‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2009. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2009. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، ٣١ يوليو ٢٠١٢

كيف أحيا ؟‏!

25-12-2009
أنا سيدة من إحدي الدول العربية‏,‏ أكتب إليك لأني أشعر بنفسي في مفترق طرق‏,‏ أو لكي أكون أكثر دقة‏,‏ في منحني خطر‏,‏ وأخشي أن يجرفني تيار الاحتياج والغضب والعمر الي المنحدر‏,‏ وأنا التي عشت عمري في القمة دوما‏.‏

تزوجت منذ‏20‏ عاما من شاب وسيم كان في بداية حياته العملية بعد تخرجه في كلية الهندسة‏,‏ وعلي الرغم من اعتراض أسرتي عليه بسبب ضعف إمكاناته المادية والفوارق الاجتماعية إلا أني أصررت علي الزواج به‏,‏ فقد أحببته حبا كبيرا لأنه كان أول رجل أعرفه في حياتي‏,‏ وأنا بطبيعتي إنسانة رومانسية حالمة‏,‏ يمثل الحب بالنسبة لي أهمية تفوق بكثير

المنصب أو المال أو الحياة المرفهة‏.‏

تزوجنا وعشت سنواتي الأولي سعيدة‏,‏ وبدأ نجم زوجي يلمع ويعلو‏,‏ وجاءتنا ابنتنا الأولي‏,‏ وكانت وجه السعد علينا‏,‏ فانتقلنا إلي شقة أوسع في مكان أرقي‏,‏ ولكن يبدو أن السعادة ليست في العز ولا في الجاه‏,‏ وكأن هناك ارتباطا ما‏,‏ إذا جاء الفرح من جانب‏,‏ لابد أن تدفع من سعادتك نصيبا‏.‏

أحسست ياسيدي أن زوجي يخونني‏,‏ لا تسألني كيف‏,‏ فالمرأة تحس بزوجها‏,‏ بعدم ارتياح‏,‏ ببعض الاشارات‏,‏ برائحة مختلفة‏,‏ بنظرات عينيه‏,‏ المهم أحسست وبدأت في مطاردة إحساسي‏.‏

ثلاث سنوات وأنا أطارده وهو لايدري‏,‏ كان شديد الذكاء‏,‏ مراوغا محترفا‏..‏ بعد عشر سنوات من الزواج اكتشفت انه يخونني‏,‏ وأين؟ علي فراشي‏,‏ في بيتي‏,‏ ومع من؟ لا فرق مع كثيرات‏,‏ عميلات من المكتب‏,‏ صديقات لي‏,‏ زوجات أصدقائه وقريباته؟

قد تغضب المرأة من زوجها الخائن‏,‏ تثور‏,‏ تنفعل‏,‏ تبحث عن الانفصال‏,‏ لكن شيئا ما يبقي بداخلها اذا كانت تحب هذا الرجل وتحترمه‏,‏ وتغفر له عندما تراها نزوة أو مغامرة أو مللا زوجيا‏,‏ ولكن مع زوجي ورغم حبي له الا اني احتقرته تماما‏,‏ فقد احترامي مع حبي في ضربة واحدة‏,‏ شعرت بأنه دنيء ليس لديه أي رادع أخلاقي‏,‏ ممثل بارع‏,‏

وخائن بامتياز‏.‏

تأزم الموقف بيننا‏,‏ وطالبته بالطلاق‏,‏ ولكني كنت وحيدة في مواجهته لان أهلي تخلوا عني وقالوا لي ادفعي ثمن اختيارك‏,‏ لديك بنت وولد من يعولهما‏,‏ لا تدري أي إحساس مذل تشعر به امرأة جميلة‏,‏ أو حتي غير جميلة‏,‏ ومضحية ومحبة‏,‏ عندما تجد نفسها مضطرة للاستمرار في الحياة مع رجل مدنس خائن لا تحبه‏.‏

عشت معه تحت سقف بيت واحد وكأننا غريبان‏,‏ حرصنا فقط علي صورتنا أمام طفلينا وأمام الناس‏,‏ أما في الواقع فقد كانت حياتنا باردة تماما‏,‏ وبعد امتناع ما يقرب من عام‏,‏ وافقت علي أن أمنحه حقوقه الزوجية بعد تذلله وبكائه تحت قدمي‏,‏ لم أكن أشعر به‏,‏ بل الحقيقة كنت أشعر بالقرف منه‏,‏ فكنت أترك له نفسي وأغمض عيني وأذهب بعيدا‏,‏ حيث

لا يكون‏,‏ وحيث أنوثتي المهانة ومشاعري المحطمة‏.‏

أعوام مرت والمسافة بيننا تتباعد علي كل المستويات‏,‏ وجدت نفسي أحيا من أجل طفلي فقط‏,‏ فقلت‏:‏ هل أفقد الدنيا والآخرة؟ توجهت الي الله بكل طاقتي‏,‏ حفظت القرآن‏,‏ وحججت وارتديت الحجاب فشعرت بأن لحياتي معني بعد ان تمكن الإيمان من قلبي‏,‏ ولكن هل يستطيع الانسان ان يصبح ملاكا‏,‏ أو يتجرد بسهولة من آدميته واحتياجاته ويسمو

فوق كل الغرائز؟‏!‏

سيدي‏..‏ كانت علاقتنا الزوجية تتضاءل وتتباعد بسرعة مذهلة حتي انقطعت تماما منذ سنوات بسبب مرض ما ألم بزوجي‏,‏ ومع المرض والعجز والانكسار‏,‏ تغير زوجي‏,‏ أصبح يعتذر لي كل صباح‏,‏ يقبل يدي ويطلب مني العفو والسماح‏..‏ يقول لي ان الله يغفر‏,‏ أفلا تغفرين؟ تقرب هو الآخر الي الله‏,‏ لم يترك فرضا‏,‏ بدأ يحرص علي حفظ

القرآن ويعلن الندم علي مافاته‏,‏ ولكن بعد أن فات ومات إحساسي به وقدرتي علي العفو والسماح‏.‏

سيدي‏..‏ أين الأزمة أو لحظة التنوير ـ كما يقولون ـ في القصة‏,‏ سأعترف لك‏:‏ عمري الآن لامس الأربعين أو تجاوزها‏,‏ كبرت ابنتي وتمت خطبتها‏,‏ وابني يعيش قصة حب‏,‏ وزوجي منهمك في تدينه وعمله واعتذاراته‏,‏ أما أنا فأشعر بفراغ رهيب‏,‏ احتياجي للحب والمشاعر والكلمة الحلوة يجتاحني‏,‏ عندما أسمع كلمة حلوة‏,‏ غزل من أي شخص

أشعر بالضعف‏,‏ العمر يتسرب من بين يدي وقد عشت محرومة من أشياء كثيرة‏,‏ أغار من حب ابني ومشاعرهما وأتمني أن أفعل مثلهما‏,‏ ولكني أعرف الله وأخشاه ولا أقدر علي معصيته‏,‏ وفي نفس الوقت زوجي يرفض الطلاق‏,‏ كما أراه أمرا صعبا بعد أن كبر ابناي‏,‏ خياران كلاهما مر‏,‏ ولكني ممزقة‏,‏ معذبة‏,‏ ومبعثرة‏,‏ لا أدري إلي أين

تأخذني أيامي ولا كيف أستعيد سعادتي الداخلية‏,‏ فقل لي بربك كيف أحيا ولماذا؟

*‏ سيدتي‏..‏ لا أعتقد أنك في حاجة الي مزيد من صب اللعنات علي الخيانة وماتفعله في النفوس‏,‏ ولا الحديث عن الجرم الذي ارتكبه زوجك في حق ربه

ثم نفسه وحقك‏..‏ ولست في حاجة أيضا لأن أقول لك وماذا عساه أن يفعل ؟‏..‏ ندم وتاب وعاد الي ربه يطلب مغفرته كما يطلب عفوك خاصة بعد أن ابتلاه الله أو انتقم منه بمرضه ؟‏..‏ أسمعك تسألينني‏:‏ وماذا جنيت أنا؟‏,‏ وهل كل رجل يذهب‏,‏ فيخطيء ويدمر أسرته ويؤذي من أحبه‏,‏ فيستغفر ويتوب‏,‏ فنغفر له ونتجاوز عما فعل و يادار مادخلك

شر‏.‏ فالله ـ علا شأنه وتجلت قدراته ـ يعفو ويغفر الخطايا‏,‏ أما نحن كبشر فيصعب علينا ذلك ولكل منا طاقته وقدرته‏.‏

وأرد عليك إذا لم تغفري وتتجاوزي وتتعايشي‏,‏ كيف تحيين ؟ وهذا يدفعني مباشرة الي سؤالك الأخير‏,‏ الذي هو مبرر رسالتك وسر أزمتك‏.‏

سيدتي‏..‏ نحن لا نحيا فقط كي نحب رجلا أو امرأة‏,‏ ولا نحيا فقط كي نستمتع بغرائزنا حتي لو كانت في الحلال‏..‏ فكل شيء في الحياة رزق‏,‏ الحب كما الجنس‏,‏ الصحة كما الثروة‏..‏ فماذا تفعلين إذا كان هذا رزقك ؟‏..‏ نحيا لنعمر الأرض بأبنائنا‏,‏ ومالم نعشه نحاول توفيره لهم حتي لا يعانوا ماعانيناه‏.‏

هذا اختيار ـ سيدتي ـ الأفضل لنا أن يكون بإرادتنا حتي نستطيع التعايش والاستمرار في الحياة‏,‏ وإلا صار فرضا وأمرا واقعا‏,‏ فنعيش مرغمين متألمين‏,‏ أما الخيار الآخر والذي أعرف أنك لا تقبلينه فهو اختيار الخيانة بديلا‏,‏ أي ترتكبين نفس جرم زوجك‏,‏ وهنا قد تسألينني‏:‏ ألم تقل أن ـ حتي ـ هذه العلاقة رزق‏,‏ فماذا سيكون اسمها في هذه الحالة ؟ وهذا

يذكرني بتفسير لفضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي مامعناه أن اللص عندما يسرق المال فإنما يحصل علي رزقه المقدر له والذي لو صبر لذهب إليه حلالا‏,‏ ولكنه اختار أن يحصل عليه عن طريق الحرام‏..‏ هل فهمت المعني ؟ لو كان رزقك وترفضينه حراما‏,‏ سيأتيك حتما بالحلال‏..‏ فربما يشفي الله زوجك وينقي قلبك تجاهه وهو القادر علي

كل شيء‏,‏ وربما إذا عجزت عن مقاومة رغباتك‏,‏ وقررت أن يكون الانفصال هو إختيارك‏,‏ يكون لك نصيب مع رجل آخر‏,‏ المهم أن تتجه النية كاملة الي الحلال‏,‏ ولا تجعلي الحرام أحد الاختيارات المطروحة‏.‏

سيدتي‏..‏ أتفهم الإحساس بالعمر‏,‏ والرغبة في الانتقام‏..‏ أتفهم أيضا أن الطلاق خيار صعب بالنسبة لك‏,‏ ولكن حتي لا تعيشي معذبة‏,‏ وسعي دائرة رؤيتك ولا تحصريها في احتياجك الخاص‏..‏ ركزي أكثر في مناقشة قضية العفو عن زوجك‏,‏ عن الاستمتاع بما هو متاح عن الهروب من التفكير فيما ينقصك إلي التأمل فيما بين يديك‏,‏ فالإنسان لا

يملك كل شيء‏,‏ وكما قلت إذا حصل علي شيء من نعم الدنيا الزائلة يفقد شيئا آخر ربما يكون أهم وأغلي‏,‏ والأيام ـ سيدتي ـ ستمر حتما سواء استمتعت بما بين يديك أو حرمت منه‏..‏ أعانك الله وثبتك وغفر لزوجك ولنا جميعا وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

قلب يحـيي

18-12-2009
دوخيني يالمونة‏..‏ دوخيني ياللاتاني
والصباح في جبين حبيبي‏..‏ مبقاش يغطيه الندي

والسما مبقتش موردة‏..‏ وايه بإيدي راح أعمله
وكل شيء آخره كده‏..‏ ألقي لحظة موته وقت ما ألقاه ابتدا‏.‏

بهذه الكلمات المبعثرة أكتب إليك ياسيدي بعد أن أظلمت خيالاتي‏,‏ وضاعت مفاتيحي‏,‏ ودق اليأس بابي وأنا في عمر الزهور‏..‏ أنا الطبيبة التي تخفف آلام الناس‏,‏ وتسعف المصابين أشعر بآلامهم‏,‏ وأعيش معاناتهم‏..‏ اليوم حطم الألم قلبي‏,‏ وإن اختلطت الأفراح عندي بالأحزان‏,‏ غير أنني أستطيع أن أتحمل كل الآلام وجميع الأحزان‏..‏ إذا كان

الأمر يتعلق بي‏,‏ لكنني قطعا لا أستطيع ولا أحتمل أن تكون هذه الآلام لطفلي الوحيد الذي يبلغ من العمر عشرين يوما‏.‏نعم عشرين يوما‏..‏ فلا تستغرب ياسيدي‏

فقد مرت علي كأنها عشرون سنة‏,‏ وضعت وليدي ليلة وقفة عيد الأضحي المبارك‏,‏ فكانت الفرحة فرحتين‏,‏ وحلقت في السماء من السعادة‏,‏ وحلمت للحظات بحياة سعيدة هادئة مع زوجي الذي يجمع بيننا الحب والوفاء والإخلاص‏,‏ ولم أدرك أن القدر يخبئ لي معاناة ثقيلة العيار عندما أخذوا وليدي يحيي إلي الحضانة وحاول الأهل والأصدقاء تخفيف ذلك

علي بأنه قد يكون إجراء عاديا وطبيعيا في بعض الأحيان‏,‏ وفي اليوم الثاني للولادة اكتشفت ما لا تتحمله أم‏,‏ اكتشفت أن وليدي يحيي يعاني من عيب خلقي بالقلب عبارة عن انعكاس في الشرايين الرئيسية للقلب

ولأن لله في قضائه رحمة يوجد كذلك ثقبان في القلب يؤكد الأطباء أن هذين الثقبين هما سبب استمرار الحياة لابني في ظل هذا الانعكاس في الشرايين‏,‏ ودخلنا ياسيدي في دوامة من الأشعات والتحاليل لطفل يبلغ من العمر يومين‏.‏ وأنا ألملم خلفه ما تبقي لأم ما لبثت أن وضعت وليدها راضية صابرة‏..‏ كلي أمل في الله الذي وضع الجنة تحت أقدام

الأمهات‏,‏ وبدأت تظهر أعراض ذلك المرض علي يحيي ابن الأيام الأربعة من حالات اختناق وصعوبة في الرضاعة مع قلة الأكسجين لكل أعضاء الجسم‏.‏

أنظر إلي ابني ولا أستطيع هذه المرة أن أكتب له علاجا‏,‏ بل لا أستطيع أن أداوي نفسي‏,‏ أو أمنع حزني عليه‏,‏ أو أكتم ألمي وأنيني‏..‏ بدأت رحلة الآلام‏,‏ وانتقلت بـيحيي من المستشفي الصغير إلي مستشفي آخر كبير ذي صيت وسمعة‏,‏ ثم إلي مستشفيات العاصمة‏,‏ وكان لابد من إجراء عملية قسطرة بالبالون لابني حتي تستمر الحياة انتظارا إلي العملية

الكبري لـيحيي الذي يبلغ من العمر الآن عشرين يوما

وهي عملية تحويل الشرايين الرئيسية للقلب المعروفة طبيا باسم الـ‏T.G.A,‏ وقد أوصي كل الأطباء الذين فحصوا يحيي بضرورة إجراء هذه العملية قبل مرور شهر من ميلاده‏.‏

وبدأت مع يحيي قصة توهان كبري تاني من العرض علي لجنة القلب في مستشفي أبو الريش التي قررت تحويلي إلي مستشفي الدمرداش الجامعي مرة ثانية‏,‏ وهو المستشفي الذي تم إجراء عملية القسطرة فيه‏,‏ وكل طبيب ينظر إلي التحويل أو الأشعة والتقرير ينظر إلينا أنا وابني في تهكم‏:‏ مين قال‏.‏

إن العملية دي بتتعمل في مصر؟‏!,‏ فإذا قلت فلان قال في تهكم أكثر‏:‏ روحي له‏,‏ كل ذلك وأنا تاركة بيتي وأهلي في مدينتي الساحلية وقابعة بآلامي وأحزاني مع ابني عند بعض الأقارب في العاصمة‏,‏ لأتجرع حزني علي ابني وعلي مهنتي التي لم تنقذ فلذة كبدي‏,‏ وعلي زملائي الذين ينظرون إلي كل الأمور بالغة الإنسانية بكل السطحية‏.‏

سيدي‏..‏ لم يبق أمام يحيي أمليوفرحة والده الأولي سوي عشرة أيام‏,‏ وتلك المدة هي التي حددها مساعد الجراح العالمي مجدي يعقوب‏,‏ حيث قال إن هذه الجراحة لا تتم إلا في مركز الدكتور مجدي في أسوان‏,‏ ولكن بالمركز إصلاحات الآن ولن يكون جاهزا قبل‏5‏ يناير‏,‏ يعني بعد فوات الأوان‏,‏ ولايوجد مكان آخر لإجراء مثل هذه الجراحة سوي

مدينة الملك فهد الطبية بالمملكة العربية السعودية‏..‏ حاولنا الاتصال بالمدينة عبر الإنترنت وفشلنا فشلا ذريعا‏.‏

كل يوم يمر يصيبنا بالفزع والإحساس بالعجز والفشل‏,‏ وجه رضيعي وهو يختنق ويتلون أمام عيني يقتلني‏,‏ نظرة عينيه تشعرني بأني قاتلة فرحتي بيدي‏..‏ لن أسامح نفسي ولا الطب والاطباء إذا مات ابني‏,‏ لأني فشلت في إنقاذه‏..‏ سأبيع كل ما أملك لإكمال قيمة الجراحة التي تصل الي ما يقرب من‏25‏ ألف دولار‏,‏ لا يهم شيء‏,‏ أرجوكم ساعدوني

في الوصول الي السعودية قبل فوات الأوان‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ للاسبوع الثالث علي التوالي أجد نفسي أمام مأساة طبية تكشف ما وصلنا اليه من تدهور في أوضاعنا الطبية‏..‏ فلا يليق أبدا بمصر هذه

الفوضي في التشخيص وغياب بروتوكول علاج موحد يسير عليه الأطباء‏,‏ وها أنت كطبيبة تلمسين وتعانين مما يعانيه الملايين في مصر‏.‏

نعم سيدتي المشكلة ليست في توفير مبلغ هذه العملية الخطيرة التي ستعيد طفلا الي الحياة‏,‏ قد لا يكون فقط قرة عين والديه وأسرته‏,‏ وإنما قد يصبح يوما عالما أو صالحا يفيد البشرية‏,‏ وعلينا أن نسعي وصولا إلي قضاء الله الذي لامناص منه‏.‏

ليس أمامي سيدتي سوي مناشدة الوزير المثقف الكبير‏,‏ الإنسان الدكتور هشام الناظر سفير المملكة العربية السعودية في مصر‏,‏ وأملي أن يمد يده الكريمة ليسهل لك الاتصال بمدينة الملك فهد الطبية وإجراءات سفرك مع وحيدك في أسرع وقت‏,‏ ولا أستبعد علي الله أن يعلم بأمرك أحد رجالات السعودية الكرام وما أكثرهم لإغاثة أم ملهوفة علي طفلها

الوحيد‏..‏ عليك بالدعاء وعلينا السعي والتوفيق من عند الله‏.‏
المزيد ....

لحـم الفقـراء‏!‏

11-12-2009
أنا يا سيدي شاب تخطي العقد الثاني من عمره بسبعة أعوام‏,‏ هذا بالنسبة لعمري الحقيقي‏,‏ لكن هيأتي وشكل جسدي لعجوز تخطي السبعين عاما‏.‏

من أسرة فقيرة تعيش في إحدي قري محافظة الشرقية‏,‏ مكونة من أم وولدين وبنت‏,‏ كانت والدتي تخرج لسوق القرية تبيع بعض الخضراوات‏,‏ ولم يكن لنا مصدر رزق إلا هي بعد انفصالها عن والدي منذ أن ولدت تقريبا‏,‏ وبرغم الفقر وقلة الرزق فإن تطلعنا إلي الخروج من دائرة الفقر كان حافزا لي علي النجاح والشتفوق‏,‏ وكل أحلام أسرتي كانت أن

أدخل الجامعة‏.‏

تفوقت في دراستي وحصلت علي الثانوية العامة ثم التحقت بكلية الحقوق‏,‏ برغم أن مجموعي كان يؤهلني لأي كلية‏,‏ لكن كان هدفي أن أصبح وكيل نيابة‏.‏

كانت أمي وأخي وأختي يعملون في أي شيء ليوفروا لي مصاريف الدراسة‏,‏ ولاقوا الكثير من أجلي‏,‏ وكان ما يصبرني ويصبرهم علي هذا العناء هو أنه سيأتي يوم وأصبح ذا شأن وأرد الجميل‏.‏ تخطيت السنة الأولي بتقدير جيد جدا‏,‏ وبدأ الفرح يدخل بيتنا بعد سنوات من التعب والكد‏,‏ لكن كانت الأقدار تخبيء شيئا لم يكن في الحسبان‏,‏ وأراد الله أن

تكون حياتنا كما أراد سبحانه وتعالي‏,‏ لا كما حلمنا أن تكون‏,‏ فذات يوم وأنا في طريقي إلي الجامعة إذ بسيارة شرطة تسير بسرعة جنونية تصدمني من الخلف لتتركني كومة من اللحم تغطيها الدماء‏,‏ وظللت أنزف لأكثر من ساعة‏,‏ بعدها حملني الناس إلي المستشفي بعد أن يئسوا من وصول الإسعاف‏.‏

نجوت بأعجوبة من هذا الحادث‏,‏ ولكن بعدة عاهات مستديمة‏,‏ كان سببها سوء التعامل مع حالتي‏,‏ وكتب الله لي الحياة ربما لمصير أصعب من الموت‏,‏ فقد خرجت من الحادث بكسور في جميع جسدي‏,‏ لأبدأ بعدها رحلة علاج مريرة ذقت فيها وأهلي جميع ألوان العذاب والذل‏,‏ حتي أصبح جسدي حقل تجارب لدكاترة الامتياز في كليات طب مصر‏,‏

اتنقل من مستشفي جامعي إلي آخر باحثا عن أقل التكاليف‏,‏ فليس لأمثالنا إلا هذه المستشفيات التي تفتقد لكل معاني الرحمة والإنسانية والخوف من الله‏.‏

ما أصعب المرض يا سيدي عندما يصيب الفقراء فيزيد معاناتهم بجانب الحرمان والجوع‏,‏ فقد يهون الفقر أمام الصحة‏,‏ لكن أن يجتمع الفقر والمرض معا فهذا أمر لا يمكن تحمله‏,‏ وأدعو الله ألا يكتبها لأحد‏...‏ وبعد مشوار طويل من الألم قال أحد الأطباء لوالدتي لو عايزه ابنك يمشي تاني علي رجليه‏..‏ خديه من هنا يقصد أحد المستشفيات

الجامعية الذي كنت أعالج فيه‏.‏

وبالفعل خرجت علي كرسي متحرك‏,‏ وذهبت بي أمي إلي أحد الأطباء المشهورين فطلب مبلغا كبيرا لإجراء عملية جراحية‏,‏ بعدها أستطيع المشي‏..‏ طرقت أمي كل الأبواب ولم يغثها أحد‏,‏ ولم تجد شيئا تبيعه لتعالجني إلا كليتها‏..‏

نعم سيدي‏..‏ الفقر يجعل الإنسان يبيع لحمه لينقذ أخاه وأباه أو أبنه أو أمه‏,‏ ما كان أمام أمي إلا أن تبيع جزءا من جسدها لتنقذ ابنها من العجز أو الموت‏,‏ والغريب يا سيدي أنها وجدت من يشتري بل أكثر من مشتر‏,‏ وأخذوا يزايدون‏..‏ حتي أجسادنا الهزيلة لم يرحمها أصحاب المال‏,‏ ووجدوا فيها سبوبة يتربحون منها دون أن يسألوا أنفسهم‏..‏ لماذا

يبيع الإنسان جزءا من جسده؟ وعندما عرف أخوتها أخوالي بهذا الأمر منعوها‏,‏ ليس خوفا عليها‏,‏ ولكن خوفا من العار الذي سيلحق بهم إذا فعلت ذلك‏,‏ فجمعوا لها مبلغا قيمته‏20%‏ من المبلغ المطلوب للعملية‏.‏

وعندما عرفت بما فعلته أمي لأجلي شعرت بالحسرة والعجز والذل‏,‏ وانتابني حزن واكتئاب لدرجة أنني فكرت في الانتحار أكثر من مرة‏..‏ وحاولت‏,‏ لكن إيماني بالله وخوفي منه منعاني‏,‏ واعتبرت عجزي هذا قدرا كتبه الله لي‏..‏ فكيف أجزع من إرادة الله‏!!‏

حمدت الله واستغفرته‏,‏ لكن كل ما كان يعذبني ويبكيني هو حالة أمي التي لم تجف لها دمعة منذ أن أصبحت طريح الفراش وهي تري حلم العمر وولدها الأكبر كومة آدمية لا يتحرك فيها إلا العينان واللسان‏,‏ وأخيرا اهتدت أمي إلي بيع البيت الذي نعيش فيه بعد أن أقنعتها بأن بيع كليتها حرام‏,‏ وأنني لن أقبل أن أعالج بفلوسها‏,‏ كان الأمر صعبا علينا لكن ما

باليد حيلة‏..‏ باعت أمي البيت‏,‏ وأجريت لي عملية تم فيها تركيب عدة شرائح ومسامير‏,‏ استطعت بعدها أن أمشي علي عكازين‏.‏

مر عام وأنا طريح الفراش أتحرك بطريقة معينة‏,‏ وأي خطأ يحدث تكون نتيجته كسرا جديدا أو نزيفا في أي جزء من جسدي‏,‏ أثناء هذه الفترة لم أذهب للكلية‏,‏ ولم أستطع حضور الامتحان فرسبت‏.‏

كنت في العشرين من عمري والدنيا كلها تضحك لمن في مثل سني إلا أنا‏,‏ جلوسي وحدي لساعات طويلة علمني التأمل في الأشياء وفي خلق الله وتصرفاتهم‏,‏ وأن ما حدث لي ما هو إلا ابتلاء ومصيبة مكتوبة لي‏.‏

ووضعت قول الله سبحانه وتعالي‏:‏ وبشر الصابرين‏,‏ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون‏..,‏ وقول النبي صلي الله عليه وسلم‏:(‏ أمرهم كله لهم خير إن أصابتهم سراء شكروا‏,‏ وإن أصابتهم ضراء صبروا‏)‏ أمام عيني وفي عقلي وقلبي‏,‏ وتعلمت كيف يكون الصبر علي المصائب مهما تكن صعوبتها‏,‏ فلم أقنط أو أعترض‏,‏

وكل ما أفكر فيه هو كيف أخرج أمي من الحزن الذي سكنها منذ الحادث‏..‏ كان الألم يقتلني وأبتسم‏..‏ لا أتوجع أو أشكو حتي لا أزيد من هموم أمي وأخوتي‏..‏ أليس كتم الآه يا سيدي عذابا آخر أشد من الألم نفسه؟

كانت المفاجأة مازالت تعبث بحياتنا وهي تخرج تباعا من جعبة الأيام‏,‏ فما إن خرجت من المستشفي حتي شعرت أمي بألم في بطنها‏,‏ وبعد الكشف والتحاليل تبين أنها مصابة بالفيروس الكبدي‏,‏ وتطلب علاجها شراء بعض الأدوية المكلفة التي لا نملك منها مليما واحدا‏,‏ خاصة بعد أن بعنا كل ما لدينا‏,‏ وليس لنا أي دخل إلا ما يقدمه أخي الأصغر‏,‏ ولا

يكفي شيئا‏.‏

توقفت عن الدراسة في الكلية‏,‏ وأخذت أبحث عن عمل‏,‏ وكان من الصعب أن أجد عملا يقبلني بعكازي‏,‏ لكن رحمة الله واسعة‏,‏ عرف أحد الصالحين بقصتي فأخذني لأعمل عنده في محل بقالة براتب شهري خصصته كله لشراء الدواء لأمي‏,‏ لن أحكي لك يا سيدي عن مدي البؤس والحرمان الذي عشناه‏,‏ حتي إنني كنت اقطع الرغيف نصفين بيني وبين

أخي لنأكله عشاء أو غداء‏,‏ وكنا نأكل أي شيء لنوفر ثمن العلاج لأمي‏,‏ وكثيرا ما نمنا ليالي بدون عشاء‏,‏ وأنا أسخر من المثل الذي يقول ما حدش يبات من غير عشا لأ‏..‏ فيه‏.‏ وهناك أكثر مما يتخيله البشر‏!!‏

كنت راضيا بل كنت سعيدا بأنني أستطيع توفير ثمن العلاج لأمي‏,‏ وذات يوم أتي لي أحد أصدقائي وأشار علي بأن ألتحق بمعهد الخدمة الاجتماعية لأنه لن يحتاج إلي مصاريف كثيرة‏,‏ وفي الوقت نفسه أستطيع الحصول علي شهادته وأنا أعمل‏,‏ سحبت أوراقي من كلية الحقوق بعد أن فقدت الأمل في الاستمرار فيها‏,‏ ويعلم الله وحده كيف كانت حالتي يومها

وكيف تصبح حالتي كلما تذكرت ذلك اليوم‏.‏

أنهيت الدراسة بالمعهد وحصلت علي شهادته وأنا مازلت أعمل‏,‏ لكن القدر كان يخبيء شيئا آخر لتكتمل المأساة‏,‏ فإذ بصندوق خشبي به بضاعة يقع فوق ذراعي اليمني فيهشمها‏,‏ وآخر فوق رأسي أصابني بعمي نصفي‏,‏ لأري الدنيا نصف رؤية‏,‏ حيث يكسو الضباب كل ما أراه‏,‏ أما ذراعي فقد تم تجبيسها بطريقة خطأ أحدثت بها شبه شلل‏,‏ لا أستطيع

استخدامها في رفع ورقة من الأرض‏,‏ وتحتاج إلي عملية مكلفة لتعود إلي طبيعتها‏

فأصبحت بذراع مشلولة وأخري مكسورة‏,‏ بجانب الشرائح والمسامير المثبتة في جسدي وتوخزني في كل حركة‏,‏ وتدهورت حالتي الصحية نتيجة ما تجرعته من أدوية علي مدي مشوار مرضي الذي استمر لأكثر من سبع سنوات وسيظل يلازمني حتي نهاية العمر‏.‏

وأخيرا رقدت بجوار أمي وتراكمت علينا الديون‏,‏ أما أخي الأصغر فيعمل باليومية ولا يكفي ما يتحصل عليه شراء ولو‏10%‏ من علاج أمي أو علاجي‏,‏ أنا لا أبالي بما أنا فيه من ألم ووجع وعجز‏,‏ بل لم أعد اشتري أي دواء‏,‏ فقد تأقلمت علي الألم ورضيت والحمد لله‏,‏ وكل ما يشغلني ويحزنني ليس ما بي من عجز وألم‏,‏ لكن ما تعانيه أمي من

المرض ولا أستطيع فعل شيء لها‏.‏

سيدي‏..‏ هذه حكاية شاب في السبعينيات من العمر‏,‏ برغم أن تاريخ الميلاد والأوراق الرسمية تقول إن عمري‏27‏ عاما‏,‏ لكن كيف نصدق الأوراق ونكذب الواقع‏,‏ فهذا هو حالي‏..‏ شاب عجوز بفعل المرض وحوادث الدهر ـ عافاكم الله ـ استخرت الله بعد أن أشار علي فاعل خير أن أرسل لكم حكايتي لتعينوني علي ما أنا فيه بعمل أو وظيفة أو أي

مشروع أعيش منه وأسرتي‏.‏

*‏ سيدي‏..‏ أشعر بالعجز أمام رسالتك‏,‏ ولا أري في الكلمات والجمل ما يعبر عما بنفسي تجاهك‏,‏ ففي مثل هذه الحالات‏,‏ عندما يصبح المبتلي

صابرا وراضيا ومحبا وموقنا برحمة الله وعدله‏,‏ تفقد كلمات المواساة أو التشجيع كل معانيها‏,‏ حقا كما قال رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم الصبر ضياء‏.‏ فـ سلام عليكم بما صبرتم‏,‏ فنعم عقبي الدار صدق الله العظيم‏.‏

سيدي‏..‏ أري تماسا كبيرا بين رسالتك وبين رسالة الأسبوع الماضي قطرة دماء‏.‏ التماس في الضمير الغائب‏,‏ النائم أو المبيت‏.‏ فلو كان هناك ضمير لدي بعض الأغنياء الذين يكنزون المال ولا يخرجون الزكاة والصدقات‏,‏ ما كنت فقيرا‏,‏ ولأتممت تعليمك وعولجت مما تعرضت له‏.‏

لو كان هناك وهنا ضمير‏,‏ لما صدمك الشرطي برعونته ولو فعل لوقف لإنقاذك وما كانت الحالة تدهورت ووصلت إلي ما هي عليه الآن‏.‏

لو كان هناك وهنا ضمير لأخلص كل طبيب في عمله وما جعل كل تركيزه وهمه هو جمع المال علي حساب صحة ومستقبل شاب مثلك‏.‏

لو كان هناك وهنا ضمير ما ذهبت وأسرتك إلي ما أنتم فيه الآن ولكن ما يطمئن هو هذا الاحساس بالرضا والأمان والثقة في عدل الله بداخلك‏,‏ فليس الشقاء أن تكون عاجزا أو مشلولا‏,‏ بل الشقاء أن تعجز عن احتمال ما أنت فيه‏,‏ وسيغنيك الله من فضله‏,‏ لأن الفقر لم يذل نفسك أو يكسرها‏,‏ نفسك القوية هي التي جعلتك تقاوم وتنثر حبك علي أمك العظيمة

وتفكر فيها وفي ألمها أكثر من تفكيرك في حالك وما وصلت إليه‏.‏

هذه الأم التي سعت إلي بيع كليتها لإنقاذك‏,‏ وأنت تحاول العمل في ظل ظروفك الصعبة لإنقاذها‏,‏ كم أنتم أغنياء ياصديقي فـ الفقراء الذين يتبادلون الحب هم الأغنياء الحقيقيون‏.‏

سيدي‏..‏ دعنا نتفق قبل البحث عن عمل أنك ووالدتك في حاجة إلي علاج عاجل‏,‏ وأعتقد أن السيد وزير الداخلية حبيب العادلي عندما يعلم بأن كل ما تعانيه الآن بسبب شرطي متهور لن يتواني عن مد يده لمساعدتك في العلاج وكذلك السيد وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي ـ الذي أمر بتشكيل لجنة للتحقيق فيما نشر الأسبوع الماضي ـ والذي انتظر منه ـ كما

اعتدت دائما ـ أن يأمر بعلاج والدتك واستكمال علاجك عند أكبر الأطباء لإصلاح ما أفسده زملاؤهم‏.‏ وحتي يتم شفاؤك وتوفير فرصة عمل مناسبة لك‏,‏ أرجو منك التفضل بزيارتي في الأهرام لعلي استطيع من خلال أصحاب القلوب والأيادي البيضاء تخفيف بعض من آلامك‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

قطــرة دمـــــاء‏!‏

04-12-2009
أكتب إليك يا سيدي قصة من أغرب ما يكون‏,‏ ففيها كل جوانب الدنيا‏,‏ بها ابتلاءات وجوانب مشرقة ومواقف من الوحدة الوطنية وأحداث قاتمة جدا في المؤسسة الصحية في مصر‏.‏ وأيضا بها طاقة أمل ونور عظيمة في نفس المؤسسة الصحية‏.‏ هذه مجرد مقدمة

وإليك قصتي مع مرض ابني أدهم‏,‏ الذي ولد من ثالث حمل‏,‏ فالأول مات في الشهر السابع قبل ولادته بعدة أيام‏,‏ والحمل الثاني سقط‏,‏ علما بأننا كنا نتابع مع طبيب كبير وأجرينا كل التحاليل والفحوص وأثبتت أنها جيدة‏.‏

ابني أدهم والذي ولد في أول رمضان هذا العام في مستشفي جامعي للولادة بإحدي محافظات الصعيد احتاج بعد يوم من خروجه إلي حضانة لأنه يعاني من مرض الصفراء‏,‏ حيث ظهرت عنده علامات الصفراء‏,‏ وبدأ في عدم تقبل الرضاعة‏,‏ فذهبنا به إلي المستشفي‏,‏ لأن الساعة وقتها كانت الواحدة صباحا فقالت الطبيبة إن عنده الصفراء ويجب دخوله

الحضانة لأن وزنه ناقص فوافقنا علي الفور لأنها طبيبة وحتما تعرف أكثر وفي مستشفي اليوم الواحد وهو من أفضل المستشفيات بالمحافظة‏,‏ وبالفعل تركنا ابننا الأول في تلك الحضانة وهنا بدأت رحلة المعاناة الكبري‏,‏

فقد بقي بها يومين فقط وشفي من الصفراء‏,‏ وهبطت نسبتها إلي‏6‏ بدلا من‏15‏ وهي نسبة جيدة جدا ولكنهم قالوا لنا إن وزنه قليل ولا يمكن خروجه لأن وزنه‏1,5‏ كجم فوافقتهم علي إبقائه ولكنني بعد يوم آخر علمت أن هناك طفلا دخل الحضانة وعنده ميكروب في الدم ويريدون عزله فخفت جدا علي ابني ووددت إخراجه ولكن الطبيب النوبتجي أخذ يجزم

ويسترسل بأن هذا الطفل يحتاج الحضانة وأنني سوف أضره إن أخرجته وحرام عليك إن أخرجته لأن وزنه ناقص ولا يجب إخراجه‏,‏ والطفل الذي يحمل الميكروب معزول‏,‏

والمستشفي آمن جدا‏,‏ ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنتقل العدوي إليه‏,‏ وأنه لا يعاملني أنا إنما يعامل الله وضميره‏,‏ الغريب أن هذا الطبيب الذي يعامل الله وضميره سألنا عليه في أكثر من مرة وهو نوبتجي في بعض الأيام فنجده هاربا أو‏(‏ مزوغا‏)‏ علما بأنه طبيب الأطفال الوحيد النوبتجي في تلك الأيام وذهب إلي عيادته الخاصة‏,‏ فرغم أخذه أجرا

من المستشفي فإنه ذهب ليبحث عن أموال أخري في عيادته‏,‏ ولأنني لا أقبل السكوت عن الحق فقد اتصلنا بنائب مدير المستشفي لنبلغه بذلك‏.‏

المهم أن ابننا وبعد ثلاثة أيام أخري اتصلوا بنا ليلا ليبلغوني أن أحد الأطباء يريدني في المستشفي وعندما ذهبت إليه قال لي إن ابنك دخل في مرحلة خطيرة من الضيق في التنفس بل وانقطاعه للحظات ثم رجوعه مرة أخري‏.‏

علمنا بعد ذلك أنه نتيجة إصابته بالعدوي الميكروبية هو وكل الأطفال بالمستشفي‏,‏ فقد أصيب ابني بتسمم في الدم وعاني منه جدا أكثر من باقي الأطفال لأن وزنه ناقص جدا‏,‏ ولذلك فمناعته ضعيفة جدا‏,‏ ويجب وضعه تحت جهاز تنفس صناعي وهو غير موجود بحضانات المستشفي فسألته أين يوجد؟ فقال لا أعلم‏!!‏

بحثنا عنه في كل المستشفيات الكبري بالمحافظة فلم نجده إلا بمستشفي سوزان مبارك الجامعي للولادة والأطفال بالمنيا ولكن قالوا لنا بكل برود انه متعطل منذ فترة‏,‏ وقال الطبيب لنا‏:‏ أذهبوا به إلي أسيوط أو القاهرة في عربة إسعاف بحضانة‏,‏ وعندما سألنا عن مكان بمستشفي أسيوط قالوا لنا‏:‏ الجهاز موجود ولكن لا يوجد مكان‏!!‏

تخيل سيدي كيف تكون حالة أب كان ينتظر أن يسعد بقرة عينيه‏,‏ فإذا به يعاني كل ذلك في ساعات الليل والوقت يمر وحياة ابني في خطر‏,‏ لأن الجهاز الذي يمكن أن ينقذ مئات أو آلاف الأطفال بالمحافظة غير موجود إلا في مستشفي واحد جامعي وللأسف من فرط الإهمال تركوه معطلا‏!‏

اتصلنا بالأقارب والمعارف في القاهرة والذين سألوا طبيبا كبيرا للأطفال فقال إن الجهاز متوافر في أماكن عديدة ولكن يجب أن يحدد لنا أطباء المنيا إن كان الطفل يتحمل السفر أم لا لأن هذه الحالات الحرجة تكون هناك خطورة في نقلها وللأسف سألنا الطبيب النوبتجي فقال إنني لا أستطيع أن أحدد وان الأمر في يد الله وذهبنا للعديد من الأطباء لكي يأتوا ليروا

ابني ويحددوا قدرته علي السفر أو أن يبقي هنا أفضل‏,‏ فرفض الجميع أن يأتوا معنا بالرغم من عرضي عليهم أي مبلغ من المال يطلبونه وأن أوصلهم بسيارتي في أسرع وقت ثم أعيدهم فرفضوا فطلبتها منهم علي سبيل الرحمة والانسانية فرفضوا أيضا‏,‏ ولا أعرف السبب هل مراعاة لشعور أطباء المستشفي اللذين لا يستطيعون التحديد ولا اعلم إن كان

الأطباء لا يستطيعون التحديد فمن يستطيع هل والداه؟

نعم يا سيدي إنهم يخافون من زملائهم الاطباء المخلوقين ولا يخافون من الخالق رغم أن الرسول الكريم قال من كتم علما ينتفع به فليتبوأ مقعده من النار فما بالك بأمر يتعلق بإنقاذ حياة إنسان بل إنه طفل بريء لا يستطيع حتي أن يشكو بل ولا يستطيع أن يتأوه من الألم‏!!‏

المهم أننا في ذلك الوقت الذي كنا ندور فيه كعب داير أنا وأخي وبعض الاصدقاء عن طريق التليفون كنا أيضا نبحث عن سيارة إسعاف بحضانة‏,‏ وأيضا لم نجد أو كانوا يرفضون رغم وجودها الله اعلم‏.‏ المهم وجدنا سيارة بعد معاناة في الساعة الرابعة فجرا بأحد مراكز الإسعاف بمبلغ من المال وبحثنا أيضا عن طبيب أطفال ليسافر معه في السيارة لأي طارئ

وأيضا وجدناه وقت الفجر عن طريق أحد المعارف وأعطانا موعدا في التاسعة صباحا بالمستشفي وأخذنا ندعو أن يستطيع ابننا أن يصمد حتي الصباح‏.‏

وفي الصباح يا سيدي جاءت الطبيبة المشرفة علي الحضانة في يوم الاثنين الذي كنا سنسافر بالطفل فيه ورغم أن نائب مدير المستشفي قال لنا إن موعدها في التاسعة صباحا‏,‏ ظننا أنها مثل الكثيرين ستتأخر عن موعدها ساعة أو اثنتين أو ثلاثا كما يحدث ولكنها جاءت في موعدها تماما وقبل نقل ابني بلحظات قليلة‏,‏ ورأيتها طبيبة شابة وليست كبيرة مثلما

تصورنا ولكن علمنا بعد ذلك أنها متفوقة جدا وحاصلة علي الدكتوراة في الأطفال في سن مبكرة وبالفعل ياسيدي كانت طاقة الأمل والنور في جو من اليأس والظلام والإهمال في المؤسسة الصحية‏!!‏

المهم أن الطبيبة كشفت عليه وقالت في نبرات واثقة جدا من نفسها ومن علمها أن نقل الطفل يسبب خطرا كبيرا عليه وأن جهاز التنفس الصناعي قد لا يحتاجه إلا بنسبة‏5%‏ وأن العلاج هنا هو نفس العلاج الذي سيتناوله في القاهرة لو كنتم ستوفرون لنا الدم والبلازما والعلاج الذي نريده‏,‏ ورغم أنني ترددت في سماع كلامها ظنا مني أنها طبيبة صغيرة أو قليلة

الخبرة في الطب فإن ثقتها في كلامها وتحديدها بكل دقة في الوقت الذي تهرب فيه كل الأطباء من المسئولية جعلنا نصرف سيارة الاسعاف والطبيب وقلنا لها إن كل ما تريدينه سوف نحضره بإذن الله والباقي عليك بعد الله عز وجل‏,‏

وقالت لنا إنها تريد بلازما من فصيلة الطفل وتريد دما من فصيلة أخري هي‏(O-)‏ من بنك الدم بالمحافظة وما أدراك ما بنك الدم فقد أخذت عينة دم من هذا الجسد الضعيف وذهبت بها فقالوا لنا إن فصيلته‏+A‏ وأعطونا بلازما علي هذا الأساس ودم‏+A‏ بعد يومين عندما احتجنا ولكن بشرط أن نحضر متبرعين‏,‏ نعم فهم يرفضون إعطاء أي شخص دماء

إلا لو جاء بمتبرعين حتي ولو كانت حالته خطيرة ويريد الدم الآن ثم يحضر متبرعين بعد ساعة أو اثنتين ولقد رأيت هناك ما لم أره يوما لا يخطر علي بال أي شخص إلا من يمر بالتجربة‏,‏ فمعاملة المواطنين الذين لهم أقارب يصارعون الموت معاملة العبيد‏..‏ معاملة سيئة جدا

...‏ لقد رأيت هناك رجلا يبكي لأن زوجته نزفت في أثناء الولادة وهي أم لخمسة أطفال وكان يقول إن ماتت فأين أذهب بهم وماذا أفعل فيهم ورفضوا إعطاءه دماء وقالوا كل من يأتي هنا في حالة خطر فماذا نفعل ورأيت امرأة تبكي وتقول لهم أقبل أحذيتكم أن تعطوني دما لأن أختي حالتها خطر بالمستشفي فقالوا لها هاتي متبرعين وتعالي بعد الافطار أي

بعد سبع ساعات فقالت لهم انها تنزف ونحن من قرية بعيدة وهي لن تنتظر فخذوا مني الدم وأعطوني بدلا منه فقالوا لها بعد الافطار ليس عندنا دم هل نحن نفتح الحنفية ليهبط منها دم؟ نعم يا سيدي هذه هي طريقة التعامل في بنك الدم التابع لوزارة الصحة بعد أن أغلقوا بنوك الدم بالمستشفيات وحظروا التبرع فيها ونقلوا الأمر إلي بنك الدم الإقليمي بدون دراسة

العواقب‏.‏

نعم كلنا مقصرون‏,‏ نحن لا نتبرع بالدم إلا في وقت الشدة للأقارب أو المعارف بل ولا نفكر حتي في الموضوع إلا عند وقوعنا فيه ونمر علي سيارات الإسعاف باستهزاء ونقول يا عم سيبونا في حالنا أو يا عم هو إحنا عندما دم ونضحك مع أنه شيء صحي جدا للإنسان أن يتبرع كل عدة أشهر فالإعلام مقصر جدا ووزارة الصحة‏,‏ فللأسف لا يقومون بحملات

قوية مثل حملة مستشفي سرطان الأطفال التي تلقي صدي واسعا‏,‏ فهم يستطيعون القيام بحملة كبري لتوعية الناس أن هذا الدم لا يباع كما يعتقد الكثير من الناس التي لا تعرف أن ثمن كيس الدم الذي يدفعه المواطن في بنوك الدم لا يتعدي ثمن ثلث كلفة التحاليل فقط والباقي مدعم من الدولة وأنه ينقذ إنسانا من الموت وأنك إن لم تتبرع وأنت تستطيع فسيموت إنسان

وأنت لا تنقذه‏,‏ فالشعب المصري شعب طيب وجميل ولكن أحيانا يحتاج الكثير من شبابنا إلي بعض التوجيه‏.‏

الغريب أننا عندما حللنا عينة دم أخري بنفس بنك الدم أخرجوا لنا فصيلة أخري وقالوا إن فصيلته‏AB‏ فثرت عليهم كيف في أسبوع واحد تخرجون لنفس الطفل فصيلتين ومعي الفواتير التي أخذت الدم والبلازما بها؟‏!‏

إن تحليل الفصيلة هو أسهل أنواع التحليل فما بالك بباقي تحاليل الدم المعقدة وما خفي كان أعظم‏,‏ ولكن شاءت إرادة الله أن يعيش الطفل رغم أنه أخذ دم‏+A‏ عن طريق الخطأ وتلك معجزة‏,‏ حيث إن فصيلته الحقيقية‏AB‏ وهي تقبل التبرع من أي فصيلة أخري‏,‏ المهم يا سيدي ليس في كل ذلك بل في فصيلة‏(O-)‏ وهي نادرة جدا وحالة ابني حرجة جدا

ويجب تغيير الدم له ولكن بنك الدم يقول ليست عندنا وعندما وجدت متبرعا قالوا لنا تأخذونها بعد يومين أواذهبوا بالمتبرع لمستشفي الجامعة فهو المكان الوحيد الذي به معمل دم غيرنا ومستشفي الجامعة رفض وقال التبرع يجب أن يكون لشخص داخل المستشفي فقلنا لهم ننقله للمستشفي فقالوا ليس هناك مكان‏,‏ كل ذلك ومعك طفل حالته حرجة ونسبة

الصفراء ارتفعت إلي أكثر من‏20‏ وعنده تسمم في الدم وحالته أقل ما يقال عنها إنها حرجة جدا وأنت معك المتبرع ولا تعرف أين تذهب به‏!!‏

هل تصدق هذا؟‏..‏ نعم صدقه يا سيدي لأننا في صعيد مصر‏!!‏
المهم أننا وجدنا كيس دماء بأحد المستشفيات في مدينة أخري بعيدة عنا وتم تغيير الدم له الساعة الثالثة فجرا ولكن للأسف نسبة الصفراء ارتفعت‏,‏ وتكررت المأساة وأصبحنا أنا وأخي وأصدقائي ومنهم المسلم والمسيحي لا ندخل البيت إلا فجرا بعد أن يتبرعوا بالدم ويبقوا معي حتي العثور علي كيس دم له ليلا أو صباحا في اليوم التالي أو فجرا‏,‏ وهكذا كان معي

صديق مسيحي لا يتركنا ليلا أو نهارا وكان من أول المتبرعين وكان معي طيلة الوقت ليقود السيارة حتي لا أقود وأنا في حالة صعبة‏,‏ فهذه هي مصر‏,‏ وبرغم كل ما فيها من جوانب سيئة فعلناها بأيدينا فإنه دوما تبقي طاقة من أمل ونور‏.‏

وكل يوم يتم تغيير الدم له ولكن الصفراء ترتفع إلي أن أصبحت‏30‏ وأصبحت هناك خطورة شديدة علي المخ وعلي الكبد من هذه النسبة وأي مخ وأي كبد الذي يتحمل في طفل وزنه بعد هذه الرحلة أقل من‏1,5‏ كجم‏,‏ فقررت أخذه علي مسئوليتي إلي مستشفي خاص بالقاهرة وليكن ما يكون‏,‏ فهو الطريق الوحيد الذي لم أسلكه حتي لا أكون مقصرا مع

هذا الطفل البريء الذي تقف الدنيا والناس والمرض ضده‏,‏ فجهزت سيارة الإسعاف وأحضرت الطبيب الذي سوف يسافر معنا وذهبنا للقاهرة للمستشفي التي من المفروض أن أحد الأقارب اتصل بطبيب كبير ليرتب لنا الأمر فيه‏,‏

وللأسف وبعد رحلة شاقة رفض المستشفي استقباله خوفا من تسمم الدم فقلت لهم أنه عولج منه وان المشكلة في الصفراء ولكن الطبيب المشهور غاب ضميره واتضح إنه لم يتصل بهم أو يخبرهم بشيء عن الحالة وهم رفضوا استقباله وهو ليس في حالة تسمح لي أن أدور به علي كل مستشفيات القاهرة العام منها والخاص وقررت أن أعيده مرة أخري إن كتب له

أن يصل حيا حتي ارحمه من المعاناة ولكنني طلبت منهم المحلول الذي يحقن به ليعيش أو أن يستبدلوا لنا اسطوانة الأكسجين حتي لا تنتهي في رحلة العودة فرفضوا وقالوا لنا إنها سوف تكفيكم لمدة‏18‏ ساعة أخري‏,‏

نعم يا سيدي أقسم لك أن من قال لي ذلك هو طبيب أو المفترض أن يكون طبيبا يري طفلا بل كائنا حيا أقل من‏1,5‏ كجم‏,‏ إنه مجرد روح تتألم بين الحياة والموت ويرفض حتي إعطاءه المحلول أو اسطوانة الأكسجين بأي ثمن من المال‏,‏ فأنا والحمدلله كنت أستطيع دفع أي مبلغ له ولكن لقد أصيب بعض اطبائنا بعدم الإنسانية واللامبالاة وقد انتهت اسطوانة

الأكسجين بعد ساعتين في منتصف الطريق الشاق فتوجهت إلي طفلي وقلت له يعلم الله يا بني انني لم أدخر عليك جهدا ولم أبخل عليك بمال وأنني مستعد لبيع ملابسي لأصرفها عليك ولكن الدنيا قد ضاقت عليك حتي الأطباء والمستشفيات‏,‏

والذين من المفترض أنهم ملائكة الرحمة قد رفضوك في الدنيا ولكن رحمة الله واسعة ولست أرحم عليك ممن خلقك‏,‏ وسلمت أمري لله وتوجهت له بالدعاء وإن كنت قد يئست من الدنيا ومن قدرته علي التحمل‏,‏ ولكنها إرادة الله‏,‏ فقد تحمل الخطأ في تحليل الدم‏,‏ وتحمل التأخير في أكياس الدم وتحمل انتهاء الأكسجين في السفر ورحلة السفر‏11‏

ساعة‏..‏ لا أعرف كيف تحملها وإننا كنا نخاف من رحلة سفر أربع ساعات فقط ولكن هذا الكائن الضعيف الذي دعوت الله إن كان في موته راحة من هذا الألم والعذاب أن يميته ليريحه من الألم والمعاناة التي لا يتحملها رجال بشوارب مع شدة حبي واحتياجي لهذا الابن أنا وأمه ولكن دعوت ذلك من شدة ألمي عليه وأنا لا أعرف ماذا أفعل معه‏,‏ قد جعله الله

يتحمل ليضرب للناس المثل بأن الشفاء من عند الله‏!‏

ورجعت لنفس المستشفي فجرا وقد اتصلت بنفس الطبيبة وبالسيد نائب مدير المستشفي فوجدتهم رتبوا لوصولنا أكرمهم الله وأثابهم خير الجزاء وبدأت رحلة العلاج مرة أخري مع نفس الطبيبة الوحيدة التي تقبلت مد يد العون لابني بعد أن رفضه الجميع‏..‏

وحتي يعلم الجميع أن الشفاء من عند الله فقد قالت لي هذه الطبيبة انك فعلت كل ماتستطيع ولم تبخل بشيء فاترك الأمر لله وهو لن يضيعك وبالفعل سلمت أمري لله لأنني فقط كنت أريد أن أكون غير مقصر مع هذا الكائن البريء الصغير الذي يتحمل العديد من الآلام والحمد لله بعد وصولنا بعدة ساعات بدأت نسبة الصفراء في النزول وانتهي التسمم الدموي

والطبيبة تتابعه ليلا ونهارا وكثيرا كانت تأتي في أيام ليست أيامها بالمستشفي وكانت تتابعه بالهاتف من البيت‏,‏ فلم تكن تنام مثلنا تماما وكأنه ابنها حتي خرج من المستشفي منذ عدة أسابيع ولكن يحتاج للعزل لمدة أخري خوفا من أي عدوي لأن وزنه قليل فتنام أمه في غرفته للاعتناء به ولكن وهي مرتديه كمامة وأنا أخاف عليه من الدخول عنده وكلما اشتقت إليه

ارتدي الكمامات والقفازات لأراه‏!!‏

سيدي‏..‏ أبعث برسالتي هذه ليعلم الجميع أن الشفاء بيد الله عز وجل وأن الله تعالي قال‏(‏ لا تقنطوا من رحمة الله‏)‏ وهو أصدق القائلين ولأدعو كل من له مريض أو به مرض أن يتصدق لله تعالي‏,‏ فالرسول الكريم قال‏(‏ داووا مرضاكم بالصدقات‏)‏ ولأدعو كل المصريين أن يتبرعوا بالدم لمن يحتاجه الآن لأنهم سيحتاجونه في يوم من الأيام إن لم يكن

لهم فلأبنائهم أو إخوانهم أو أحفادهم بعد عدة سنوات‏..‏ ففعلا قطرة الدم تساوي حياة‏.‏

*‏ سيدي‏..‏ أعتقد أنك لا تقصد برسالتك المؤلمة والكاشفة البحث عن طريق لـ قطرة دماء أو قطرات‏,‏ وإنما تقصد أننا في أشد الحاجة إلي قطرات‏,‏ بل

أنهار من الضمير‏.‏

قد نفهم وجود قصور في وزارة ما أو إهمال وتراخ أو حتي فساد نتيجة الترهل والبيروقراطية والتراكمات القديمة والبطالة‏,‏ وهذا ينطبق علي كثير من الوزارات‏,‏ ولكن ما لا أفهمه ويحار العقل في تفسيره‏,‏ لماذا يقسو الناس بعضهم علي بعض؟‏..‏ لماذا ونحن نتهم الحكومة بعدم الشعور بالناس وهمومهم‏,‏ نفعل نفس الشئ وأكثر؟

لماذا يقسو الطبيب ويهمل؟ لماذا يتحجر قلب موظف في بنك الدم ولا يهتز ولا يبكي ولا ينفعل وهو يري استغاثة بشر أمامه‏,‏ ويعرف أنه باهماله وتعنته يودي بحياة آخر يمكنه إنقاذه بكلمة أو قرار؟

هذا ما يستحق أن نناقشه ياسيدي‏..‏ لماذا أصبحنا جميعا ــ وللدقة أغلبنا ــ قساة القلب‏,‏ في الشارع وفي العمل وفي البيوت‏..‏ نتبادل القسوة بكل يسر وبلا مبالاة؟

سيدي‏..‏ لا أريد أن أزيد علي رسالتك شيئا‏,‏ ففيها الكثير والكثير‏..‏ وأثق بأن الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة لن يتواني لحظة عن مواجهة الفساد والاهمال الذي كشفته وربما دفعته رسالتك إلي البحث عن وسائل واتخاذ قرارات لتوفير الدم لمن يحتاجه‏,‏ ثم نفكر كيف ندعو الناس إلي التبرع بالدم‏..‏ ولا ننسي توجيه الشكر والاحترام لهذه الطبيبة الانسانة

لعلمها وإنسانيتها وأمانتها في وقت عز فيه كل هذا‏..‏ وتبقي دعواتنا لطفلك ولكل مرضانا بتمام الشفاء والعافية‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏..
المزيد ....

..‏ وهــذا الوحــــــش‏!‏

27-11-2009
أكتب إليك لعلي أجد حلا وليس كلاما يواسيني‏..‏ أريد حلا من فضلكم‏,‏ حلا من المفكرين‏,‏ من علماء الدين‏,‏ وأرجو أن تقرأ رسالتي بعناية‏.‏

أولا أنا قرأت رسالة هذا الوحش وآلمتني كثيرا‏..‏ آلمني حال الأب ولكن ليس بالمعني الذي سوف تفهمه من كلامي‏,‏ ولكن آلمني أن يخفف الله عنه بعضا من عذاب الآخرة بإصابته بالمرض في الدنيا‏,‏ كما آلمني حال الفتاة وأقول لها استريحي لقد مات سبب عذابك أنت واخوتك‏,‏ وهو يحاسب الآن‏!‏

طبعا ستتعجب من قسوة كلامي‏,‏ ولكني أقول لك إني ابنة لواحد من هؤلاء المحسوبين علي المجتمع بأنهم آباء‏,‏ قال الأحنف بن قيس لمعاوية‏:‏ أولادنا ثمار قلوبنا‏,‏ وعماد ظهورنا‏,‏ ونحن لهم أرض ذليلة‏,‏ وسماء ظليلة‏..‏ إن غضبوا فأرضهم‏,‏ وإن سألوا فأعطهم‏,‏ ولا تكن عليهم فظا فيملوا ويتمنوا وفاتك‏,‏ أنا بنت أستطيع أن أقول لك وبكل

تواضع‏:‏ إن آزر عندما ألقي سيدنا إبراهيم في النار كان أحن عليه من أبينا‏,‏ لا أعلم من أين أبدأ‏,‏ فأنت لن تصدقني فيما أقول‏,‏ ولكن لابد أن تصدقني حتي تجد لي حلا‏,‏ ولابد أن يصدقني قراء بريدك حتي يعيد كل أب قاس النظر في معاملته لأبنائه‏,‏ ويهرع كل ابن وابنة إلي والديه يقبلهما عندما يري ما نحن فيه‏!‏

نحن اختان‏,‏ أنا الصغري وأبلغ من العمر‏24‏ عاما‏,‏ واختي تكبرني بثلاث سنوات كان لي أب يمتلك أسوأ طباع علي وجه الأرض‏,‏ له صوت مثل هدير طائرات حرب أكتوبر‏,‏ يشكو منه دائما سكان المنطقة الراقية التي نسكنها‏,‏ تعودنا من صغرنا أن نستيقظ من نومنا علي سيل من أقذر الألفاظ الموجودة علي وجه الأرض‏,‏ تصل إلي حد ألفاظ كشف

العورة بسبب أنه لم يجد علبة الكبريت في مكانها‏,‏ أو أننا اشترينا صابونة جديدة قبل اختفاء القديمة تماما‏,‏ أو أننا رتبنا حاجياته المبعثرة بشكل قذر‏,‏ أو أن كرسي الفوتيه يبعد عن الحائط مسافة‏2‏ سم‏,‏ أو أنه اكتشف ضياع ربع جنيه‏..‏ نعم والله وأقل من هذه القيمة‏.‏

هذا هو أبي الرجل ذو الستين عاما‏,‏ مهندس المعمار المرموق في إحدي كبري الشركات‏.‏ رجل نشأ من صغره بعيدا عن بيته‏,‏ لقد كان والده دائم الطرد له دونما اخوته بسبب عقوقه وتطاوله عليه‏,‏ وهكذا كبر وخطب كثيرا وتزوج وطلق إلي أن وقع حظ أمي العاثر معه‏,‏ وكانت آخر زيجة له‏,‏ ومنذ أول يوم وهو يسيء معاملتها إلي أقسي درجة‏,‏ ويسبها

بأقذر الألفاظ‏,‏ وهو ويفتح الشبابيك وباب الشقة حتي يعلم الجيران كم هو رجل‏,‏ فهذه هي الرجولة في نظره‏,‏ يطردها ويأخذ كل ما معها من نقود حتي تشحت من الجيران‏,‏ أو تذهب إلي بيت أهلها البعيد جدا سيرا علي الأقدام‏,‏ أنجبتنا أمي في هذا الجو ولا أعرف لماذا‏!‏ وذقنا كل ما ذاقته من العذاب والهوان معها‏,‏ والصراخ من جانب أبي‏,‏ ووصلة

الألفاظ المحترمة التي لم أسمع مثيلها حتي في أقذر الأحياء‏.‏ كان يعتمد علي مرتبها الضئيل‏,‏ فهو يملأ المنزل بالطعام‏,‏ أما الملابس والفسح وشراء أكل مواسم الأعياد‏,‏ كحك العيد الصغير مثلا‏,‏ أو الدروس الخصوصية والدكتور للعلاج من الأمراض كلها من الكماليات‏,‏ فكيف لنا أن نمرض‏,‏ وكيف لنا أن نطلب قليلا من كحك العيد‏,‏ أو حلوي

المولد‏.‏ لقد كانت له استراتيجية خاصة كل عيد‏,‏ فهو في وقفة كل موسم يقوم بأكبر خناقة علي وجه الأرض‏,‏ ونتلقي ما نتلقي من السباب والضرب والطرد حتي نذهب إلي بيوت أخوالنا الأغنياء نأكل عندهم‏,‏ ويتخلص هو من عبء أكل الموسم‏.‏ لقد جعل الله الأعياد فرحة لتهدأ فيها النفوس ويتصالح المتخاصمون‏,‏ لكن كل عيد كان لعنة علينا‏,‏ لقد كنا

نتحاشي الكلام معه ونحبس أنفسنا حتي لا يرانا ويتلكك لنا‏,‏ ولكن هيهات‏,‏ فهو فنان في النكد‏,‏ مبدع في التلكيك‏,‏ لقد كان أرق وأنظف ما نسمعه هو أنه سوف يأتي بحذائه ويغمسه في قاع التواليت ثم يمسح به وجوهنا‏..‏ يا إلهي كم هو شاعري‏..‏ يا إلهي من أين له بهذا اللسان؟‏!‏

ولعلك تسأل نفسك‏:‏ لماذا لم يتدخل أحد من أقاربنا؟ الكل كانوا يهابون صوته وألفاظه‏,‏ كما أنه كان ممثلا من الدرجة الممتازة‏,‏ فقد كان يقسم كذبا أننا نحن الذين ضربناه وسببناه ومزقنا ملابسه‏,‏ وأننا نرتدي والعياذ بالله ملابس خليعة تجعله يقسو علينا قليلا حتي نعود لرشدنا‏,‏ وهكذا كففنا عن الشكوي فلا جدوي‏,‏ كما أن الجميع نبذنا‏,‏ فنحن دائمو

المشكلات‏,‏ كما أنه كان يضربنا ضربا مبرحا إذا ما علم أننا شكوناه‏!‏

لقد وصل الأمر إلي أن أمي كانت تعطيه أحيانا نقودا ليكف عن الشجار‏,‏ فكان يأخذها ويهدأ يوما ثم يعود لسابق عهده‏.‏ لقد كان ما تفعله أمي هو قول‏:‏ حسبنا الله ونعم الوكيل‏..‏ اللهم اعطني جزاء آسيا امرأة فرعون‏..‏ اللهم اجعله لي في الآخرة‏.‏

ماتت أمي الجميلة الوديعة صاحبة أرقي أخلاق‏,‏ كما كان يلقبها الناس‏.‏ ماتت بسرطان في المعدة بسبب كثرة ما كانت تتناوله من أقراص الصداع أو المهدئات علي معدة خاوية‏,‏ فقد كانت تمل الأكل من كثرة النكد‏.‏ ماتت خلال عشرة أيام فقط من مرضها‏,‏ فقد رحمها الله سريعا‏,‏ وكفر عنها سيئاتها بتحملها أبي‏,‏ لاقت جزاء آسيا‏,‏ فأنا والحمد لله أحلم

بها دائما تضحك كما يقول القرآن عن جزاء أهل الجنة وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة‏.‏ ماتت وأنا أتذكرها وهي تتوسل لأبي في أيامها الأخيرة قبل مرضها ليجد لها طبيبا وهو ينظر لها ويتشفي‏,‏ أتعلم أنه لم يدفع شيئا في رحلة مرضها القصيرة جدا‏.‏ لقد باعت هي ما باعت ودفعت علاجها‏,‏ ولكن أبي ذا الجبروت ادعي أمام الجميع أنه هو الذي تكفل

بعلاجها‏,‏ يا إلهي كيف أحيا وأنا أعلم أنه السبب في تعاستها طول‏26‏ عاما هي مدة زواجهما‏,‏ ولن أقول لك إنه سبب غير مباشر في وفاتها‏,‏ فالأعمار بيد الله‏,‏ وإنا لله وإنا إليه راجعون‏,‏ نحقد عليه سرا أنا وأختي ونحن نراه يضحك ويأكل ويتمتع بحياته‏,‏ ويذهب لأصدقائه‏,‏ ويفحص نفسه فحصا شاملا كل‏6‏ أشهر للتأكد من خلوه من الأمراض‏,‏ فهو

رياضي ومحافظ علي نفسه من الدرجة الأولي‏,‏
لقد كنا نظن أن وفاة أمي ستكون سببا في هدايته ولكن هيهات‏,‏ فالهادي هو الله‏.‏

لقد ابتلانا الله بوفاتها وابتلانا بوجوده معنا‏,‏ لقد زاد في إيذائه لنا بسبب رغبته في معاش أمي الضئيل الذي لم يتجاوز‏280‏ جنيها‏,‏ كنا نضرب ونسب حتي نعطي له المعاش مع العلم بأننا لا نعمل وكل حاجياتنا عدا الأكل من هذا المعاش‏,‏ وعندما كنا نشكو لأحد كان يدعي أننا كاذبون وأننا جننا من الصدمة علي وفاة أمنا رحمها الله‏,‏ كما أنه كان يذهب إلي

أخوالي من دون علمنا ويدعي علينا بالباطل ليجدوا له عذرا في تصرفاته‏!!‏

مرضنا بالاكتئاب والقولون العصبي‏,‏ وبالضغط وبالصداع المزمن‏,‏ وباضطراب في ضربات القلب‏,‏ وضيق التنفس‏,‏ وجفاف أغشية العين‏,‏ وضعف النظر من كثرة البكاء‏,‏ وذهبنا إلي الأطباء النفسيين بحثا عن علاج‏,‏ وهو لا يرحم ولا يتعظ ولا يمرض حتي بالزكام‏,‏ والحمد لله أنه لا يمرض‏,‏ فأنا لا أريد أن يكفر الله بعضا من ذنوبه بمرضه‏.‏

أريد أن أسأل هل سوف يحاسبني الله علي كرهي له؟ لقد قال القرآن‏:..‏ وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا‏,‏ فهل أرحمه وهو لم يربني‏,‏ أنا لا أتذكر له أي حسنة‏,‏ لا أتذكر سوي سبابه الدائم لنا‏,‏ وتشهيره بنا‏,‏ لا أتذكر سوي مشهد خروجنا في الأعياد باكين وآثار الضرب علي وجوهنا نتحاشي الجيران‏,‏ لا أتذكر سوي معايرته الدائمة لي ولأختي

بأننا عوانس‏,‏ ومن ذا الذي سوف يصاهر هذا الرجل حتي وإن كنا اثنين من الملائكة‏,‏ لا أتذكر سوي سبابه بدون سبب لي أمام أصدقائي في المنزل‏,‏ وظهوره أمامهم بهدوم ممزقة وهو يمتلك أفخر الملابس حتي يشعرني بالإهانة‏,‏ لا أتذكر سوي ما أتناوله من أدوية وشكلي أنا وأختي الذي يشبه العجائز من الحزن بسببه‏,‏ وهو لا يتناول غير الفيتامينات‏,‏ لا

أتذكر سوي صراخه بجانبي بأقصي صوت وأنا نائمة بعد عناء يوم دراسي حتي أستيقظ مذعورة‏,‏ فكيف ننام وهو مستيقظ‏.‏ هو لا يرحم‏,‏ حتي في عمله‏,‏ قاس‏,‏ لقد تبرع أحد العمال وحاول ضربه بقالب طوب حتي يشفي غليله‏,‏ ولك أن تتخيل أن يضحي عامل بناء بسيط بوظيفته من أجل أن يشفي غليله من كثرة ما يوقعه علي العمال من جزاءات‏.‏

ليته طالبنا بالعمل مثل صاحبة الرسالة حتي نخرج ونجد من يبتسم في وجهنا‏,‏ لا تقل لي اصبري فلماذا لم يصبر الأنبياء‏,‏ وهم أنبياء‏,‏ علي قومهم‏,‏ وكانوا يدعون الله أن ينزل الخسف والعذاب بقومهم‏,‏ ولا تقل لي اعفي وسامحي فإن الله يعفو ويسامح‏,‏ لكني أقول لك إن الله هو النافع الضار‏,‏ المنتقم الجبار‏,‏ يعفو ويغفر بعدما يتذلل له العبد ويتذلل

حتي يغفر له‏,‏ ولا تقل لي إن أباك يعاني من معاملة والده‏,‏ فأبي سوي تماما وفي منتهي الرقي مع أصدقائه ومن يعرفهم من علية القوم‏.‏

أطلت عليك ولكن أوجد لي حلا‏,‏ لقد رفع الله البلاء عن سيدنا أيوب بعد‏18‏ عاما‏,‏ فلماذا نحن مستمرون‏27‏ عاما؟‏!‏ ارحمنا يارب وعوض علينا‏!‏

أتعلم لماذا لم يتكلم القرآن عن عقوق الآباء‏,‏ لأنه شيء فوق الخيال‏,‏ لأن الآباء هم الذين ينجبون الأبناء برغبتهم‏,‏ فلماذا القسوة عليهم؟ إني أطلب من قرائك ألا يدعو عليه أحد أو يهجوه أحد‏,‏ فأنا لا أريد سبا في غيبته حتي لا يحاسبني الله‏,‏ ادعوا له بالهداية وادعوا لنا أن ننسي‏,‏ سأصبر‏,‏ سأصبر حتي يعجز الصبر عن صبري‏,‏ واصبر حتي ينظر الله

في أمري‏,‏ رحم الله رجلا أعان ولده علي بره‏,‏ اللهم اغفر لي ولأمي ولأمة محمد صلي الله عليه وسلم‏.
المزيد ....

هـذا الوحـش‏!‏

20-11-2009
سـيدي‏..‏ أرجو أن تتذكرني‏,‏ ويتذكرني قراء بابك الأعزاء‏,‏ فأنا صاحبة رسالة الانتقام التي نشرت بجريدتكم في‏2006/11/17,‏ نعم أنا التي كتبت لك عن والدي‏,‏ الذي كان يعاملنا ـ أنا واخواتي وأمي ـ معاملة مهينة حتي فقدت أمي الحياة‏,‏ كمدا‏,‏ ورفض تسلم جثتها ودفنها‏,‏ ثم تزوج بعدها عدة مرات‏,‏ وبعد أن ذهب لأداء العمرة‏,‏ انقطعت أخباره عدة سنوات حتي صدر قرار المحكمة بفقده‏,‏ وحصلنا علي ميراثه‏,‏ ولكن شاءت إرادة الله أن أجده مصادفة بعد سنوات‏,‏ عجوزا منهكا‏,‏ فاقدا للذاكرة‏,‏ يمسح سلالم العمارات‏,‏ ويتسول ثمن طعامه‏,‏ ودوائه‏,‏ بعد ان كان في رغد من العيش‏,‏ يحرمنا نحن منه‏,‏ ويهيننا في أعمال مرهقة لننفق علي أنفسنا‏!‏

سيدي‏...‏ قرأت ساعتها ردك علي رسالتي‏,‏ ونصيحتك لنا ـ أنا واخواتي ـ بالعفو‏,‏ وإطفاء نار الانتقام‏,‏ الذي لن تدوم لذته سوي لحظات‏,‏ فجمعت أخواتي‏,‏ وأخذتهم ومعنا المحامي وذهبنا لنري أبي الذي عاد‏..‏ سألنا عليه‏,‏ فدلنا أولاد الحلال علي مكانه‏,‏ وعلمنا انه تم نقله الي أحد المستشفيات الحكومية‏,‏ فذهبنا اليه هناك‏,‏ ورأينا مشاهد مؤلمة‏,‏ فقد كان ينام علي مرتبة متهالكة‏,‏ في حجرة كئيبة‏,‏ بها كثير من المرضي‏,‏ الذين أخبرونا أنه يذهب كثيرا في غيبوبة‏,‏ وأن الاطباء يريدون ان يخرجوه‏,‏ ولكنهم لايعرفون أهله حتي يتسلموه‏.‏

ذهبنا للطبيب لنسأل عن حالته‏,‏ فقال انه يعاني من أمراض كثيرة‏:‏ ضغط وسكر ومياه علي الرئة‏,‏ وتليف بالكبد‏,‏ ودوالي بالمريء‏,‏ نقلناه الي أحد المستشفيات النظيفة بالقاهرة علي مسئولية المحامي‏,‏ وعندما أفاق من الغيبوبة بكي بشدة‏,‏ وقال‏:‏ وحشتوني‏,‏ لماذا لم تأتوا الي منذ فترة‏,‏ بكينا سيدي من هذه الكلمات‏,‏ ومن حالته المأساوية‏,‏ ومن وصف الأطباء لأمراضه الكثيرة‏,‏ كان يقول هذه الكلمات ودموعه تغرق وجهه الذي سكنته الشقوق والجروح‏,‏ وكأنه كان يشعر أننا أولاده‏!!‏

بعد أيام‏,‏ طلب منا الاطباء الاهتمام بعلاجه‏,‏ ونظافته‏,‏ ومعيشته‏,‏ وفوجئنا به يطلب منا أن نخرجه من المستشفي لأنه علم أن الغرفة التي يقيم بها غالية الثمن‏,‏ وسامح الله شقيقتي‏,‏ فقد قالت له‏:‏ انت في حجرة متحلمش بيها أخفي وجهه في الملاءة‏,‏ وقال لي‏:‏ اخرجيني يا ابنتي من هنا‏,‏ واقرضيني ثمن العلاج‏,‏ وسوف أسدده لك إن شاء الله‏,‏ فقالت له أختي‏,‏ ومن أين ستسدد؟ قال‏:‏ سوف أعمل‏,‏ سأنظف البيوت‏,‏ وأمسح السلالم‏,‏ هذا هو عملي‏,‏ وان لم استطع تسديد دينكم سأعمل عندكم بثمن العلاج‏,‏ أمسح سلالم شققكم‏,‏ وأنظفها‏!‏

لم تعط شقيقتنا لنا فرصة لنشفق عليه بعد هذا الموقف‏,‏ فعلي الفور قالت له‏:‏ لقد كان لنا أب‏,‏ لكن لم يرحمنا‏,‏ ولم يرحم أمنا‏,‏ حتي وهي مريضة‏,‏ فكان يجبرها علي العمل ويقول لها اشتغلي بلقمتك علي الرغم من أنه كان يمتلك كثيرا من الأموال‏,‏ ولكنه اليوم علي استعداد للعمل عند أولاده‏,‏ يخدمهم‏,‏ ليسددوا نفقات علاجه‏,‏ وهنا تدخلت أنا‏,‏ وأخبرته أننا ننفق هذه الأموال عليك صدقة عن أمي المتوفية‏,‏ فأنت مثل والدنا‏,‏ نهرتني أختي قائلة‏:‏ متطمعهوش فينا‏,‏ انت السبب‏,‏ ربنا ياخدك معاه‏,‏ كان لازم تقابليه‏,‏ وترجعيه تاني‏.‏

أصر أحد أخوالي علي الذهاب الي أعمامي‏,‏ ليخبرهم أن أخاهم أبو البنات قد عاد‏,‏ وأنه حي‏,‏ لم يمت‏,‏ ويعالج في المستشفي‏,‏ فكذبوه‏,‏ وحضروا إلي المستشفي‏,‏ وحدثت بيننا خناقة كبيرة وضربونا‏,‏ وكانت فضيحة في العائلة‏,‏ ولكن خالي ذهب الي قسم الشرطة‏,‏ وعمل محضرا ضد أعمامي‏,‏ وجاء أمين الشرطة للمستشفي ليسأل العجوز‏:‏ انت مين؟‏..‏ قال‏:‏ أنا معرفش حاجة‏,‏ هؤلاء البنات ساعدوني‏,‏ وأحضروني للمستشفي للعلاج‏,‏ وقال للاطباء اني فاقد للذاكرة‏,‏ ولكني لو كنت فعلا أباهم‏,‏ فأنا مش عاوزهم يعرفوني تاني‏..‏ قالها سيدي‏,‏ وهو يبكي بحرقة‏,‏ فكيف لأب ان يضرب بناته‏,‏ ويعذبهم‏,‏ بل ويكون سببا في وفاة أمهم‏,‏ هل كنت أنا هذا الوحش‏,‏ ان كنت كذلك‏,‏ فلا أريد أن أذكرهم بما عانوه معي‏!!‏

خرج الرجل من المستشفي‏,‏ بعد علاجه‏,‏ وعلم اننا بناته‏,‏ وكان كلما يري واحدة منا يداري وجهه‏,‏ وهو يبكي ويقول اللهم قصر أيامي فأقول له انت مش مبسوط انك عرفت ولادك‏,‏ فيقول كان نفسي أكون مبسوط ولكن ذكرياتي معكم ذكريات موت ولهذا لن استطيع العيش معكم‏,‏ سأعود إلي حجرتي الصغيرة‏,‏ أكنس وأمسح السلالم‏,‏ والبيوت‏,‏ ولكن كل ما أطلبه منكم يا ابنتي هو ان تسامحوني‏..‏ سامحوني أرجوكم‏!!‏

كررها سيدي أكثر من مرة‏...‏ سامحوني‏,‏ فقلت له لو سامحناك نحن في حقنا‏,‏ فمن يسامحك في حق أمي؟‏...‏ فقال وهو يبكي يا ابنتي‏..‏ ياويلي من عذاب الله‏,‏ فلا أدري ماذا أقول لربي عندما يسألني‏,‏ لماذا لم تنفق علي بناتك‏,‏ وقد رزقتك مالا كثيرا‏,‏ لماذا تركتهن ومعهن زوجتك المريضة يعملن لينفقن علي أنفسهن؟

..‏ ماذا سأقول لربي إذا سألني لماذا لم تتسلم جثة زوجتك‏,‏ وتدفنها؟‏!‏

أخذته أختي الوسطي بعدها ليعيش معها‏,‏ ولكنها ـ سامحها الله ـ كانت تعطي له العلاج علي معدة خالية لأنها كانت تقوم من النوم متأخرة‏,‏ وكان أول طعامه هو العيش الناشف فكان يطلب منها ان تبلل له العيش ليستطيع مضغه‏,‏ فكانت تغرق العيش في الماء حتي يتفتت‏,‏ فيلملمه بأصابعه الضعيفة‏,‏ وهو لا يملك ما يسد جوعه غير ذلك‏,‏ وكانت كلمته التي يرددها دائما أهي أكلة والسلام‏!‏

لا استطيع ان أنسي مشهده‏,‏ سيدي عندما ذهبت لزيارته يوما‏,‏ فوجدته جالسا عند باب الشقة من الداخل‏,‏ حزينا وخائفا فسألته ماذا جري؟ فأخبرني أنه تبول لا اراديا علي مرتبة السرير وان شقيقتي قد نبهت عليه الا يفعلها مرة أخري‏,‏ بكي بشدة وترجاني ان ارحل به من عندها‏,‏ فأخذته وذهبت به الي اختي الاخري‏,‏ فقد كنت رافضة أن يعيش معي في الشقة‏,‏ فأنا أعيش منفردة‏,‏ وكنت لا أريد أن أعيش لخدمته‏,‏ وكنت أقول لنفسي في بعض الأوقات اتركيه يتبهدل عند ولاده ثم اذهبي به لحجرة الموت التي كان يعيش فيها‏..‏ أعرف انكم جميعا ستدعون بأن ينتقم الله مني‏,‏ وقد قلتها بالفعل لنفسي‏!!‏

عندما دخلنا علي أختي باغتته بسؤال‏:‏ انت لسه عايش‏,‏ وكمان هتعيش معايا‏!‏ تعلق الرجل في يدي‏,‏ وبكي‏,‏ واستحلفني الا أتركه‏,‏ وأصطحبه معي‏,‏ فأخبرته أنها أيام قليلة‏,‏ ثم يعود إلي حجرته الأصلية‏,‏ تركته سيدي‏,‏ ولكن ظلت نظرة عينيه لا تفارقني دقيقة‏,‏ وهو يتوسل لي ألا أتركه‏,‏ فعدت بعد أسبوع لزيارته‏,‏ فوجدته نائما علي كنبة ببلكونة المنزل‏,‏ وعلمت أن شقيقتي كانت تكلفه بنظافة المنزل‏,‏ ومسحه‏,‏ وكأنه خادمة‏,‏ حتي إن زجاج الشباك أصاب إصبعه‏,‏ فلم تكلف نفسها عناء علاجه‏,‏ وتركته ينزف ويعاني‏!!‏

أمسك بيدي ورجلي‏,‏ وترجاني أن أعود به إلي حجرته‏,‏ ووعدني أنه سيطلب من أولاد الحلال سداد ما أنفقناه عليه في علاجه‏,‏ أخذته‏,‏ وذهبت به إلي حجرته الصغيرة التي يسكن بها في مدينة طنطا‏,‏ وأعطيت أموالا لشيخ المسجد لكي يقوم علي رعايته‏,‏ ثم سافرت‏,‏ وما إن نزلت في محطة القطار‏,‏ إلا ووجدتني أعود مرة أخري‏,‏ وأستقل القطار العائد إلي طنطا‏,‏ وعندما دخلت عليه انهار في البكاء‏,‏ وقال كنت أعلم أنك ستعودين‏,‏ أنت فقط من أشعر بك‏,‏ استلقيت في حضنه ـ لأول مرة ـ إنه أبي يأخذني في حضنه الدافيء‏,‏ بكيت علي كتفيه‏,‏ غمرت وجهه الدموع‏,‏ ثم سألني‏:‏ هل سامحتيني‏..‏ فرحت في صمت عميق‏,‏ ولكنه ليس علامة عن الرضا‏!!‏

لم أستطع أن أتركه بعد كل ذلك‏,‏ واصطحبته معي إلي شقتي‏,‏ كنت أبحث عن رضا ربي‏,‏ قبل أي شيء‏,‏ علي الرغم من النار الدفينة التي كانت تسكن أحشائي مما فعله معنا‏..‏ عشنا معا فترة شعرت فيها ـ لأول مرة ـ بطعم أن يكون لك أب يربت علي كتفيك‏,‏ يحنو عليك‏,‏ كنت أدخل الشقة فأجده واقفا في الشباك ينتظرني‏,‏ ويطمئن علي‏,‏ كان يطلب مني أن آخذه إلي مقبرة والدتي‏,‏ وعندما وقف أمامها‏,‏ بدأ في قراءة القرآن‏,‏ وبكي كثيرا‏,‏ ثم طلب منها أن تسامحه‏,‏ وأن تشفع له عند الله ليسامحه‏.‏

لا أنسي هذه الأوقات التي كان يساعدني فيها في لملمة أوراقي التي كنت أحضرها معي للعمل بالمنزل‏,‏ ثم نبدأ في اللعب علي الكمبيوتر‏,‏ لم أعد أحتمل البيت بدونه‏,‏ فقد كان يذهب لزيارة حجرته‏,‏ التي كان يسكن بها‏,‏ فلم أتحمل هذه الساعات‏,‏ وذهبت فورا لإحضاره‏,‏ لا أخفي عليكم سيدي‏,‏ أنه حتي النوم أصبح له طعم في وجوده‏,‏ فكنت أستغرق في النوم‏,‏ وأنا مطمئنة أن أبي معي في المنزل‏,‏ يحرسني بدعواته التي لا تنقطع‏,‏ ربنا يكفيك شر عباده يا بنتي‏!!‏

في هذه الأوقات قررت أن أذهب لقضاء العمرة‏,‏ وعندما أخبرته‏,‏ ضحك‏,‏ وقال‏:‏ أوعي تفقدي الذاكرة‏..‏وبكي‏,‏ وقال لي‏,‏ ومن سيزورني‏,‏ ثم بدأ يوصيني بالدعاء‏,‏ ووعدته بأن أصطحبه معي في المرة القادمة‏,‏ سافرت بعد أن أعطيته تليفونا محمولا لكي أطمئن عليه‏,‏ وبعدها علمت أنه مرض‏,‏ ولم يجد أحدا يدخله المستشفي‏,‏ وبعد أن قضيت عمرة رمضان‏,‏ عدت‏,‏ وأخذته إلي المستشفي‏,‏ كان يعاني في هذه المرة‏,‏ يبتسم كثيرا‏,‏ ويبكي أكثر‏,‏ ويشرد بناظريه أكثر وأكثر‏..‏ وكان يردد دائما‏:‏ تري يا ربي هل خففت عذابك عني‏,‏ تري هل تقبلت دعوتي؟‏..‏ هدأته‏,‏ وقلت له‏:‏ ارحم نفسك‏,‏ ولأول مرة نبض قلبي بالدعاء له‏,‏ أن يشفيه‏,‏ تركته في اليوم التالي‏,‏ وذهبت لعملي‏,‏ وعدت مسرعة بعد أن اتصلت بي الممرضة‏,‏ لتخبرني أنه في غيبوبة‏,‏ فاقتحمت حجرة الرعاية المركزة‏,‏ ورميت نفسي فوق صدره‏,‏ وبكيت‏,‏ كما لم أبك من قبل‏,‏ وصرخت بأعلي صوتي‏..‏ يارب‏,‏ دعه يشعر بي‏,‏ ولو لحظة واحدة‏,‏ لكي أقول له‏:‏ سامحني‏..‏ سامحني علي كل لحظة عاملتك فيها بجفاء‏,‏ فقد كان كل ذلك رغما عني‏..‏ جلست عند قدميه‏,‏ وقبلتهما‏,‏ ثم قبلت رأسه‏,‏ واستحلفته ألا يتركني‏,‏ وطلبت منه
أن يغفر لي‏,‏ ثم ذهبت لأصلي‏,‏ وما هي إلا لحظات‏,‏ وحضرت الممرضة‏,‏ لتقول لي‏:‏ البقاء لله‏!...‏

رحل أبي‏,‏ ورحت أنا في غيبوبة‏,‏ وعلمت بعد أن أفقت أن أعمامي رفضوا دفنه في مقابرهم‏,‏ فدفنه خالي في مقابر العائلة‏,‏ بجوار أمي‏,‏ التي رفض ـ سابقا ـ استلام جثتها‏,‏ وياللقدر ياسيدي‏,‏ فربما تكون قد سامحته هي الأخري‏!‏

الآن سيدي لم أعد أجد من ينتظرني بالمنزل‏,‏ لم يعد هناك من يدعو لي‏,‏ أصبحت أعيش في وحشة الوحدة‏,‏ ويبدو أن انتقام الله قد بدأ معنا‏..‏ نعم سيدي لقد بدأ انتقام الله معي‏,‏ وأخواتي‏,‏ فقد مرضت بهوس نفسي‏,‏ كنت أقطع هدومي‏,‏ وأجري في الشارع‏,‏ وأصرخ‏,‏ وأبكي‏..‏ أضحك‏,‏ وأرقص‏,‏ ثم أعود لأصرخ‏:‏ أبويا مات‏..‏ ياناس‏,‏ أبويا مات‏!!‏

أما شقيقاتي‏,‏ فسوف أقول لك ماحدث لواحدة منهن فقط‏,‏ وهي التي كانت تطعم أبي العيش الناشف فقد أصابها مرض البهاق في جسدها كله‏,‏ ولم يتحملها أحد‏,‏ حتي أولادها‏,‏ وزوجها‏,‏ وطلبوا مني أن آخذها لتعيش معي‏!!‏

سيدي‏..‏ قل ما شئت لنا‏,‏ فنحن في انتظار كلماتك‏,‏ أيقظ ضمائرنا‏,‏ ولكن قبل ذلك كله مازال لدي سؤال أبحث له عن إجابة‏:‏ هل سامحني أبي؟‏!‏

*‏ سيدتي‏..‏ نعم أتذكرك جيدا‏,‏ فمثل تلك القصة لا يمكن أن تمحي من الذاكرة‏!‏ هل تصدقيني لو قلت لك أني أحكي تلك القصة حتي الآن لكثير ممن ألتقي بهم‏,‏ كما يسألني كثير من الأصدقاء والقراء عن حالة الأب أو بماذا انتهت حكايتكم‏,‏ وها أنت جئت بعد سنوات لتضعي كلمة النهاية‏,‏ ولكن هل انتهت قصتكم أم بدأت؟

سبق وحذرتكم ـ ياعزيزتي ـ من أن المنتقم يرتكب نفس خطيئة المنتقم منه‏,‏ وأن والدكم عندما عاد لم يكن هو هذا الوحش القديم الذي عذبكم وأهان والدتكم‏,‏ بل هو انسان عائد بفطرته الأولي‏,‏ بخيره ومحبته وسلامه‏..‏ نعم نحن بشر ولسنا ملائكة‏,‏ قد نجنح إلي الانتقام‏,‏ ولكن الله سبحانه وتعالي وضع ضوابطه لكبح جماح النفس وتهذيبها‏,‏ فطالبنا بالعفو عند المقدرة‏,‏ ووعد الصابرين والعافين عن الناس بجنات وخير كثير‏,‏ ونهانا عن معصية الوالدين وأمرنا بطاعتهما وألا نقول لهما أف ولا ننهرهما ونصاحبهما في الدنيا معروفا حتي لو كان جهادهما للإشراك به سبحانه وتعالي‏.‏

من عاد إليكن ياسيدتي ليس والدكن قاسي القلب‏,‏ متجرد المشاعر‏,‏ الأناني المتغطرس‏..‏ من عاد هو رجل مسن بائس‏,‏ قادكن العلي القدير إليه لترين انتقامه وليكن درسا لكن تتعلمن منه وتوقن بأنه سبحانه وتعالي يمهل ولا يهمل‏..‏ وبدلا من تأمل قدرة الله وفهم رسالته العظيمة‏,‏ تحرك الوحش في داخلكن‏,‏ واستمتعتن بالشر‏,‏ ووجدتن لذة مرضية في إيذاء رجل عاجز فاقد للذاكرة‏,‏ ليس فيه من والدكن إلا الجسد فبالغتن في إهانته وإذلاله‏,‏ وهو التائب النادم علي أشياء لا يذكرها بل ينكرها علي أي أب‏,‏ يخجل منها ويلتمس لكن العذر في الإساءة إليه‏.‏

سيدتي‏..‏ إنها النفس الأمارة بالسوء‏,‏ التي أخرجت الوحش الكامن فيكن حتي أشقائه‏,‏ خشوا علي ما ورثوه عنه‏,‏ وتجاهلوا أنه حي يرزق‏,‏ وأن ماامتلكوه هو مال حرام سيحرق حتما قلوبهم وأولادهم‏,‏ ولو كنت منهم الآن لتصدقت بكل ما ورثوه علي روحه‏,‏ فعليهم أن يسارعوا بتوبة إلي ربهم لعله سبحانه وتعالي يغفر لهم ويتقبل منهم‏.‏

سيدتي‏..‏ الحمد لله أن ضميرك قد استيقظ قبل رحيل والدك‏,‏ فجعلك تستمتعين بوجوده معك‏,‏ لذا هوني علي نفسك‏,‏ اطلبي المغفرة والتوبة‏,‏ صلي من أجله‏,‏ تصدقي وادعي له بالرحمة‏,‏ وثقي في مغفرة الله فأبواب التوبة مشرعة للتائبين‏,‏ وما يطمئنك أنه مات وهو راض عنك‏,‏ محبا لك‏,‏ ملتمسا كل الأعذار لما فعلته معه من تصرفات لا تليق بأبنة تجاه والدها في مثل هذه الظروف‏.‏

الأزمة الحقيقية ـ ياعزيزتي ـ في شقيقتيك وقلبيهما المتحجرين‏,‏ فقد نقلت لنا ما لحق باحداهما من انتقام إلهي‏,‏ ولم تذكري إذا كانت أفاقت من غفلتها واستقبلت الرسالة الإلهية‏,‏ أم مازال قلبها غلفا ؟‏..‏ لعلها تلحق بنفسها وتستغفر الله وتتوب إليه وكذلك شقيقتك الأخري‏,‏ فانتقام الله قادم لا محالة ومن يقتل الوحش بداخله فقد نجا‏,‏ أما من يستسلم له‏,‏ فلن يجني إلا عذابا في الدنيا والآخرة‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

بذور الشك

13-11-2009
أتابع بابكم المتميز منذ سنوات واهتم به جدا‏,‏ فهو نافذة مفتوحة حية علي أوجاع المجتمع ومشاكله‏,‏ وترددت كثيرا أن أكتب إليك رسالتي هذه لاحساسي أنها ستكون تحصيل حاصل ولكني أحسست إحساسا جارفا برغبتي في أن أفضفض إليك لموقعك في نفسي كصديق قريب جزاك الله عني وعن كل قرائك كل خير‏.‏

أنا سيدة في أول العقد السادس من العمر‏,‏ جامعية وأشغل منصبا رفيعا في إحدي المؤسسات الحكومية‏..‏ تزوجت منذ نحو خمسة وعشرين عاما من رجل فاضل زواجا تقليديا موفقا رزقنا الله خلاله بأربعة أبناء هم قرة عين لي ولزوجي‏..‏ منذ عدة سنوات اضطر زوجي العزيز للسفر إلي إحدي دول الخليج للعمل لمواجهة أعباء الحياة المتزايدة‏,‏ وهناك مع الغربة ووفرة المال راقت له فكرة الزواج الثاني مستعينا في مذكرة دفاعه ومتذرعا في نفسه ببعض أوقات الخلاف والخصام التي كانت أحيانا تحدث بيننا كما يحدث في كثير من البيوت المصرية نتيجة التباين في الشخصيات بين الزوج والزوجة متناسيا الأوقات الحلوة التي كثيرا ما كانت تعقب الأوقات العصيبة في علاقتنا‏..‏ وبالفعل تعرف علي سيدة مطلقة ــ لا سامحها الله ــ فقد قبلت علاقتها به واستغفال زوجته التي هي أنا برغم علمها أنه متزوج وله أولاد وأنه علي علاقة طيبة بزوجته التي هي أنا أيضا ــ وتعلق زوحي بهذه الآثمة وتعلقت هي به‏,‏ كل هذا في غفلة من أمري وأنا أرعي في الوطن أولاده وبيته‏,‏ وأحرص علي مصالحه وأمواله‏...!‏

وفي أول زيارة لزوجي إلي مصر بعد هذه الخيانة صرح لي برغبته الشديدة في الزواج من السيدة‏,‏ وفوجئت وكأنما صاعقة سقطت علي رأسي فرحت من المفاجأة أصرخ وأهذي‏,‏ ومع ذلك تماسكت بسرعة وحاولت المحافظة علي توازني واهتمامي به وبنفسي ولكني خيرته بيني وبين تلك السيدة‏,‏ وحاول بكل الطرق أن أقبل زواجه منها ولكني رفضت بشدة أن يجمع بيننا‏,‏ إذ إن هذا يتعارض مع قدسية وخصوصية وطهارة العلاقة التي أؤمن بوجودها بين الرجل والمرأة تحت مظلة الزواج‏,‏ خاصة بعد هذه العشرة الطويلة‏.‏

وأمام إصراري علي الانفصال ـ إن هو أتم هذا الزواج ـ تراجع زوجي علي مضض حفاظا علي كيان الأسرة واستقرارها ودونما أدني شعور بالذنب أو الخطأ في حقي أو محاولة للاعتذار في حينه‏,‏ بل ظل يردد أن هذا كان من حقه وأنه شرع الله للرجال الذين يميلون بطبيعتهم للنساء‏,‏ وظل حزينا في داخله لابتعاده عن هذه السيدة لاصراري علي ذلك‏,‏ مرددا بين الحين والآخر أنه يتعجب من أن التشريع الذي أباح التعدد لم يلزم الزوجة المسلمة بتقبل هذا رغما عنها‏,‏ ويستنكر أن تطلب أي زوجة الطلاق للضرر ويتهم كل زوجة ترفض هذا التعدد بالأنانية وحب التملك‏..‏ وبرغم كل ما حدث وكان يحدث ياسيدي لم أدخر وسعا ولاسعيا لاسعاده وملء حياته بالحب بكل ما أتاني الله من قوة قلب وعقل وجسد‏..‏ وشيئا فشيئا استعاد زوجي الحبيب عافيته من هذه العلاقة الغادرة وبدأ يعود لي كما كان

وأظن انه ما عاد يفكر في هذا الموضوع‏,‏ وادعو الله العلي القدير أن يكون ظني في محله لأنه يبدو أنه لا أمان لرجل علي الأرض‏,‏ علي حد قول المثل الشعبي ـ خاصة أن زوجي بفعلته هذه قد فض بكارة الرباط المقدس بيننا وزرع بذور الشك التي أرجو أن تموت بمرور الأيام وصدق الاخلاص من جديد‏.‏

المشكلة الآن ياسيدي هي أنني مازلت أحيانا أتحسس جرحي كلما قرأت قصة مشابهة أو سمعت موضوعا قريبا أو أثير موضوع الزواج الثاني علي صفحات بريدكم الموقر أو في أحد برامج التليفزيون أو الاذاعة‏..‏اتحسسه وتنهمر دموعي ساخنة فتهيج هذه الذكري المؤلمة‏..‏

أكتب إليك الآن ياسيدي واستحلف بالله كل زوج أن يفكر ألف ألف مرة قبل أن يخون زوجته‏,‏ فقد يعلم ولكنه أبدا لايقدر عمق الجرح الذي يصيب أطهر علاقة بين رجل وامرأة علي الأرض‏,‏ وقد يشعر ولكنه أبدا لايتصور حجم تلك المرارة التي تبقي بعد أن تهدأ العاصفة‏..‏ هذا ان هدأت العاصفة‏!!‏

أما إذا لا قدر الله لم تهدأ وشاءت الأقدار النهاية المؤلمة لهذه الخيانة‏,‏ فيبقي الجرح وتبقي المرارة الي ماشاء الله‏,‏ ولا يجعل الشيطان يقنعه بأن من حقه التمتع بامرأة أخري‏,‏ فقد يعرض هذا الاقتناع أسرته للتفكك وأبناءه للضياع‏..‏ وقانا الله وإياكم شر تقلبات الدهر‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ أتفق معك في أن الحديث في هذه القضية أصبح تحصيل حاصل‏,‏ فلا جديد يمكن أن نطرحه بعد أن أشبعناها حوارا وإختلافا‏,‏ فأغلب الرجال يرون في التشريع بالتعدد حقا منحه الله لهم ولايجوز لأحد أن يسلبهم إياه‏,‏ وهم وحدهم الذين يقررون إذا كانوا في حاجة إلي زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة‏,‏ أم لا‏,‏ ولا تعجبهم آراء بعض الفقهاء الذين يرون أن الأصل في الزواج هو الإفراد‏,‏ وبعضهم عندما يمارس هذا الحق لايشغله احساس الطرف الآخر أو ما سيحدث لهذا الكيان الذي شارك في بنائه أو التدمير النفسي الذي قد يلحق بزوجته الأولي أو بأبنائه‏,‏ متعللين بأن الحلال أفضل من الحرام‏,‏ هذه حقيقة تستخدم من البعض للتبرير‏,‏ وكأن الحلال فقط في الزواج الثاني‏,‏ وإما يصبح الحرام هو الحل‏.‏ في نفس الوقت لاتقبل زوجة ــ إلا ما ندر ـ أن يتزوج عليها زوجها‏,‏ وأن تكون هناك امرأة تقاسمها فيه‏,‏ وفي أحيان كثيرة تكون هذه الزوجة هي السبب في نفور زوجها ودفعه للبحث عن راحته مع امرأة أخري‏..‏ منكرة تماما هذا الحق علي الرجل ــ رغما عن مشروعيته ــ فتراه خيانة وغدرا ولا تراه حلالا ـ قد يكون حلا في بعض الأوقات‏.‏

وهناك دائما أخري تتعرض لغواية من رجل متزوج أو تغويه هي‏,‏ وتري أنها تبحث عن الحلال‏,‏ خاصة أن فرص الزواج للأرامل والمطلقات تكاد تكون محدودة في مجتمعاتنا‏,‏ فإذا أتتها الفرصة الحلال‏,‏ فلماذا تفرط فيها‏,‏ ولماذا توصف دائما بالآثمة وخاطفة الرجال‏,‏ وهي لم تأت بإثم‏.‏

إذن نحن نتحدث عن حقوق مختلفة‏,‏ كل طرف يبحث عن الحق الذي يسعده بدون التفكير في الطرف الآخر‏,‏ ولكل حجيته ووجاهتها‏.‏
المزيد ....

بحـر الخطـيئة

06-11-2009
كم كنت أنتظر ذلك اليوم الذي أمسك فيه بقلمي وأكتب إليك‏,‏ أكتب لك اليوم لا لكي أبحث عندكم عن حل لمشكلتي أو لمصيبتي‏,‏ ولكن الأمر أهم من ذلك‏,‏ فأنا فقط أحتاج لشيء واحد لا أبالغ‏,‏ ـ أقسم لك بالله ـ فيما أطلبه‏,‏ وكي لا أطيل عليك‏,‏ فكل ما أريده هو‏(‏ الدعاء‏)‏ نعم أحتاج لدعائك ودعاء قرائك الكرام‏..‏

عمري‏29‏ عاما‏,‏ مؤهل عال‏,‏ متزوجة منذ‏5‏ سنوات‏,‏ ولدي طفلان‏..‏ تزوجت بدون تفكير وبدون وعي بعد مروري‏(‏ بقصة حب‏)‏ ظلت في قلبي حتي هذه اللحظة هذه‏..‏ نعم مثلي مثل الكثيرات أعرف ذلك جيدا فلا دين يبرر ولا بشر يعذر‏,‏ المهم أردت أن أخرج من هذه العلاقة التي لم يقدر لي أن تتم بأن أتزوج بأسرع مايمكن‏,‏ كان وقتها هذا هو الحل للخروج من الأزمة النفسية التي مررت بها‏!‏

أمامك الآن ياسيدي امرأة مدمرة نفسيا تكاد تكون حطام امرأة والذي جعلني أكتب إليك لن أقول هو ضميري لا لا لا‏,‏ بل هو بقايا ضمير لعل دعاءكم لي يرجع لي ما ذهب من كل ما هو جميل في حياتي‏,‏ التي تناثرت مني واحدة تلو الأخري‏,‏ الصفات الخلقية والأخلاقية التي كنت بها كوكبا يريد الجميع من حولي المساس به أو حتي فقط النظر إليه‏.‏

وبعد الاصطدام بالحياة الزوجية المريرة و‏(‏الرجل الآخر‏)‏ الذي ربما لايعرف عنك شيئا‏,‏ والذي كنت تتمني أن يأخذك في جلبابه ويحدث العكس‏,‏ ناهيك عما فيه من صفات حميدة‏,‏ لكن المؤشر السلبي كان هو الأقوي‏,‏ سيدي دعني أخبرك عن امرأة جميلة‏,‏ مهذبة‏,‏ قمة في الاهتمام بنفسها‏,‏ ما ترتديه صباحا غير الذي ترتديه مساء‏,‏ غير الذي ترتديه ما بين الصباح والمساء داخل البيت بالطبع‏,‏ فديني علمني الكثير والكثير‏..‏ مع كل ما تملك المرأة من مقومات داخلية وخارجية‏,‏ وبالمقابل تنتظر هي أيضا من زوجها نفس الاهتمام وجدت العكس تماما‏,‏ لا تسأل عن المودة والرحمة فلم أعد أشعر بهما ولا أجدهما‏,‏ لا تسأل عن الزوجة التي تحتاج لحضن زوجها في نهاية اليوم بعد العناء من أعباء المنزل وتربية الأطفال‏,‏ فكم توسلت إليه كي يضمني فقط لصدره‏..‏ تربيت سيدي بين أبوين علي حنان فياض لن تكفي كلمات الكون كله لسردها‏,‏ وكنت للأسف أظن أنني سأجده أو سأجد مثله في بيت زوجي‏.‏

أما عن النظافة الشخصية فأنا الآن وصلت لمرحلة ألعن اليوم الذي تزوجت فيه ــ سامحني الله لما أقول ــ لكن هذه هي الحقيقة‏,‏ فقد أوصلني زوجي لهذه الدرجة وأكثر‏.‏

تخيل سيدي امرأة متزوجة لأكثر من خمس سنوات ويمكن وبكل ثقة أن أحصي لك عدد القبلات التي استطعت أن استقبلها من زوجي‏,‏ لاتدري مدي المعاناة‏,‏ وكم تدللت له بعدما يجئ من عمله مثل أي رجل عادي‏:‏ اذهب أولا للحمام قبل أن تتناول غداءك فيرفض‏,‏ وكم ارتكبت من مشكلات بسبب هذا الموضوع‏,‏ فلا يدا يغسل ولا فما ينظف ولابدنا يطهر‏,‏ قد تكون المشكلة تافهة وغير مهمة أمام الكثيرين‏,‏ لكن أقسم لك سيدي أنها أصبحت بالنسبة لي ذعرا‏,‏ نعم ذعرا‏..‏ وأخيرا وبعد مرور هذه السنوات من الزيجة الفاشلة لأني رزقت بزوج مهمل غير متحمل للمسئولية ليس لديه سوي عمله ونومه وطعامه‏..‏

ليس أمامي وقتها سوي الاصرار علي‏(‏ الطلاق‏)‏ لأني تعبت ودمرت نفسيا‏,‏ فصممت علي رأيي ووقفت أمام أهلي ولم أر أمامي أولادي‏,‏ وتكلمت معه بكل صراحة‏,‏ وكالعادة أقسم لي أنه سيتغير‏..‏

وبالفعل بدأ يحاول ويعافر كي يرضيني وبكل أسف لم أكن أرضي ولم أعد أصدق‏..‏ أتساءل لماذا بعد كل هذه السنوات بدأ يتغير وهل سيتغير بالفعل‏,‏ هل خطئي أني تنازلت منذ البداية عن أبسط حقوقي في المعيشة كزوجة أو ماذا؟‏!‏ هذه هي مشكلتي يا سيدي أو الجانب الأول منها‏,‏ أما عن‏(‏ الجانب المظلم‏)‏ الذي لايعرفه سوي ربي أني منذ شهور قليلة وفي ظل معاناتي وما مر بي من ظروف كانت أنسب الفرص للشيطان في الظهور بدوره الكاذب‏(‏ طوق النجاة‏),‏ الطوق الذي يؤدي بحامله إلي التهلكة نعم التهلكة لا أريد أن أخوض في التفاصيل ولن أبرئ نفسي أو أضع لها أسبابا للوقوع في بحر الفتن والشبهات التي جرفتني نحوها وأنستني ما تعلمته طيلة عمري‏,‏ وأفقدتني حياتي وديني واحترامي لذاتي وقرآني الذي كنت أتلوه آناء الليل وأطراف النهار‏,‏ وقعت في بحر فتن عميق لا أستطيع حتي الآن الخروج منه أرجوك وأرجو من جميع القراء في هذا البريد‏,‏ أسألكم فقط الدعاء لي بظهر الغيب‏,‏ أستغيث بالله ثم بكم استحلفك بالله ادعو لي‏..‏ ادعو لي كي أعود لربي‏..‏ أعود لنبيي‏..‏ أعود لديني‏..‏ لقرآني‏..‏ لقيامي‏..‏ وصيامي ما تبقي لي سوي الصلاة التي ما قطعتها أبدا لأني علي يقين تام بأنها هي الص
لة التي بين العبد وربه‏,‏ وأناجيه أن يردني إليه ردا جميلا وأن يرزقني التوبة‏,‏ ما عدت أعرف كيف أتوب لعل الله يرحمني بدعوة بظهر الغيب‏.‏

وأناشد كل زوج ألا يستهين بزوجته‏,‏ فالمرأة كيان من نوع خاص تريد من يفهمها ويحسن معاملتها لا تستهين أيها الرجل بمظهرك أمام زوجتك وفي بيتك‏.‏

فكما تحب أن تراك زميلتك في العمل أو أي امرأة في طريقك اليومي جميلا‏,‏ فأولي بك زوجتك رفيقة دربك لا تدعها تعود لماضيها ولو حتي بالأفكار والأحلام‏.‏

وأقول لزوجي حسبي الله ونعم الوكيل لما سببته لي من آلام وأحزان ونقصان في الدين وتدمير نفسي‏..‏

*‏ سيدتي‏..‏ أتفق معك في أن الزوج ـ أي زوج ـ عليه أن يهتم بنظافته وأناقة مظهره في البيت كما في خارجه‏,‏ وأن المرأة تحب ان تري في زوجها ما يحب أن يراه فيها‏.‏

ودعيني أؤكد كلامك في هذه النقطة مستندا إلي رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم بقوله إن الله جميل يحب الجمال والجمال ليس فقط في الملامح‏,‏ ولكنه في العقل والسلوك والأخلاق والمظهر‏,‏ فالنظافة هي أحد مظاهر الإيمان والرقي والانسانية‏,‏ فـالجمال يروق العينين والرقة تسحر النفس‏,‏ كما قال فولتير‏,‏ فكيف لرجل أن يصل بإهماله لنفسه ولنظافته إلي الحد الذي ينفر زوجته منه‏,‏ ويضيف إلي ذلك حرمانها من حضنه وكلماته الطيبة حتي يصل بها إلي أن تحصي عدد قبلاته في خمس سنوات‏.‏

كل هذا قد يدفع الزوجة الي النفور‏,‏ الغضب‏,‏ الهجر في الفراش‏,‏ الخصام‏,‏ وحتي الي الطلاق‏,‏ لكن أن يصل بها إلي بحر الفتن والشبهات‏,‏ فلا ياسيدتي‏,‏ اختلف معك تماما وأحس انك تبحثين عن مبررات ليست حقيقية‏,‏ تلك المبررات هي التي تبقيك حتي الآن في هذا البحر الملوث‏,‏ وكل ما تبذلينه من جهد هو الدعاء وطلبه من الآخرين‏,‏ فكيف تطلبين النجاة وأنت تصرين علي الغرق؟‏!‏

سيدتي‏..‏ تزوجت للخروج من حالة نفسية سيئة بسبب فشلك في قصة حب‏,‏ وهذا هو الخطأ الأكبر والذي يقود إلي كوارث فيما بعد‏,‏ فمن يفشل في الحب أو لايتزوج بمن يحب‏,‏ عليه أن يتوقف‏,‏ ألا يظلم انسانا اخر ويظلم نفسه بالدخول في علاقة زواج وهو غير مؤهل لها‏,‏ شاعر بالظلم‏,‏ مشحون بعاطفة مصدومة تجاه طرف آخر‏.‏

هذه المشاعر المرتبكة هي التي تجعلنا نقارن دائما بين من يجمعنا به رباط شرعي ويشاركنا تفاصيل الحياة وبين الاخر الذي نكن له مشاعر ولا تحتفظ له الذاكرة إلا بكل صورة ولحظة جميلة‏,‏ وقد تكشف لنا الظروف والاقدار لو كتبت لنا الارتباط به أنه قد يكون مثل أو أسوأ ممن يعيش معنا والتجارب أمامنا لا تنتهي‏.‏

إذن فقد دخلت التجربة وأنجبت وعشت سنوات مع زوج بلا رصيد في مواجهة رصيد وأحلام لحساب شخص آخر غائب‏.‏

حاولت مع زوجك وعندما أصررت علي الطلاق وعدك بالتغيير وبذل جهدا وبدأ يحاول ويعافر كي يرضيني ولكنك فزعت وخشيت أن يصبح زوجا جيدا مناسبا يستحق منك الحب والاقتراب والرضا ونسيان مشاعرك القديمة ورغبتك الدفينة التي تدعوك الي بحر الفتن والشبهات فرفضت وصرخت وبدأت في لومه واعتبار نفسك خاطئة ومتنازلة لأنك استمررت معه‏,‏ كنت تؤهلين نفسك للسقوط‏,‏ وكان هو كامنا في داخلك‏,‏ يرقبك‏,‏ يسمع تفكيرك‏,‏ يحس برغبتك‏,‏ منتظرا تلك اللحظة التي تفرطين في الحياة السعيدة الشريفة المستقرة‏.‏

وتوصدين الباب في وجه زوجك وتفتحين له الباب‏,‏ للشيطان ياسيدتي ليذهب بك ومعك ومن أجلك لبحر الفتن والشهوات‏.‏

فنسيت ما تعلمته‏,‏ فقدت دينك وحياءك‏,‏ وها أنت تستغيثين بعد أن فقدت احترامك لنفسك‏,‏ وإذا واصلت سيرك فستفقدين ما هو أكثر‏,‏ فقد سترك الله حتي الان‏,‏ ولكنه سبحانه وتعالي لو هتك سترك لفقدت سمعتك وأبناءك وأشياء أخري يصعب عليك استردادها‏.‏

سيدتي‏..‏ ولكن الله يهدي من يشاء‏,‏ فالهداية تبدأ من عندك‏,‏ استعيني بما لديك من إيمان وبقايا ضمير‏,‏ واحترام لنفسك وحب لأولادك واخرجي من هذا البحر‏,‏ وقتها سيصبح لدعائك ودعائنا معني وقيمة ونتيجة‏,‏ تقربي الي زوجك وساعديه علي تغيير نفسه‏,‏ وادعي الله أن يغفر لك ما ارتكبته في حق نفسك وفي حق زوجك وأسرتك‏..‏ فالانسان لايستطيع الاستمرار في السباحة في بحر الخطيئة ومصيره حتما الغرق‏.‏

وإلي لقاء بإذن الله‏..‏
المزيد ....

دماء الندم‏!‏

30-10-2009
سيدي‏..‏ أنا سيدة في بداية الثلاثينيات‏,‏ كنت متزوجة‏,‏ وكان لي ابن وابنة‏!..‏ نشأت في أسرة مكونة من أب ميسور الحال‏,‏ يشغل مركزا مرموقا‏,‏ ولكنه للأسف الشديد‏,‏ لم يكن يمثل لنا شيئا غير واجهة اجتماعية أمام الناس‏,‏ بالإضافة إلي تحمل مسئولية الإنفاق علي البيت بالطبع‏..‏ أما أمي فقد كانت هي صاحبة الكلمة الأولي والأخيرة علينا‏,‏ وعلي أبي‏,‏ ولا أعرف لماذا‏..‏ قد يكون لأن شخصيتها قوية‏,‏ ومتعجرفة‏,‏ ومغرورة‏!‏

كان لي أخ يكبرني بعامين‏,‏ وأخت تصغرني بثلاثة أعوام‏,‏ ومنذ صغرنا سيدي ونحن لانعرف غير أهل أمي‏,‏ نزورهم‏,‏ ويزوروننا‏,‏ أما أهل أبي فلا نعرفهم‏,‏ ولا نراهم سوي في المناسبات البعيدة جدا‏,‏ وكنا نسأل أمي عن ذلك‏,‏ فتقول لنا‏:‏ إنهم طمعانين في أبيكم‏,‏ ولا يعرفونه إلا لطلب الأموال‏,‏ أو لطلب مصلحة‏,‏ أو خدمة‏,‏ وكانت دائما تردد جملة لاتفارق لسانها‏:‏ أنا معايا القمر‏,‏ مالي أنا ومال النجوم بمعني أن معها أبي‏,‏ فلماذا تهتم بأهله؟‏!‏

كبرنا علي ذلك‏,‏ والتحقت بالجامعة‏,‏ وتقدم لخطبتي صديق أخي‏..‏ طبيب شاب‏,‏ له مستقبل كبير‏,‏ وكان حسب تعبيره هيموت من أجل الارتباط بي‏,‏ فقد كنت حلم حياته‏..‏ فهو من أسرة بسيطة‏,‏ والده رجل مكافح‏,‏ تعب حتي أصبح ابنه دكتور أد الدنيا‏,‏ مثلما كان يقول‏,‏ وهو وحيد علي بنات ثلاث‏,‏ علي وشك الزواج‏..‏ ووافقت علي الخطبة‏,‏ أنا وأبي‏,‏ بعد موافقة أمي بالطبع‏,‏ وتم الزفاف بعد أن نفذ زوجي كل طلبات أمي‏,‏ من شبكة وشقة وأثاث‏!!‏

سيدي‏..‏ منذ اليوم الأول لزواجي‏,‏ حاولت أن أبعد زوجي عن أهله‏,‏ فكنت أشعر بأنهم ناس بسطاء جدا‏,‏ ميشرفوش في أي مناسبة‏,‏ مثلما كانت تقول أمي‏,‏ فكنت أقابلهم بفتور عندما يزوروننا‏,‏ حتي لايكرروا الزيارة‏,‏ بينما كنت أتبادل الزيارات يوميا مع أهلي‏,‏ وكان زوجي يرافقني فيها بكل حب وكرم‏..‏ وقد كنت أتحجج عندما يطلب مني الذهاب معه لزيارة أهله‏,‏ مع أني لم أسمع‏,‏ أو أر منهم أي سوء طوال فترة زواجي‏,‏ أو بعدها‏,‏ وكنت أقول ذلك لأمي‏,‏ فكانت تردد جملتها الشهيرة‏:‏ أنت معاك القمر‏,‏ مالك ومال النجوم‏,‏ فأهله طمعانين فيه‏,‏ ويريدون منه الانفاق عليهم‏!!‏

رزقني الله ببنت وولد‏,‏ ولا أستطيع أن أصف لك سيدي مدي سعادة زوجي بهما‏,‏ فكان يقول لي دائما إنهما كل حياته‏,‏ وروحه متعلقة بهما‏,‏ ولا يتحمل فراقهما‏,‏ ولو ساعة واحدة‏...‏ وفي يوم من أيام شهر رمضان طلب مني زوجي أن أجهز إفطارا‏,‏ لأن أخته وخطيبها‏,‏ ووالديه سيحضرون معه لتناول الإفطار عندنا‏,‏ وكنت حينها سمعت أن زوجي هو الذي سيتولي مصاريف جهاز أخته‏,‏ فوالده لايمكنه تحمل هذه المصاريف‏,‏ وعندما حضروا قبل الإفطار بساعة‏,‏ فوجئ زوجي بأنني لم أجهز أي طعام للإفطار‏,‏ فأصيب بحرج شديد‏,‏ وعلي الفور طلب إفطارا من أحد المطاعم‏,‏ ولم يشعرهم بشيء‏,‏ وتظاهر بأني مريضة‏,‏ وتناولوا الإفطار‏,‏ ثم انصرفوا‏,‏ ودخل علي زوجي حجرتي‏,‏ وهو ثائر جدا‏,‏ وتشاجر معي‏,‏ وقال لي كيف أضعه في هذا الموقف المحرج‏,‏ وأخبرني أنه تحملني كثيرا‏,‏ ولكن عند الإهانة لم تعد لديه طاقة‏..‏ أخبرته بما سمعته عن تحمله نفقات جهاز أخته‏,‏ فتخيلت أنه سينكر‏,‏ ولكني وجدته يقول لي نعم‏..‏ إني أنفق علي أهلي‏,‏ وسوف أجهز أختي‏,‏ ليس هي فقط‏,‏ بل اخواتي الثلاث‏,‏ فقد تعب والدي حتي أصبح هكذا‏,‏ ولن أتخلي عنه في يوم من الأيام حتي لو خلعت هدومي‏,‏ وأعطيتها له‏..‏ ل
م أتمالك نفسي ساعتها‏,‏ وتطاولت عليه‏,‏ فصفعني علي وجهي‏,‏ وأحسست أن الأرض تنهار من تحتي‏,‏ صعقت لما حدث منه‏,‏ فقد كان كالبركان الثائر‏,‏ أخذت أولادي‏,‏ وتركت البيت‏,‏ وذهبت إلي منزل أمي‏!!‏

كالمعتاد‏,‏ ثارت أمي‏,‏ وتوعدته بالويل‏,‏ والبهدلة لما فعله معي‏,‏ ولكن زوجي عندما هدأت أعصابه حضر إلي‏,‏ واعتذر‏,‏ وطلب مني العودة‏,‏ فما كان من أمي إلا أن أعطته الواجب وزيادة‏,‏ فأعطاني فرصة للتفكير‏,‏ فطلبت منه أمي كتابة قطعة أرض ملكه باسمي‏,‏ وأن يضع باسمي مبلغا في البنك‏..‏ و‏...‏ و‏...‏ و‏,‏ فرفض زوجي الاستبداد بهذه الصورة‏,‏ وطلب مني ألا نشرك أحدا في مشاكلنا‏,‏ ولكني عاندت‏,‏ وركبت رأسي‏,‏ وازدادت المشاكل‏,‏ وطلبت الطلاق‏,‏ فرفض‏..‏ فألححت في الطلب‏,‏ ثم سعيت لرفع قضية خلع‏,‏ وما إن علم بذلك‏,‏ حتي أسرع وطلقني في هدوء‏,‏ وترك لي الشقة وأعطاني مؤخر الصداق‏,‏ والنفقة‏,‏ وكل مستحقاتي وزيادة‏,‏ واشتطت أنا غضبا‏,‏ فكيف يطلقني وأنا اللي كان هيموت عليها‏,‏ كيف يطلق بنت الحسب والنسب‏,‏ أين الحب‏,‏ والأولاد؟‏!‏ لم أكن أتخيل أن يملك الجرأة يوما ليفعلها‏!..‏ حرمته من رؤية ولديه‏,‏ وأنا أعرف أنهما نقطة ضعفه‏,‏ وبعد معاناة منه‏,‏ وفشله في كل المحاولات‏,‏ حكمت له المحكمة برؤيتهما يوما في الأسبوع بالنادي‏,‏ فكنت أتعمد فعل أي شيء لكي أمنعهم عن رؤيته‏!!‏

ظللنا سيدي علي هذه الحال‏,‏ حتي علمت أنه علي وشك خطبة طبيبة‏,‏ وأستاذة معه في الجامعة‏,‏ فقامت ثورتي‏,‏ وذهبت له في عمله‏,‏ وتطاولت عليه‏,‏ فقال لي إنه كان يحبني وانني الذي أضعت هذا الحب من قلبه‏,‏ حتي أصبح الآن لا يطيق رؤيتي‏,‏ لما أفعله معه‏,‏ ولما سببته له من فضائح‏,‏ تركته وانصرفت بعد أن أحسست أني قد فقدت حبه واحترامه‏,‏ إلي أن جاء اليوم الموعود‏!!‏

في يوم عيد ميلاد ابني دق جرس الباب‏,‏ فوجدته هو‏,‏ وقد حمل هدية لابني بين يديه‏,‏ فرفضت دخوله‏,‏ ومنعته من رؤية طفليه‏,‏ وصاح أخي وهم بالسماح له بالدخول‏,‏ إلا أنه لم يصمد أمام إصرارنا‏,‏ أنا وأمي‏,‏ علي طرده وتوبيخه‏,‏ وبكي ساعتها ابناي‏,‏ وطلبا الذهاب مع أبيهما فأدخلتهما حجرتهما‏,‏ وطردته‏,‏ فخرج‏,‏ وترك هدية ابنه‏,‏ وهو يقول‏:‏ حسبي الله ونعم الوكيل‏,‏ لقد أردت أن تكون هذه آخر محاولة معك‏,‏ ولكنك كما أنت‏,‏ ولا ندم علي أي شيء أفعله بعد ذلك‏,‏ وبعد أن خرج تشاجر أخي معي أنا وأمي‏,‏ وأثناء الشجار دخل ابني البلكونة دون أن ندري‏,‏ ونادي علي أبيه‏,‏ وما إن نظر إليه أبوه‏,‏ إلا واختل توازنه‏,‏ وسقط من الدور الرابع‏,‏ وصدمنا نحن بصوت الارتطام والصياح في الشارع‏!!‏

هرولنا للبلكونة‏,‏ فوجدت ابني علي الأرض ينزف دما من كل جسده‏,‏ فأسرعت إلي أسفل‏,‏ ولا أعلم حتي الآن كيف حملتني ساقاي حتي نزلت علي السلم‏,‏ فوجدت زوجي يفترش الأرض‏,‏ وابني في حضنه‏,‏ وكل ملابسه ملطخة بالدماء‏!!‏ أسرعنا في سيارة يقودها أحد الجيران‏,‏ إلي أقرب مستشفي‏,‏ ولكن بعد دقائق فارق ابني الحياة‏,‏ وليس هناك كلمات تصف لك هذه اللحظات بل الساعات التي عشناها‏,‏ فلم يستوقفني عن حزني وشرودي‏,‏ سوي مشهد زوجي وهو ساجد علي الأرض في المستشفي يدعو ربه أن يلهمه الصبر‏!!‏

مرت الأيام سيدي‏,‏ وأنا لا أدري ما حدث‏,‏ فقد كنت في عالم آخر‏,‏ ولكني علمت أن زوجي ترك عمله‏,‏ وأغلق عيادته‏,‏ وأطلق لحيته‏,‏ واعتزل الناس‏,‏ وتدهورت صحته‏,‏ وكره الدنيا ومن فيها‏,‏ حاولت أن أقابله‏,‏ ولكنه رفض‏..‏ أما ابنتي فمنذ حادث أخيها لا تطيق النظر في وجهي‏,‏ ولا تريد رؤية أبيها‏,‏ فهي تعيش الآن عند خالها‏,‏ وتقول لي‏:‏ أنت السبب ياماما في موت أخي‏,‏ أنا بأكرهك‏,‏ وبأكره بابا وتيته‏,‏ والناس كلها‏!!‏

سيدي‏..‏ أنا مستعدة الآن لتقبيل رجل زوجي‏,‏ ليصفح عني‏,‏ لا بغرض أن يعيدني إليه‏,‏ ولكن ليسامحني علي ما فعلت معه‏,‏ فكفي عقاب الله لي‏,‏ وحرماني من ابني وقرة عيني أمام عيني‏,‏ بهذه الطريقة التي لن تمحي من ذاكرتي طوال الدهر‏...‏ أرجو أن يسامحني زوجي من أجل ابنتي التي انهارت‏,‏ وكل يوم صحتها إلي الأسوأ‏,‏ ولا أستطيع تحمل فقدها هي الأخري‏,‏ فأنا أنزف بدلا من الدموع دما‏,‏ وأحزان الدنيا كلها لاتكفيني‏,‏ وسأظل مسكونة بالندم طوال عمري‏,‏ وسامح الله أمي‏,‏ فقد كانت هي السبب‏!!‏

*‏ سيدتي‏..‏ أقاوم بكل ما أوتيت من قوة مشاعري الغاضبة والموجوعة تجاهك أنت ووالدتك بسبب هذا المشهد الدامي والموقف العصيب الذي ذهب بطفل ليس له أي ذنب سوي أنه كان يحب أباه كما كان يحبك‏..‏ ولكني سأحاول أن أنحي مشاعري الباكية جانبا‏,‏ لأنه إذا كان هذا هو حالي لمجرد أن قرأت رسالتك‏,‏ فكيف يكون حالك وأنت أمه‏,‏ ففي الوقت الذي تستحقين فيه اللوم والعتاب علينا أن نقدم العزاء والدعاء لك بالصبر علي الابتلاء الذي ذهبت إليه بكامل إرادتك‏,‏ بسبب الغرور والعناد والأنانية كما قلت في رسالتك‏.‏

نعم سيدتي تربيتك الخاطئة لها دور كبير فيما وصلت إليه‏,‏ ولكن الركون دائما إلي سوء التربية يجعلنا نتجاهل أهم ميزة رزقنا بها الله وهي العقل‏,‏ فإذا لم تتبيني الخطأ من الصواب في صغرك‏,‏ فكيف يمكن قبول كل هذا الخطأ وأنت كبيرة وناضجة بما يكفي لتمييز ما هو حسن وما هو قبيح‏.‏

لم يكن الخطأ في نظرية والدتك الغريبة فقط‏,‏ بعزل والدك عن أسرته‏,‏ مستندة إلي منطق غريب‏,‏ طالما القمر معي فما جدوي النجوم‏,‏ متناسية أن القمر يغيب ويختفي وتصبح النجوم هي بطل السماء‏,‏ ولا يستقيم جمال القمر وبهاؤه بدون النجوم التي تحيط به وتصنع له الهالة والقيمة والفارق‏.‏

لم تفهم والدتك ــ كما يفعل مثلها الكثيرون ــ أن الله عندما ميز زوجها وجعله مسئولا‏,‏ فهذا تكليف حتي يلبي طلب السائلين من أهله ومن غيرهم‏,‏ وأن الانسان عندما يبخل بما ميزه الله يذهب بنعمته ويجعله من السائلين فأي الأمرين أفضل‏.‏ لذلك أقول لك إن الخطأ أيضا يقع علي والدك ــ ومن مثله من الأزواج والآباء ــ فقد فرط في قوامته ولم يمارس حق رجولته في أن يعيد والدتك إلي صوابها ويصلح اعوجاجها‏,‏ مما زادها في طغيانها‏.‏

لاتجعلي التربية تكئة لكل مخطئ‏,‏ فأخوك لقي نفس التربية ولكنه رفض سلوككما واعترض عليه ولكنكما لم تفيقا أو تستجيبا‏.‏

سيدتي‏..‏ كلماتي الآن ليست لك فقط ــ ولكنها لكل زوجة يغرها عنادها وطيبة زوجها‏,‏ فتنكر عليه أصالته وبره بأسرته‏,‏ فإذا لم يفعل كيف ستأمنينه عليك وعلي أبنائك‏.‏ وكيف تطالبين ابنا بارا نجح والده البسيط في أن يجعله أستاذا جامعيا‏,‏ وهذا بالطبع قد يكون علي حساب شقيقاته‏,‏ أن يتنكر لهن ويحرمهن مما أكرمه به الله‏.‏

كم كانت تلك النهاية قاسية ومؤلمة لكل الأطراف‏.‏ عصفوركم ينزف أمام عيونكم ويموت في حضن أبيه المشتاق إليه‏,‏ المتعاطف معه‏.‏ وها هي سيارة الفراق تجمعكم في أصعب لحظة مميتة في حياتكم بعد أن رفضت أن تجمعكم بالحب والسكينة والمودة والرحمة‏.‏

سيدتي‏..‏ لا أستطيع أن أقول لك شيئا‏,‏ فيكفيك ما بك‏,‏ أنت الآن تعرفين جيدا حجم خطئك وتعيشين أياما صعبة ادعو الله أن يهونها عليك ويمنحك الصبر والسكينة‏,‏ وأعتقد أن والدتك الآن فهمت وإن كان متأخرا كيف جنت عليك‏,‏ ولكن الذي يجب أن أحادثه هو هذا الأب المكلوم في ابنه لأني أحس بما يعانيه الآن‏,‏ ولكني اختلف معه فيما وصل إليه‏.‏ فلا أحد يستطيع إنكار الحزن والاحباط عليه‏,‏ أما اعتزال الحياة وإغلاق العيادة الخاصة والغياب عن ابنته جريمة لاتليق بمن له مثل هذا الخلق العظيم‏.‏

سيدي‏..‏ ما حدث لابنك قدر محسوم ومحدد منذ مولده‏,‏ وما كان الله يخطئ أبدا قدره علينا‏,‏ فابنك مات في موعده وهو الآن شفيع لك في الجنة مع الشهداء‏,‏ فهل تحزن لما هو فيه‏,‏ لما يتمناه أي إنسان لمن يحب؟

فإذا سلمنا بأنك تعلم أين استقر فلذة كبدك‏,‏ فهل هناك أفضل مما هو فيه؟
ماذنب أسرتك إذن وهي تعتمد عليك في الكثير الذي تستحقه منك؟ وما ذنب تلاميذك ومرضاك لتحرمهم من علمك الذي أكرمك الله به؟ وما ذنب ابنتك البريئة حتي تعيش معذبة في مرحلة هي أحوج ما تكون فيها إلي حنانك واحتوائك وعقلك؟

سيدي‏..‏ لن أطالبك بأن تعود إلي زوجتك النادمة الباكية دما فقد يكون هذا صعبا عليك‏,‏ وإن فعلت فستكون من العافين عن الناس‏,‏ الله يقبل التوبة ويغفر لعباده التائبين‏,‏ فلماذا لا نحاول نحن؟ أعرف أنه صعب ولكنه يتوقف علي قدرة كل إنسان‏,‏ فقد يكون هذا القرار لصالح طفلة لم تجن ذنبا‏,‏ ولن يسعدك أن تدفع ثمن أخطاء لم ترتكبها‏.‏

فإذا لم تستطع فليس أمامك إلا أن تنفض عنك غبار الحزن وتستعين بالله ليمنحك الصبر فتعود إلي عملك‏,‏ وتضم ابنتك في حضنك وتصالحها علي ما تخاصمت معه‏,‏ قربها إليك وأخبرها أنك عفوت عن أمها‏.‏

سيدي‏..‏ أثق في حكمتك وإيمانك وادعو الله أن يعينك علي ما أصابك‏,‏ وأتمني أن تطمننا علي عودتك إلي كل أحبابك‏,‏ وعودة طفلتك إلي حضنك الدافئ‏..‏ ولك كل المحبة‏,‏ والدعوات الصادقة بالصبر للأم الثكلي‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

المنحرفــــــون

23-10-2009
أكتب اليك رسالتي من غرفة مظلمة هي سجني وكل حياتي‏,‏ دخلتها ولم أغادرها منذ اسبوعين‏.‏ يقتلني بكاء أمي وتوسلات شقيقتي‏,‏ اللتين لاتفهمان سر ما أنا فيه‏,‏ ولا استطيع أن أواجههما بما أنا فيه‏.‏ ليست هذه المرة الأولي التي أحبس فيها نفسي في غرفتي‏,‏ بل سبقتها مرات عديدة‏..‏ حاولت معها وتمنيت الموت والانتحار والهروب ولكني كنت أفشل فأستسلم لما أنا فيه‏,‏ حتي أشعر بالمهانة فأحاول مرة أخري‏.‏ سيدي‏..‏ أجد حرجا شديدا في الكشف عن مأساة حياتي‏,‏ كتبت عشرات المرات ومزقت الأوراق‏,‏ فما أصعب أن تري عارك وعار أسرتك علي الورق يصمك بأبشع الصفات‏,‏ فتري آخرتك وأنت في النار فتفقد كل دوافع ومبررات وجودك‏.‏

أعرف اني كلما حاولت الاقتراب ابتعد‏,‏ فسامحني وتحملني لأن الأمر صعب ومقزز‏,‏ لذا سأحاول أن أبدأ معك منذ البداية لعلي أفلح‏.‏ ولدت لأسرة راقية ومحترمة‏,‏ فأبي ـ رحمه الله ـ كان يشغل منصبا مرموقا‏,‏ فرح بمولدي فرحا كبيرا فقد جئت بعد سنوات طويلة من ميلاد شقيقتي الوحيدة‏,‏ لذا لقيت في سني عمري الأولي كل الاهتمام والرعاية‏.‏ عشت السنوات الأولي من عمري في قمة السعادة‏,‏ من تدليل وحب وأشياء أخري ظلت مغروسة في نفسي لا تفارقني جذورها‏.‏ ولكن القدر كان يخبئ لنا شيئا آخر‏,‏ حزنا أكبر‏,‏ وكأنها حلقة متصلة‏,‏ إذا انقطعت حلقة تفككت الدائرة المترابطة‏.‏

ذات مساء‏,‏ انقلب البيت الهادئ‏,‏ اذكر هذه الليلة جيدا‏,‏ لا تغادر ذاكرتي‏..‏ عمري لم يكن يتجاوز التاسعة‏,‏ أفقت علي صراخ وعويل وفوضي في البيت‏..‏ لم أفهم للوهلة الأولي لماذا تصرخ أمي‏,‏ ولا لماذا سقطت شقيقتي علي الأرض‏,‏ ولا من هم هؤلاء الرجال والنساء الذين تزاحموا داخل شقتنا‏...‏ بشر لا أعرفهم يحاولون احتضاني رغما عني‏,‏ بعضهم يحاول إدخالي إلي غرفتي‏..‏ بكيت وأنا لا أفهم لماذا أبكي‏..‏ عرفت بعدها أني أصبحت يتيما‏,‏ مات أبي‏,‏ مات وهو يعبر الطريق‏,‏ صدمته سيارة مسرعة‏,‏ وتركه قائدها يموت نازفا‏,‏ وهو لايدري أن بموت هذا الأب ستنهار حياة أسرة بالكامل وسيتسبب في تدمير حياة طفل مثلي‏.‏

كان موت أبي ـ يا سيدي ـ هو بداية مأساتي‏,‏ فالطريقة الخاطفة والمؤلمة التي مات بها أصابت أمي بفزع دائم وجعلتها تدخلني سجنا كبيرا لم أخرج منه حتي الآن‏.‏ أصبحت أمي تري الموت حولي في كل مكان‏,‏ وكأن ملكه ينتظرني حتي ينقض علي‏,‏ فلا خروج وحدي‏,‏ تنتظرني حتي باب المدرسة‏,‏ لا تتركني إلا وأنا في الاتوبيس مع زملائي‏,‏ تجلس علي رأسي حتي أنام‏.‏ لم يكن تدليلا بقدر ما كان خوفا وفزعا تسلل إلي نفسي وروحي وجعلني أشعر بمعني كلمة يتيم‏...‏ هذا الاهتمام لم يكن منصبا علي أختي الكبري مثلما نلت منه النصيب الأكبر لأن أمي كانت مشفقة علي لأني معشتش الدلع ولا الحنان اللي شافته أختي‏.‏ بهذه المقدمة الطويلة أردت فقط أن أكشف لك عن تركيبتي النفسية الهشة‏,‏ عن طفولتي المغتالة‏,‏ عن عدم إحساسي المبكر برجولتي‏,‏ فكانت شخصيتي الوديعة المنكسرة تميل الي البنات أكثر منها إلي الأولاد‏,‏ مما زاد من انطوائي وابتعادي عن زملائي‏.‏

مرت ثلاث سنوات علي هذه الفترة العصيبة‏,‏ وقتها تقدم الي أختي عريس من محافظة بعيدة عن مدينتنا‏,‏ وكان هذا العريس لطيفا‏,‏ اكتسب حب أختي وأمي بسرعة كبيرة‏,‏ كما تقرب الي واهتم بي وأصبح حريصا علي الحوار معي‏..‏ بعد فترة من الخطوبة عرضت عليه أمي أن يبيت عندنا حتي لايعود الي مدينته في وقت متأخر مستندة ـ كما قالت أمامنا ـ أن في البيت رجلا‏,‏ والطبيعي أن يبيت هذا العريس معي في حجرتي‏.‏ اعذرني‏,‏ أنا أبكي الآن عندما استعيد تلك اللحظة التي أمقتها‏,‏ أراها كأنها حدثت بالأمس‏,‏ أفكر في التوقف عن الكتابة الآن‏,‏ هل أمزق أوراقي كما فعلت كثيرا من قبل‏,‏ لا سأواصل‏,‏ فأنا أريد التحدث لأول مرة وآخر مرة‏,‏ أنا أريد المساعدة‏,‏ النجاة‏,‏ فاغفر لي وقراؤك أي كلمات جارحة أو مهينة‏,‏ فهذا الإحساس المؤلم ملازم لي طوال الوقت فتحملوني قليلا‏.‏

في هذه الليلة البغيضة‏,‏ نام بجواري في فراشي‏,‏ خطيب شقيقتي احتضنني‏,‏ طبطب علي‏,‏ أصابعه حنت علي جسدي فشعرت بسعادة واطمئنان حتي خلته في لحظات كأنه أبي‏,‏ قال لي لاتخف أنا أحبك وسأجعلك سعيدا‏,‏ فعل معي أشياء غريبة‏,‏ لم أفهمها ولم أعترض عليها‏,‏ كل ما أحسست به هو أمان ما لم أعرفه أو أحسه من قبل ولا أعرف أنه خطأ بل جريمة‏,‏ ما استوقفني وانا لم أناقشه هو انه طلب مني أن يظل ماحدث سرا بيننا‏,‏ انت كبير ولازم نكون أصحاب وما يحدث بيننا يجب ان يكون سرا وهذا اختبار لصداقتنا‏,‏ كنت عند حسن ظنه ولم أبح بما حدث لأحد‏,‏ فلم تكن أمي تتحدث معي في أي شيء سوي الدراسة‏,‏ كل ما يشغلها هو تفوقي وكنت أفعل‏.‏

ما حدث معي في تلك الليلة‏,‏ تكرر مرات عديدة في كل زيارة كان يأتي فيها العريس إلينا‏,‏ لا أخفيك كنت أنتظره وأفتقد حضنه وذلك الاحساس الخفي بأنه أبي‏,‏ لذلك لم يفهم أحد في البيت لماذا انهرت بالبكاء عندما حدثت مشكلات أدت الي فسخ الخطبة وانسحاب العريس‏,‏ كان حزني أكبر بكثير من حزن شقيقتي وأمي‏.‏ عشت شهورا عديدة متألما أشعر بالوحدة والفزع حتي انتقلت الي المرحلة الاعدادية‏,‏ ولأن أمي حريصة علي تفوقي اختارت لي مدرسا شهيرا‏,‏ واشترطت ان يعطيني درسا خاصا بمفردي حتي يتفرغ لي ويتقن تعليمي‏,‏ ولأن هذا المدرس لايذهب للتلاميذ في بيوتهم‏,‏ فكانت أمي تصطحبني مرتين في الاسبوع اليه في شقته‏,‏ وتنتظرني أو تقضي بعض المشاوير ثم تعود لتأخذني‏,‏

بعد حصص قليلة حدث ما يمكن توقعه‏,‏ بدأ هذا المدرس يتلمس جسدي‏,‏ يدللني وكأنه يتأكد مني‏..‏ كنت فريسة سهلة مهزومة صامتة‏,‏ ظللت مع هذا المدرس سنوات حتي أدركت ما أنا فيه‏,‏ نعم أنا منحرف‏,‏ غير طبيعي‏..‏ كرهت نفسي وكرهت أمي‏,‏ ولكني كنت قد فقدت أي قدرة علي المقاومة أو الانسحاب‏,‏ فأنا وكما قلت لك من قبل بلا أي شخصية‏,‏ بدأت أقرأ حول هذا الموضوع وعرفت اني شخص منبوذ وأن عقابي سيكون جهنم‏,‏ فزعت وامتنعت وحاولت الانتحار ولكن إرادة الله كانت غير ذلك‏.‏

تزوجت شقيقتي‏,‏ ونجحت بتفوق في الثانوية العامة كما أرادت أمي‏,‏ والتحقت بكلية الطب‏,‏ وفي الكلية دخلت في معاناة أخري‏..‏

يبدو أن هناك ملامح لمن هم مثلي‏,‏ فقد تقرب مني آخرون يشبهونني‏,‏ حرضوني وأغروني‏,‏ قاومت ولكن في النهاية ضعفت‏,‏ ودخلت الي دائرة السقوط التي لاتنتهي‏.‏

سيدي‏...‏ تعبت‏,‏ لا أريد مواصلة الحديث كل ما أريد قوله إني مريض‏,‏ سعيت الي العلاج ولكني فشلت‏,‏ لايوجد لدينا أطباء متخصصون‏,‏ ألزمت نفسي بالصلاة في المساجد‏,‏ اعتزلت الجامعة أسابيع متصلة‏,‏ أهملت في مظهري‏,‏ أطلقت لحيتي‏,‏ ولكن ما أن أعود إلي الجامعة حتي أسقط مرة أخري‏,‏ قطعت شراييني وانقذتني أمي‏..‏ تقودني أقدامي الي من هم مثلي‏,‏ تجمعات معروفة في وسط المدينة أو علي كوبري قصر النيل‏..‏ أتعرض أحيانا للضرب والسرقة‏.‏

سيدي‏..‏ أكتب اليك الآن بعد القضية التي أساءت الي بعض فنانينا وتناولتها وسائل الإعلام‏.‏

*‏ سيدي‏..‏ أدمتني رسالتك‏,‏ وترددت طويلا في نشرها‏,‏ فمنذ توليت مسئولية هذا الباب وأنا لا أفضل نشر مثل هذه الرسائل‏,‏ وأختار الردود السريعة أو الاتصال المباشر‏..‏ ولكن هذه المرة فرضت علي رسالتك اللجوء الي النشر لانها تشير الي نقاط خلل كبيرة في أساليب التربية‏,‏ والي شريحة من المنحرفين سلوكيا غير راضية عن وضعها وتبحث عن علاج‏,‏ وليتها تكون فرصة للبحث لدي المتخصصين عن علاج ينجي من هم مثلك من عذاب الدنيا والآخرة‏.‏

عودة إلي ما تضمنته رسالتك من اسلوب تربية خاطئ اتبعته معك والدتك بزعم الخوف أو القلق أو التدليل‏,‏ هذا الاسلوب الذي ينتج شخصية مشوهة‏,‏ ضعيفة‏,‏ ليس لديها استقلالية أو فهم‏.‏

فالحرص الشديد المبالغ فيه يفرز شخصية انطوائية غير قادرة علي المواجهة‏,‏ تسلب الطفل حقه في البوح أو الاعتراف‏,‏ القبول أو الرفض‏.‏

أيضا يجب علي الآباء ان يفهموا أبناءهم معني وقدسية الجسد ووظائف أعضائه ودورها‏,‏ فالخجل أحيانا من تعريف أبنائنا بأجسادهم وما هو المسموح والممنوع يعرضهم لمثل تلك المخاطر‏,‏ هذا الجهل هو الذي جعلك لاتفهم ما يفعله معك خطيب اختك‏,‏ فاستغل جهلك وخوفك واحتياجك للحنان الأبوي‏,‏ متجردا من كل المشاعر الانسانية‏,‏ مرضيا حيوانيته فجذبك الي مستنقع صعب عليك الخروج منه حتي الآن‏.‏

فرقوا بين الأبناء في المضاجع هكذا أمرنا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ولكن والدتك وبحسن نية قد قبلت ان تنام يجوار شخص غريب‏.‏

وهذا أمر مرفوض‏,‏ فالثقة لا تعني التفريط أو المجازفة‏,‏ والأمر الشاذ الذي يجب الاحتياط منه حتي لا يصبح أحد أبنائنا هو النموذج له‏.‏

علموا أبناءكم ـ ذكورا وإناثا ـ أن أجسادهم مقدسة مصانة لايجوز لأحد لمسها‏,‏ علموهم كيف يعترفون لكم بكل ما يتعرضون له دون خوف من عقاب‏.‏

أيضا لايجوز السماح لمدرس ـ مع الاحترام لكل المدرسين وعدم أخذهم بجريرة نموذج فاسد ـ بالاختلاء مع تلميذة أو تلميذ‏,‏ فالدرس يجب أن يكون تحت عين الآباء‏.‏

سيدي‏..‏ أحس بصدق كلماتك ورغبتك الحقيقية في النجاة‏,‏ وستنجو إذا دخل الإيمان قلبك وابتعدت قصرا عن كل الظروف التي تدفعك الي هذا المسلك‏,‏ تحمل عذابك‏,‏ وعندما تشعر بضعفك لا تخلد الي وحدتك وشيطانك‏,‏ استعن بأمك أو اذهب الي المسجد‏,‏ غير أصدقاءك والمحيطين بك‏,‏ وبعد فترة ستشعر بأنك تعود الي طبيعتك‏,‏ كل هذا حتي يتبين لنا ما هو العلاج العلمي لمثل حالتك‏,‏ فالأمر الآن بين أيدي أطبائنا النفسيين‏,‏ حماك الله وغفر لك وأعانك علي ضعفك وشيطانك وشياطين الانس من حولك‏.‏
المزيد ....

الصلاة‏..‏ من الأبناء للآباء‏!‏

16-10-2009
تلقيت عشرات الرسائل المختلفة والرافضة لرأي المفكر والباحث الأستاذ جمال البنا حول رسالة صلاة أبي والذي نصح صاحبتها بعدم دعوة والدها للصلاة ـ التي لا يؤديها ـ وأن الحسنات يذهبن السيئات واكتفي ـ معتذرا لظروف المساحة
ـ بنشر رأي لعالم جليل ينتمي لمؤسسة الأزهر الشريف‏,‏ ورسالة قصيرة مبشرة لفتاة استجاب والدها لما نشر وعاد إلي الصلاة التي انقطع عنها طويلا‏.‏
المحــرر
المزيد ....

شــبح الثلاثيــن

09-10-2009
أكتب إليك ياسيدي بعد عدة محاولات مني للعدول عن فكرة إرسال رسالتي إليك‏,‏ فأنا أعلم ردك مسبقا‏,‏ فمحتوي رسالتي قد نشر آلاف المرات‏...‏ فهي قصة مكررة‏...‏ وردك معروف ومكرر‏,‏ لكني فقط أفضفض معك ومع ملايين من قراء بابك‏.‏

أنا يا سيدي فتاة في السابعة والعشرين من عمري‏..‏ مقبولة الشكل‏..‏ خفيفة الظل‏..‏ مثقفة والحمد لله‏,‏ وأتحدث عدة لغات‏...‏ ابنة لأب وأم تعديا السبعين‏..‏ ولي أخ واحد يكبرني بخمسة عشر عاما‏,‏ كنت ومازلت طفلتهما الصغيرة المدللة التي جاءت بعد معاناة بعد أن فقدا الأمل في إنجاب طفل آخر بعد أخي‏..‏ فكنت نور أعينهم‏..‏ وكانا دائمي القلق علي‏..‏ كانا يخافان علي بدرجة رهيبة وكانا لايسمحان لي بالخروج وحدي حتي التحقت بإحدي الكليات العملية‏..‏ وتخرجت فيها وعملت بوظيفة لا بأس بها‏.‏

الحمد لله الكل يشهد لي بأخلاقي وحسن سلوكي وأدبي‏,‏ لكن ياسيدي منذ نعومة أظفاري ووالدي زرعا في الخوف من المستقبل‏.‏ انت جيتي بعد ما العمر فات‏..‏ بكره نموت وتبقي لوحدك في الدنيا وأخوكي في دنيته ولهذا كنت دائمة القلق من هذه الفكرة‏,‏ أن أصبح وحدي في يوم من الأيام دون أبي وأمي‏,‏ فحلمت بالزواج في سن صغيرة حتي اطمئن والدي علي مستقبلي‏,‏ ولكن ياسيدي تمر الأيام بسرعة‏..‏ اليوم تلو الآخر ولم يطرق بابي غير عدة عرسان لم يتعدوا أصابع اليد الواحدة‏,‏ اذا احسست بالقبول تجاه أحدهم‏..‏ كان هو العكس‏,‏ وإذا أحسست أنا بالعكس يكون هو قد أحس القبول‏,‏ لم أعترض علي ماديات أو وضعت شروطا‏,‏ فقط كنت أريده أن يكون رجلا‏,‏ يشعرني بالأمان علي حالي بعد أن أصبح وحيدة في هذه الدنيا أريده أن يكون لي الأب والأخ والصديق‏..‏ والزوج هل هذا كثير؟‏!‏

لقد تزوجت جميع صديقاتي وجاراتي‏,‏ وزميلات الدراسة‏,‏ وها أنا كما أنا‏,‏ محلك سر‏,‏ وكل يوم تسقط ورقة من أوراق أيام شبابي وأري شبح الثلاثين يلوح لي‏,‏ أصبحت كلمة عانس علي مرأي أمامي‏.‏

سيدي‏..‏ أنا خائفة جدا أن أموت وحيدة‏,‏ لا أريد أن أعيش وحيدة في هذه الدنيا‏,‏ الآن الشباب علي مشارف الثلاثين عند عرض عروسة عليهم في مثل عمري يكون ردهم كالتالي‏:‏

وأنا إيه اللي يخليني أخد واحدة قربت ع الثلاثين‏,‏ أنا عايز واحدة في أول العشرينيات أعيش شبابي أنا وهي‏,‏ والشباب الذين تعدوا الثلاثين حتي نهاية العقد الرابع يكون ردهم‏:‏ ليه يعني؟ أنا عايز واحدة صغيرة‏..‏ ايه اللي يخليني اخد واحدة قربت علي الثلاثين‏,‏ الواحدة بتبقي في عزها لحد خمسة وتلاتين‏..‏ وكمان عشان تلحق تخلف‏,‏ والله العظيم هذا ما سمعته بأذني علي مر الأعوام من زملاء العمل وغيرهم‏.‏

قاومت شعوري بالصبر والصلاة والدعاء‏,‏ وحتي الصوم‏,‏ لكن يا سيدي مازال قلبي توجعه أنات الخوف‏,‏ لا تنصحني بالصبر‏..‏ فأنا صابرة‏,‏ لا تنصحني بالصلاة والدعاء‏..‏ فقيام ليلي يعقبه دعاء وبكاء لله أن يرزقني بالزوج الصالح‏,‏ لا تنصحني بأن أشغل وقتي‏..‏ فوقتي موزع بين عملي ومراعاة أبي وأمي المسنين‏,‏ وكورسات اللغات والكمبيوتر وحفظ القرآن‏,‏ لكني يا سيدي لا أستطيع التحمل فأنا مثل أي فتاة تحلم بالحب‏..‏ والفستان الأبيض‏,‏ والبيت والأطفال‏..‏ فهل أصبح هذا الحلم بعيدا؟‏!‏

هل أصبح حلال ربنا صعبا لهذه الدرجة؟

فقدت الثقة في نفسي‏..‏ خصوصا بعد موافقتي علي الخطبة من شاب أكثر من رائع‏..‏ ولكن مشيئة الله حالت دون إكمالها نظرا لظروف ألمت به بغض النظر عن تفاصيلها وحاولت أن أقف بجانبه بشتي الطرق وكنت علي استعداد ان أكمل الزواج لكنها في النهاية مشيئة الله‏,‏ سيدي‏..‏ عيناي تري مستقبلي مظلما‏,‏ ولا أعرف ماذا أفعل‏,‏ فقط أرجو أن تدعو لي أنت وأصدقاء بريد الجمعة أن يرزقني الله الزوج الصالح‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ أتفق معك في أن الحديث حول هذه القضية أصبح مكررا‏,‏ نتحدث عن طريقة تفكير الشباب البعيدة عن الواقع الذي يدفعهم إلي الزواج المتأخر‏.‏ فيتزوجون بعد الثلاثين وأحيانا بعد الأربعين نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة‏,‏ ولكنهم حين يفكرون في الزواج يبحثون عن فتيات صغيرات في السن ويرون الفتاة في الثلاثين كبيرة في العمر ويتحدثون عن السعادة والدلع والإنجاب‏,‏ وكأن قدرة الانسان علي الحب والعطاء مرتبطة بعمر‏,‏ متجاهلين أن هذه القاعدة كانت مقبولة قبل أن تتعلم المرأة وتعمل ويصبح سن الثلاثين هو دليل النضج والاستقرار‏,‏ أيضا يفوتهم أن السيدات الآن ينجبن بعد الأربعين وان هذ الحجة بالية وغير علمية‏.‏

وعلي الوجه الآخر في هذه الأزمة يصرخ الشباب من أن الفتيات وأسرهن يبالغون في طلباتهم ويريدون عريسا جاهزا بشبكة غالية وشقة فاخرة وسيارة أحدث موديل‏.‏

سيدتي‏..‏ الغريب علي هذه الشكوي المتكررة من تأخر سن الزواج وصعوبة العثور علي عريس‏,‏ ما أن أنشر مثل رسالتك حتي تنهمر علي مئات الرسائل من شباب يشكون من صعوبة العثور علي عروس ويطلبون الارتباط بصاحبة الرسالة‏,‏ وإن كنت قد سلمت بأن هذا الاسلوب غير مناسب للزواج ويعرض الفتيات لكثير من المتاعب‏,‏ لذا أرجو من السادة العرسان عدم إرسال رغبات زواج لأن صاحبة الرسالة لم تطلب ذلك‏,‏ ولن يتدخل بريد الجمعة في هذه الصيغة بعد أن ثبت لنا عدم جديتها وجدواها‏.‏

عودة لك يا عروس‏..‏ أختلف معك في هذا الإحساس بالخوف‏,‏ لن أنصحك ـ كما طلبت ـ وسأدعو لك ولكل الفتيات والشباب بالستر‏,‏ أما اختلافي معك فلأنك ترسخين لنفس مفهوم الشباب‏,‏ فإذا كنت خائفة من شبح الثلاثين الذي لم يأت بعد ومازال أمامه ثلاث سنوات‏,‏ فلماذا نلوم الشباب‏.‏

أنت مازلت في سن صغيرة حتي لو وصلت الي الثلاثين وتجاوزتها‏,‏ ولا يجب عليك وقريناتك ان تربطن السعادة والاستقرار بالزواج‏,‏ فللسعادة وجوه عديدة‏,‏ وكثير من النساء يرين أنهن فقدن سعادتهن بالزواج الذي يراه البعض قلعة محاصرة‏,‏ من خارجها يريد الدخول‏,‏ ومن بداخلها يبحث عن منفذ للهروب‏.‏

استمتعي بعمرك الجميل يا صغيرة‏,‏ بعملك ونجاحك‏,‏ بأسرتك وأصدقائك‏,‏ وعندما يأتي النصيب في وقته المحدد لن تحول أي ظروف بينك وبينه‏,‏ فلا تتوقفي طويلا أمام مخاوف والديك‏,‏ فهي مخاوف تقليدية وطبيعية وإن كان تأثيرها سلبيا علي الأبناء فليت الآباء يلتفتون الي الآثار السلبية التي يغرسونها في نفوس الأبناء باسم الحب‏.‏

وإلي لقاء بإذن الله
المزيد ....

سامحيني يا ابنتي‏!‏

02-10-2009
اكتب لك ياسيدي بعد ان رأيت رؤية منامية تخص ابنتي الكبري ازعجتني كثيرا جدا وليس هناك داع لسردها‏,‏ المهم انها جعلتني اكاد لا انام‏..‏ انا سيدة مستوي تعليمي يجعلني اكاد اقرأ واكتب‏,‏ ولقد استعنت بجارتي جزاها الله خيرا في كتابة هذه الرسالة‏..‏ انا ياسيدي ام لخمسة ابناء ثلاثة ذكور وبنتين وفقني الله انا ووالدهم رحمه الله في تعليمهم حتي المستوي الجامعي‏,‏ والحمد لله كلهم متزوجون ويحيون حياة طيبة مستقرة‏..‏ المشكلة يا سيدي في ما حدث لابنتي الكبري والتي كانت متزوجة من رجل ذي مركز اجتماعي مرموق‏,‏ ولقد رزقهم الله بولد وبنت آية في الاخلاق والادب والمستوي العلمي‏

ولقد لاحظت شرود ذهن ابنتي كلما زارتني ففطنت باحساس الام ان زوجها تعرف علي امرأة اخري وعندما سألتها انكرت‏,‏ وقالت في حقه ما يبعد عنه تلك الشبهة‏,‏ واصرت علي ذلك ولكن بعد عدة اشهر جاءتني غاضبة‏,‏ واعترفت بما انكرته واشتكت من سوء معاملة زوجها لها وهنا شعرت بأنني علي قدر من الذكاء يجعلني اضع الامور في نصابها الصحيح وقلت في حقه وقتها ما قدرني الشيطان علي قوله‏,‏ وعندما جاء زوجها ليعترف بذنبه ويطلب العفو والسماح والغفران وقفت له بالمرصاد لانني رأيت فيه صورة زوجي الذي اساء معاملتي لمدة اربعين عاما دون ان يتعرف علي سيدة اخري‏

ولكنني تحملته حتي مرض الموت من اجل اولادي‏,‏ وبدلا من أن انصح ابنتي بالتحمل مثلي وان تعطي زوجها فرصة اخيرة من اجل اولادها‏,‏ وجدتني اعوض عدم قدرتي علي مواجهة زوجي في حياته ورفضي لسوء معاملته لي في انني رفضت اسلوب زوج ابنتي معها وشحنتها ضده بكل ما اوتيت من قوة‏,‏ وللاسف ان ابني الكبير كان يؤيد كل ما نفعله أنا وابنتي حتي اننا ساعدناها في الحصول علي حكم بالخلع من زوجها بالرغم من انه ظل يحاول اعادتها بشتي الطرق وظل صابرا لمدة تقترب من العام‏

ولن انسي يا سيدي مشهد ابنتي عندما نطق القاضي بحكم الخلع لقد انهارت وكادت يغشي عليها ولن انسي ياسيدي ما قالته لي عندما افاقت‏:‏ ربنا يسامحك يا امي ولقد شعرت وقتها بلذة الانتصار علي هذا الرجل بالرغم من هزيمة ابنتي وفرحت جدا لان ابنتي سوف تعيش معي‏..‏ ولكن ياسيدي ما لبثت أن زالت تلك اللذة والفرحة بعد عدة اشهر‏,‏ حيث اعيش انا وابنتي الآن في وحدة قاتلة وكآبة مميتة وسكوت وسكون ممل وذلك لان اولادها يعيشون مع والدهم وزوجته الجديدة ويأتون من آن لاخر لزيارتنا وعندما اشرت علي ابنتي بالزواج قالت ما ينفعش يا امي لعدة اسباب اولا ازاي اسيبك تعيشي لوحدك

واقسم لك ياسيدي انني التي اخشي الان ان اموت واتركها تعيش وحيدة ـ ثانيا لو تزوجت سوف يحرمني زوجي السابق من رؤية اولادي ـ ثالثا انا لن ألاقي رجلا مثل زوجي السابق‏,‏ وعجبت ياسيدي عندما قالت في حقه كل خير وعجبت اكثر عندما قالت بالرغم من انه اساء لها عندما تعرف علي امرأة اخري لمدة ليست بقصيرة إلا انها تسرعت في طلب الخلع ولو ان والدها علي قيد الحياة ما تركها تفعل ذلك‏,‏ وهنا ياسيدي تذكرت قول المولي عز وجل الذي يقول فابعثوا حكما من أهله وحكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما واقسم لك ياسيدي ان كل من جاءوا من طرف زوجها ارادوا الاصلاح ولكن انا وأخوها فقط اللذان تدخلنا من اهلها وكنا لانريد الاصلاح لاننا كنا نؤيدها تأييدا مطلقا دون ادني تفكير في اي عواقب ولقد تعاطف اخوها معها لما قالته من سوء معاملة زوجها لها وانا وجدتني انفث ما بداخلي انتقاما من زوجي في صورة زوج ابنتي‏,‏ والمشكلة الاساسية ياسيدي ان ابنتي عنيدة جدا ولا تلين لقول احد ايا من كان وتفعل دائما ما تراه صحيحا من وجهة نظرها والوحيد الذي كان يرجعها عن رأيها هو والدها رحمه الله‏..‏

وانا يا سيدي الآن اندم أشد الندم علي ما اقترفته في حق ابنتي خاصة عندما اري باقي اولادي يعيشون في بيوتهم مستقرين سعداء فاشفق علي ابنتي‏,‏ وفي نفس الوقت اخشي علي ابني الكبير من سوء العاقبة لانه سعي في طلاق اخته‏,‏ حيث انني لن اتحمل تكرار ما حدث لابنتي لأحد من باقي اولادي‏..‏ وأقسم لك ياسيدي انني علي استعداد لعمل اي شئ صغير او كبير ولك ان تتخيل انني علي استعداد لتقبيل ايدي بل اقدام كل من يمكنه اعادة البسمة والسعادة لابنتي‏..‏ سيدي انا لا اعلم ماذا أفعل فارجوك قل لي ماذا افعل لعلي اعمل شيئا يحسب لي في ايامي الاخيرة‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ ليس ما يؤلمك انك أيدت ابنتك في موقفها وحرضتيها علي الطلاق عندما اكتشفت خيانة زوجها ولم تقفي في وجهها أو تنصحيها بمنحه فرصة أخيرة‏,‏ لأن الأمر لو كان هكذا لأصبح خطأ في التقدير أو موقفا يمكن الاختلاف حوله‏,‏ ولكن ألمك سببه الحقيقي انك وحدك تعرفين أن موقفك كان من أجلك انت وليس من أجل ابنتك‏,‏ فقد كنت تنتقمين لنفسك‏,‏ تثأرين من ضعفك‏,‏ تعاقبين زوجك في صورة زوج ابنتك‏,‏ ايضا تحاسبين نفسك لأن موقفك كان يخفي انانية في داخلك لرغبتك في ألا تعيشي وحدك وستجدين من يشاركك وحدتك‏.‏

لا أحد ـ سيدتي ـ يقر الخيانة أو يقبلها‏,‏ وقد لايستطيع بعض البشر ـ ذكر أو أنثي ـ التعايش معها أو الصفح عن الطرف الخائن‏,‏ ولكن إذا استطاع طرف العفو والسماح عن الطرف الآخر إذا اعترف بخطئه وتاب عنه‏,‏ فإن الخطأ الكبير هو الإصرار والتحريض علي هدم الحياة الزوجية خاصة اذا كان بينهما أبناء يعيشون في استقرار لا تهدده مثل هذه الأخطاء التي يرتكبها الآباء‏.‏

سيدتي‏..‏ أقدر الألم الذي تعانينه‏,‏ ففي جوانحك قلب أم نابض وضمير حي يذكرك دوما بأنك ظلمت من تحبين‏,‏ ولكن في مواجهة ما تشعرين به وتحملينه وحدك في صدرك‏,‏ ليس أمامك إلا اللجوء إلي الله وطلب العفو والمغفرة والهداية إلي طريق الصواب‏,‏ وحتي يهدأ ضميرك اقترح عليك ان تصطحبي ابنك الذي شاركك الخطأ وإن كانت مبرراته ونواياه تختلف عنك‏,‏ وتطلبا موعدا من زوج ابنتك السابق‏,‏ تعترفا له بما تكنه له أم أولاده من تقدير واحترام‏,‏ وانكما ساهمتما في إشعال النيران بداخلها مع عدم التجاوز أو التقليل من خطئه حتي يتذكر ان لكل انسان أخطاءه‏,‏ واطلب منه ان يقبل بعودة الأبناء اليها علي أن يراهما وقتما شاء‏,‏ فإذا لمستما منه رغبة في إعادة زوجته الي عصمته حتي لو استمرت في حياتها مع أمها من أجل الأولاد فرحبا بهذه الفكرة‏,‏ فإذا لم يحدث فلتكن عودة الأبناء أو بقاؤهم مع أمها لفترة أطول أحد المكاسب المفقودة‏.‏

ونصيحتي لابنتك اذا استمر الحال علي ما هو عليه الآن‏,‏ الا تغلق الأبواب في وجه الزواج مرة أخري إذا وجدت من يناسبها‏,‏ خاصة اذا استمر الأبناء مع والدهم الذي يمكن التحدث معه بوضوح واشراكه في اتخاذ القرار اذا رفض اقتراحاتكما الأولي‏,‏ لأن ما يبدو من حديثكم عنه انه انسان ـ رغم خطيئته ـ يحمل في جوفه قلبا رقيقا‏,‏ تائبا‏,‏ يمكن ان يتفهم ويستوعب مشاعر أم أخطأت وتريد أن تريح قلبها وترفع عن ابنتها حزنا هي من شاركت في غرسه‏..‏ أعانك الله وغفر لك وهدي الجميع الي ما فيه الخير‏...‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

حصاد الألم والأمل

25-09-2009
تمر الايام وتشرق الشمس وتغيب‏,‏ وباليقين يزداد شوقنا وحنيننا إلي بريد الجمعة بابنا الحبيب‏:‏ متنفس كل مكروب‏,‏ ومنقذ كل غريق‏,‏ ومعين كل محتاج ملهوف‏.‏

ها نحن نودع عامنا الرابع من عمر بابنا الحبيب بريد الجمعة‏,‏ ونستقبل بإذن الله عامه الخامس الذي نتمناه أن يكون أفضل مما سبقه من أعوام‏,‏ وكلنا أمل في أن نتغلب علي مشاكلنا‏,‏ وأن نجد آذانا صاغية لإرشادات محرر البريد وآراء أحبائنا‏,‏ وهمسات أصدقائنا‏,‏ وتجارب من سبقنا‏,‏ حتي نحقق ما نطمح فيه من أمنياتنا وآمالنا‏.‏

أخي الكريم‏....‏
في آخر رسالتك الكريمة الأخيرة أطلقت علي لقب جبرتي بريد الجمعة‏.‏ فأي شرف أعظم من ذلك الذي قلدتني اياه‏,‏ وأي مكانة أعلي من تلك التي رفعتني إليها‏.‏ وأي وسام أرفع من هذا الذي اضعه علي صدري‏,‏ أدعو الله أن يتحمله وهو الضعيف لحمل هذا الشرف الكبير‏.‏

ويسعدني ـ وبعد أن أمد الله في عمري ـ أن أرسل إليكم للعام الرابع علي التوالي هذا الحصاد‏,‏

أدعو خالصا من القلب لك الله أن تسير علي هديه‏,‏ وبركته‏,‏ وأمنه‏.‏ وأمانه‏,‏ أعانك الله‏,‏ وسدد خطاك‏,‏ لأنني لحسبك ولا اذكيك علي الله ـ وجميع الاصدقاء كذلك ـ من هؤلاء الناس الذين اختصهم الله بأن يكونوا سفراء للسلام‏,‏ يقضون حاجات البشر أينما كانوا‏.‏

أخوكم لواء مهندس بالمعاش‏/‏ محمد ناصر عبدالرازق يوسف

بيان ببعض الرسائل

‏1 ‏ـ قبل الطلاق‏:‏ خيانة الأمانة‏.‏
موضوعها‏:‏ إحساسها بل يقينها‏,‏ أن زوجها يسرق نقودها‏,‏ ومصاغها‏,‏ بالإضافة إلي أنه كاذب‏.‏

الغرض منها‏:‏ أن تجد علاجا ناجعا‏,‏ وحلا مناسبا‏!‏

تساؤلاتها‏:‏

كيف للص كذاب أن يبني بيتا؟ وكيف له أن يتحمل مسئولية أسرة؟ كيف يكون قدوة لأبنائه في المستقبل؟ كيف أأمن علي نفسي مع هذا الثعلب الماكر؟ هل لأي زوجة أن تنجب أطفالا من مثل هذا الرجل؟

‏2‏ـ ما ذنبي؟‏:‏ الحب‏.‏
موضوعها‏:‏ تشعربالعذاب يحاصرها‏:‏ والدها إلي يمينها‏,‏ ونصفها الآخر إلي يسارها‏,‏ وعليها ان تختار‏,‏ لكنها لا تريد أن تختار بينهما‏,‏ فقط تريد أن تكسبهما معا لتكسب رضاء الله عنها‏,‏ وتشعر بالسعادة التي هربت منها‏.‏

الغرض منها‏:‏ أن تجد حلا لمشكلتهما‏,‏ حيث جربا الفراق وما جنيا إلا الألم والمرض‏,‏ وجربا الحديث مع والدها فما كان منه إلا أن اعلن غضبه عليها‏,‏ وعدم رضاه عنها‏,‏ وهو أمر لا تحتمله‏.‏

تساؤلاتها‏:‏

لا أعرف من أين أبدأ كلامي؟

هل كل شخص يذنب‏,‏ يجب أن يدفع الثمن شخص بل مجموعة أشخاص آخرون؟ هل يصبح من والده مجرم هو الآخر مجرما‏,‏ ولا يحق له الزواج إلا من ابنة مجرم‏,‏ أو من طبقة دنيا؟ أليس اختيار الزوج المناسب لمن نرتضي دينه وخلقه؟

‏3 ‏ـ نصف ساعة زواج‏:‏ الخداع‏.‏
موضوعها‏:‏ طلقت من زواج دام لعدة سنوات مليئة بالمشاكل والدموع‏,‏ وكان هذا الزواج قد أثمر طفلا عمره الآن‏10‏ سنوات يعيش معها في شقة خاصة منذ طلاقها‏,‏ ثم خدعها رجل آخر وتزوجها لمدة نصف ساعة فقط‏,‏ ثم طلقها‏,‏ مما أفقدها الأمل في الحياة‏!‏

الغرض منها‏:‏ أن يعيد بريد الجمعة‏,‏ لها ما انكسر من نفسها وروحها‏,‏ ولعل كلماته تريح قلبها‏,‏ وتخفف دموعها‏.‏

تساؤلاتها‏:‏ أتساءل لماذا فعل هذا بي وأنا الأمة الملتزمة المتقية له؟ وإذا كان هذا الزواج ليس خيرا لي‏,‏ فلماذا قدره الله لي‏,‏ ولم يبعد عني هذا الشخص بدون أن أتزوجه وكان هذا سيكون افضل وارحم بي؟ هل هذه مكافأة الله لي علي تديني والتزامي ومقاومتي المعصية والشيطان وأعوانه في أحلك لحظات حياتي؟

كيف أحيا وسط ناس يعيشون بهذه الصفات الكريهة؟ كيف أستطيع أن أحب مرة أخري‏,‏ أو أثق في إنسان آخر‏,‏ وأنا أعيش الآن كالأموات‏,‏ وأتألم في كل لحظة؟

‏4 ‏ـ وردة واحدة‏:‏ فتور العلاقة الزوجية‏.‏
موضوعها‏:‏ فقدان جذوة الحب والاشتياق‏,‏ وفقدان الإبهار والمفاجأة‏.‏

الغرض منها‏:‏ ليس من أجل نشر ما تكتبه‏,‏ بل لأنها ترغب في أن تتحدث إلي شخص يفهم ما تقول‏,‏ ويعفيها من الشعور بالحرج‏.‏

تساؤلاتها‏:‏

أسأل نفسي أحيانا هل خبت جذوة الحب‏,‏ أم ان الأمر أننا ننبهر بفكرة الزواج نفسها؟ هل هذا الشخص هو الذي سأمضي معه ما بقي من حياتي؟ ألن أعيش قصة الحب مرة أخري‏,‏ ويكفي أن نربي الأطفال؟ هل ستصبح العلاقة الحميمة الأكثر روتينية‏,‏ وتغدو مجرد خمس دقائق وينتهي كل شيء دون أن أشعر بالاستمتاع ولا هو أيضا؟ كيف أغذي إحساسي بالرغبة في الحب؟ هل يكفي بعض كلمات الإعجاب الذي نراه في العيون؟ هل تعتقد أن مثل هذه السيدة قد تكون مخطئة إذا قررت الطلاق من زوجها والزواج بشخص آخر يحبها؟

‏5‏ ـ كان أسطورة‏!:‏ الخداع
موضوعها‏:‏ تشكو خداع الأب لأسرته‏,‏ وكذبه عليها‏,‏ وخيانته‏.‏

الغرض منها‏:‏ النصيحة

تساؤلاتها‏:‏

إنه لا يستحق أن يكون قدوة لنا‏,‏ فكيف يمكن أن يجمع شخص ما بين الصفات الأسطورية والصفات الخبيثة؟

هل أواجهه بما عرفت‏,‏ أم أصمت للأبد وأبقي في نظره الفتاة المغفلة؟ أسأل نفسي‏..‏ هل لي أخوة من هذه الزيجة‏,‏ وكيف ستكون علاقتنا بهم؟

وماذا سيحدث لأمي إذا عرفت بالخبر‏,‏ وهل هناك سر يمكن اخفاؤه طوال الوقت؟

فبماذا تنصحني؟

‏6‏ ـ عروس إمبابة‏:‏ العنوسة‏:‏
موضوعها‏:‏ عدم زواجها حتي الآن‏,‏ والسبب الرئيسي في ذلك هو المنطقة التي تسكن بها‏.‏

الغرض منها‏:‏ تناشد جميع الشباب‏,‏ والأسر‏,‏ وكل من يقرأ رسالتها ألا يتمسكوا بالظواهر‏,‏ لأنها مهما تكن براقة فهي زائفة‏,‏ وأن يتخيروا شريك الحياة علي اساس سليم كما أمرنا الدين‏,‏ ولو حدث ذلك ما حدثت مشكلة العنوسة ولا تفاقمت‏,‏ وتقول للجميع اتقوا الله ليرزقكم بالخير‏.‏

تساؤلاتها‏:‏

تسألني يا سيدي وأين إذن المشكلة؟ المشكلة تتعلق بي فأنا علي وشك أن أبلغ الثلاثين ولم اتزوج‏,‏ وما هو السبب الرئيسي في ذلك؟ ولكن لماذا يفكر الناس علي هذا النحو؟ وما الذي يعيبني لأرفض من أجل مكان أسكن فيه؟

{‏ سيدي اللواء مهندس محمد ناصر عبدالرازق‏,‏ هكذا دائما تخجلني بهذا الإنجاز الرائع والذي يستغرق منك وقتا وجهدا ودقة وإتقانا‏,‏ فأشعر أمامه بالعجز وأنا أنتقي منه القليل الذي تفرضه علي المساحة المخصصة لـ بريد الجمعة‏,‏ وكل ما أخشاه أن أصيبك بإحباط أو بالإحساس بأني غير مقدر لما بذلت‏,‏ فيما هو عندي كبير وكريم‏,‏ فأرجو أن تغفرلي هذا الاختصار المخل لما أنجزت‏,‏ كما أستبيحك عذرا لحذفي ما وصفتني به عميد بريد الجمعة‏,‏ فهذا اللقب ليس من حقي‏,‏ ولكنه سيظل من حق مؤسس هذا الباب الراحل العظيم الأستاذ عبدالوهاب مطاوع‏,‏ وليس لي أو لغيري القفز عليه أو سرقته‏,‏ فنحن مازلنا وسنظل تلاميذ في مدرسته حتي وإن شاءت الأقدار أن تكون أسماؤنا محل اسمه ولكن هل تتساوي الأقدار والأسماء؟

{‏ صديقنا العزيز‏,‏ عام رابع مضي وأنت جبرتي بريد الجمعة‏.,‏ وسنظل ندعو بألا يحرمنا الله من دورك العظيم ولا من أهتمامك ولا رعايتك‏,‏ حفظك الله ورعاك‏,‏ دمت لنا حبيبا ومحبوبا‏.‏
المزيد ....