزواج فأجد نفسي وحيدة تماما‏,‏ فكان ردي عليهم دائما هو أنني مادمت سأربيه علي المبادئ والقيم والأخلاق الحميدة فلسوف يشب إنسانا عطوفا حافظا للجميل بإذن الله‏.‏
ومضت بنا الأيام والتحق ابني بالمدرسة‏,‏ وأصبح بالنسبة لي هو كل الحياة‏,‏ فكنا نخرج معا كل أسبوع إلي أجمل الأماكن‏,‏ وأحاول تعويضه عن غياب الأب بالحب والحنان والهدايا والملابس الغالية‏,‏ وأحرم نفسي من متطلباتي الخاصة لأدخر له مصاريف المصيف الذي يحرص عليه ليكون مع أطفال العائلة‏,‏ وحين بلغ الشهادة الإعدادية مرضت أمي التي كانت ترعاه في غيابي ولازمت الفراش فاضطررت للانقطاع عن العمل لكي أرعاها‏..‏ ولم يمهلها القدر لتسعد بنجاح حفيدها الوحيد في الشهادة الاعدادية فلقيت وجه ربها قبل الامتحان بأيام وشعرت بالحزن العميق عليها رحمها الله‏,‏ وأصبت بالاكتئاب لمدة سنة كاملة‏.‏ وشعرت بالوحدة الشديدة بالرغم من وجود أبي وابني‏,‏ ورجعت للعمل مرة أخري‏,‏ وأصبحت أرجع في المساء لأقوم بشئون البيت من طهي ونظافة وغسيل إلي ما بعد منتصف الليل‏.‏

ومضت الأعوام ثقيلة وأنا كالطاحونة الدائرة التي لاتستريح أبدا‏,‏ والابن يتقدم في مراحل العمر وطلباته تتزايد‏..‏ وإرهاقه لي بها يتزايد أيضا مع سن المراهقة‏,‏ ثم بلغ سنة الدبلوم في مدرسته المتوسطة‏,‏ فبدأ يشعر ــ لدهشتي ــ بالحقد علي لاعتقاده أنني السبب في حرمانه من أبيه‏,‏ مع أن هذا الأب كان يتهرب منه حين يتصل به أو يحاول أن يزوره خوفا من أن يطلب منه نقودا‏,‏ ويدع زوجته لترد عليه دونه‏,‏ وكم مضت أعياد ومناسبات مباركة كشهر رمضان دون أن يعطيه قرشا واحدا أو يحاول أن يزوره‏.‏
والآن وبعد كل هذا العطاء لابني والتضحية من أجله بفرصتي في الزواج‏,‏ يلومني هذا الابن ويحقد علي ويعتبرني المسئولة عن عدم وجود أب له‏..‏ ويتهمني بعدم الصبر علي حياتي مع أبيه وحرمانه من حقه في أن تكون له أسرة طبيعية من أب وأم وبيت وأخوة‏..‏ وكأنني المسئولة وحدي عن كل شرور الدنيا‏..‏

لقد أنهي دراسته المتوسطة‏..‏ وعمل‏..‏ ولايسهم بقرش واحد في مصروف الأسرة‏,‏ في حين تركت أنا عملي وأنا في أشد الحاجة لمرتبي منه لأني شعرت بأنه محتاج إلي وجودي بجواره في هذه السن الحرجة‏,‏ واكتفيت بالاعتماد علي معاش أبي‏..‏ فإذا بابني الذي كرست له حياتي‏,‏ يتحول إلي قنبلة موقوتة تنفجر في لأتفه الأسباب‏,‏ ولا يمضي يوم دون أن تحدث مشكلة بيني وبينه فيحترق دمي بسبب أسلوبه الاستفزازي في التعامل معي‏,‏ وأصبح لايتكلم معي علي الإطلاق ولا أعرف عنه أي شئ‏,‏ وكل أسراره الشخصية مع أصدقائه دوني‏,‏ ويتطاول علي باللسان واليد أكثر من مرة‏,‏ حتي كاد يكسر ذراعي ذات مرة حين عاتبته علي تأخره خارج البيت في إحدي الليالي دون أن يطمئنني عليه بالتليفون‏,‏ كما أنه يرفع يديه إلي السماء داعيا الله علي بالمرض‏,‏ ولايقول لي في عيد الأم كل سنة وانت طيبة ولايخرج معي منذ كان عمره‏12‏ عاما مع أن مظهري محترم وأنيق ويتهمني بأنني لا أفهم شيئا‏,‏ فإذا عاتبته علي هذه المعاملة السيئة بعد كل ما قدمته له علي مدي‏22‏ عاما أمضيتها دون زواج من أجله‏,‏ أجابني باستهتار‏:‏ وماذا قدمت لي؟ طلبت الطلاق من أبي بعد سنة واحدة من الزواج؟ وطلقت منه وأنا طفل مولود عمري شهر واحد؟ أهذا هو ما تفخرين بأنك قد قدمته لي؟
فهل يرضيك هذا ياسيدي؟
لقد عشت له‏22‏ عاما ضاع خلالها شبابي‏,‏ في حين تزوج أبوه وأنجب وعاش حياته‏,‏ فهل يكون هذا هو جائزة السماء لي علي صبري وحرماني ورعايتي لابني طوال هذه السنوات؟
إني لم أفعل ما يغضب أبي وأمي وكنت لهما نعم الابنة البارة بهما‏,‏ فكيف لايكون ابني بالنسبة لي كما كنت لهما‏.‏

لقد أصبح عمري الآن‏52‏ عاما وأنا في كامل صحتي وحيويتي وأشعر بالحزن والوحدة والفراغ القاتل‏,‏ وكنت أتمني أن يملأ ابني هذا الفراغ بحبه لي وحنانه‏,‏ لكني علي العكس من ذلك أشعر بأنه يكرهني ويتمني لي أسوأ الأمنيات‏,‏ فماذا نفعل نحن الأمهات مع أبنائنا في مثل هذه الظروف التي واجهتها بعد طلاقي؟
إذا تزوجنا من غير أبيهم بعد فشل الزواج الأول أصيبوا بالعقد النفسية‏,‏ وإذا كرسنا حياتنا لهم دون زواج أصيبوا بعقد الدنيا كلها‏..‏ مع أنني كنت ومازلت إنسانة ملتزمة في سلوكي وتصرفاتي ومحترمة في مظهري وهيئتي العامة‏,‏ وحافظت علي سمعتي لكي يفخر بي ابني بين أقرانه‏.‏
لقد شعرت الآن فقط بافتقادي وجود رجل إلي جواري يعوضني عما حرمت منه‏,‏ وأشعر بالقهر والندم لعدم زواجي وأنا شابة صغيرة‏..‏ ولرفضي مبدأ الزواج بإصرار حتي انصرف عني الراغبون‏,‏ وانصح كل سيدة يغيب عنها زوجها بالطلاق أو الموت أن تتزوج عند ظهور الرجل المناسب لها‏,‏ وأرجو في النهاية أن تنصحني بما أفعل مع ابني هذا‏..‏ وكيف أتعامل معه لأنني خائفة علي مصيري ومن أيامي المقبلة‏,‏ خاصة أن أبي رجل كبير في السن ولايريد التدخل في مشاكلي مع ابني‏..‏ ولا يقدر علي ذلك أيضا‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
لا أحد يقبل بمثل هذه المعاملة القاسية من ابن لأمه بغض النظر عن حجم عطائها له أو نوعيته‏..‏ بل ولا أحد يقبل بها أيضا حتي ولو لم يكن لهذه الأم أي فضل علي ابنها سوي أن حملته وهنا علي وهن‏,‏ ثم توقف عطاؤها له عند ذلك الحد‏,‏ فالابن مطالب بالرفق بأبويه في كل الظروف والأحوال‏,‏ وإهداره لحق أحدهما عليه في حسن الرعاية والترفق به إثم عظيم لا يغفره الله سبحانه وتعالي لمن لايندم عليه ندما صادقا ويستغفر ربه منه آناء الليل وأطراف النهار‏,‏ ويستدرك ما فاته من حسن الرعاية لأبويه قبل أن يفوت الأوان ويتعذر عليه تصحيح الأخطاء وتعويض من لايضيع حقهم عليه في الدنيا ولا في الآخرة‏,‏ فلقد جاء في الأثر أن من الذنوب ما يعجل الله العقاب عليه لمرتكبها في الدنيا‏,‏ ومنها ما يؤجل سبحانه العقاب عليه إلي الآخرة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل العقاب عليه لمرتكبه في الدنيا مع ما يدخره له من عقاب في الآخرة‏,‏ فليستزد ابنك إذن من عقاب الدنيا والآخرة كما يشاء أو كما يري نفسه جديرا به‏,‏ فعلي نفسه إثم ما يفعل إن شاء أكثر منه وإن شاء قلل أو امتنع‏,‏ فلقد تذكرت قصة إمام الزهد حسن البصري حين شاهد أميرا يضرب رجلا بالسوط فلم يستعطفه ليرحمه‏..‏ أو يترفق به وإنما قال له‏:‏ والله ماتضرب إلا نفسك‏,‏ فإن شئت فكثر وإن شئت فقلل‏!‏

والحق هو أن رسالتك تكشف لنا عن جانب آخر قد لا يعرفه البعض لما تعده بعض الأمهات تضحية كبري من جانبهن للأبناء تستوجب منهم دائما أن يقدروها لهن ويعرفوا لهن قدرها‏..‏
ومع أن هذه التضحية ليست واجبا مفروضا علي كل أم تجاه أبنائها‏,‏ وإنما هي سخاء في الفضل يشكر من يقدمه ولا يلام تاركه ولا ينتقص من قدره إذا امتنع عنه‏,‏ إلا أنه يغيب عن بعض الأمهات إدراك الفارق الجوهري بين نوعين من هذه التضحية‏,‏ يكون تقدير الأبناء لأحدهما خالصا وخاليا من كل شائبة‏,‏ ويكون تقديرهم للثاني مركبا أو مختلطا ببعض الشوائب النفسية لديهم‏!‏

فالأبناء يفرقون بين تضحية الأم بعدم الزواج من أجلهم بعد رحيل الأب عن الحياة‏,‏ وبين تضحية هذه الأم بنفسها من أجلهم بتقديم نفس العطاء لهم إذا كان الحرمان من الأب قد حدث بسبب إصرار الأم علي طلب الطلاق منه لأسباب رأتها هي كافية لذلك‏..‏ ولايراها الأبناء عادة كافية لحرمانهم من حقهم في الحياة المستقرة بين أبوين يعيشان تحت سقف واحد‏.‏
فإذا كان هذا الانفصال قد تم بناء علي رغبة الأم وليس رغما عن إرادتها‏,‏ فإن تقدير الابن الذي تكرس حياتها له وترفض الزواج من أجله‏,‏ لهذه التضحية ولعطاء الأم من أجله قد لايعفيها في بعض الأحيان من لومه الباطني لها علي حرمانه من الحياة العائلية الطبيعية‏.‏ فكأنما يدور الصراع داخله بين حبه لهذه الأم وتقديره لعطائها له وبين غضبه منها واتهامه لها بالمسئولية عن هذا الحرمان‏.‏

وكلما تقدم في مدارج العمر وازدادت مطالبه من الحياة وازدادت صعوبات الطريق‏,‏ اشتد الصراع داخله بين هذين النداءين‏..‏ نداء الحب والعرفان للأم‏..‏ ونداء اللوم لها والاتهام بالمسئولية عن متاعبه‏,‏ فكأنما يقول لنفسه إن أمه هذه سيدة عظيمة بالفعل لرفضها مغريات الزواج بعد أبيه من أجله‏..‏ وتستحق من أجل ذلك كل الحب والاحترام والوفاء‏..‏ ولكن ما ضرها لو كانت قد أتمت الفضل وصبرت علي حياتها مع أبي لكي أحظي مثل غيري بحياة عائلية مستقرة ومحترمة وأتمتع بحماية الأب ورعاية الأم في الوقت نفسه؟
فإذا كان هذا الانفصال قد وقع بعد فترة قصيرة من الزواج فإن قصر عمره يكون دليلا لدي الابن علي أن أمه لم تبذل كل ما في وسعها كلا تحرمه من الحياة المستقرة‏...‏ ولم تصبر الصبر الكافي الذي يحق لها بعده أن تقول إنها قد استفذت كل الحيل من أجل الإصلاح‏.‏ حتي لم يعد في القوس منزع‏,‏ فيشفع لها ذلك عند الابن في تخليص تقديره لتضحيتها من أي شبهة اتهام لها بالأنانية وتغليب اعتباراتها الذاتية علي مصلحته الحقيقية‏..‏ إلخ‏.‏

وهذا هو منطلق بعض الأبناء الذين لايغفرون في أعماقهم لأمهاتهم أو آبائهم حرمانهم من حقهم المشروع في الحياة العائلية مهما يكن شقاء الأبوين بها‏.‏
وبغض النظر عن عدالة هذا المنطلق أو تجنيه فإننا لابد أن نتفهمه ونضعه في حساباتنا عند اتخاذ القرارات المصيرية في حياتنا‏,‏ وأنت من حقك أن تحزني بالفعل ياسيدتي لقسوة هذا الابن الضال معك‏,‏ وأن تتساءلي عن الجائزة التي كان ينبغي له أن يقابل بها تضحيتك من أجله‏..‏ غير إنني أقول لك في النهاية إن جوائزنا عن عطائنا لإبنائنا إن هي ضاعت لديهم فإنها لاتضيع عند من يملك حقا منح الجوائز سبحانه وتعالي‏,‏ فإن كنا نسعد بالفعل بكل لفتة عرفان أو حب أو حنان تأتينا من جانب الأبناء وتعكس لنا تقديرهم لعطائنا لهم‏,‏ فلقد أعطيناهم من الأصل ونحن لانفكر في عائد هذا العطاء‏..‏ ولا في موعد سدادهم لديوننا لديهم‏,‏ ولعلنا كنا نؤدي إليهم ما وهبه لنا آباؤنا وأمهاتنا من عطاء‏,‏ لكي تتواصل الأجيال وتطرد الحياة‏,‏ فإن كانوا ممن لايذهب العرف بينهم فلقد اختاروا لأنفسهم السعادة والأمان في الدارين‏,‏ فإن ضنوا علينا بالعرفان فيكفينا أننا قد أدينا واجبنا الديني والإنساني تجاههم ولم نكن من الظالمين‏.‏

أما المكافأة لنا عن العطاء لهم‏..‏ فلقد قبضنا بالفعل بعضها حين استمتعنا بالعطاء لهؤلاء الأبناء وأرضينا ضمائرنا ورعينا حدود الله فيهم‏..‏ وراقبنا هؤلاء الأبناء وهم ينمون أمامنا‏,‏ ويرضعون لبان حبنا ويتدثرون بدفء عطفنا‏,‏ فكان الجزء المعجل لنا من المكافأة هو هذا الفرح المقدس بالعطاء للأعزاء‏..‏
فنحن ممن قال عنهم الأديب والشاعر جبران خليل جبران‏,‏ إن بعض الناس يعطون بفرح فيكون فرحهم هذا هو مكافآتهم علي عطائهم‏.‏
وليس من عطاء يرضي فاعله عن نفسه سواء عرف له متلقيه فضله أم لم يعرفه كعطاء الآباء والأمهات للأبناء‏,‏ وعطاء الابن البار لأبويه‏,‏ ولهذا فإن نصيحتي لك في النهاية هي ألا تسمحي لهذا الابن بالاجتراء عليك مرة أخري مهما تكن الظروف والأحوال‏..‏ وبأن تتعاملي معه بتحفظ يشعره بعدم الرضا عنه إلي أن يرجع إلي رشده ويعرف لك قدرك‏,‏ علي أن تسلمي في الوقت نفسه بأنه قد شب عن الطوق وأصبحت له حياة مستقلة وعالم آخر وفلتتقبلي هذه الحقيقة بروح واقعية لتقل فرص الاحتكاك والملاحاة بينكما‏..‏ وتستقيم علاقتكما وتتخذ شكلها السليم من جديد‏.‏
المزيد ....

الأيام القليلة

11-05-2001
أنا زوجة عشت حياة هادئة‏,‏ لم تخل ككل حياة من المشاكل العادية‏..‏ وقد فقدت في بداية زواجي طفلي الأول وفرحة عمري وأول جنين يتشكل في أحشائي‏.‏ وحزنت عليه حزنا عميقا‏..‏ ثم سلمت بإرادة الله ومضت حياتي في طريقها المرسوم‏..‏ وحملت بعد ذلك وأنجبت طفلة‏,‏ ومرضت عقب ولادتها مباشرة بالسكر‏,‏ وكان تفسير الأطباء لمرضي المبكر به هو شدة الحزن علي ابني‏,‏ إلا أن فرحتي بطفلتي طغت علي مرضي فأحببتها بجماع نفسي وكرست وقتي لها‏..‏ وأشفقت عليها من وحدتها في الحياة بلا أخ لها ولا أخت‏.‏ وشغلني مصيرها وماسيئول إليه أمرها حين نرحل أنا ووالدها عن الحياة ذات يوم‏,‏ وكان زوجي يهديء من خواطري دائما ويقول لي إننا سوف نتركها حين يأتي الأجل في رعاية الله‏,.‏ وأننا إذا أحسنا تربيتها فلا خوف عليها إن شاء الله‏.‏
وهكذا مرت الأعوام إلي أن بلغت ابنتي الثامنة من عمرها‏,‏ ويئست أنا تماما بعد عدة تجارب فاشلة من إنجاب أخت أو أخ لها‏..,‏ ثم فوجئت ذات يوم بأعراض الحمل تظهر علي وبالأطباء يؤكدون لي نجاحه واستمراره هذه المرة‏..‏ وبالفعل مضت شهوره بسلام وأنجبت طفلة ثانية فرحت لها فرحة طاغية وشعرت معها بشعور مختلف تماما عن إحساسي بابنتي الأولي‏,‏ وراقبت الطفلة الوليدة وهي تنمو ببطء حتي احتفلنا بعيد ميلادها الأول ونحن في قمة السعادة‏..‏ وبعد عيد ميلادها بأيام بدأت الطفلة تعاني أعراضا مرضية لم يستطع كبار الأطباء الذين عرضناها عليهم معرفة سرها‏,‏ وتكررت محاولاتي العلاج بلا جدوي‏,‏ والطفلة تتألم‏..‏ وتذبل إلي أن نصحنا أحد الأطباء بالسعي لعلاجها في الخارج إذا كنا قادرين علي ذلك‏,‏ ودبرنا تكاليف السفر إلي إنجلترا وسافرنا بابنتي‏..‏ وصدمني الأطباء هناك صدمة قاسية بمصارحتي بحقيقة مرضها‏,‏ واضطر زوجي بعد فترة من الوقت للعودة لبلدنا‏,‏ وبقيت أنا هناك‏8‏ أشهر قضيت بعضها في المستشفي مع ابنتي للعلاج‏,‏ والبعض الآخر خارجه للمتابعة وتماسكت وأنا أري ابنتي تذبل بين يدي من قسوة العلاج عليها‏.‏ لكي استطيع رعايتها‏.‏

وبعد انتهاء برنامج العلاج الرهيب بشرني الطبيب المعالج بأنني استطيع العودة مع ابنتي إلي بلدي بعد أن شفيت من المرض علي أن أرجع كل شهر مرة للمتابعة‏,‏ وحمدت الله كثيرا علي ذلك وعدت إلي بيتي وزوجي وابنتي الكبري‏.‏ وخفق قلبي بالأمل وأنا أري دماء العافية ترجع إلي وجه الطفلة الصغيرة ومضي الشهر سريعا ورجعت للمتابعة‏..‏ وطمأنني الطبيب علي حالتها‏,‏ وبدأت أشعر بأن هذه المحنة سوف تزول نهائيا من حياتنا بإذن الله‏..‏ لكن الآلام عاودت طفلتي الحبيبة بعد اسبوعين فقط من العودة من زيارة الاطمئنان والبشري بالشفاء‏..‏ وبدأنا رحلة العذاب من جديد ورجعت إلي الغربة‏..‏ والخوف‏..‏ والتعلق بالأمل الواهي‏..‏ وأصبح اليوم الواحد يمر علي وكأنه سنة أو أكثر‏,‏ والأطباء يهزون رءوسهم ويقولون لي في بساطة إن الحالة قد أصبحت ميئوسا‏,‏ منها وتمسكت بالرغم من ذلك بالأمل إلي أن جاء يوم ونصحني الطبيب بحزم بأن أرجع بطفلتي إلي بلدي لتعيش أيامها بين أهلها ومن يحبونها وانهمرت الدموع من عيني كالمطر‏..‏ وظللت طوال رحلة الطائرة أدعو الله سرا وعلانية أن ينقذ ابنتي ويحفظها لي‏,‏ وبعد عودتي من السفر بيومين انطفأت الشمعة الصغيرة التي كانت تنير حياتي بالأمل والحب والسعادة‏,‏ وأظلمت الدنيا من حولي وأصبحت أرفض الحياة وكل شيء حولي‏,‏ وأعيش علي ذكري ابنتي وأتذكر الأيام القليلة السعيدة في حياتها‏,‏ وبعد أن كنت أحب الصحبة أصبحت أريد العزلة والبعد عن الجميع‏,‏ وبعد أن كان يوم الجمعة يوما مقدسا في حياتي العائلية لابد أن نخرج فيه أنا وزوجي والبنتان لنتناول الغداء في الخارج‏,‏ أصبح موعد زيارتي لابنتي في مثواها الأخير ومن أصعب أيام حياتي‏.‏

وتحيرني أشياء أريد إجابات شافية لها‏..‏ هل كانت ابنتي التي لم تكمل الثالثة من عمرها تشعر بقرب النهاية وتريدني أن أشبع منها قبل الفراق الأبدي ؟‏..‏ هل يري الأطفال ملاك الموت وهو يقترب منهم ؟ لقد كانت شديدة الالتصاق بي في أيامها الأخيرة‏..‏ وتريد أن أكون معها كل الوقت دون أي إنسان آخر حتي والدها أو أختها‏..‏ وتنظر إلي نظرات إشفاق غريبة كأنها تشفق علي مما سأعانيه بعد رحيلها‏..‏ فما معني هذه العلامات ؟ وماقيمة الحياة حين نفقد أغلي مافيها ؟
إنني لا أعرف ماذا يمكن أن تقدمه لي في هذه المحنة‏,‏ لكني أرجوك ألا تنصحني بالصبر لأنني كرهت هذه الكلمة من كثرة ماسمعتها من الناصحين ومن رجال الدين الذين أحضرهم لي زوجي‏..‏ وشكرا لك‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
لم أكرر عليك ماسبق أن قيل لك مرارا وتكرارا حتي ضقت به‏,‏ لكني سأقول لك فقط أنه مهما تكن مرارة الأحزان التي تكتوي بها جوانحنا فإننا مطالبون بأن نعين أنفسنا علي الصمود لها واجتياز فتراتها العصيبة بأقل قدر ممكن من الخسائر النفسية والصحية‏..‏ ذلك أن مضاعفة البلاء لا تفيد أحدا‏..‏ وإنما تضر بنا وبمن حولنا ممن يعتمدون في حياتهم علينا‏..‏ ومن واجبنا دائما تجاه هؤلاء الأعزاء وتجاه أنفسنا ألا ننهزم أمام آلام الحياة القاسية‏..‏ وأن نتلمس كل السبل لترويض الأحزان‏..‏ ومصادقتها‏..‏ والتواصل مع الحياة ونحن نطوي الصدور علي بصماتها‏.‏

لقد كان من تقاليد البحارة حين يلتقون بحوت كبير في البحر أن يلقوا إليه بقارب صغير فارغ لينشغل بمهاجمته عن مهاجمة السفينة الأصلية حتي لا يغرقها‏..‏ ثم يحاولون ـ خلال انشغاله بملاطمة القارب الفارغ ـ صيده أو النجاة بسفينتهم بعيدا عنه‏..‏ وكذلك ينبغي أن نفعل نحن أيضا مع حوت أحزاننا وهمومنا لكيلا يلتهمنا ويقضي علينا‏,‏ أن نشغله عنا‏..‏ بالاندماج في العمل والحياة الاجتماعية والعلاقات العائلية والمجاملات الإنسانية ووسائل الترويح المشروعة عن النفس‏..‏ وبالتفكير في المستقبل‏..‏ والعمل من أجله‏..‏ ونتذكر حقوق الأعزاء علينا وعمق احتياجهم لنا وواجباتنا تجاههم وبالاهتمام بالأشياء الصغيرة في الحياة‏,‏ التي تصرف أذهاننا ولو للحظات عن التفكير في أحزاننا‏,‏ فالطبيعة ضد الفراغ‏..‏ وخلو عقل الإنسان مما يشغله من الأمور الإيجابية ولو للحظات لا يعني إلا تسلل الهموم والأحزان إليه‏,‏ والفارق بين من يعين نفسه علي أحزانه‏..‏ ومن يعين أحزانه عليه هو الفارق بين من يهلع لقضاء لا راد له‏,‏ ويظل مقيما علي هذا الهلع بعد فترة الصدمة الأولي وإلي ما لا نهاية‏..‏ وبين من يتصبر ويتجلد أمام القضاء حتي ولو كان قد انفطر قلبه من الحزن الصادق في البداية فيصبح كمن قال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي‏:‏
وصابر تلهج الدنيا بنكبته
تخاله من جميل الصبر مانكبا
ولأنك لا تريدين مني أن أنصحك بالصبر‏..‏ فلن أفعل‏..‏ وإنما سأرجو لك الله سبحانه وتعالي أن يخفف عنك أحزانك ويعينك عليها‏..‏ ويخرجك من دائرتها الخانقة إلي الرحاب الواسعة من حولك بإذن الله‏.‏
المزيد ....

دموع التماسيح

18-05-2001
أشعر بالرغبة في الحديث إليك منذ فترة طويلة‏..‏ وأبدأ بأن أقول لك إنني سوف أحاول بكل جهدي أن أخفي بعض التفاصيل‏,‏ لكيلا يعرفني من هم حولي وأنني سوف أغير وأبدل في الأماكن ونوع النشاط التجاري والملامح العائلية كعدد الأخوة أو الأبناء إلخ لنفس هذا الغرض‏..‏ وبعد ذلك أقول لك إنني رجل ومتوسط العمر‏,‏ نشأت وسط عدد من الأخوة بين أب تاجر ناجح وأم ربة بيت‏..,‏ وكان أبي رجلا طيبا‏,‏ لكنه كان ضعيفا تجاه أكبر أبنائه ويفضله علينا ويعتبر طلباته أوامر لا يناقشها‏..,‏ ويخصه بالجديد من الملابس دوننا‏,‏ ويقول لمن يلومونه في ذلك إن الابن الأكبر يتحمل مسئولية الأسرة دائما بعد أبيه ولذلك فلابد من إشعاره بنفسه من سن مبكرة لكي يكون قادرا علي التصرف وتحمل المسئولية‏!‏
ونشأنا نحن في هذا المناخ العائلي وتعودنا علي هذا الوضع المتميز لأخينا الأكبر بالرغم من أنه لم يكن يكبرني بأكثر من ثلاث سنوات‏,‏ واعتاد هو أن تكون له سلطة الأمر والنهي فينا بنينا وبنات‏,‏ ومضت بنا الأعوام‏..‏ وشقيقنا الأكبر يزداد التصاقا بأبينا‏..‏ وتعاليا علينا نحن إخوته‏..‏ ووالدنا يشجعه علي مشاركته في العمل‏..‏ ويكلفه بمهام تجارية‏..‏ بحجة إكسابه خبرة العمل وأسرار السوق استعدادا للمستقبل‏..‏ ويتغاضي عن أخطائه وتعثره الدراسي‏,‏ في حين ينصب لنا نحن المشانق إذا رسب أحدنا في امتحان واحد‏..,‏ ولم يمض وقت طويل حتي كان شقيقي قد يئس من النجاح في الثانوية العامة وقرر أن يتفرغ للعمل مع والدنا‏..,‏ وامتلأ أبي زهوا بذلك واعتبر توقفه عن الدراسة تضحية من جانب الابن المحبوب لصالح الأسرة‏,‏ مع أن الجميع يعرفون أنه توقف عن الدراسة للعجز عن الحصول علي الشهادة وليس لأي دافع آخر‏.‏

وتقدمنا نحن في دراستنا وشجعتنا والدتنا علي ذلك‏..,‏ وانشغل أبي بتزويج الابن الغالي من ابنة تاجر صديق له‏..‏ وشاركنا في الاحتفال بفرحة صادقة‏..,‏ وتزوج شقيقنا وأقام في شقة اشتراها والدنا بمنزل أسرة زوجته بعيدا عن زحام الحي الشعبي الذي نقيم فيه‏..‏ وسعد أبي بزواج ابنه سعادة طاغية‏,‏ وتطلع بشوق لأن يحمل أول أحفاده منه‏,‏ غير أن الأقدار لم تمهله حتي يري أول الأحفاد ورحل عن الحياة فجأة‏,‏ وتسلم الشقيق الأكبر قيادة دفة الأسرة‏,‏ وبعد فترة الصدمة الأولي بدأنا نستعيد أنفسنا ونتساءل عن المستقبل وكنا شقيقين وشقيقتين نعيش مع أمنا‏..‏ وقد اعتدنا علي مستوي كريم من الحياة في كنف أبينا‏..‏ في حين كان شقيقنا الأكبر يعيش مع زوجته في مسكنه بالحي الراقي‏..‏ وفيما عدا مبلغ ليس كبيرا بالبنك تم تقسيمه بيننا حسب الانصبة الشرعية‏.‏ فقد كشفت لنا وفاة أبي عن مفاجأة قاسية هي أن المنشأة التجارية التي يملكها أبي والمخزن التابع لها لا نصيب لنا فيها لأنها مبيعة صوريا من أبي لأخي الأكبر‏,‏ وليس لنا نحن الأبناء من تركة أبينا بعد مبلغ البنك سوي معاش التأمينات الاجتماعية الذي حرص أبي علي دفع أقساطه تحسبا للمستقبل‏,‏ ولا يكفي بالطبع لنفقات حياتنا‏.‏ وعرفنا أن والدتنا كانت تعلم بملكية شقيقنا للمنشأة منذ فترة قصيرة‏..‏ وأن أبي أكد لها أنه نقل ملكيتها له صوريا لأسباب تتعلق بالضرائب وأنه أخذ العهد علي شقيقنا زن يعطي كلا منا حقه في المنشأة بعد حل مشكلة الضرائب‏.‏

وجاء شقيقنا وأكد لنا ذلك‏..‏ وقال إنه سيستمر في إدارة المنشأة‏..‏ وينفق علي الأسرة ومتطلبات التعليم‏..‏ من عائد أنصبتنا الشرعية ويدخر لكل منا فائض الدخل إلي أن يحتاج إليه عند الزواج‏.‏ وبعد أن تستقر الأمور تماما فإنه سوف يكتب عقد شركة جديدا يدخلنا به كشركاء في المنشأة بحقنا العادل فيها‏..‏ واطمأنت قلوبنا لذلك‏..‏ وواصلنا الحياة والدراسة‏..‏ ولاحظنا بعد شهور قليلة أن زيارات شقيقنا لأمنا وبيت الأسرة قد بدأت تتباعد بعد أن كانت شبه يومية‏..‏
ولاحظنا كذلك بداية ظهور بعض المشاكل بين أمنا وبين شقيقنا حول نفقات الأسرة ومتطلباتنا‏..‏وشيئا فشيئا بدأنا نسمع من شقيقنا أننا مطالبون بالتقشف والتنازل عن بعض المطالب‏,‏ لأن التجارة تواجه الكساد وهو يعاني ضائقة‏..‏ ثم أبلغتنا أمنا ذات يوم أن شقيقنا قد خصص لنا مبلغا ضئيلا كل أسبوع ولن يدفع غيره مهما تكن الأحوال‏..‏

وبدأت الأيام تقلب لنا ظهر المجنة كما يقولون حتي جاء وقت امتنع فيه شقيقي نهائيا عن الإنفاق علينا بدعوي أن التجارة كاسدة ولا تربح شيئا‏,‏ وأصبحنا نعتمد في حياتنا علي المعاش التأميني‏,‏ فإذا واجهنا طارئا يتطلب مبلغا من المال‏..‏ باعت أمي قطعة من حليها لتلبي طلباتنا‏,‏ رافضة أن تمس المدخرات القليلة التي ورثناها عن أبي لكي تنفعنا عند زواج البنات‏..‏ والمؤسف حقا هو أنه لم يكن هناك مايستدعي هذا الحرمان أو يبرره‏..‏ ففي الوقت الذي كنا نحن نشد فيه الأحزمة علي البطون ونعجز عن الحفاظ علي مظهرنا الخارجي كان أخي غارقا في الترف والاسراف‏..‏ وزوجته تبذر النقود باليمين والشمال بلا أي تقدير للعواقب‏..‏ وقد أشتري لها سيارة فاخرة‏,‏ وأشتري لنفسه سيارة‏..‏ واشتري شقة أكبر في نفس الحي الراقي انتقل إليها بأسرته لأن شقة منزل أسرة زوجته ضاقت عليه‏..‏ واشتري شقة في المصيف‏..‏ إلخ‏.‏
وباختصار تكشفت لنا حقيقة صارخة وهي أننا وبالرغم من أننا أبناء أب واحد وأم واحدة‏,‏ فإننا فقراء لا نملك من حطام الدنيا سوي معاش التأمينات الاجتماعية والمبلغ الصغير المدخر لزواج البنتين وأن شقيقنا قد استأثر بكل ثروة أبي دوننا ويرفض أن يعطينا نصيبنا منها‏,‏ وقد أعلنها صريحة لنا حين طالبناه بحقنا في تركة أبينا بأنه هو وحده مالك كل شيء رسميا وأمامنا المحاكم إذا استطعنا إثبات أحقيتنا في التركة‏!‏ ولن أصف لك عمق ماشعرنا به من قهر ومرارة في هذه الأيام الكالحة‏..‏

ثم هدأنا بعد حين‏..‏ وسلمنا أمرنا لله‏..‏ وقررنا ألا ننازع شقيقنا وألا نقف أمامه في المحاكم مهما عانينا من متاعب وشجعتنا أمنا علي ذلك‏,‏ لكيلا نقطع آخر خيط معه‏,‏ مؤكدة لنا أن طمع الدنيا لا يفيد وأنه سوف يثوب إلي رشده ويعرف قيمة الأهل والأخوة ذات يوم‏..‏ لكن الأيام مضت وشقيقي لا يرجع إلي نفسه ولا يأسي علي استيلائه علي حق أمه وأخوته وأصبحت الشهور تمضي دون أن يطرق علينا الباب أو يسأل عنا في التليفون‏,‏ وتقطعت معظم علاقاته بالأخوال والأعمام والعمات بسبب محاولتهم للتدخل لديه لكي يترفق بنا‏..‏ وسلمنا في النهاية بأنه لا معين لنا إلا أنفسنا وحبنا لبعضنا البعض واعتمادنا علي الله في كل أمورنا‏..‏ وصبرنا علي متاعب الحياة‏..‏ وتآلفنا مع ظروفنا الجديدة‏..‏ ومع التقشف الشديد والحرمان حتي أنهينا دراستنا وعملنا واحدا بعد الآخر وتزوجت الشقيقتان بالمبلغ المدخر وبلا أي معونة من أخي زيجات بسيطة‏,‏ ولكنها سعيدة والحمد لله وتزوجت أنا بمساعدة أخي الأصغر وخالي الطيب وحين تزوج شقيقي الأصغر رددت له ديونه وساعدته في الزواج في حدود إمكاناتي‏,‏ وأصبحنا نجتمع في بيت أمنا كل أسبوع‏..‏ ونشعر بسعادة الدنيا كلها في اجتماعنا وتراحمنا وتبادلنا للعطف والاهتمام‏,‏ في حين أمعن شقيقي الكبير في البعد عنا وعن كل شيء يربطه بنا‏..‏ فكنا لا نعرف عنه شيئا إلا مما نسمعه عرضا من بعض الجيران القدامي في الحي‏,‏ ومن شذرات الكلام هذه عرفنا أن أحواله المادية قد ازدهرت بصورة كبيرة للغاية وأصبح من رجال الأعمال ويركب سيارة مرسيدس ويصدر ويستورد ويسافر للخارج إلخ‏.‏

ورحلت أمنا عن الحياة فبكيناها جميعا واجتمعنا في بيت الأسرة نستقبل المعزين فكانت وفاة أمي هي المناسبة التي رأينا فيها شقيقنا بعد عامين كاملين انقطع خلالهما عنا وبالرغم من ذلك فلقد احتفينا به وعاملناه باحترام‏..‏ وقدمناه علي أنفسنا لأنه كبيرنا بالرغم من كل شيء‏..‏ وشعر هو بالخجل من نفسه فطلب منا زيارته والسؤال عنه‏!‏
ومضت الأعوام في طريقها المرسوم فلم نزره في بيته لنفور زوجته من ذلك ولم يزرنا هو بالطبع وكبر أبناؤنا‏..‏ وبدأوا يتساءلون عن عمهم الثري الذي يسمعون عنه ويسألون لماذا لا يرونه ولماذا لايزورونه وبدأنا نحن نخترع الأكاذيب لنبرر هذا التباعد بيننا‏..,‏ وجربت شقيقتي الصغري أن تتصل به وتدعوه لزيارة أسرتها لأن أبناءها يرغبون في التعرف عليه‏..‏ فوعدها بالزيارة ولم يف بوعده فسخطت عليه سخطا شديدا واتهمته بالتكبر علي أخوته إلي أن كنت جالسا في صالة مسكني ذات أصيل‏..‏ أتابع مذاكرة الأبناء وأشرب القهوة‏,‏ وأتبادل الحديث بصوت خافت مع زوجتي لكيلا نشوش علي تركيز الأبناء‏..‏ فدق جرس الباب وفتحه ابني الصغير‏..‏ ثم جاءني يقول لي إن بالباب رجلا لا يعرفه ويقول إنه عمه‏,‏ فنهضت لأري القادم فإذا بي أري شقيقي الكبير واقفا وعلي شفتيه إبتسامة مترددة‏..‏ فهتفت مرحبا به وأنا أفتح له ذراعي‏..‏ ودعوته للدخول وأنا أتوجس خيفة من أن يكون مكروه قد حدث لأحد أفراد أسرته لكني رأيته هادئا فدعوت الأبناء للترحيب بعمهم والتففنا حوله ضاحكين مستبشرين‏,‏ وراح هو ينقل عينيه بيني وبين زوجتي في ارتياح ويقول لي هامسا إنه لم يكن يتوقع مني هذا الاستقبال الحار لانقطاعه عني منذ فترة طويلة‏,‏
وبعد تناول الشاي أشرت للأبناء أن يعودوا لمذاكرتهم ودخلت معه الصالون وسألته عن أحواله‏,‏ فإذا به يصارحني بأنه يريد أن يقيم عندي لفترة بشرط ألا يعرف أحد ذلك لأنه هارب من تنفيذ أحكام عليه بالسجن بسبب إصداره شيكات بدون رصيد‏,‏ ويريد الاختفاء بعض الوقت حتي لا يقبض عليه فيعجز عن تدبير أموره وتسوية ديونه مع الدائنين‏..‏ وصدمت لما سمعته وسألته عما جري‏,‏ فحكي لي أنه قد توسع في نشاطه التجاري كثيرا في السنوات الأخيرة‏,‏ وتوسع في الاقتراض وشراء السلع بشيكات مؤجلة اعتمادا علي الأمل في أن تنشط السوق ويحقق أرباحا كبيرة ويسدد كل الديون ويوفر الملايين فخابت بعض تقديراته إلي جانب كثرة نفقاته وإسراف زوجته الشديد فواجه صعوبات عديدة‏..‏ وحاول أن يقنع زوجته ببيع بعض الممتلكات التي اشتراها باسمها لكي يحصل علي السيولة اللازمة فرفضت بإصرار وطلبت منه أن يحل مشاكله بعيدا عنها‏,‏ لأن هذه الممتلكات هي صمام الأمان بالنسبة لها ولأبنائها‏,‏ فكانت النتيجة صدور هذه الأحكام‏.‏ وهو يريد الاختباء حتي يستطيع أن يبيع بعض الممتلكات وشقة المصيف‏,‏ والسيارة المرسيدس ويسدد الديون‏,‏ لكن رجال تنفيذ الأحكام يترصدونه في كل الأماكن التي يتردد عليها ولا يستطيع الاقتراب منها وقد فكر في المكان الذي لا يخطر علي أذهانهم أبدا أن يلجأ إليه فإذا به مسكني أنا الذي لم يدخله سوي مرة واحدة لمدة ربع ساعة أيام زواجي للتهنئة‏!‏

وبالرغم من المفارقة المؤلمة في أن يكون بيت شقيقه هو آخر مكان يتصور أحد لجوءه إليه فلقد رحبت به‏,‏ وأكدت له استعدادي لأن أفعل كل ماهو في صالحه‏..‏ وأقام شقيقي في مسكني حوالي الشهر كان خلاله الضيف المعزز المكرم الذي نؤثره علي أنفسنا‏,‏ ثم انتقل الي بيت شقيقي الأصغر خوفا من أن يكون مقره عندي قد عرف‏,‏ ثم الي بيت شقيقتي الوسطي‏,‏ ثم اختفي فجأة فلم نعرف عنه شيئا إلي أن جاءني صوته في التليفون بعدها بأسبوعين من بلد عربي مجاور ليقول لي إنه سافر إليه وسيظل به إلي أن ينتهي من تسوية مشاكله المالية كلها ويأمن علي نفسه فيعود‏,‏ وظننت أنه يطمئن بذلك علي مصيره فإذا به يكشف لي أنه أتصل بي لأنه يحتاج إلي القيام بكذا وكذا‏..‏ وكذا‏..‏ وكذا‏,‏ وان علي الذهاب إلي المحامي وفعل كذا وكذا والذهاب إلي المنشأة التجارية وإبلاغ من اشتراها منه بكذا وكذا‏.‏ وعشرات المهام والتكليفات التي تحتاج الي تفرغ كامل لتنفيذها‏..‏ ولم أكن لأمانع في القيام بأي عمل يحقق له مصلحته‏,‏ لكني شعرت بغصة شديدة وهو يصدر الي هذه التكاليف ويشدد علي تنفيذها في مواعيد محددة بحق الأخوة التي بيننا كما قال وإلا فسوف تزداد المشاكل‏..‏ وسمحت لنفسي بالتساؤل ولماذا لم يتذكر هذه الأخوة إلا الآن‏..‏ وأين كانت هذه الأخوة حين كنت في حاجة إلي عونه أو حتي إلي أن يبرني بالزيارة‏,‏ لكيلا يشعرني بالضعة والهوان أمام زوجتي وانسبائي في البداية ثم أمام أولادي بعد ذلك‏,‏ لكن هذه الغصة لم تقعدني علي أية حال عن تلبية ندائه‏..‏ وانطلقت أؤدي التكليفات المطلوبة بدقة‏..‏ واهتمام‏.‏

ومنذ ذلك الحين وأنا أجوب الشوارع والمدن وأتردد علي المصالح الحكومية ومكاتب المحامين‏..‏ ومحلات التجار ومكاتب الشهر العقاري‏..‏ لأقوم بما يطلبه مني شقيقي وكلما أنهيت مهمة كلفني بغيرها‏,‏ وإذا تعثر تنفيذ إحدي هذه المهام لأسباب خارجة عن إرادتي أو تأخرت بعض الشيء نسي نفسه وراح يلومني علي ذلك‏,‏ وكأنني المسئول أو كأنني موظف يتقاضي منه أجره ويقصر في عمله‏!‏
و الشيء نفسه راح يفعله ولكن بصورة أخف علي شقيقي الأصغر وشقيقتي الوسطي وزوجها الذين تذكرهم فجأة‏,‏ أما شقيقتي الصغري وزوجها فقد قالا له صراحة إنهما لا شأن لهما بمشاكله وليسا مستعدين لبذل أي نقطة عرق من أجله وهو الذي لم يعرفهما ولم يدخل بيتهما‏!‏ حتي ذلك الحين‏.‏ وبذلك وقع العبء الأكبر لهذه التكليفات علي عاتقي‏.‏ ولم يقتصر هنا العبء علي الجهد والوقت والمشقة والتعرض لرزالات بعض الدائنين الذين يؤذونني بالكلام والتهديدات عن شيء لا ذنب لي فيه‏..‏ وإنما امتد كذلك إلي الغرم المادي‏..‏ فكثير من الأوراق التي يطلبها تحتاج إلي رسوم وتكاليف وإكراميات لإنهائها‏,‏ وأنا محدود الدخل ومثقل بمطالب الحياة‏,‏ وشقيقي يرسل لزوجته بالرغم من تخليها عنه علي عنواني حوالات مصرفية بالآلاف‏,‏ ولا يفكر في إرسال قيمة الرسوم التي أتكبدها أنا من دخلي المحدود ولو أقتصر الأمر علي الجهد والغرم لهان واحتملته إلي النهاية دون شكوي‏..‏ وبالرغم من ظلمه لي ولأخوتي في ميراثنا عن أبينا وتباعده عنا وتعاليه علينا وهو في عنفوان الثروة‏..‏ لكنه الآن يطالبني فوق كل ذلك بالقيام بإجراء معين يعرضني للوقوع تحت طائلة القانون إذا تم اكتشافه ولابد من اكتشافه ذات يوم‏,‏ ويقول لي إن ذلك سوف ينهي متاعبه التي أوشكت علي الانتهاء وأنه سوف يعوضني عن كل مافات بعد عودته إن شاء الله‏,‏ وأنا لا أريد تعويضا ولا أنتظر منه شيئا‏,‏ ولا أريد سوي أن أعيش في سلام كما كنت أحيا قبل أن يظهر شقيقي بمشاكله في حياتنا‏,‏ كما أنني لا أحتمل البهدلة إذا اكتشف الأمر الذي يطلبه مني ويلح علي فيه‏..‏ ولا أدري لماذا يعرضني للخطر أو في تكليف ابنيه وأحدهما في التاسعة عشرة والآخر في السابعة عشرة ولا يفكر في تكليف زوجته التي تستمتع بماله به أو يكلف بذلك أحد أشقاء زوجته الذين لم يكن يعرف لنفسه أهلا سواهم‏,‏ لقد فاتحت زوجتي في هذا الأمر فتحولت الزوجة الطيبة الهادئة التي لم يعل صوتها منذ تزوجتها إلي نمرة شرسة ورفضت بإصرار أن أفعل المطلوب مني وأنا حائر بينها وبين شقيقي ومكالماته التي تصل إلي خمس أو ست مكالمات في اليوم الواحد‏..‏ وهو يصرخ ويبكي ويستعطفني وهي تصرخ وتبكي وتهددني‏..‏ فماذا أفعل؟‏!..‏ إنني أرجو أن تشير علي وتقول لي رأيك فيما ينبغي لي أن أفعله‏,‏ وسوف ألتزم به كحل أخير بعد أن اتفقت مع زوجتي علي الاحتكام إليك‏..‏ وإذا كان لك رأي آخر فهل تتفضل بأن توجه كلمة إلي هذا الشقيق وإلي زوجته ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
من الناس من يصدق فيهم قول بعض الحكماء عن أحد الأشخاص‏:‏ إنه ممن لا يرجو المرء خيرهم وإنما أن ينجو فقط من أذاهم أو شرورهم‏!‏
أو قول المتنبي‏:‏
إنا لفي زمن ترك القبيح فيه
من أكثر الناس إحسان واجمال
والواضح هو أن شقيقك الأكبر هذا من ذلك النوع من البشر الذي لا يتطلع المرء لنوال خيره ذات يوم‏,‏ وإنما يكون أقصي الأمل فيه هو النجاة من شره وأذاه‏..,‏ ففي ذلك إذا حدث إحسان وإجمال‏,‏ كما أنه أيضا من هؤلاء الأشخاص الذين يؤمنون بخصوص الفرح وعموم الغم‏,‏ مع الاعتذار للتعبير الفقهي الشهير العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومن سمات هؤلاء الأشخاص استئثارهم لأنفسهم بأسباب البهجة والسعادة والفرح لا يشركون فيها أحدا‏,‏ ومسارعتهم في الوقت نفسه إلي نشر همومهم علي من حولهم وإشراكهم فيها حتي الثمالة‏,‏ ومطالبتهم لهم بمكابدتها معهم والبحث عن حلول لها معهم‏,‏ لأنهم ذاتيون في البهجة واشتراكيون في الهموم‏.‏
ولأن شقيقك من هذا النوع من البشر فلقد استأثر لنفسه بكل أسباب البهجة والسعادة والثروة طوال السنوات إقبال الحياة عليه ولم يقترب منكم أو يسمح لكم بالاقتراب منه‏..‏ ومشاركته في شيء مما يرتع فيه حتي ولو كان عز الانتماء الي شقيق ثري من وجهاء القوم يفتخر أبناؤكم بقرابتهم له‏..,‏ وهي مشاركة معنوية لم تكن تكلفه شيئا‏..‏ ثم حين أدارت له الأيام ظهر المحبة‏..‏ وبدأ المتاعب والهموم حملها بقضها وقضيضها وجاء بها إليكم‏..‏ وتذكر حينذاك فقط أن له أخوة يصل بينه وبينهم الرحم ولابد لهم أن يشاركوه همومه ويبذلوا غاية جهدهم لحمايته وإنقاذه‏..‏ ولاشك في أن والدك غفر الله له قد غرس بذور هذه الأنانية والأثرة والبعد عن روح العدل في شخصية شقيقك بتمييزه له عليكم منذ الصغر بتمكينه من الاستيلاء علي حقوقكم في ماله بنقل ملكية منشأته إليه دون التحوط باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حقوق الأخوة والأم لديه‏.‏
والحق أنني لا أعترض علي احتفائك بشقيقك عند ظهوره في حياتك لأول مرة بعد سنوات طوال حتي ولو كان هذا الطهور اضطرارا وبدافع الاحتماء بك وليس الشوق إليك‏..‏ كما لا أعترض أيضا علي إخلاصك في خدمته وتكبدك المشاق من أجله وسعيك الدءوب لمساعدته علي حل مشاكله والخروج من محنته‏,‏ فكل واحد ينفق مما عنده كما قال السيد المسيح عليه السلام حين مر بقوم فقالوا شرا وقال لهم خيرا‏..‏
ولأنك ماعاقبت من عصي الله فيك بمثل أن تطيع أنت الله فيه كما قال صادقا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏,‏ وان كان هذا الاحتفاء نفسه برغم كل أذاه السابق لك يترجم قول أحد الحكماء إن من آفات النفس البشرية ان يشعر بعض الأشخاص بالانكسار أمام الآخرين بغير سبب سوي لفقرهم بالمقارنة بثراء هؤلاء الآخرين‏.‏ غير أنني لا أعترض كذلك علي موقف شقيقتك الصغري وزوجها منه حين عجزا عن العطاء لمن لم يعط لهما من قبل شيئا وحرمهما حتي من شرف الاعتزاز بأخوته‏,‏ كما حدث حين رفض زيارتهما استجابة لرجاء أطفالهما‏,‏ فلكل إنسان قدرته علي العطاء التي لا يستطيع أن يتجاوزها‏..‏ وحسبه إذا عجز عن العطاء لمن أساء إليه من قبل ألا يقدم هو الأذي إليه أو ينتقم منه‏..‏
وموقفك منه يترجم عمليا قول الحكيم الصيني لو ـ تسو‏:‏ قابل الرحمة بالرحمة وقابل القسوة بالرحمة أيضا‏!‏
وموقف شقيقتك الصغري منه يترجم قول الفيلسوف كونفوشيوس‏:‏ ردا علي هذه المقولة‏:‏
ـ بل قابل الرحمة بالرحمة وقابل القسوة بالعدل‏!‏
ولأنك قد أديت ومازلت تؤدي متفضلا ومشكورا واجبك الإنساني تجاه شقيقك‏,‏ ولم تتخل عنه في محنته ولم تبخل بالجهد والوقت والمال برغم قلة إمكاناتك في حل مشاكله وقضاء مصالحه دون أي أمل في تعويض نفسي أو مادي منه‏..‏ فإنني أرجوك رجاء حارا ألا تستجيب لندائه إليك بالإقدام علي ذلك الإجراء الذي يعرضك للخطر ويضعك تحت طائلة القانون إذا تم اكتشافة‏..‏ فصلة الرحم‏..‏ والبر بالأخ‏..‏ ومقابلة القسوة بالرحمة كل ذلك لا يعني أبدا أن تورد نفسك مورد التهلكة من أجل هذا الشقيق‏..‏ ليس فقط لأنه لا يستحق هذه التضحية منك وإنما أيضا لأنه ليس من الحكمة أن تعرض نفسك وأسرتك للخطر بصفة عامة‏..‏ وخاصة من أجل هذا الشقيق ذلك مطالبته لك بهذه المخاطرة إنما تؤكد أنه لم يستد شيئا من دروس المحنة‏..‏ ولم يتغير فيه شيء‏..‏ ومازال نفس الشخص الأناني الذي يري ان كل مايحقق له مصلحته الذاتية أمر عادل ومطلوب ولو أدي الي الإضرار بالآخرين وسلبهم حقوقهم‏..‏ وهو نفس المنطق الذي استولي به علي ثروة الأب دونكم‏..‏ وباعدكم وابتعد عنكم طوال سنوات الثراء والبريق بسببه وهاهو يعيد نفس الكرة ويري أن مصلحته الشخصية ينبغي أن تكون لها الأولوية القصوي لديك قبل مصلحة أبنائك وأسرتك ومصلحتك‏,‏ كعادة ذوي الأثرة والأنانية في هذا الاعتقاد بأن كل مايهمهم أمره لابد أن تكون له الأولوية قبل اعتبارات الآخرين فارفض مايدعوك بقوة ولا تأبه لصراخه وبكائه واستعطافه‏..‏ فإنما هو صراخ التحايل ودموع التماسيح واستعطاف الصائد للفريسة لكي تقترب من مرمي نيرانه أو دائرة النار ليحكم اقتناصها‏.‏ وصارحه بأنك لن تبخل ببذل كل مافي وسعك أن تفعله من جهد وعناء‏.‏ لمساعدته ولكن في حدود القانون وحدود ماتسمح به طاقتك وقدرتك‏..‏ وليبحث هو لنفسه عن مخرج آخر من محنته عن طريق من يتعامل معهم من المحامين وشكرا‏.‏
المزيد ....