‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2007. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2007. إظهار كافة الرسائل

الخميس، ٢ أغسطس ٢٠١٢

..‏ومصر للجميع

28-12-2007
لأن الفتنة نار تخرج من أفواة الجاهلين وليس جهلا بدين ـ إسلامي أو مسيحي ـ وإنما جهل‏,‏ بمعني ومغزي الوطن مصر‏..‏ مصر التي تشربت بدماء ودموع أبنائها ـ مسلمون ومسيحيون ـ ولم تفرق يوما أرضها وهي تنبت حبا وخيرا كثيرا بأي ديانة يدين المصري الذي روي أرضه بعرقه وحلمه‏.‏

رسالة الأسبوع الماضي حدث في المترو نكأت جرحا في قلب الكثير من المصريين‏,‏ فجرت في داخلهم ثورة المحبة‏,‏ والإحساس الحقيقي بالخطر‏,‏ فالأخطاء الصغيرة التي يرتكبها صغار‏,‏ تكاد تشعل دفء الوطن وتحيله إلي حرائق‏,‏ لن يدفع ثمنها أحد غير أبناء الوطن الواحد‏.‏

ولأن الكلام في هذه القضية ـ قضية الوطن والمواطن‏,‏ المواطن المسيحي والمسلم‏,‏ و أبناء مصر ـ يشبه تماما من يتحدث وفي فمه أشواك‏,‏ توقفت أمام العديد من الرسائل التي وصلتني‏,‏ رسائل محبة تشيع أملا‏,‏ تطرح أفكارا‏,‏ رسائل تستعيد وتعيد من الذاكرة صورا جميلة للمحبة والتواصل‏..‏ رسائل ترصد وتتأسي لما آل إليه حالنا‏..‏ ورسائل نحيتها جانبا‏,‏ فقد سئمنا وجهة النظر الضيقة‏,‏ التي تتصدر أوقات المحن التي تتحدث عن حقوق ضائعة للمسيحيين‏,‏ عن وظائف لم يحصلوا عليها وكنائس لم تبن‏..‏ وجهة نظر تريد أن تفرط في حقوق المسيحيين كمواطنين مصريين لهم كل الحقوق‏,‏ فإذا ضاع بعضها لأسباب ـ قد تكون مرفوضة ـ فهذا يجب ألا يناقش إلا من زاوية المواطن ـ لا المسيحي ـ الذي يبحث عن حقه‏..‏ وعليه أن يترك هذه القضايا لأولي الأمر منهم‏,‏ فهم أجدر بمناقشتها بعيدا عنا كمواطنين نعيش سواسية في مصر‏.‏

وتقابلها وجهة نظر متشددة ممن يعتقدون أنهم يحسنون إلي دينهم‏,‏ فيما هم يسيئون إليه كل يوم بتصرفاتهم وسلوكياتهم التي لم يأمر بها قرآننا الكريم ولا رسولنا عليه الصلاة والسلام‏,‏ هؤلاء الذين راحوا يعددون أوجه سيطرة المسيحيين علي رأس المال‏,‏ وتعمدهم استبعاد المسلمين من أي وظيفة يمكنهم منحها لشاب مسيحي‏,‏ وغيرها من الأقوال المرسلة التي لا تستند إلي معلومات ولا إلي منطق‏,‏ وحدوثها من بعض ضعاف الوطنية‏,‏ لا يعني ابدا التعامل علي أنها قاعدة‏.‏

دعونا مما يفرق وهو قليل‏,‏ لنذهب إلي ما يجمعنا وهو كثير‏..‏ فمصر المحبة‏,‏ الآمنة‏,‏ المحفوظة‏,‏ تتسع للجميع‏.‏
المحــــــــرر
المزيد ....

حدث في المترو

21-12-2007
تبدو رسالتي إليك مختلفة كثيرا عن نوعية القضايا والمشكلات التي يتناولها هذا الباب ولكني اخترت ان أرسل إليك لمعرفتي بأن بريد الجمعة يقرؤه الملايين من هذا الشعب‏,‏ وما أتحدث عنه شديد الحساسية ويحتاج إلي عقول متفتحة وقلوب تحب هذا الوطن وتخشي عليه‏,‏ بعد ان أصبح الخطر عليه من أبنائه وليس من أعدائه المعروفين‏.‏

سيدي أنا شاب مسيحي من شبرا عمري يقترب من الثلاثين عشت أيام الطفولة والصبا بين زملائي وأصدقائي في المدرسة والشارع وأنا لا أشعر اني غريب أو خائف‏,‏ تعلمت ان الدين لله ومصر للجميع لم يبتعد عني أصدقائي وجيراني المسلمون لأني مسيحي ولم أشعر يوما ان علي عدم الاندماج معهم لأنهم مسلمون‏.‏

نعم أنا مسيحي وأؤمن بديانتي وأؤدي فروضي ولكن جزءا من تكويني إسلامي احترم هذا الدين وأمارس طقوسه بدون تفكير فأنا أسمع الأذان كل يوم خمس مرات وأسمع القرآن في المسجد وفي التليفزيون‏,‏ أشارك في جنازات المسلمين‏,‏ وأذهب إلي مقابرهم‏,‏ وأحضر عزاءهم‏,‏ أسعد بأعيادهم‏,‏ وأشاركهم فيها‏.‏

لي أصدقاء مسلمون كان أهلي يدفعونني لمصادقتهم لأنهم ملتزمون بفروض دينهم‏,‏ في حين كانوا يحذرونني من بعض أصدقائي المسيحيين لأنهم غير ملتزمين‏.‏

نشأت في هذه الأجواء يا سيدي لا أعرف إلا المحبة ولم أجن إلا المحبة ولكن منذ سنوات قريبة بدأ هذا الإحساس يتسرب من نفسي بعد ان كثرت الخلافات والأزمات بين المسلمين والمسيحيين‏,‏ وأصبحت بطلا رئيسيا علي صفحات الصحف فبدأت استشعر الاحتقان في القلوب‏,‏ تغيرت نظرات من حولي مسلمين ومسيحيين لا أستثني أحدا ولا أريد ان أخوض في تفاصيل ستقود في النهاية إلي مزيد من البعد وأنا لا أسعي من رسالتي إلا إلي عودة المحبة‏.‏

كل شيء يدعو إلي الانعزال‏,‏ حوارات الأصدقاء مملوءة بالمرارة‏,‏ وتبادل الاتهامات‏,‏ وأصبحت حكاية ولد أحب بنتا‏,‏ كل علي ديانة مختلفة دافعا لإشعال النيران‏,‏ واشتباك الأهالي‏,‏ وتدخل الشرطة‏,‏ بل وصلت الأمور إلي حد القتل‏,‏ ولم يعد غريبا ان نسمع عن أقباط المهجر وأقباط الداخل والهجوم علي الكنائس‏,‏ الاضطهاد‏,‏ وغيرها من الكلمات والأفعال التي لم تكن موجودة من قبل‏,‏ وكأننا شعبان نتصارع علي وطن كان يجمعنا تحت مظلته وحمايته‏.‏كل هذا يحدث ولكنه لم يدخل إلي قلبي الخوف‏,‏ نعم تسلل إلي الحزن والقلق‏,‏ ولكن شيئا ما كان يطمئنني بأن الله محبة ومحبته ستجمع أبناء هذا الوطن وستعيد إليهم وعيهم‏,‏ ويفيقون من الطريق المظلم الذي يسيرون فيه‏,‏ إلي ان وقع شيء أمام عيني‏,‏ سرب الخوف إلي قلبي وجعلني استشعر خطرا كبيرا يستحق منا جميعا ان نذهب إلي كلمة عاقلة تجمع ولاتفرق‏.‏

سيدي‏..‏ منذ أيام كنت استقل المترو في طريقي إلي محطة مبارك‏,‏ وفي محطة الدمرداش كان يجلس رجل ملتح يفتح المصحف‏,‏ ويقرأ بصوت مرتفع وعلي الرغم من أنني أري هذا السلوك غير متحضر وفيه تعد علي الآخرين بعيدا عن ديانتهم‏,‏ ويشبه في نظري من يمسك بالموبايل ويتحدث في أمور خاصة بصوت مرتفع‏,‏ فارضا الحوار علي الجميع في مواصلة عامة‏,‏ إلا انني اعتدت هذا المشهد في وسائل المواصلات‏,‏ فلم يعد يثير انتباهي وأراه سلوكا عاما للمصريين‏,‏ يبالغون في إظهار تدينهم بدون ان نري انعكاسا لما يقوله هذا الدين علي سلوكياتهم‏.‏

بينما كان الرجل مستغرقا في قراءة القرآن بصوت مرتفع فوجئنا جميعا بشاب يرفع صوت هاتفه المحمول بترانيم كنسية‏..‏ شاب مسيحي‏,‏ أراد بغباء ان يعبر عن رفضه لفكرة فرض ما يسمعه بدون استئذان‏,‏ وربما أراد ان يقول هو الآخر من حقي كمواطن ان أسمع ما أريد‏.‏

هنا بدأت الهمهمات تعلو في العربة‏,‏ وبدأت أصوات الاعتراض فسارع الرجل الملتحي بالتوقف عن قراءة القرآن‏,‏ فصرخ أحد الواقفين فيه اكمل القراءة هل تتوقف من أجل هذا الـ‏...‏ كلمة من الشاب وكلمة من هنا‏,‏ بدأت معركة من السباب ومحاولة الاعتداء بين كل الأطراف‏,‏ أصابني الشلل ولم أتحرك من مكاني وتسرب إلي خوف شديد لم أشعر به من قبل‏.‏

المهم أكمل لك ما حدث‏,‏ في مبادرة طيبة تحرك الرجل الملتحي إلي الشاب المسيحي ليعتذر له معترفا بأنه أخطأ في سلوكه‏,‏ ولكن للأسف كان الشاب المسيحي في حالة صمم‏,‏ وكأنه لم يفهم تلك البادرة الطيبة‏,‏ فتملكته العصبية والتعصب‏,‏ فأهان الرجل وسبه فما كان من الأخير إلا ان لكمه في وجهه‏,‏ وبدأت المعركة تشتعل من جديد‏,‏ ولم ينقذ الموقف إلا توقف المترو في المحطة التالية‏,‏ فسارع الناس بإنزال الرجل المسلم ومنعوا الشاب المسيحي من الهبوط‏,‏ وكان هذا هو الحل الأسلم والأمثل في مثل هذا الموقف العصيب‏.‏

هبطت من المترو في ميدان التحرير وأحسست بعدم الرغبة في أي شيء جلست علي مقهي أرمي بعيوني وأنا ذاهل وحزين‏,‏ حركة الناس الطيبين أبناء مصر‏,‏ لا أستطيع التفرقة بين المسلم والمسيحي كلنا في الهم كما في الفرح سواء‏.‏

ظللت أسأل نفسي‏:‏ ما الذي يحدث؟ ولماذا؟ ومن المستفيد منه؟ وكيف يمكن ان نعود إلي ما كنا عليه؟ ومن الذي عليه ان يجمعنا مرة أخري؟ كلها أسئلة طاردتني ولم أجد لها إجابة‏,‏ كل ما أعرفه اني مصري‏,‏ وليس لي وطن آخر‏,‏ ولست من أقلية تعيش في مصر‏,‏ بل أنا مواطن لي كل الحقوق‏,‏ حتي لو حاول البعض بجهل تقليصها‏,‏ أشتاق إلي جلسة أصدقائي المسلمين بأمان‏,‏ بدون أن أري في عيونهم اتهامات أو رفضا لي‏,‏ ولا أحب أن أسمع تحذيرات من أبناء ديني للابتعاد عن من أحببتهم‏.‏

ولكني لا أعرف الطريق إلي ذلك‏,‏ فهل يمكن ان تنير هذا الطريق‏,‏ أو تدعو المسئولين من الطرفين لحوار بناء حقيقي‏,‏ بدون صور المصافحات الباهتة والقبلات الباردة التي تطل علينا في الصحف والتليفزيون مع كل أزمة؟

***‏ سيدي‏..‏ أشكرك علي رسالتك الصادقة والكاشفة فالمجتمع الان يعيش حالة من الجهل والتعصب‏,‏ لا أعتقد ان مبررها هو تزايد الإيمان‏,‏ إنماهي نتيجة لأزمات يعيشها المواطن المصري ـ مسلما ومسيحيا ـ ويعجز عن مواجهتها فيتجه ظاهريا إلي التدين‏,‏ والبحث عن نقاط ضعف ينفذ منها ويبدو قويا قادرا علي الانتصار فيما الحقيقة انه يدمر نفسه ويواصل هزائمه‏.‏

ما يحدث ليس تدينا‏,‏ لأن الله سبحانه وتعالي يقول في سورة المائدة لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا‏,‏ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصاري‏,‏ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لايستكبرون‏(‏ صدق الله العظيم‏)‏ فالدين الإسلامي يغرس المحبة والمودة‏,‏ والرسول الكريم صلي الله عليه وسلم كان رفيقا بالكفار واليهود‏,‏ والمسيح عيسي بن مريم عليه السلام يقول فاليحب بعضكم بعضا إنها المحبة التي تدعو إليها كل الكتب السماوية والأنبياء والرسل‏,‏ والذين قلوبهم غلف هم الذين لايفهمون المعاني السامية في الأديان‏,‏ ولم يستسلموا إلي الفطرة التي ولدوا عليها‏.‏

القلب المحب ـ يا سيدي ـ يسع الدنيا‏,‏ ولايضيق بالآخر أيا كان دينه أو عقيدته‏,‏ فلو أراد الخالق ان يجعل الناس جميعا تتبع دينا واحدا‏,‏ لكان عليه أمرا يسيرا‏,‏ ولكن بعض الناس يعطون لأنفسهم حقوقا هي لله وحده يهدي من يشاء ويضل من يشاء‏,‏ ولكل ان يختار طريق وصوله إلي الله‏.‏

ليست الأزمة صراعا عقائدا وإنما هي في أحد أوجهها المتعددة غياب الفهم الحقيقي للدين وممارسة التدين كل يفسر حسب هواه‏,‏ ويحاول ان يفرض وان يطبق ما فهمه واستوعبه علي الآخرين‏,‏ ولو كان هذا المجتمع متدينا حقا‏,‏ ما انتشر الفساد‏,‏ وما تراجعت الأمة‏,‏ وماتخلفنا إلي هذا الحد‏,‏ الحقيقة أن التدين الآن ظاهري فقط بدون أن يلمس قلوب الكثيرين‏.‏

الأزمة الحقيقية هي في الظروف الاقتصادية الصعبة‏,‏ في حالة الإحباط التي تعيشها قطاعات متعددة‏,‏ مشكلات واعتصامات وإضرابات في المصانع كما في هيئات التدريس‏,‏ في القري والجزر كما هي في المدن‏.‏

اعتقد ان هذه الحالة من الإحباط واليأس لفئات كثيرة من المجتمع بمسلميه ومسيحييه هي التي منحت الفرصة لظهور هذه النتوءات علي وجه الوطن‏,‏ الذي أصبحت مناعته ضعيفة وتحتاج إلي مقويات عاجلة‏.‏

إن ما حدث في المترو‏,‏ وما حدث في إسنا وغيرها من النيران التي تشتعل لأسباب واهية وتافهة جرس إنذار‏,‏ فقد تنجح الحكومة في حل المشكلات الاقتصادية‏,‏ وتحل مشكلات الإسكان‏,‏ وترفع الظلم عن المظلومين‏,‏ ولكن نيران الفتنة لو اشتعلت بين أبناء الوطن لن يستطيع أحد ان يطفئها‏,‏ لذا أتمني ان يكون هناك حوار صادق بين عقلاء هذه الأمة بعيدا عن كاميرات الصحافة والتليفزيون لفهم ما يحدث وبحث كيفية مواجهته‏,‏ وإعادة الوئام إلي أبناء الوطن بدون تحديد ديانتهم‏,‏ فسوف يذهب الجميع وتبقي مصر دائما هي وطن المحبين وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

الطرف الثالث

14-12-2007
سيدي‏,‏ منذ فترة وأنا أفكر في أن أكتب اليك قصتي ولكني كنت أتردد لخوفي من ردك علي‏,‏ وأيضا لأنني لم أر أي شيء سأستفيده من هذا الأمر‏,‏ ولكن الذي شجعني هذه المرة علي الكتابة هو رسالة بعد هذا الحب والذي شجعني هو ردك علي صاحبة الرسالة في جزء معين‏,‏ دعني أشرح لك أكثر‏.‏

لقد أصبت بالدهشة الشديدة عند قراءة هذه الرسالة لأنها قصتي بالضبط ولكن مع تغيير الأدوار‏,‏ كاتبة الرسالة هي الزوجة التي اكتشفت ان زوجها يحب زميلته في العمل ويفكر في الزواج منها وهي لديها منه طفلة‏.‏

واكتشفت العلاقة من خلال موبايله الخاص‏,‏ يا إلهي‏!!‏ انها بالضبط قصتي وبنفس التفاصيل الصغيرة ولكن انا الطرف الثالث‏,‏ انا المرأة التي أراد أن يتزوجها‏.‏

بالطبع أنا لا أعلم إن كانت كاتبة هذه الرسالة هي بالفعل زوجة حبيبي أم لا؟ هل هي فعلا زوجته أم أن للأسف هذه القصة أصبحت تتكرر بهذا الشكل المفزع هذه الأيام وبنفس الطريقة أيضا؟

أولا أريد ان أشكرك لأنك قلت فيما يخصني في ردك عليها انكم لاتعلمون ما الذي قاله لي حتي أقبل أن أكون في المكان الذي أنا فيه الآن‏.‏ وحقا أنتم لا تعلمون ماذا قال لي وماذا فعل بي أيضا وبحياتي‏.‏

دعني أولا أعطيك فكرة عن نفسي‏,‏ وأرجوك ألا تقسو في الحكم علي قبل ان تقرأ قصتي للنهاية‏.‏

أنا سيدة في الثلاثين من عمري تزوجت منذ نحو‏10‏ سنوات ولم يكن لي أي تجربة قبل الزواج‏,‏ فقد رباني أهلي والحمد لله تربية أنا نفسي كنت سعيدة بها جدا وكنت حريصة علي الا أخون ثقتهما في أبدا‏.‏

وقد حذراني عند دخولي الجامعة من الدخول في أي علاقات لا معني لها من أجل الحفاظ علي سمعتي‏,‏ فتخرجت في الجامعة دون أي تجربة علي الاطلاق‏,‏ مع العلم انني والحمد لله علي قدر كبير من الجمال‏,‏ وهذا لايمنع انني طوال عمري شديدة الرومانسية وكنت ومازلت أحلم بالحب الذي آراه في الأفلام ولكنني كنت مقتنعة بأن كل شيء سيأتي بوقته‏.‏ ثم عملت في هيئة كبيرة ومحترمة وتزوجت من أحد زملائي في الكلية وليس عن قصة حب من طرفي علي الأقل‏,‏ فقد كان يحبني ورغم اننا نعرف بعضنا منذ أول سنة دراسة الا انه لم يصارحني برغبته في الزواج مني إلا بعد التخرج والعمل أيضا‏,‏ وقد قبلت الزواج منه لأنه ملتزم ومهذب ويحبني‏.‏

وكانت أمي دائما تقول لي تزوجي من المتدين ليراعي الله فيك وتزوجي من الذي يحبك لا الذي تحبينه‏,‏ وللأسف سمعت كلامها ولم أدرك إلا بعد فوات الأوان ان ليس كل الناس سواء‏,‏ وانني من النوع الذي لا يستطيع الحياة بدون مشاعر حب مع شريكه في الحياة‏,‏ أنا لايهمني المال‏(‏ الذي هو متوافر والحمد لله في حالتنا‏)‏ ولا تهمني المظاهر وكل ما يهمني هو الراحة النفسية والشعور بالسكينة مع زوجي الذي سأكمل معه حياتي‏,‏ ان افتقده عندما يسافر‏..‏ ان أحب الحديث معه‏..‏ وكل هذا لا أشعر به معه مطلقا‏,‏ والحقيقة انني لا استطيع أبدا ان اقول ان به أي عيوب كبيرة‏,‏ فهو علي العكس يحبني جدا وهو ملتزم وكريم ويعاملني جيدا طالما لم يكن بيننا خلاف‏,‏ ولكنه عند حدوث أي خلاف بيننا يكون شخصا آخر في منتهي العنف والعصبية‏,‏ ويتلفظ بألفاظ جارحة ويهددني دائما بأنه سيحرمني من الأولاد إذا فكرت في الانفصال‏,‏ رغم انني لا أتطرق الي هذه الكلمة أساسا‏,‏ ولكنه يعلم كم انا مرتبطة بالأولاد أكثر من أي شيء آخر في حياتي‏,‏ وقد بدأت طريقته العصبية هذه منذ كنا مخطوبين ولا أعلم لماذا إذن استمررت وتزوجته سوي أنه النصيب‏!‏

المهم إنني أيضا من النوع الذي لا يحب المشاكل ولا الخناقات ويخشي المواجهة‏.‏ وبدأت أشعر من أول شهر في الزواج انني أبتعد عنه ولكن دون أن أظهر له ذلك‏(‏ وكانت هذه هي غلطتي الكبيرة‏)‏ ــ فهو يثور إذا اختلفت معه في الرأي حتي في الأشياء التافهة التي لاتخصنا‏.‏ فنحن مختلفان لأقصي درجة‏.‏ مايراه صواب أراه خطأ والعكس صحيح‏.‏ وهو أيضا لايعترف أبدا بأنه مخطئ‏,‏ فيجب أن تنتهي أي مناقشة علي أنني أنا المخطئة لأنني المرأة ويجب أن أتحمله‏.‏

وبدأت أشعر إنني في سجن ولا يحق لي حتي أن أشعر أو أفكر بطريقتي الخاصة‏.‏ وقررت بعد أن أنجبت أنه لا خروج من هذا السجن من أجل أولادي وأنني يجب أن أعيش وخلاص‏,‏ حتي وإن لم أكن سعيدة داخل البيت أو بالتحديد مع زوجي‏.‏ وقررت أن آخذ سعادتي من مصادر أخري مثل متعتي بتربية الأطفال‏,‏ ونجاحي في عملي‏,‏ وأحمد الله أيضا كثيرا علي أنه رزقني حب الناس‏,‏ وقد كنت مثل كاتبة رسالة بعد هذا الحب لا أتخيل أبدا أن أكون في هذا المكان وأدمر حياة إمرأة أخري‏.‏ بل وكنت دائما ضد الزوجة الثانية وأراها ظالمة وأنانية مهما تكن الظروف ــ فالمبدأ مبدأ‏!‏ وربما يكون الله قد وضعني في هذا المكان حتي لا أصدر أحكاما مسبقة علي أحد بعد الآن ــ ولكنني دفعت ثمن هذا الدرس غاليا جدا‏.‏

فقد تعرفت منذ أعوام قليلة علي زميل لي في العمل وكان متزوجا حديثا ولم يكن قد أنجب بعد‏.‏ وشاءت ظروف العمل أن نعمل في نفس المشروع فأصبحنا نجتمع كثيرا في العمل‏,‏ وشيئا فشيئا تقربنا إنسانيا من بعض‏.‏ بدأ يشكو لي من زوجته وكيف أنها تركته بعد أول شهر من الزواج وذهبت للإقامة في بيت أهلها لأنها لاتقوي علي فراقهم‏,‏ وليس بسبب أي خلاف بينهما‏!‏ وبدأ يصفها لي بأنها قاسية وكيف أنه بدأ يشعر بأنها لاتحبه وأنها مدللة زيادة عن اللزوم‏.‏ وبدأ يحكي لي بعد أن أنجب كيف أنه محروم من الاستمتاع بطفله الوحيد ككل الآباء‏.‏ وعندما سألته هل تسئ معاملتها لهذا تركتك؟ قل لي أبدا‏.‏ علي العكس لقد تزوجنا عن قصة حب وأنا أعاملها بكل الحب والرومانسية ولكنني بدأت أكرهها بسبب تجاهلها لي وحرماني من إبني الوحيد‏.‏ وكانت عيناه تدمع وهو يحكي لي‏,‏ فأشعر بالتأثر لحاله وأشعر كم هو قريب مني في الشخصية‏.‏ فهو يخصني بما لايمكن أن يحكيه إلي المقربين منه فقط‏,‏ وبه كل الصفات التي طالما حلمت بها‏,‏ فهو حساس ولايخجل من أن يضعف أمامي‏.‏

وبدأت أحكي له أنا أيضا كم أنا غير سعيدة مع زوجي وأنني لا أشعر بأي مشاعر حب ناحيته رغم انني لا أكرهه‏.‏

وبدأ زميلي يفعل كل ما كان ينقصني مع زوجي من لفتات رومانسية رقيقة‏.‏ وبدأ يعبر لي عن آرائه الشديدة التحيز للمرأة‏,‏ وكيف أن الرجل يجب أن يعاملها بكل الرقة واللطف لأنها كائن رقيق وجميل‏,‏ ثم بعد سنة ونصف السنة من عملنا معا‏,‏ بدأ يقول لي كم يحبني وانه لم يعرف في حياته من هي مثلي في النقاء والبراءة‏!‏

وطبعا قال لي منذ أول يوم أنه يريد أن نجد حلا حتي نتزوج‏,‏ لأنني لست أنا التي يقبل لها أن تدخل في علاقة خاطئة تغضب الله‏.‏ بل وزاد أنه سيتزوجني أمام الجميع وسيخبر زوجته بين البقاء أو الرحيل والاختيار لها فهي ـ كما قال ـ تعلم أنها هي التي دفعته بعيدا عنها‏.‏

أعلم كم ترونني مخطئة إلي أقصي الدرجات‏.‏ أنا نفسي أري نفسي هكذا‏.‏ ولكني أقسم أنه كان غصبا عني‏.‏ أحاسيسي لم تكن بيدي‏.‏ لقد أهلني للدخول في هذه القصة معه قبلها بكثير‏,‏ ظل يرسم لنفسه صورة مثالية وملائكية حتي أنني أصبحت أراه توأم الروح الذي عادة لا نكون محظوظين بالشكل الكافي لكي نلتقي به في هذه الحياة‏.‏ قلت له لو تزوجنا لن يهمني أي أمر في الدنيا غيرك أنت وراحتك وسعادتك‏,‏ وإذا قاطعني كل الناس ونظروا لي بشكل سييء لأنني تزوجتك فلن يهمني مادمت أنت معي‏.‏

فالحياة السعيدة بالنسبة لي هي الحياة بقربك‏.‏ ولكن المشكلة التي بقيت هي كيف نتزوج دون أن أحرم من أطفالي؟ ووعدني بأنه سوف يجد الحل وصدقته‏!!‏ وطلب مني أن أبدأ بأن أواجه زوجي بأنني غير سعيدة معه حتي لا يفاجأ حين أطلب الطلاق‏.‏ وقد فعلت فعلا‏...‏ وعندها بدأ حبيبي يتغير للنقيض‏.‏ بدأت تظهر في حياته فتيات لا محل لهن من الإعراب‏!‏ وبدأت ألاحظ أنه أصبح في منتهي القسوة معي وبدأ يتهرب من الرد علي مكالماتي‏,‏ وعندما أواجهه بالتغير الذي طرأ عليه يقسو علي جدا في الرد‏.‏ ثم يقول بعدها أنا أحبك ولن أتركك الا عندما أموت ولكنني فقط مشغول جدا‏.‏

ولكن تصرفاته كانت تقول غير ذلك وبدأت ألجأ للمهدئات التي تهد جبالا وبدأت أنهار فأصبح يقول لي إني شكاكة وإنني أعاني من مشكلة نفسية‏.‏ إلي أن جاء في يوم وقال لي إن زوجته قد عرفت قصتنا من خلال الموبايل والرسائل‏.‏ وبصراحة لم أصدقه وقتها لأنه كان كثير الكذب علي‏.‏ وخصوصا أنه كان يقول لي انها لا تعيش معه في نفس المنزل وأنهما شبه منفصلين فكيف إذن؟؟ وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير وقلت له كفي‏...‏ أنا لم أخذ منك سوي الألم والمتاعب فوق متاعبي الأصلية وطبعا ما صدق‏!‏

ولك أن تتخيل كم تعذبت بعدها وكم بكيت وكم نمت وأغمضت عيني كل مساء وأنا أتمني ألا أفتحها ثانية‏.‏ ورغم أنني أعلم كم أغضبت الله إلا أنني دعوت له كثيرا وقمت لله كثيرا والناس نيام كي أطلب العفو والمغفرة‏.‏ وقلت يارب لم أعد أريد أن أحيا في دنيا فيها كل هذه القسوة‏.‏

وإلي الزوجة التي تأكدت بعد ما عانيت كم هي مظلومة أقول لها سامحيني‏..‏ لم أكن أتخيل أبدا أن أكون السبب في عذاب أي انسان في هذه الدنيا حتي وإن ظلمني‏,‏ فما بالك أنت التي لا أعرفك ولم تؤذني أبدا؟‏!‏ ولكني أنا أيضا ظلمت منه‏(‏ حتي وإن ساعدته علي ظلمي‏)‏ وأنا أتألم أكثر مما يتخيل أحد‏.‏

ولزوجي الذي لا يعلم ماذا حدث‏,‏ أرجوه أن يسامحني يوم العرض علي الله عز وجل‏,‏ اذا قبل توبتي وندمي علي ما فعلت‏!‏

*‏ سيدتي‏....‏ لو كنت حقيقة الطرف الثالث في رسالة بعد هذا الحب لزدت الأزمة أزمة‏..‏ فزوج صاحبة الرسالة جريمته في نظر زوجته‏,‏ أنه فكر في الارتباط بفتاة أخري‏,‏ فكيف يمكن أن تري الجريمة إذا فكر في الزواج من امرأة متزوجة؟‏....‏ لذا أعتقد وأدعو الله أن تكوني طرفا ثالثا في حكاية أخري مختلفة‏,‏ شاذة‏,.‏ مرفوضة دينيا وأخلاقيا‏,‏ وإن كانت حكايات الطرف الثالث عادة تتشابه في ظروفها وملابساتها‏,‏ فإن حكايتك تبدو مختلفة‏,‏ شائكة‏,‏ ومتداخلة‏.‏

فنحن أمام امرأة‏,‏ من بيت محترم‏,‏ اختارت من تتزوج به‏,‏ نعم ليس عن حب‏,‏ ولكن عن اقتناع واحترام‏..‏ زوجها طيب وكريم‏,‏ ساعدها علي النجاح في عملها‏,‏ ولكن عيوبه أنه عصبي‏,‏ تفلت الكلمات الجارحة من فمه‏,‏ وهو في فورة الغضب‏,‏ جاف‏,‏ لا يقول لها كلمات جميلة‏,‏ لذلك فهي الأخري قررت أن تشتري دماغها وتجعله منتصرا في كل المشادات بينهما‏,‏ ولإحساسها الشديد بالفراغ العاطفي‏,‏ فانها فتحت الأبواب والشبابيك لزميلها‏,‏ أستاذ القنص والغناء علي آذان النساء‏.‏

سيدتي‏...‏ دعينا من هذا الزوج الأخر‏,‏ الهارب من بيته‏,‏ صدقا أو كذبا‏,‏ لأنه برهن لك علي أنها اسطوانة مشروخة‏,‏ استخدمها معك‏,‏ حتي امتلكك وغيب عقلك‏,‏ وعند أول أزمة أو نزوة‏,‏ ألقي بك في عرض الحياة‏,‏ تاركا إياك تواجهين نفسك وخطاياك‏.‏

أقول لك دعينا من كل هذا وتعالي نفكر معا في فهمك لمعني الحب‏,‏ ومبررات الزواج‏,‏ لقد اخترت زوجك علي الرغم من معرفتك عيوبه في أثناء الخطبة‏,‏ بما يعني أنه يمتلك من الميزات ما يجعلك تتغاضين عن عيوبه‏,‏ أما عن الحب الذي افتقدته‏,‏ فهو صورة خيالية بعيدة تماما عن الزواج‏,‏ فالغرام والوله‏,‏ القلق والانتظار‏,‏ الشوق واللهفة‏,‏ كلها أشياء شاقة وممتعة‏,‏ قد تكون بين حبيبين قبل الزواج‏,‏ ولكن بعده تتحول هذه المشاعر إلي معان أخري أكثر هدوء واستقرارا وأمانا‏,‏ مثل المودة والرحمة والسكينة‏,‏ وهي معان أعمق وأشمل لمفهوم الحب‏,‏ قصدت القول بأن فهمك الخاطيء للحب في حالة الزواج‏,‏ وعدم إحساسك بهذه المشاعر قبل الزواج‏,‏ دفعاك إلي البحث عن هذه الحالة خارج البيت‏,‏ وقولك إنك لا تستطيعين الحياة بدون حب‏,‏ لا يعني أبدا أن تبحثي عنه بعيدا عن زوجك‏,‏ بل عليك أن تبذلي جهدا كبيرا لتفجير هذا الحب في البيت‏,‏ خاصة أنك تزوجت بمن أحبك‏,‏ فما الذي غيره؟‏...‏ هل هو إحساسه بأنك لم تحبه أبدا؟‏...‏ هل لأنك استرحت لفكرة الابتعاد وعدم الصدام‏,‏ بدلا من الحوار والإصرار علي إيجاد أجواء لحياة صحية؟‏...‏ لقد بذلت جهدا كبيرا للحفاظ علي شخص في إطار علا
قة محرمة‏,‏ وتحملت قسوته وعنفه‏,‏ واستعنت بالمهدئات للصبر عليه‏,‏ وزاد آلامك آلاما‏,‏ فعلت هذا مع إنسان خدعك‏,‏ وأخذ ما ليس له‏,‏ بكلمات معسولة‏,‏ وبعد أن فتحت له الأبواب‏,‏ وكشفت عن نقاط ضعفك ليدخل منها بكل يسر‏,‏ إنها كل البدايات التي تهييء الأجواء للشياطين‏,‏ فماذا لو فعلت كل ذلك مع زوجك؟‏..‏ لو فعلت يا سيدتي لحصدت حبا‏,‏ هذا الحب الذي تمنيته وحلمت به‏,‏ ولكننا دائما لا نري السعادة التي بين أيدينا ونشك أنها دائما مختبئة في الأشواك‏,‏ إنها خطيئة سيدنا آدم التي هبطت به إلي الأرض ولكننا لن نتعلم الدرس‏.‏

لا يهمني الحديث عن زوج السيدة الأولي‏,‏ فوصفك له ولخطته التقليدية يكفي للحكم عليه‏,‏ وعلي أمثاله‏,‏ ولكن يهمني أيضا أن أقف أمام زوجك‏,‏ فليس معني كلماتي السابقة القاسية عليك‏,‏ أني أتفق أو أري تصرفات زوجك طبيعية‏,‏ فالدرس الواضح‏,‏ ليس هناك أصعب علي المرأة من القسوة والكلمات الجارحة‏,‏ وليس هناك باب ملكي إلي قلب وعقل المرأة أوسع من أذنيها‏,‏ وما أحلي كلمة جميلة‏,‏ وطبطبة دافئة آمنة علي كتف النصف الحلو‏,‏ أم الأولاد‏,‏ بعض الرجال يرون الكلمة الحلوة ضعفا‏,‏ والحنان انهزاما‏,‏ يبخلون بكل شيء جميل علي زوجاتهم‏,‏ فيما يفيضون عطفا ورقة وتهذيبا مع امرأة أخري لم تقع فريسة بين أنيابهم‏.‏

بعض الرجال يعتقدون أن توفير حياة كريمة ميسرة للزوجة يكفي ويعطيهم حق التسلط والإهانة‏,‏ ويغيب عنهم أن الكلمة الحلوة صدقة تزيل الغشاوة من علي القلوب والأبصار‏.‏

الخيانة مرفوضة في كل الحالات‏,‏ وليس لها ما يبررها‏,‏ وعلي الإنسان ألا يضع نفسه علي مشارفها‏,‏ والقسوة أيضا مرفوضة‏,‏ فإذا لم نستطع أن نمنع أنفسنا من البحث عن حب آخر‏,‏ أن نسير في طريق الخيانة‏,‏ وإذا كانت القسوة والجفاء والإهمال هي الوجه المستمر للحياة‏,‏ فإن الطلاق هنا‏,‏ أكرم وأشرف للطرفين‏,‏ حفظكم الله بعيدا عن أبغض الحلال‏,‏ وقر عيونكم‏,‏ ونفر بينكم وبين الحرام‏,‏ وغفر لكم ولنا ما تقدم من ذنب وما تأخر‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏

‏baridelgomaa@ahram.org.eg
المزيد ....

كابوس المعصية

07-12-2007
‏‏*‏ داهمني بريدكم الموقر يوم الجمعة الموافق‏11/23‏ برسالتين أفقتا مضجعي واطارتا النوم من عيني طيلة ليلة كاملة‏,‏ وكانت تسبقها ليال كثيرة علي شاكلتها ولكنها هذه المرة كانت أشد قسوة‏.‏

*‏ كانت الرسالة الأولي عن الممرضة التي وثق فيها الطبيب الذي كانت تعمل لديه‏,‏ فكانت تأخذ منه دون علمه مبالغ مالية كبيرة‏,‏ وتقول كيف اقتص منها القدر فأنفقت كل ما هو حرام علي فلذة كبدها حتي وافته المنية بعد مرض مرير وعلي مرضها النفسي‏,‏ والثانية عن السيدة التي أغواها الشيطان وزين لها طريق الخطيئة‏,‏ فوقعت في الوحل وهي نادمة أشد الندم علي ما اقترفته في حق زوجها‏.‏

*‏ وكم تألمت يا سيدي وأنا اقرأ الرسالة الأولي وأنا ارتجف وأبكي خوفا وفزعا‏..‏ وكم تزايد هلعي وأنا اقرأ بعدها بلحظات الرسالة الثانية‏..‏ إن رسالة واحدة منهما كانت كفيلة بتفجير البركان الكامن داخلي‏..‏ فما بال لو تجمعتا معا وقرأتهما تباعا؟‏.‏

*‏ فأنا يا سيدي‏,‏ امرأة لا تستحق أن تنتمي لجنس بني آدم‏..‏ ذلك الإنسان الذي أكرمه الله وأحسن خلقه‏,‏ وجعله في الأرض ليعمرها وليعبده‏..‏ فأنا سيدة قد أحكم الشيطان شباكه عليها في فترة من فترات حياتها‏..‏ فسقطت فريسة بين يديه دون أدني مقاومة منها‏,‏ ودون أدني مجهود منه‏,‏ وكأنها حيوان فاقد لنعمة العقل الذي ميز به الإنسان علي سائر المخلوقات‏.‏

*‏ فأنا ـ ويا ليتني كنت لست أنا ـ قد مرت بحياتي فترة سوداء‏,‏ أتمني الآن ألا أكون قد عشتها أو أتمني لو أنني مت قبلها‏,‏ وأتمني وأترجي وأتذلل وأتوسل لربي الرحيم الغفور ألا يميتني إلا بعد أن يكون قد غفر لي‏.‏

*‏ لن أطيل عليك يا سيدي‏,‏ فأنا زوجة لرجل فاضل‏,‏ حباني الله به‏,‏ فقلما تتجمع الصفات الحسنة في شخص واحد ولكن بفضل الله قد تجمع به كل ما هو حسن وجميل‏,‏ وأحمد ربي الآن عليه ليلا ونهارا واستغفره وأطلب صفحه وعفوه ألف مرة في اليوم قياما وقعودا ونياما ومع كل شهيق وزفير‏..‏ ولكن في هذه الفترة السوداء ـ التي أتمني أن تمسح من سجل حياتي وأتمني أن تكون مجرد كابوس أظنه حقيقة ـ لم أشكر الله علي هذه الهبة‏,‏ علي هذا الزوج الذي وهبني إياه فلم أصن عرضه ولا ماله‏.‏

كيف فعلت ذلك؟ ولماذا؟ وما المدخل الذي دخل منه ذلك الإبليس اللعين لكي يجرني لهذا الجرم؟ كيف تمكن مني؟ كيف ذهب بعقلي؟ حقيقة‏,‏ لا أدري‏!!‏ فكأنما قد حولني بين مخالبه إلي شخص آخر يسيطر عليه ويحركه بالريموت كنترول فأنا لا أبرر أخطائي ولا أهون منها ولكنني أتعجب وكلي حسرة وندم وخوف وهلع علي ما فعلته‏.‏

في هذه الفترة‏,‏ وهي من نحو خمسة أعوام‏,‏ أخذت مبلغا كبيرا من المال من زوجي دون علمه‏,‏ علما بأنني ـ من العجب ومما سيثير سخطك واشمئزاز ونفور قرائك ـ لم أكن بحاجة إليه‏,‏ وعلما بأنني ـ يا للحقارة والخسة ـ لو كنت طلبته منه صراحة لكان أعطاه لي طواعية عن حب ورضا‏..‏ فلماذا فعلت ذلك؟ لا أعرف‏..‏ لا أجد عندي أي مبرر لما حدث‏.‏

وليت هذا اللعين الوسواس الخبيث قد اكتفي مني بهذا القدر‏,‏ ولكن في فترة متزامنة لهذه الواقعة‏,‏ أوقعني خبثه وحيلته في براثن زميل بالعمل فتلطخت بوحل الخطيئة‏..‏ لماذا فعلت ذلك؟ وكيف وصلت لهذا المستوي المتدني؟ لا أعلم‏!!‏ وكأنني قد تحولت إلي حيوان مغيب‏,‏ فاقد الإدراك‏,‏ فاقد الآدمية‏.‏

لن أثير غضبك وسخطك علي أكثر من ذلك بتفاصيل مشينة خلال هذه الفترة‏..‏ ولكنني الآن نادمة‏,‏ نادمة‏,‏ نادمة‏,‏ نادمة‏,‏ نادمة بعدد شعر رأسي‏,‏ بعدد خلق الله بعدد نعم ربي التي لا تحصي‏,‏ أحاول جاهدة بكل ما أوتيت من قوة وبفضل الله وعونه أن أكفر عن خطاياي قدر استطاعتي وذلك بالصوم والصلاة والاستغفار وقراءة وحفظ القرآن وطلب شفاعة سيدنا المصطفي عليه أفضل الصلاة والسلام‏,‏ وقد نذرت لله صيام ثلاثة أشهر متتالية‏,‏ فاستطعت بعونه أن أصوم قرابة أربعة أشهر متتالية لم أفطر خلالها يوما واحدا دون عذر‏,‏ ونويت حج بيت الله هذا العام‏,‏ ولكنه لم يأذن لي بعد‏,‏ ولكنني أتمني أن يمهلني عمرا ويأذن لي بزيارة بيته الحرام في العام المقبل حتي أطلب عفوه وشفاعة نبيه في كل لحظات وجودي هناك‏.‏

أما المبلغ الذي كنت قد أخذته من زوجي‏,‏ فأنا أحاول بشتي الطرق أن أرده إليه في صورة شراء احتياجات شخصية له لم يطلبها‏,‏ وقد وضعت أكثر من ثلاثة أضعاف هذا المبلغ باسم أولادنا لإبراء ذمتي منه‏,‏ وفكرت كثيرا في الاعتراف له بذنوبي وارجاع المبلغ له‏,‏ ولكنني تراجعت لعلمي ان ذلك معناه نهاية الحياة بيننا ولعلمي أن الله قد سترني فهل افضح نفسي؟ ولجأت إلي الاستغفار والتقرب إلي الله‏..‏ فهل هذا يكفي؟ أرجوك واستحلفك بالله‏..‏ أن تستفتي أهل الدين هل لي من توبة؟ هل يقبل الله توبة مرتكب الكبائر؟ هل لي طريق آخر أسلكه للتقرب أكثر من الله؟ هل يفضحني الله أمام زوجي يوم القيامة بعد أن سترني في الدنيا‏,‏ أم انه سترني في الدنيا وسيسترني في الآخرة؟

وأخيرا هل ستبخل علي بالدعاء أن يغفر لي الله؟ أم أنك ستقول انها لا تستحق وحقيقة أنا اعرف في قرارة نفسي أني لا استحق ولكن كلي أمل ورجاء ألا تبخل علي أنت وقراؤك‏,‏ واستحلفكم بالغفور الرحيم ألا تبخلوا بالدعاء لأخت لكم في الإسلام تابت وندمت وهي الآن تتعذب وتحترق خيفة الموت‏,‏ ليس من الموت ذاته‏,‏ فهو علينا حق‏,‏ ولكن من الرعب أن يقبضها الله وهو لم يغفر لها‏,‏ أرجو جوابا من رجال الدين‏..‏ أرجوكم لا تضنوا علي‏..‏ أرجوكم ساعدوني‏,‏ استحلفكم بالله أمد يدي إليكم فلا ترفضوها‏.‏

{‏ سيدتي‏..‏ وصلني من رسالتك‏20‏ نسخة مرسلة من مكاتب بريد مختلفة‏,‏ وهذا ما دفعني إلي نشرها‏,‏ علي الرغم من قراري بالتوقف ـ مؤقتا ـ عن نشر رسائل الخيانة‏,‏ والتي يصلني منها الكثير‏,‏ رجالا ونساء‏,‏ وإن كان الرجال يذكرون الخيانة عرضا في رسائلهم‏,‏ بدون التوقف كثيرا أمام تلك الخطيئة الكبري التي يرتكبونها‏,‏ بينما تمتلئ رسائل النساء بالحسرة والندم‏,‏ وهذا الأمر يستلزم مزيدا من البحث والدراسة‏,‏ لماذا تفشت الخيانة الزوجية في المجتمعات العربية؟ وكيف ينجح الشيطان في الإيقاع بكل سهولة ببني آدم داخل هذا المستنقع؟

عودة مرة أخري إلي رسالتك الدامية‏,‏ أقول لك هوني علي نفسك‏,‏ سندعو لك بالثبات والمغفرة‏,‏ وندعوك أيضا للدعاء لنا‏,‏ فكما قال النبي عيسي بن مريم عليهما السلام من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر‏,‏ ولا أحد يدري من ستقبل توبته‏,‏ ومن سترد في وجهه إذا لم يكن صادقا‏.‏

لن أوجه لك أي لوم‏,‏ فأنت أدري مني بحجم الجرم الذي ارتكبته‏,‏ تعاقبين نفسك عليه في كل لحظة‏,‏ وتبت إلي الله ندعوه سبحانه وتعالي أن تكون مقبولة‏,‏ وتحول سيئاتك إلي حسنات بإذنه وحده‏.‏

سيدتي‏..‏ حتي يرتاح قلبك‏,‏ عرضت أسئلتك علي فضيلة الشيخ الدكتور أسامة السيد محمود المدرس بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف‏,‏ فأجابني بالآتي‏:‏ نعم لك توبة‏,‏ وفوق ما تتصورين‏,‏ لأن الله كريم يقبل توبة المذنب مع أول خاطر بالتوبة‏,‏ أليس هو سبحانه وتعالي القائل في سورة النساء إنما التوبة علي الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب‏,‏ فأولئك يتوب الله عليهم‏.‏

يغفر الله ذنوب العباد صغرت أو كبرت مادام العبد تاب توبة صادقة ولم يمت وهو مصر علي الذنب‏,‏ وليس عليك أكثر مما تفعلينه للتكفير عن ذنبك‏,‏ ولا تعترفي لزوجك بما حدث‏,‏ لأن رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم يقول في حديث شريف من أذنب سرا فليتب سرا‏,‏ ومن أذنب علانية فليتب علانية‏.‏

أما سؤالك‏:‏ هل يفضح الله عبده يوم القيامة بعد أن ستره في الدنيا؟ فيجيب الشيخ أسامة بأنه بعد التوبة الصادقة‏,‏ لا توجد تبعات يوم القيامة‏,‏ بل يبدل الله السيئات حسنات إذا ما استقام العبد علي التوبة‏,‏ كما وعدنا بذلك في كتابه الحكيم‏:‏ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما‏.‏

فليهدأ وليهنأ قلبك ـ سيدتي ـ لتتفرغي لعبادة ربك والإحسان إلي زوجك ورعاية أبنائك‏,‏ وليكن في إحساسك بالذل والهوان درسا لمن يسلم قياده إلي وسوسة الشيطان واغراءاته‏,‏ فمتعة المعصية لا تدوم إلا لحظات‏,‏ أما مشقة الطاعة فلها حلاوة تدوم أبدا‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

المرأة الأخري

30-11-2007
علي مدي الأسابيع الماضية‏,‏ وخلال عمر هذا البريد‏,‏ نشرت رسائل عديدة لزوجات يصرخن ويتألمن لأن أزواجهن يفكرون أو يبحثون أو يتزوجون بامرأة أخري‏,‏ أو لأزواج يرون احتياجهم إلي تلك الأخري حتي ولو لم يكن لديهم أي مشكلات مع زوجاتهم‏,‏ كان صوت الزوجة الأولي دائما هو الحاضر المكثف في تلك الرسائل‏,‏ بينما تغيب تلك الأخري‏,‏ لأسباب مختلفة‏,‏ قد يكون هذا الغياب خجلا‏,‏ وإحساسا بأن ما فعلته مدان من المجتمع‏,‏ أو إحساسا بأن هذا حقها الذي لا يقبل المناقشة

وهذا الأسبوع تلقيت رسالتين من تلك الأخري المرأة الثانية‏,‏ الأولي تكشف بتجربتها كيف استدرجت من أستاذها الرجل المتزوج‏,‏ فنجح في تغييب عقلها وضميرها وقتا طويلا حتي أفاقت ورفضت أن تبني سعادتها علي أنقاض أسرة أخري‏,‏ حتي جنت ثمار اختيارها الصحيح‏,‏ أما الثانية فقد أكملت اختيارها‏,‏ وقررت منح نفسها حق السعادة حتي لو كانت مؤقتة ولن تستمر‏.‏

إنهما وجهتا نظر‏,‏ قد تختلف أو تتفق مع أحدهما‏,‏ ولكنهما تعكسان بوضوح‏,‏ وضع وطريقة تفكير امرأة أخري‏,‏ دائما متهمة‏..‏ دائما مدانة‏!.‏

المحـــــــرر
المزيد ....

سـن اليأس

23-11-2007
لا أدري من أين أبدأ‏,‏ لم تأتني الجرأة من قبل لكي أكتب إليك إلا هذه اللحظة حيث وصل بي الألم إلي ذروته‏.‏ فأنا ممن يعشقون هذا الباب ولكن لم أكن أعرف أنني سأكون واحدة ممن يكتبون إليك‏.‏

أعرف جيدا حكمك علي‏,‏ ولا ألومك ولكني أحتاج إلي من يرشدني إلي وسيلة لعقاب النفس حتي تهدأ ويرتاح الضمير‏,‏ وأنا علي ثقة بأنه لن يرتاح الضمير لأن عقاب الله ينتظرني ولكن لم أيأس من رحمة الله فإنه يغفر الذنوب‏.‏

لا أدري من أين أبدأ‏,‏ لم تأتني الجرأة من قبل لكي أكتب إليك إلا هذه اللحظة حيث وصل بي الألم إلي ذروته‏.‏ فأنا ممن يعشقون هذا الباب ولكن لم أكن أعرف أنني سأكون واحدة ممن يكتبون إليك‏.‏

أعرف جيدا حكمك علي‏,‏ ولا ألومك ولكني أحتاج إلي من يرشدني إلي وسيلة لعقاب النفس حتي تهدأ ويرتاح الضمير‏,‏ وأنا علي ثقة بأنه لن يرتاح الضمير لأن عقاب الله ينتظرني ولكن لم أيأس من رحمة الله فإنه يغفر الذنوب‏.‏

أنا يا سيدي زوجة في الثلاثين من عمري تزوجت منذ تسع سنوات لم أكن أعرف معني الحب إلا في قصصي التي كنت أكتبها تمنيت أن أعيش قصة حب فعشتها علي الورق‏,‏ فتربيتي منذ الصغر حرمت علي التعامل مع الرجال فتخرجت في الجامعة وأنا أتمني أن أقابل من يحبني وأحبه‏,‏ ولكن خوفي من أسرتي جعلني ابتعد كل البعد عن الرجال فأنا رومانسية إلي أبعد درجة واجتماعية بشكل مفرط وذلك كلما أتيحت لي الفرصة‏,‏ إلي أن تقدم لي شخص فيه صفات الزوج المناسب فوافقت علي الفور وأحببته قبل أن أراه لأني كنت في حالة من اللهفة حتي أفرغ كم الحب الذي بداخلي تجاه أي شخص ارتبط به‏,‏ امتلأت أركان بيتي بهذا الحب ومرت السنون بي وأنا في حالة من السعادة لأنني شعرت بالاستقلال عن أسرتي التي كانت دائما تحجم علاقتي بالناس وتحرم تعاملي معهم‏..‏

ولم ينغص علي حياتي إلا أنني أكتشفت أن زوجي غير قادر علي الانجاب وهذه هي مشيئة الله‏,‏ لم اعترض عليها وتعاملت مع هذه الأزمة في البداية بكل قوة وشجاعة ولم أشعر زوجي ولو للحظة بأني في حاجة إلي الإنجاب فتعلق بي كثيرا وكنت أنا كل حياته حيث لا يستطيع العيش بدوني ولكن يا سيدي الفاضل لم تدم هذه السعادة حيث بدأت الأفكار تراودني وبدأت أشعر بالوحدة كلما مرت سنة من عمري‏,‏ إلي أن أتممت الخامسة والثلاثين من عمري شعرت بعدها بأني اقتربت من السن التي لا تستطيع فيه المرأة الانجاب‏,‏ انقلب كياني وبدأت أفتعل المشكلات‏,‏ كل هذا وأنا غير راضية عن نفسي وطلبت الطلاق أكثر من مرة ولكني سرعان ما أشعر بمدي احتياج زوجي إلي ولمعرفتي أن حياته ستهدم إذا انفصلنا‏,‏ ولكن يا سيدي الوحدة كانت تدمر حياتي حيث إن زوجي يتغيب لساعات كثيرة عن البيت فبدأت أشغل نفسي بحفظ القرآن والذهاب لحضور دروس دينية‏,‏ ولكن ذلك لم يكف‏,‏ فشبح سن اليأس يطاردني وبدأت أعيش حياة غير حياتي تغيرت المفاهيم لدي بعدما كنت رمزا للهدوء والطاعة حتي بين زملائي في العمل‏.‏ بدأت أعيش كمراهقة صغيرة‏.‏

وتعرفت علي شخص عن طريق المحمول بالمصادفة لا أعرفه ولا يعرفني فقد كان الاتصال عن طريق الخطأ ولكن بدأ الكلام بيننا يأخذ منحي آخر و‏..‏ أصبحنا لا نستطيع أن يمر يوم دون أن نتحدث مع بعضنا‏,‏ تحدثت معه عن كل حياتي وهو أيضا حكي لي كل ظروفه وحياته فوجدت فيه من يشغل وحدتي وفراغي ولم أعد أفكر في شيء سوي الحديث معه‏,‏ كان كلامه معي بمثابة المخدر الذي يسكن آلامي ووجدت نفسي أحبه كما أحبني والعجيب في الأمر أن حياتي بدأت تستقر مع زوجي فلم أعد أفكر في الانجاب

حيث جعلني هذا الرجل أفكر كيف أعيش اللحظات الجميلة فقط‏.‏ ظلت علاقتنا شهورا عديدة علي التليفون وهو لم يرني حيث كان في بلد غير الذي أسكن به أصبح شيئا اساسيا في حياتي لا استطيع النوم إلا إذا تكلمت معه‏,‏ ولكن كلما تعلقت به أقرر الابتعاد عنه‏,‏ فكان عذابي يزداد يوما بعد يوم فخوفي من الله كان يلازمني في كل حين‏,‏ ابتعدت عنه كثيرا ولكن سرعان ما أعود إليه بشوق أكثر من ذي قبل‏,‏ كنت أصلي كثيرا وأدعو الله أن يباعد بيني وبينه‏,‏ لكن ما استطعت حتي جاءت الفرصة للقائنا لم أكن أعرف ماذا أفعل شعرت بأن الأرض ترتجف من تحتي كأنني فتاة مراهقة تقابل محبوبها الذي غاب عنها طويلا وهو كذلك‏

لم يتمالك نفسه عندما رآني‏,‏ تكررت لقاءاتنا وأخطأت معه ويعلم الله أني لم أكن أتصور أني في يوم من الأيام سأرتكب مثل هذا الذنب العظيم‏,‏ لم أدرك مدي فظاعة هذا الجرم إلا بعدما ارتكبته‏,‏ ولولا أن الله سترني لكنت طلبت أن يقام علي الحد حتي أشعر بأني تبت توبة نصوحا‏.‏ أدعو الله أن يغفر لي هذا الذنب وأنا علي أمل أنه سبحانه وتعالي سيرحمني‏.‏

ولكن يا سيدي الفاضل عذابي الأكبر هو عذاب ضميري بعدما فرطت في حق زوجي‏,‏ أشعر في كل لحظة بأني لا أستحق العيش معه‏,‏ ولذلك لا أطلب منك أن تقسو علي لأنه لا جدوي من القسوة‏,‏ لأني لا استطيع أن أغمض عيني من شدة ما أنا فيه من العذاب‏.‏ أريد يا سيدي أن أعاقب نفسي حتي أرد لهذا الزوج اعتباره ماذا أفعل بالله عليك ؟ هل أطلب الطلاق حتي أطرد من جنته التي فرطت فيها بعبثي واستهتاري أم أصارحه وأتركه يفعل بي ما يشاء؟ علما بأنني جربت الانتحار ولكن فشلت المحاولة‏,‏ أرجوك لاأريد ردا عاديا تعدد فيه عيوبي فأنا أعرفها جيدا علي الرغم من أن الناس يشهدون لي بالالتزام والوداعة كلما تعاملت مع الآخرين بكل احترام وحب‏,‏ أريد أن أصارحهم بأني لست كذلك وأنا لا استحق هذا الحب‏..‏ أرجوك يا سيدي هل الطلاق هو الحل الوحيد لعقاب النفس أم لا؟‏.‏

*‏ سيدتي‏...‏ لن أقسو عليك ولن أواجهك بعيوبك أو بخطيئتك‏,‏ فرسالتك تكشف الحال الذي وصلت اليه من احساس بالذنب وعذاب الضمير الذي سرق هناءك واستقرارك‏,‏ بعدما فرطت في سعادتك التي كانت سهلة ومتاحة بين يديك‏,‏ واتكأت كذبا ووهما علي ما سميته سن اليأس لتعيشي كمراهقة صغيرة وتستسلمين لمغامرة محفوفة بالمخاطر من خلال مكالمة خاطئة تقودك في النهاية إلي وحل الخطيئة‏.‏

سيدتي‏...‏ تعالي نؤجل الإجابة عن أسئلتك‏,‏ حتي نفهم ما الذي يقود امرأة فاضلة ـ تؤدي فروضها وتحفظ القرآن وتحرص علي حضور الدروس الدينية ـ الي هذا الطريق المظلم‏..‏ هل هو فعلا إحساسك باليأس من الإنجاب‏,‏ أم أنه الفراغ الذي تركه غياب زوجك الطويل عن البيت؟

إن خطيئتك بدأت ياسيدتي عندما قررت الاستمرار في علاقتك الزوجية مع رغبتك الملحة في الإنجاب‏,‏ وإحساسك المفزع بالعمر‏,‏ علي الرغم من انك لم تصلي بعد إلي ما اسميته سن اليأس‏,‏ فمازال احتمال حملك وارد إذا أراد الله سبحانه وتعالي أن يرزقكما بالأبناء‏,‏ فمن هم في مثل حالتك نساء ورجالا إما أن يقبلوا ويرضوا بما قسمه الله لهم‏,‏ قانعين بالسعادة التي من بها عليهم‏,‏ مخلصين لشريك الحياة‏,‏ وإما أن يسعوا الي الطريق الثاني‏,‏ بالانفصال بالمعروف دون إيذاء أو ضرر لشريكهم‏,‏ بحثا عن فرصة مع شخص آخر‏.‏

ولو خير أي رجل‏,‏ في مثل وضع زوجك‏,‏ بين الانفصال عن حبيبته وشريكة حياته وبين أن تخونه‏,‏ لاختار بلا تردد الخيار الأول‏.‏

ولكنك سيدتي ـ لم تدعي له خيارا‏,‏ قبلت الاستمرار معه‏,‏ وسمحت لنفسك بخيانته‏,‏ وكأن هذا ثمن استمرارك معه‏,‏ فعلاقتك بهذا الرجل لم تحل مشكلتك الأساسية وهي عدم الإنجاب‏,‏ ولكن الحقيقة التي يجب عليك مواجهتها انك كنت ضعيفة الإيمان‏,‏ فلم يملأ قلبك‏,‏ وحاصرك الفراغ‏,‏ وبدلا من أن تطلبي من زوجك الطيب مزيدا من الاهتمام أو البحث عن وقت أطول يجمعكما‏,‏ استسلمت لمغامرة طارئة‏,‏ ممنية نفسك بمكالمات دافئة يرعاها الشيطان‏,‏ ويقودك خطوة خطوة الي طريق السقوط‏.‏

إن الله لم ينهانا عن الزنا‏,‏ ولكنه سبحانه وتعالي نهانا عن الاقتراب منه‏,‏ عن الابتعاد عن المقدمات التي تقود اليه‏,‏ فنحن بشر يغلبنا الضعف‏,‏ ولكن الشيطان يوحي إلينا بأنها مكالمات نشغل بها وقتنا‏,‏ تمنعنا وتوهمنا بالشبع‏,‏ فنؤكد لأنفسنا عشرات المرات‏,‏ إن الأمور لن تزيد علي هذا الحد‏,‏ ولا نفيق إلا ونحن غرقي في الخطيئة‏,‏ انها لعبة الشيطان المتكررة منذ بدء الخليقة‏,‏ هو لم ييأس‏,‏ ونحن لم نتعلم الدرس من أبينا آدم وأمنا حواء‏.‏

لكل هذا ياسيدتي لن يهدأ قلبك ويرتاح ضميرك‏,‏ إلا إذا تبت توبة صادقة‏,‏ يتقبلها الله فيغفر لك ويتوب عليك مما أنت فيه‏.‏

أما عن زوجك فليس من الحكمة أبدا أن تعترفي له بما ارتكبت في حقه وحق نفسك‏,‏ لقد سترك الله‏,‏ فلا تهتكي سترك‏,‏ ولا تفكري الا في إسعاد زوجك والرضا بما قسمه الله لك‏.‏

ولأننا بشر‏,‏ قد تستقيم بك الحياة وتمر عليك الأيام‏,‏ فتنسين كما ينسي البشر خطاياهم‏,‏ ويعاودك الاحساس بالوحدة وبالعمر‏,‏ وقتها لاتضعي نفسك فريسة للشيطان ولمغامرة أخري تحت أي مسمي‏,‏ وسارعي بطلب الطلاق‏,‏ واختاري الطريق الذي يناسبك دون إيذاء أو ألم لشريك حياتك الذي أحبك وأخلص لك ولم يكن له أي ذنب فيما حرمت منه‏.‏

غفر الله لك وهداك وتاب عليك بإذنه وحده الرحمن الرحيم التواب الغفور‏.‏

وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

بعد هذا الحب

16-11-2007
أنا من أسرة كريمة من الطبقة المتوسطة واخوتي من خريجي كليات القمة وانا خريجة احدي كليات القمة وعلي قدر كبير من الجمال بشهادة الجميع كما اني والحمد لله علي قدر اكبر من الالتزام الديني والاخلاقي فانا ولله الحمد اتقي الله في كل تصرف والجميع يعلم عني ذلك فقد كان كل من حولي يحلف بأخلاقي وأدبي وبجمالي ايضا‏.‏

ومنذ كنت في السادسة عشر وانا يتقدم لي العرسان وجميعهم كانوا علي خلق ودين ومستوي مادي واجتماعي عال‏.‏

الا اني كنت افضل ان اتزوج زوجا يحبني حبا كبيرا يحافظ علي وعلي مشاعري وكان هذا شرطي الأول في زوج المستقبل‏.‏ وبالفعل تقابلنا‏.‏ كان يحبني دون ان ادري وكانت مواصفاته العامة من الممكن ان اقول إنها مناسبة وان كان اقل مني في بعض الأشياء مثل المستوي الاجتماعي والالتزام الديني‏,‏ ولكنه كان خريج كلية قمة وكان طموحا إلي أبعد حد كما كان يحبني حبا عظيما حتي أنه كان يبكي أمامي كالأطفال‏,‏ كلما شعر انني من الممكن ان أضيع من بين يديه لأن ظروفه المادية غير مناسبة‏.‏ فأسرته لم تكن تستطيع أن تساعده في احتياجات الزواج وعندما عرفته كان دخله الشهري لا يزيد علي‏300‏ جنيه‏,‏ ولكنني تمسكت به وشجعته لما شعرت به من حبه وتمسكه بي واقنعت اهلي به كما انهم رأوا فيه رجلا محترما يمكن الاعتماد عليه‏.‏

وبالفعل نحت حبيبي في الصخر كي نتزوج واخذ يعمل ما يقرب من‏20‏ ساعة في اليوم حتي نتزوج وكان شرطي له ان يكون اكثر التزاما دينيا وبالفعل وجدته يتغير من اجلي وبدأنا في بناء بيتنا الصغير‏.‏

كنت اساعده في كل شيء‏..‏ ساعدته في البحث عن شقة مناسبة لإمكانياته حتي ولو لم تكن مناسبة لي ولطموحي واشتريناها‏.‏ كنت أقف مع العمال بدلا منه لتجهيز هذه الشقة وكنت اساعده من دخلي دون ان يدري أحد من أهلي وكان هو يقدر لي ذلك‏.‏

وظللنا هكذا اكثر من ثلاث سنوات حتي تزوجنا منذ أكثر من أربع سنوات بعد أن اجتهدنا وحفرنا في الصخر كما يقولون‏.‏

في بداية الزواج كان علينا ديون كثيرة بعد ما عانيناه من فرش الشقة وتجهيزها علي الرغم من اننا اكتفينا في الفرح بان خرجنا انا وهو فقط إلي مطعم راق وكنت مقتنعة ان فرحتي بزواجي اهم من اي فرح أو فستان زفاف أو أي شيء آخر‏.‏

وبعد الزواج فتح الله علينا فانتقل زوجي من وظيفة لأخري وبفضل تفوقه وطموحه ـ وايضا بفضل وقوفي بجواره ومساعدته في البحث عن الوظيفة المناسبة ـ استقر به الحال الآن في وظيفة رائعة يحلم بها الكثير من الشباب في مثل سنه وبراتب اكثر من عشرة اضعاف مرتبه الأول‏.‏

وكنت اقف بجواره في كل خطوة واشجعه علي الدراسة والتفوق حتي استقرت بنا الحياة وسددنا كل ديوننا واصبحنا ـ والحمد لله ـ نحيا حياة سعيدة يكللها وجود طفلتي الجميلة التي اصبحت كل حياتنا‏.‏

ولكنني قصصت لك يا سيدي قصتي حتي تعرف مدي ما انا فيه الآن من ألم‏.‏

فقد اكتشفت وبعد قصة حبي هذه ان زوجي وحبيبي واعز شخص علي قلبي يريد ان يتزوج علي من اخري‏.‏

فعن طريق المصادفة قرأت رسالة علي هاتفه المحمول من زميلة له في العمل تسأل حبيبها الذي هو زوجي متي سوف يؤسس عش الزوجية لهما لأنها علي حد قولها اصبحت لا تستطيع ان تحيا بدونه‏.‏ وقد الجمتني الصدمة‏,‏ بعد كل ما فعلته من اجله‏.‏

وبعد كل ما عانينا معا‏,‏ من حقه الآن بعد أن أصبحت ظروفه مناسبة ولم تعد عليه ديون واصبح دخله يحلم به كل شاب في سنه ان يتزوج من أخري‏.‏

اكتب الآن إليك يا سيدي ودموعي تتساقط‏..‏ فأنا إلي الآن لا أدري كيف فعل بي هذا؟

وماذا كان ينقصه بعدما تحملته من اجله حتي يفعل بي ذلك؟

المهم عندما عرفت بذلك واجهته بما عرفت وخيرته بيني وبين هذه الأخري‏,‏ فانهار وقال لي إنني حبيبته الوحيدة وان الأخري هذه لا تمثل لي سوي رغبة في الزواج من اخري وحسب‏.‏

وقال لي إن العيب فيه هو وليس في تقصير مني‏,‏ وانه شعر انه يريد أن يتزوج من اخري فقط للتغيير في حياته‏.‏

بصراحة كنت انوي ان اطلب الطلاق‏.‏ فأنا علي الرغم من اني مازالت احبه‏,‏ إلا أنني لم اعد اثق به‏,‏ ولكنني تراجعت من اجل ابنتي الوحيدة‏.‏

والآن هو يحاول بكل ما يستطيع ان ينسيني هذا الموقف النزوة علي حد تعبيره ولكني لا أستطيع‏,‏ فقد جرحت في الصميم‏,‏ ولا ادري هل من حق الرجل ان يتزوج من أخري طالما انه مقتدر علي ذلك؟

اسألك ورجال الدين‏:‏ احق الرجل في الزواج من اخري مفتوح لتلك الدرجة؟

فهي الكلمة التي يحب الرجال دائما ترديدها وهي ان الدين اباح الزواج بأكثر من واحدة دون ان يكون هناك أي اسباب‏,‏ فهل الدين في مثل حالتي هذه وبعد كل ما قدمته لزوجي بشهادة الجميع يعطيه الحق في هذا؟

وهل يبارك الله زواجا بني علي مشاعر واحاسيس زوجة لم ترتكب خطأ واحدا في حق زوجها منذ ان عرفته منذ ما يقرب من عشر سنوات؟

فأنا من وجهة نظري انه خائن لي‏,‏ خيانة مشاعر علي الأقل‏,‏ فكيف يقول لي انه يحبني ويقول للأخري ذلك؟ كما أني اتساءل‏:‏ هل هذه الأخري التي كانت تعلم ان زوجي متزوج وله طفلة كيف سمح لها ضميرها بذلك؟ فأنا لا أتصور ان افعل هذا بأحد‏.‏

انا فقط اردت ان احكي لك ما لم اصرح به لأعز الناس لدي ولم اقل لوالدي ووالدتي لانهما لم يكونا ليرضوا أن احيا معه لحظة واحدة لمجرد تفكيره في ان يتزوج علي‏.‏

واريد ان اعرف هل انا كنت علي الصواب في عدم طلبي الطلاق والحفاظ علي بيتي‏,‏ ام انني بذلك اصبحت امام زوجي ضعيفة ومن الممكن ان يفعل ذلك معي مرة أخري خاصة اننا مازلنا في بداية حياتنا الزوجية؟

*‏ سيدتي‏:‏ لا أريد أن أتحاور معك من المنطلق الشرعي للتعدد‏,‏ لأن بعض علمائنا أباحوا التعدد بدون أي مبرر لمجرد رغبة الرجل في أن يتزوج مرة ثانية أو ثالثة أو رابعة‏,‏ حتي ان بعضهم ـ أي العلماء ـ يفعل ذلك ويحرص علي اعلانه من خلال وسائل الإعلام‏.‏ وهناك ايضا علماء آخرون يرون ان الأصل في الشريعة هو الافراد لاستحالة العدل بين الزوجات‏.‏ مستندين إلي تفسير تلك الآيات القرآنية فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع‏,‏ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم و ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم‏.‏ وهؤلاء العلماء وضعوا ضوابط للتعدد‏,‏ منها صعوبة الحياة مع الزوجة الأولي لسوء مايراه منها‏,‏ أو إذا كانت غير قادرة علي تحقيق احتياجاته الجسدية ويخشي علي نفسه من الوقوع في كبيرة‏,‏ أو كانت لا تنجب وهو لديه رغبة في الانجاب وغيرها من الاسباب‏.‏

لذلك‏,‏ دعينا من مناقشة ما أحله الشرع‏,‏ لأنه سيصل بنا في حالتك إلي طريق مسدود‏.‏ وتعالي نفكر لماذا قرر زوجك الزواج بأخري‏,‏ علي الرغم من محبته لك‏,‏ ووقوفك بجواره حتي يقف علي قدميه ويصل إلي ما وصل إليه وساهم في إثارة فكرة الزواج الثاني في رأسه‏,‏ وبعدها أجيب علي اسئلتك المشروعة والانسانية‏.‏

سيدتي‏..‏ قال زوجك إنه فكر في الزواج لمجرد الرغبة في ذلك‏,‏ وللتغيير في حياته‏,‏ وأن هذا التفكير عيب فيه‏,‏ وليس تقصيرا منك‏,‏ ولكني غير مقتنع بهذا التفسير‏..‏ لأن بعض الرجال‏,‏ عندما يكونون في مستوي أقل من زوجاتهم قبل الزواج‏,‏ في المستويين المادي والاجتماعي‏,‏ ويجدون من شريكة حياتهم‏,‏ تعاونا واندفاعا وعطاء‏,‏ يظل عندهم شعور بالضعف‏,‏ والتقصير مهما فعلوا‏,‏ أو حاولوا نسيان البدايات‏,‏ وعندما يفكرون في التعبير عن ذواتهم في صورتها الأخيرة‏,‏ الجميلة‏,‏ التي تبدو متكاملة‏,‏ يبحثون عن إمرأة أخري‏,‏ تنبهر بهم‏,‏ تشيد بنجاحهم وعبقريتهم‏,‏ بدون أن تكون صانعة أو شريكة في هذا النجاح‏.‏

وأخشي ـ واغفري لي خشيتي بالتفكير ـ بأن تكوني قد ساهمت في هذا الاحساس لديه‏,‏ خلال سنوات زواجكما القليلة‏,‏ وهذا الاحتمال لا يعني تبريري لتفكيره في الزواج بأخري‏,‏ ولكنه جرس لكل امرأة قد تفعل ذلك مع زوجها‏,‏ فتدفعه بلا قصد إلي الهروب من البيت‏,‏ أو إلي إمرأة أخري‏,‏ يري فيها صورته التي يحبها‏.‏

أما عن اسئلتك‏,‏ فأقول لك إنك محقة في إحساسك بخيانته لك ولكل شيء جميل صنعتماه معا‏.‏ ومقدر لجرحك الغائر‏,‏ ولكن تراجعك عن الطلاق‏,‏ كان قرارا صائبا ويعكس نضجك وعدم اندفاعك بشعور غاضب‏,‏ فزوجك ووالد طفلتك ومن شاركته رحلة من الكفاح والتحدي يستحق منك فرصة أخري‏.‏ فرصة بلا ضعف أو إنهزام‏,‏ وعليه أن يعي أن قرارك يعكس مدي قوتك‏,‏ وأن من تفعل ذلك يجب عليه أن يحذر من غضبها وجرحها‏,‏ ويقدر حجم تضحيتك من أجل الحفاظ علي استقرار أسرة وعدم هدم بيت بني علي الحب والتضحية‏.‏ فمثل هذه القصص يجب ألا نفرط فيها بسهولة من أجل رغبة طارئة أو نزوة أو مغامرة‏,‏ لأن عمر هذه الأشياء قصير بينما يظل الانسان يدفع ثمنها لأوقات طويلة‏.‏

أما تلك السيدة التي قبلت الزواج من رجل متزوج لم يمض علي زواجه خمس سنوات‏,‏ فلن أقول لها شيئا لأني لا أعرف الظروف التي دفعتها إلي قبول تدمير أسرة وتفريق حبيبين‏,‏ ولا أعرف كيف اقنعها وما هي المبررات التي ساقها لاقناعها بحبه وقبوله‏,‏ ولكن سأقول لكل فتاة تقبل الزواج بمن هو مثل زوجك‏,‏ بأنها تغامر بمستقبل آمن وتعرض نفسها لتجربة احتمالات فشلها أكبر بكثير من نجاحها‏.‏

والأسلم دائما هو عدم تعريض أنفسنا لرياح عاتية‏,‏ تزيدنا غشاوة باسم الحب‏,‏ وعندما تهدأ نكتشف حجم الخطأ والجرم الذي نرتكبه في حق أنفسنا وحق آخرين لم يفعلوا لنا شيئا سيئا‏,‏ فالرجل الذي يضحي بزوجته حبيبته وبمن شاركته نجاحه‏,‏ وبابنته‏,‏ سيضحي بسهولة اكثر بالمرأة الأخري‏.‏ حفظكم الله‏,‏ وحفظ أمن بيوتكم بمحبتها واستقرارها‏.‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

جـــــبروت أب

09-11-2007
لا أعلم لماذا كان لدي يقين طوال حياتي بأنني سأكتب قصتي لـبريد الجمعة ضمن قصصه التي تتوالي أسبوعيا لترصد آلام وافراح الأسر المصرية بكل ألوانها واختلافاتها الطبقية والثقافية‏.‏

وكلما قرأت قصة استفزتني لأكتب قصتي‏,‏ ولكنني كنت أصبر عل الله يحدث بعد ذلك امرا‏,‏ إلي أن ضاقت نفسي ونفد صبري ولم يعد لي طاقة ان احتمل‏,‏ لأن قصتي مزيج من كل أنواع الألم النفسي الذي لو نزل بجبل لهدمه كما أن بريدكم استفزني للكتابة بعد أن قرأت اليوم رسالة كل هذه القسوة‏.‏

لا أعلم من أين أبدأ ولكن تعجبت كثيرا لما حدث لهذا الرجل الذي أغرق بناته بالحب والحنان والرعاية وصلوا إلي مراكز متميزة ولم يبخل عليهم بشيء في حياته‏,‏ وقد بخلوا عليه بكل شيء في شدته‏,‏ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان‏,‏ اسأل الله أن يعطيه من فضله وكرمه ما يبلغه به الفردوس الأعلي عوضا عما عاناه من فلذات كبده‏.‏

أريد أن اريكم وجها آخر من وجوه‏.‏ الآباء المختلفة التي لا أتمني لأحد أن يراه‏.‏ أنا فتاة ابلغ من العمر‏31‏ عاما ملتزمة ومتدينة والحمد لله علي ذلك‏,‏ اشكر لأبي أنه رباني وعلمني ورعاني حتي صرت فيما انا فيه الآن من تعليم عال متميز ووظيفة متميزة يحسدني عليها أقراني وحسن الخلق الذي أحمد الله عليها لأنها من الله وليست من أبي‏.‏

أبي رجل بلغ من العمر‏74‏ عاما وله من الأبناء ستة وأنا الوسطي بينهم‏,‏ هو وجه آخر من وجوه الآباء التي لا تعين ابناءها علي برها‏,‏ يجد لذة في أن يفرقنا نحن أبناءه عن بعض‏,‏ لابد له من أن يميز واحدا ليعير به الآخر‏,‏ وبعد يوم يميز الآخر ليعير به الآخر‏,‏ حتي وجدنا أنفسنا ننفر من بعضنا بلا سبب‏.‏

فهو رجل ممن تسيطر عليهم العنصرية الذكورية‏,‏ ويري أن المرأة ما خلقت إلا لتكون أمة للرجل‏,‏ وجعل من أمي عبدة له حيث كسر إرادتها واذاقها من الذل ما لا تحتمله نفس بشر‏,‏ فهو لا يتورع عن ضربها‏,‏ وهي حتي الآن لا تأمن بطشه رغم أنها تجاوزت الستين عاما‏,‏ ورغم أنها أصبحت لا تعقل شيئا وزهدت في الحديث والطعام والشراب والحياة وتعاني من أمراض نفسية كالاكتئاب والنسيان‏,‏ أسأل الله لها السلامة‏,‏ فهي الصدر الحنون الوحيد الذي يعينني علي ما أنا فيه‏.‏

ورغم كل ما حدث لها فهو لا يري نفسه مذنبا في حقها ولا يشعر بشيء من الندم علي ما فعله بها وبنا‏,‏ ويري انها لم تعد تحتمل بطشه‏,‏ فحول بطشه إلينا جميعا‏,‏ كما قلت نحن ستة اخوة من استطاع الهروب من جحيمه فقد هرب ومن لم يستطع فهو صابر محتسب يتمني لو يمن الله عليه بالملاذ والمأمن فكما قال رسول الله‏:‏ ان شر الناس من لا يأمن‏,‏ الناس بوائقه فكيف إذا كان هذا هو أبي الذي لا أأمن بوائقه‏,‏ يثور لأتفة سبب ولا يدري ما يفعل‏,‏ يمكن أن يستفزه اتفه شيء فتقوم الدنيا ولا تقعد حتي ينفذ بطشه فيمن أمامه‏.‏

اتعلم يا سيدي لما استفزتني رسالة هذا الأسبوع لأن الرجل ما بذل إلا كل خير فلم يحصد مما زرع سوي الشوك‏.‏

وهذا أبي قد زرع فينا شوكا لا نقوي علي احتماله وتري ماذا فعلنا عندما سقط مصابا بجلطة في المخ نقل علي اثرها إلي العناية المركزة؟

انني لن انسي هذا اليوم وكنت في عملي ورجعت منه لاجد ابي في المستشفي ولم يخبرني أحد أنه في العناية وطمأنني أخي أنه بخير وسيخرج غدا‏,‏ ولكن شيئا في قلبي جعلني اهرول إلي المستشفي لأجده في العناية وأجد الطبيبة تصرخ في وجهي ان ادعو الله أن يعافيه فهي لا تأمن أن يبقي حيا ليوم آخر‏,‏ ونزل علي الخبر فأذهلني واخذت الدموع لا تجف وقلبي يرتجف وقدماي لا تحملاني وانا أراه مستلقيا علي فراش المرض والموت ينتظره ما بين لحظة وأخري‏,‏ وتذكرت المرات القلائل التي كان يضاحكنا فيها وتذكرت مسعاه من أجل ان يعينني وما تلقاه من ذل ولم تفلح مساعيه‏,‏ وتذكرت كل لحظة أنعم الله بها علينا وكنا علي وفاق معه وكانت هذه اللحظات عزيزة وقليلة‏.‏

وظللت أنظر إليه من خلف زجاج العناية المركزة وأسأل الله له الشفاء وقذف في قلبي اليقين بأن لا ملجأ لي ولا منقذ إلا الله‏,‏ فذهبت أبحث عن مكان أتوضأ فيه ولم أجد إلا حماما في المستشفي اظن انه كان لا يصلح للوضوء ولكني حاولت ونجحت وخرجت منه لأبحث عن سجادة صلاة فلم اجد فافترشت الأرض في مكان مظلم خلف حجرة العناية‏,‏ واخذت أصلي واقسم علي الله أن يعافيه واتوسل إلي الله أن يرده لي سالما‏,‏ وظللت ادعو الله حتي غلب علي الظن أن الله لن يرد دعائي وذهبت إلي حجرة العناية لأجد أخواتي منهارات تماما ما بين بكاء وعويل ونواح وانا قد تماسكت بعد أن صليت ودعوت الله وأقسمت علي اخواتي ان يذهبن واني سأبقي معه وهن رافضات وكأن ارواحهن تعلقت به مع العلم أن اختي الكبري مصابة بالضغط وأمراض أخري كان أبي السبب فيها وكلنا يعلم ذلك‏,‏ ومع ذلك فهي لم تحتمل رؤيته في حجرة العناية وانهارت واصررت علي أن تذهب لتستريح في بيتها ومن أين لها الراحة وهي منذ أن ولدت وهي مقهورة مثل أمي وقد ضربها علي وجهها حتي انفجرت طبلة اذنها وسببت لها عاهة مستديمة حتي الآن تعاني منها‏,‏ فما بال بنات هذا الرجل اللائي لم يذقن الا حلوه قدت قلوبهن من صخر وما بال قلوبنا نحن لا
نحمل لأبينا مثقال ذرة من كره؟‏.‏

دعني اكمل لك سيدي مشهد العناية بعد أن خرجت اختي الكبري وذهبت معها الأخري أتي أخوتي الذكور بعد الحاح عليهم في التليفون بأن يأتوا لأن أبي في حالة خطيرة وظللت ساعة أقف وحدي انتظر خبرا يطمئنني علي أبي‏,‏ وكلما وجدت فرصة لأدخل حجرة العناية حتي أراه طردتني الممرضات شر طردة‏,‏ حتي دخلت الحجرة في المرة الأخيرة ولساني لايزال يردد أدعية لا اعلمها اعطانيها الله حتي يجيب المضطر إذا دعاه‏,‏ وقلت للطبيبة اريد ان اطمئن عليه فقالت‏,‏ لا تطمئني‏,‏ مازلت أذكر هذه اللحظة فنظرت في عينيها وقلت لها ان الله سيشفيه ويجعلك سببا في شفائه وهذا ظني في الله ولن يخزيني ابدا‏,‏ فتعجبت من كلماتي وحملقت في عيني من أين لي بهذه الثقة وهي تعلم حالته أكثر مني‏,‏ فقلت لها اعتبريه اباك وافعلي له ما كنت فاعلة لابيك‏,‏ فقالت انني فعلت كل ما استطيع والله بيده الشفاء‏.‏

خرجت من العناية وأنا في قلبي سكينة واطمئنان راضية بكل شيء وبأي شيء يكتبه الله في هذه الليلة‏,‏ فقد استنفرت طاقتي في اللجوء إلي الله وأعلم أن الله لن يضيعني‏,‏ وبعد ساعة استفاق ابي وتحرك وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فتهللت وجريت إلي الزجاج الذي يحيط الحجرة أحاول أن اطمئن انه بخير وتوسلت للطبيبة أن تدخلني إليه لاراه فأذنت لي أن أدخل لأراه وكان لا يزال يعاني من الآلام التي لحقت به فنظر إلي وتبسم وهو لا يعلم أنني من الرابعة عصرا وحتي الثانية عشرة مساء اقف علي باب حجرته انتظر انفاسه وأعدها ولكن الله عاملني بكرمه وانقذه من الموت ووهبه لي كما سألت‏.‏

يكفي أن تعلم يا سيدي ان رئيس العناية عندما رأي رسم المخ الخاص بأبي سأل الطبيبة المعالجة هل لا يزال هذا الرجل حيا؟

والآن قد مر علي هذا الحدث قرابة العام ذقت فيه من ابي مالا يصدقه عقل ولا تحتمله نفس‏.‏

فهو بعد أن خرج من العناية عانينا الأمرين كلنا جميعا‏,‏ سعينا لنداويه بكل شيء تطاله ايدينا فذهبنا به إلي افضل اساتذة المخ في مصر واكتشفنا انه معرض للموت في أي لحظة وله عملية ولكن نصحنا الأطباء بالا نجريها له لأنه لن يتحمل مضاعفاتها في هذه السن‏.‏

ولك يا سيدي أن تتخيل أنه في صحته كان يفعل بنا ما يفعل‏,‏ وبعد مرضه ظننا أنه سيرحمنا إلا أنه ازداد بطشه وجبروته لأننا أصبحنا ستة بين أصابعه يأمر ونفعل ولا يرفض منا أحد‏,‏ فهو يريد أن يحيا حياة الملوك ويسير العبيد وفق رغباته اتعلم يا سيدي انه كلما تقدم لي عريس ينفر منه ومن أسلوبه ويذهب ولا يعود‏.‏

وتكرر ذلك كثيرا؟ وأنا أصبر واحتسب عل الله يجازيني خيرا‏.‏

اتعلم يا سيدي أن أبي يطردني ويضربني بلا سبب من البيت ويتلكك لي ويتأفف ويرسل لي رسالة مع اخوتي مفادها أنه لن يغير معاملته لي حتي أترك البيت وأتزوج؟ وهل هذا بيدي؟ وهل أنا السبب أم هو في أن الناس تتركه من سوء معاملته وعصبيته؟

أنه قضي علي أخي الأصغر ومحا شخصيته وجعله مسخا فهو احتمل وصبر فأصبح مسلوب الإرادة بسبب أبي‏.‏

أما أخي الآخر فنال قسطا من الحرية لأنه اكمل تعليمه العالي فأصبح من الفئة التي يحسن أبي معاملتها نوعا ما‏,‏ ولكنه يشعر بأن من تعلم فهو سيتكبر عليه لأن أبي لم يتعلم ومن أجل أن يكسر الكبر فيه يجب أن يكسر فيه آدميته بأن يضربه ويهينه في أي وقت يحلو له‏,‏ فعاني كثيرا من بطش أبي حتي هرب من جحيمه إلي محافظة بعيدة عنا‏.‏

واختي الكبري ملئت بالأمراض النفسية والعصبية بسببه واختي التي تليها تذعن له وتشعر انها تنافقه ولا تستطيع ان تواجهه بشيء تريد أن تفعله‏,‏ لأنه يفرض عليها قرارات خاطئة وهي لا تستطيع الا أن تفعل ما يقول‏,‏ انني اختصر كثيرا من الأحداث الدرامية التي نستيقظ عليها كل صباح‏.‏

لك أن تعلم يا سيدي انني منذ خروجه من العناية وأنا اتفنن فيما يرضيه لأفعله فلقد قدمت له علي حج القرعة وأفلحت محاولاتي بفضل الله وفاز هو وامي بحج القرعة وظننت أنه سيتغير معنا خاصة بعد أن علم بحالته الصحية إلا أنه يزداد جبروتا‏.‏ اتعلم يا سيدي أنه طردني في رمضان شهر الخير وأقسم ألا ادخل شقتنا؟

اتعلم انني حاولت أن أصالحه في العيد بعد كل ذلك ولكنه نظر إلي نظرة تخيف عشماوي واشاح بيده في وجهي وخرج من البيت غاضبا؟‏!‏ بعد كل ذلك وما أخطات في حقه وهو الذي طردني وضربني بغير ذنب؟‏.‏

فكرت في أن اسافر أنا الأخري لأهرب من بطشه وجحيمه ولكني لا استطيع فراق امي‏.‏ وهي انهارت عندما علمت انني اسعي لأسافر وقبلت يدي وبكت وقالت لي هتسيبني لمين؟‏.‏

وكلما ازداد بطشه وفكرت في السفر ـ وهو متاح لي وبسهولة لأنني الحمد لله لدي من الشهادات ما يؤهلني لمركز متميز تمزق قلبي علي أمي فأنا كل من لها وهي لا تستطيع فراقي وأنا لا استطيع فراقها‏,‏ وأنا أعامل الله فيه وهو يمزق نفسي كل يوم‏,‏ ولولا فضل الله علي ما صبرت حتي الآن‏,‏ أنني اصبر ابتغاء مرضاة الله طمعا في أن انال أجرهما فقد بلغا عندي الكبر وأنا لا أضيق بهما وهو من يضيق بي؟‏!.‏

اتعلم يا سيدي انني قبل ان انام اخفي السكاكين والمقصات من المطبخ لأنني لا أأمن بطشه‏..‏ نعم إلي هذا الحد؟‏.‏

اتعلم أن علامات بطشه مازالت علي جسدي اثر ضرب مبرح قد مر عليه أكثر من ستة أعوام؟‏.‏

اتعلم أننا محظورون من الحديث أو الضحك أواللعب أوالتليفزيون أو المصيف أو التنزه وننتظر حتي يذهب وننفس عن أنفسنا؟‏.‏

اتعلم انه يضحك ويهزر خارج البيت‏,‏ وداخل البيت لا ينفك وجهه من العبوس؟

ان ابي مؤمن يا سيدي بأن تفسير الآية ان من أموالكم وأولادكم عدو لكم هو أننا اعداء فعليون له ويعاملنا من هذا المنطلق وهو لا يقتنع بأن تفسير الآية هو أن الإنسان قد يشغله حبه لأمواله وأولاده عن ذكر الله وعبادته وليس اننا اعداء له وحاشا لله أن يكون ذلك‏.‏

احب أن أعرفك يا سيدي أنه الآن لا يصدق أنني ابنته ويتباهي بي في كل مكان ويرسل إلي اقرباءه الصعايدة يفتخر بي بينهم‏,‏ ولا يري احدا حتي يحدثه عني وعن نجاحي في عملي وتفوقي وأظن أنه يحسد نفسه علي‏!‏ والله صدقني أنه لا يصدق أن له ابنة قد أصبحت هكذا في هذه المكانة‏,‏ ولعل الله قد من بها علي جزاء صبري عليه وليقر عينه بي أو لعلي بلغتها بدعوة قد دعاها لي في صلاته‏,‏ فماله لا يصبر علي حتي يمن الله علي بالزوج الصالح ويسئ معاملتي ويضيق بي ويسمعني ما لا تطيقه نفسي‏.‏

هذا هو ابي الذي ما تحملت مرضه وسألت الله أن يطيل لي في عمره ليذقيني ما يذيقني الآن‏,‏ ويعلم الله كم عانيت وبكيت ودعوت أن يخرجني من كربي ويفرجه بما شاء وكيف شاء وهو علي كل شيء قدير‏,‏ انني لا استطيع أن امنع دموعي الآن كلما تذكرت هذا الرجل الذي مات مقهورا وهو لم يذق بناته سوي كل خير‏,‏ وكم تمنيت ان يكون لي اب مثله لأقبل قدميه برا به وحبا له‏,‏ انهم لا يستحقونه سيدي‏,‏ ولا يعلمون النعمة التي كانوا فيها‏,‏ فكفي انهم ينامون مقروري العين لا يفزعهم صوت ابيهم عند قدومه بالصباح ولا يقض مضجعهم تأففه علي أي شيء يثير عليهم السباب واللعان في كل وقت؟‏!.‏

وما كتبت رسالتي هذه لا شكو منه أو أنني ضقت به ولكني لعلهم‏,‏ يقرأون كلماتي فتوقظهم من غفلتهم ويدركون نعمة الله عليهم فيشكرونها قبل ألا يكون لديهم عمل يشكرون به الله‏,‏ واسأل كل من قرأ رسالتي أن يدعو الله بأن يفرج كربي ويقر عيني ويؤجرني خيرا في نفسي ويشفي أبي وامي ويهدي أبي إلي الحق والخير ويشرح قلبه للخير والبر ويذهب عنه الغضب ويكون لنا هشا بشا ويذيقنا بره بنا ورحمته بنا حتي لا تدمع عيوننا تحسرا علي أب تمنيناه فلم نجده‏.‏

سيدتي‏..‏ من غرائب الدنيا أن يعامل الأب أبناءه كأنهم أعداؤه‏..‏ فبعض الآباء يرون في القسوة حسن التربية‏,‏ ويعتقدون أن اللين والكلمة الطيبة والحنان‏,‏ يضعف الأبناء ويجرئهم علي آبائهم‏.‏

أيضا بعض الآباء‏,‏ يرون في النصوص القرآنية ووصايا الرسل‏,‏ بمعاملتهم بالحسني والرفق وعدم التعبير حتي بحركة الشفاه عن الغضب أو التأفف‏,‏ مبررا للتسلط علي الأبناء وإذلالهم وإساءة معاملتهم‏,‏ ولم يلتفتوا أيضا‏,‏ إلي أن الله سبحانه وتعالي قال في كتابه الحكيم المال والبنون زينة الحياة الدنيا فهل يمكن تخيل أن يفعل إنسان بزينته ومصدر فخره؟‏..‏ هل يمكن تصور أن يفعل أب ذلك بالنعمة التي من الله عليه بها وائتمنه عليها؟ ألا يخشي يوم السؤال؟ ألا يتذكر أنه بعد أن يرحل من الدنيا سيكون في أمس الحاجة إلي دعائهم له وتصدقهم عليه وولد صالح يدعو له؟‏..‏ هل هذا هو الحق المفروض علي كل أب كما قال رسولنا الكريم إن لولدك عليك حق‏.‏

لم أفهم يا عزيزتي‏,‏ ما الذي يدفع رجلا مثل والدك‏,‏ يتحلق حوله ستة أبناء صالحين وزوجة وفية مخلصة‏,‏ إلي أن يكون فظا غليط القلب‏,‏ لا يرتدع من مرضه‏,‏ ولا يتعلم من حسن اهتمامك به ورعايتكم له‏..‏ من أين أتي كل هذه القسوة‏..‏ لماذا سعي إلي تدمير أعمدة البيت وإطفاء مصابيحه‏,‏ التي هي أنتم‏..‏ ألم يكن أولي به أن يجمعكم حوله‏,‏ ويسعد بنجاحكم وتفوقكم وطاعتكم‏.‏

سيدتي‏..‏ أتمني أن يقرأ أصحاب حكاية كل هذه القسوة ما سطرته بدموعك‏,‏ ليعرفوا حجم جريمتهم‏,‏ وليشعروا بمعصيتهم الكبيرة تجاه والدهم الراحل‏.‏

أما أنت واخوتك‏,‏ فما فعلتوه ـ وأنت تحديدا لن يكون جزاؤه كلمات طيبة مني أو من القراء‏,‏ ولكنكم ستجدون خيرا كثيرا في الدنيا والآخرة‏,‏ حتي لو طال انتظاركم في الدنيا‏,‏ فهو سبحانه وتعالي يمهل ولا يهمل‏,‏ لأنكم فعلتم ما أمركم به سبحانه وتعالي‏,‏ راضين طائعين‏,‏ وما أحلي طعم الطاعة لله‏,‏ مهما كان حجم الألم والعذاب الذي نلاقيه‏,‏ فالأولي أن يبكي الابن‏,‏ من أن يبكي الأب‏,‏ مهما كانت قسوته‏.‏

إن ما قمت به ـ يا عزيزتي ـ درس كبير‏,‏ لكل أب‏,‏ لم يقدر معني الأبوة‏,‏ أو فهمها خطأ‏,‏ ولكل ابن عاق يبيح لنفسه التجرؤ علي والديه أو عقوقهما ملتمسا أي مبرر كان‏,‏ فما تحملتوه كبير‏,‏ ولكنه يؤكد أن الخير في هذه الأمة إلي يوم الدين‏.‏

أدعوا الله معك أن يشفي والديك‏,‏ ويهدي والدك إلي صوابه قبل يوم الحساب‏,‏ لعله يسعي إلي محو إساءاته إليكم ويطلب العفو والمغفرة من الله المنتقم الجبار‏..‏ حفظك الله ورعاك وزاد بصيرتك نورا‏,‏ وقلبك محبة‏,‏ وعقلك نورا‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.
المزيد ....

كل هذه القسوة‏!‏

02-11-2007
مات عمي يا سيدي شقيق أبي وتوءم روحه وديعا عاش هادئا مات‏.‏ كان طيبا‏,‏ مسالما‏,‏ حنونا‏,‏ معطاء‏,‏ لم يعرف الكره‏,‏ ولا الحقد‏,‏ ولا الصراع‏,‏ ولا الانتقام‏,‏ حزينة أنا حتي الموت‏,‏ يفت الغم والكمد في روحي‏,‏ ويحز في نفسي حزا‏,‏ ليس لموته فحسب‏,‏ فالموت حق‏,‏ وكل نفس ذائقة الموت‏,‏

بل لأنه مات مقهورا وحزينا‏,‏ معذبة نفسه من أقرب الناس إليه نعم يا سيدي جحدته زوجته لا سامحها الله‏,‏ وجحدته بناته الثلاث‏,‏ ولم يكن له من قلب دافيء إلا ابنه الوحيد‏,‏ وبنت أخيه‏(‏ لست أنا‏)‏ التي استضافته في بيتها‏,‏ وشملته بحبها ورعايتها إحدي وعشرين ليلة حين زعمت ابنته الكبري أنه لا مكان لأبيها في بيتها الجميل الذي يقع في إحدي ضواحي القاهرة الفاخرة‏,‏ علي الرغم من أن لديها من الأبناء اثنين فقط‏,‏ أحدهما دكتور والأخري جامعية‏,‏ ولا أعتب كثيرا علي زوجها بالرغم من سلبيته في تقويم اعوجاج زوجته تلك ابنته الكبري أول أمله في الحياة‏,‏ فرحته الغامرة حين جاءت إلي الدنيا‏,‏ ولا أنسي حين عاد من عندها وقد استضافته أربع ليال تحت إلحاح شديد من أخيها‏,‏ كم كانت سعادته النفسية‏,‏ وقد وهم بأنه قد يجد مكانا له دائما في قلبها وفي بيتها‏,‏ لا أنسي كم كانت صدمته عندما علم بأنها تعلن دون حياء أسفها لعدم وجود مكان له في بيتها‏!!‏ يا الله إن الضيق ليس في البيوت وإنما في النفوس‏.‏

أما الثانية فهي أيضا سيدة رائعة تقيم في الخليج مع زوجها وأبنائها‏,‏ تتقي الله وتحاول أن ترعي حدوده في كل شيء إلا أن تفتح بيتها الأنيق الشاغر في مدينتنا الساحلية الجميلة التي كان يعيش فيها عمي طوال حياته‏,‏ نعم رفضت بثبات عجيب أن يقيم أبوها في شقتها الخالية‏,‏ وقالت‏:‏ بيتي ليس مشاعا‏,‏ ولم يكن عمي مصدقا لما قالته في باديء الأمر‏,‏ ولم نكن نحن أيضا إلا مذهولين‏!!‏ ومن عجب أن زوجها أيضا تعامل مع الموقف بسلبية عجيبة علي الرغم من حسن خلقه وورعه وتقواه‏,‏ وقد تركاه في أحد الأيام منتظرا لهما في الشارع وأخذا طريقهما إلي القاهرة للترفيه وقضاء عشرة أيام عند الأخت الكبري التي لا مكان لأبيها في بيتها‏!!‏

أما الابنة الثالثة فهي شابة واعدة‏,‏ مثقفة‏,‏ تعمل بإحدي كليات الصفوة‏,‏ رباها عمي الحنون علي كثير من التدليل والحب والتفاني‏,‏ فلم يكن يقوي علي أن يرد لها طلبا حتي ولو اضطر أحيانا إلي الاستدانة ليلبي حاجاتها‏,‏ وكان يقول للجميع‏:‏ دعوها وشأنها فهي ابنه الشيخوخة‏,‏ هل تصدق يا سيدي‏,‏ وهل تصدقون أيها القراء الأعزاء أنها لم تسأل عن والدها قرابة شهر ونصف الشهر إلا مرتين أو ثلاث‏,‏ وبعد إلحاح منا ومن أخيها‏,‏ وكانت أحيانا تتطاول علينا بالكلمات بدعوي أنه لا شأن لنا‏,‏ وأننا أناس متطفلون‏.‏

ضاع أمل عمي في بناته‏,‏ واندحرت أمانيه‏,‏ ورحل هناؤه‏,‏ ولم يسانده سوي ابنه البار الذي حار واحتار فيما يمكن أن يقدمه لأبيه‏,‏ وقد كانت ألسنة أخواته حدادا عليه تتهمه بالتقصير‏,‏ وكن يبرئن أنفسهن بدعوي أن الوالدين هما مسئولية الابن دون الابنه‏!‏ وتضافرنا جميعا علي رأي واحد‏,‏ ولم تخرج واحدة منهن تنهر الأخري وتردها إلي صواب الحق وتقوي الله‏,‏ وكن بحق بنات الملك لير يا الله كيف قدت قلوبهن من حجر‏!!‏

وقد تسألني بالطبع عن زوجته ودورها إنها يا سيدي ممن قال فيهن رسول الله‏:‏ يكفرن العشير ويقلن‏:‏ ما رأيت منك خيرا قط عاشت معه رحلة طويلة مليئة بالكدر والمشاحنات التي كانت تصطنعها‏,‏ وكلما مرت السنون ازدادت شراسة وقسوة وبذاءة‏,‏ وازداد هو سكوتا وضعفا واستسلاما‏...‏ تقول‏:‏ ما أحببته قط‏,‏ ونقول لها‏:‏ ولماذا لم تطلبي الطلاق في حينه؟ وهل يحق لك أن تقهريه في شيخوخته‏,‏ وأن تهيني إنسانيته‏,‏ وأن تسمعيه في كل لحظة ما لا يطيق بشر أن يسمعه‏,‏ ثم تدفعينه دفعا إلي ترك البيت‏,‏ بل بكل أسف طرده من بيته‏,‏ وعدم الاستجابة لكل رجاءاتنا وتوسلاتنا‏,‏ وتهديدنا لك بالويل والعذاب من الله عز وجل‏.‏

عاش عمي يا سيدي أياما طويلة حزينا يقلب كفيه‏,‏ يعاني من شعور بالذل‏,‏ والعجز والقهر والحزن‏,‏ يسأل نفسه كل لحظة ولا يدري ماذا قدم من سوء لبناته وزوجته ليلقي منهن كل هذا الجحود والنكران؟

يتحدث إلي نفسه بصوت مسموع معاتبا الكبري تارة‏,‏ متلهفا وقلقا علي الوسطي ثانية‏,‏ سائلا ومتشوقا إلي الصغري تارة ثالثة كان هذا عمي يا سيدي يحترق في صمت كان مثل الطفل إذا تأخر عنه ابنه البار ساعة أو اثنتين‏,‏ يجول في غرفته في دار المسنين‏,‏ حائر العينين‏,‏ فإذا ما التقاه عادت إليه روحه‏,‏ وقال له‏:‏ يا ابني أنت الأمان لي‏.‏

كم تعذب ابن عمي هذا لا يدري ماذا يصنع مع أبيه؟ أيتركه في شقة وحده وهو أعزب لم يتزوج بعد؟ ويقضي وقتا طويلا في عمله بعيدا‏,‏ أم يدعه مع أناس طيبين مخلصين في إحدي هذه الدور التي تحاول أن تضمد جراحات السنين وقسوة الابناء علي آبائهم وأني لها‏!‏ ولم يكن عنده إلا هذا الخيار‏.‏

لم يحتمل عمي غربته النفسية طويلا‏,‏ فتك به القهر والجحود والألم‏,‏ ولم تكن إلا بضعة أيام وقد راح في غيبوبة عميقة أراحه الله بعدها من كل عذاباته ودموعه ونزيف قلبه‏...‏ ودعاه إلي جواره‏,‏ فلبي هادئا مسالما ومسرعا‏..‏ ووري عمي الثري ــ يرحمه الله ــ آه يا عمي الحبيب كيف أقتص لك ممن ذبحوك وعجلوا بموتك قهرا وكمدا وتعاسة وحيرة؟‏....‏ حسبي الله ونعم الوكيل سنذكرك يا عمي دائما وندعوك وندعو لك في أماسي الشوق والحنين‏,‏ ولتقرأ لك كل القلوب الرحيمة العامرة الفاتحة داعية الله ان يتغمدك برحمته الواسعة‏.‏

أما أنتن أيتها الناعمات المرفهات في بيوتكن الدافئة فأذن بحرب من الله ورسوله فإنه يمهل ولا يهمل‏.‏

*‏ سيدتي‏....‏ أصابتني رسالتك بالغم والنكد‏,‏ واستفزت كل المشاعر الغاضبة في نفسي تجاه بنات عمك الثلاث‏,‏ فهن تمردن علي ما ألفناه من أن البنت تكون أكثر عطفا وحنانا علي الأب من الولد‏,‏ فما الذي دفع هؤلاء البنات إلي هذا العقوق‏,‏ وتلك القسوة غير المبررة‏,‏ لا أعرف كيف يمكنهن النوم أو مواصلة حياتهن بأمان بعدما فعلنه بوالدهن‏,‏ ألم يتذكرن قول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم‏:‏ كل الذنوب يؤخر الله تعالي ما شاء منها إلي يوم القيامة إلا عقوق الوالدين‏.‏

ألم يحفظن وهن صغارا ما جاء في الكتاب الحكيم في سورة الإسراء‏:‏ وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا‏,‏ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما‏,‏ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا‏.‏

الله سبحانه وتعالي نهانا علي أن نقول لهما أف‏,‏ مجرد حركة بالشفاه‏,‏ فماذا فعلت البنات المتعلمات بأبيهن‏,‏ هل رحمته في شيخوخته‏,‏ كما كان رفيقا حنونا بهن في صغرهن‏..‏ كيف يغمض لهن جفن‏,‏ وكيف يأمن علي أنفسهن من أطفالهن عندما يكبرن؟ دائما ما أتذكر حكاية الابن الذي كان يضع الطعام لوالده المسن في طبق من خشب بعيدا عن المائدة التي تجمعه بأسرته‏,‏ ولاحظ هذا الرجل أن طفله ينتظر حتي يفرغ جده من الطعام‏,‏ فيسارع بغسل الطبق والملعقة‏,‏ وعندما تكرر هذا الموقف‏,‏ سأله والده لماذا يفعل ذلك‏,‏ فأجابه بأنه يحافظ علي تلك الأشياء حتي يضع فيها الطعام لوالده عندما يكبر‏.‏

حكاية قديمة نتداولها ثم ننساها بدون أن نتوقف أمامها يؤرقني التفكير‏,‏ أب صالح حنون‏,‏ لماذا تتحول بناته إلي تلك الصورة الكريهة؟ هل بسبب الأم وسلوكها السيئ‏,‏ غرست في قلوبهن القسوة والجحود؟‏...‏ وإذا كانت تلك الحقيقة‏,‏ فلماذا لم تصل هذه القسوة إلي قلب الإبن؟‏!‏

سيدتي‏...‏ أقدر حزنك النبيل علي عمك‏,‏ وأشاركك الغضب من بناته‏,‏ ولكن لا أخفيك أني مشفق عليهن من غضب الله وانتقامه لأنهن أتين واحدة من الكبائر التي حذر منها النبي محمد صلي الله عليه وسلم‏:‏ ألا أدلكم علي أكبر الكبائر؟‏.‏ قالوا‏:‏ بلي يا رسول الله قال‏:‏ الإشراك بالله وعقوق الوالدين لذا فاني أدعو الله القادر علي كل شيء أن يوقظ قلوب أولئك البنات وأمهن‏,‏ فيعدن إلي الله‏,‏ طالبات عفوه ومغفرته‏,‏ متصدقات علي روح والدهن‏,‏ لعل الله يغفر لهن ويتوب عنهن‏.‏

وليتها تكون فرصة لتنبيه كل ابن غافل أو ظالم لأمه وأبيه‏,‏ فيعود إلي رشده‏,‏ ملتمسا رضائهما‏,‏ فدعواتهما مستجابة‏,‏ فلينهل من دعائهما بالخير والسعادة والستر ما استطاع‏,‏ فلا طعم ولا أمان في تلك الحياة بعد رحيل الوالدين التي يكرمنا الله كثيرا لأجلهما وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

اخـتيار العمـر

26-10-2007
أعلم أن رسالتي قد لاتري النور بين آلاف الرسائل التي تصل إلي بريدك‏,‏ ولكن ادعو الله أن أجد لديكم بابا مفتوحا بعد أن سدت أمامي معظم الأبواب عدا باب رحمة ربي‏,‏ الذي ادعوه ليل نهار في أن يساعدني علي أن أجد الحل الصحيح‏.‏

باختصار أنا ابنة متوسطة بين أخوة أكبر وأصغر‏,‏ ومن عائلة ميسورة الحال‏.‏ الأم سيدة عظيمة تفرغت لرعايتنا‏,‏ وابي يعمل جاهدا لتوفير متطلبات الحياة‏,‏ والحمد لله نجح الاثنان في المهمة وتخرجت أنا واخواتي من الجامعة‏,‏ وشغل كل منا عملا مناسبا يفخر به‏,‏ وتقدمنا في المناصب‏,‏ تزوجت أختي واستقرت وتلاها أخي الأكبر ثم أخي الأوسط‏..‏

أعلم أن رسالتي قد لاتري النور بين آلاف الرسائل التي تصل إلي بريدك‏,‏ ولكن ادعو الله أن أجد لديكم بابا مفتوحا بعد أن سدت أمامي معظم الأبواب عدا باب رحمة ربي‏,‏ الذي ادعوه ليل نهار في أن يساعدني علي أن أجد الحل الصحيح‏.‏

باختصار أنا ابنة متوسطة بين أخوة أكبر وأصغر‏,‏ ومن عائلة ميسورة الحال‏.‏ الأم سيدة عظيمة تفرغت لرعايتنا‏,‏ وابي يعمل جاهدا لتوفير متطلبات الحياة‏,‏ والحمد لله نجح الاثنان في المهمة وتخرجت أنا واخواتي من الجامعة‏,‏ وشغل كل منا عملا مناسبا يفخر به‏,‏ وتقدمنا في المناصب‏,‏ تزوجت أختي واستقرت وتلاها أخي الأكبر ثم أخي الأوسط‏..‏

مشكلتي ليست غريبة علي بريدكم الموقر فهي مشكلة معظم بنات جيلي‏,‏ ألا وهي تقدم سن الزواج‏,‏ أنا الآن عمري قارب الثلاثين عاما وقد أعجب بي صديق لأخي‏,‏ وفي نفس الوقت قريب زوجة أخي‏,‏ وهو شاب ممتاز من جميع النواحي‏,‏ كان ينظر إلي دائما علي اني أخت صديقه فقط‏,‏ في الوقت الذي كان يتقدم لخطبة فتاة اختارتها له والدته‏,‏ وبعد أشهر قليلة تنتهي الخطبة لاكتشافه عدم توافقه مع الفتاة وانها ليست من يريد أن يكمل معها حياته‏,‏ وتكرر هذا الموقف أكثر من مرة‏,‏ وفي كل مرة تكون والدته هي التي تختارالعروس وهي التي تلح عليه أن يتقدم للخطبة حتي تفرح به‏,‏ وهي التي تعبت طوال سنوات عمرها كي تربيه هو وأخاه الوحيد حين مات والدهما وتذكره كم شقيت وتغربت كي تؤمن له ولأخيه مستقبلا ممتازا وانها ترملت ولم تفكر في الزواج‏,‏ بل في العمل والعمل فقط‏.‏

وفي كل مرة كان يذهب ليخطب فتاة كنا نتحدث كأصدقاء ويأخذ رأيي وندردش في أمور عادية جدا‏,‏ إلي أن صارحني بأنه يحبني‏,‏ وانه عندما كنا نتحدث كان يعجب بآرائي المتفتحة وعقلي الراجح وشخصيتي الملتزمة‏,‏ وانني الفتاة التي يتمني أن يكمل معها حياته ولايري أي مانع من أن يحدث أخي‏,‏ويفاتحه في الموضوع‏,‏ وهو صديق العمر‏,‏ إلا أنه فضل أن يأخذ مباركة أمه أولا ثم يفاتحه‏,‏ ولكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن‏..‏ فعندما فاتح والدته في هذا الموضوع متخيلا أنه لا مانع لديها‏,‏ فهي تريد أن تراه سعيدا وقد اختار فتاة أحلامه ولايبقي غير خطوات بسيطة حتي يكتمل الحلم‏,‏ فوجئ برفضها وثورتها العارمة وغضبها الشديد حين علمت سني‏,‏ حيث أنني أكبر منه بعدة شهور وأني تخطيت السن المناسبة للزواج والتي هي في اعتقادها ما بين العشرين‏,‏ والثلاثة والعشرين عاما‏,‏ وغير ذلك فهي لا تصلح‏,‏ تخيل ياسيدي السبب الغريب وغير المنطقي‏,‏ والذي حتي الآن لا أستطيع فهمه‏,‏ وهي السيدة العملية التي تشغل منصبا مرموقا خارج مصر‏,‏ والتي لديها من الثقافة والنضج ما يكفيان لتخرج بسبب أكثر إقناعا من هذا السبب‏..‏

وظلت تذكره بأنها ترملت وتعبت وشقيت عليه هو وأخيه حتي تراهما رجالا لا يعصيان لها أمرا‏,‏ وكأنها تملكتهما‏,‏ وليس كفاحها شيئا عاديا تقوم به أي أم عادية‏,‏ وأن هذه هي رسالة الأم أن تتعب وتشقي من أجل أبنائها‏,‏ وأن عصيانه لها صدمها وأنها الآن فهمت لماذا لم تكتمل خطبته لأي من الفتيات اللائي تقدم لهن حتي وصلت بتفكيرها انني ولابد سحرت له وعملت له عملا‏!!!‏

اقسم بالله انني أتعجب أن هناك أناسا تفكر بهذه العقلية العجيبة خاصة هي المتعلمة المثقفة صاحبة الشهادات العالية‏.‏

وبالطبع بدأت المعركة التي تخيلتها هي‏,‏ بأن ابنها يتمرد عليها وانني قد غسلت له عقله ومحيت تفكيره وسيطرت عليه وانني طامعة فيما لديه من امكانيات‏..‏ هذا إلي جانب ان هذه الخطبة لو فرض وتمت ولم تنجح فهي تهدد أمن واستقرار بيت قريبته لأنها متزوجة من أخي‏,‏ وهذه علاقات متشابكة ومتداخلة قد تتأثر بها العائلتان إلي آخره من الكلام العجيب والجارح الذي وصلني عن طريق زوجة أخي والتي للعلم لم تحكي لأخي أي شئ خوفا من تأثير علاقته بها حين يعلم أن قريبتها ووالدة صديق عمره ترفضني كزوجة لابنها‏..‏

وهددت بأنه لو أكمل المشوار فسيكمله بمفرده دون أي مساعدة مادية أو معنوية منها‏,‏ متخيلة أن هذا سيرجعه عن تفكيره‏,‏ ولكنها فوجئت أنه مازال مصرا وبشدة‏.‏

تطورت الأمور وأصر هو علي أنه يريدني وأصرت هي علي الرفض‏,‏ متعللة بأنه يعصاها ويغضبها‏,‏ حتي أنه لجأ إلي دار الإفتاء ليأخذ منها الرأي السديد والذي أقر أن زواجه مني رغم عدم موافقة أمه ليس فيه عصيان لها وأنه بلغ سن الرشد ويستطيع أن يزوج نفسه بنفسه‏..‏

لم تفلح محاولاته معها ولا محاولات كل الأطراف التي تدخلت كي تغير رأيها‏,‏ حتي وصل الأمر إلي أنها تشاجرت مع الجميع وزادت اصرارا علي الرفض‏,‏ حتي انها انهارت في مناقشة من المناقشات واتهمته بأنها لوحدث لها شيء فسيكون بسببي وسبب إصراره علي عصيانها‏,‏ وبالطبع أنا أعرف كل ذلك‏,‏ وقلبي يتمزق من الحزن‏,‏ وأتساءل لماذا وهي التي لاتعرفني عن قرب ولكن تعرف أخي والبيت الذي خرج منه والتربية التي تربي عليها؟

وهل خطئي أنني لست بنت العشرين؟ وهل ذنبي أنه يريدني وأنا أريده؟

ماذا أفعل ياسيدي؟؟ لا أريد أن أبدأ حياتي بخلافات قوية كهذه‏,‏ وفي الوقت نفسه فكر هو في أن يأتيني بمفرده‏,‏ ولكن أعلم جيدا رأي أبي في هذا الموضوع‏,‏ فأبي لن يرتضي بأن يزوجني دون موافقة والدة العريس‏,‏ ولن يلقي بي في زيجة بدايتها رفض لابنته‏,‏ وأنا لا أعرف هل أستطيع أن أخطو مثل هذه الخطوة وادخل في معركة لإثبات انني جديرة بهذا الرجل‏,‏ واني لست طامعة‏,‏ ولست سيئة كما تتصور والدته؟

ماذا أفعل ولا أحد يعلم كل ما يجري من عائلتي حتي الآن‏,‏ وليست لدي الشجاعة أن أخبر والدتي بهذا الرفض المهين لابنتها‏.‏ لا أستطيع أن أضع أسرتي في هذا الموقف‏.‏

سافرت والدة حبيبي حاملة معها حلمنا الجميل وحطمت قلبينا وحولت أيامنا إلي كابوس مفزع‏,‏ هو منهار تماما من إصرار والدته علي الرفض‏,‏ وأنا أذبل وأنا أظلم دون ذنب جنيته‏,‏ والأيام تمر طويلة والليالي تمر ثقيلة وأنا أنتظر فرج ربي‏.‏

أريدك أن تدلني علي الطريق‏,‏ فأنا أحبه حقا وأريده وأراه رجلا يستحق الوقوف أمام الكون من أجله‏..‏ وهو يحبني ويعدني بأنه لن يتنازل عن حلمه بأن أكون زوجته وأم أولاده‏..‏ فما العمل؟ أرجوك أن تقول لها كلمات قد تؤثر فيها وتعلم أنها تقف في وجه سعادة اثنين لا ذنب لهما‏.‏

أرجو ألا تكون قاسيا في ردك‏,‏ فأنا عانيت من القسوة مرارا وأملي في رحمة ربي وحكمة ردودك التي شجعتني علي أن أكتب إليك‏..‏

{‏ عزيزتي‏..‏ للأسف‏,‏ تفكير هذه الأم المتعلمةالمثقفة‏,‏ هو تفكير الكثيرين في مجتمعاتنا بإدانة البنت عندما يتأخر بها سن الزواج‏,‏ وكأنها مسئولة عن هذا التأخير‏,‏ في حين ينسي كل فرد في المجتمع أن هذه مشكلة عامة نتيجة لظروف عديدة ليس من بينها أبدا البنت نفسها‏,‏ لذا لم يعد غريبا أن تتزوج البنت عند سن الثلاثين أو أكثر دون أن يدينها ذلك أو ينتقص من قدرها‏.‏

واسأل هذه الأم المتعلمة المثقفة التي أفنت عمرها ــ ولها كل التقدير والاحترام والطاعة علي تضحياتها ــ ماذا لو كانت لديك ابنة في مثل ظروف هذه الفتاة‏,‏ ووقفت منها أم شاب تحبه ويحبها نفس موقفك الآن؟ لا أعتقد أن اجابتك ستتوافق أبدا مع موقفك القاسي المنقاد إلي فكر جماعي غير ناضج‏.‏

سيدتي الأم‏,‏ نجحت في تربية ابنك‏,‏ ولك عليه كل الطاعة‏,‏ ولكن في أمر الزواج‏,‏ عليك النصح وإبداء الرأي‏,‏ فإذا رأيت منه تمسكا عن نضج ووعي وحب‏,‏ فليس أمامك إلا احترام رغبته ومساعدته في تحقيقها‏.‏ فلكل إنسان بالغ راشد‏,‏ حق إختيار حياته ومن يشاركه فيها‏,‏ وسيجني ثمار إختياره بالسعادة أو الشقاء‏,‏ لقد ارتبط ابنك من قبل وفشلت خطبته‏,‏ فلا تحرميه من سعادته‏,‏ ولاتدفعيه إلي عصيانك وهو الابن البار الحريص علي إرضائك‏,‏ وها هي دار الافتاء تؤيده فيما يريد أن يذهب إليه‏,‏ فلماذا تشقيه وتعذبي نفسك‏,‏ لمجرد تحقيق إرادتك‏,‏ أتمني أن تراجعي نفسك‏,‏ وتحتضني ابنك وفتاته‏,‏ وتباركي هذا الزواج‏,‏ بدلا من أن تندمي قبل فوات الأوان‏.‏ لقد عشت حياتك باختيارك‏,‏ وليس من حق الآباء‏,‏ أن يفرضوا علي أبنائهم أن يعيشوا حياتهم بنفس اسلوبهم وبطريقة تفكيرهم‏,‏ فالانسان يعيش مرة واحدة ولن يستطيع مهما فعل أن يعيش مرتين بالسطو علي حياة أبنائه‏,‏ إلا من خلال دعمهم وحبهم وطاعتهم ودعائهم لآبائهم‏.‏

أما أنت يا عزيزتي الشابة الصغيرة‏,‏ فتمسكي بموقفك‏,‏ ولا تتراجعي عنه‏,‏ ولا تخذلي هذا الشاب‏,‏ ولاتشعري بأي هوان‏,‏ فعمرك طبيعي وليس عارا عليك وعلي أسرتك‏,‏ فاتحي والديك في الموضوع بكل هدوء وأخبريهما بموقفك الواضح بأنك لن تتزوجي إلا هذا الشاب المتمسك بك إلي آخر مدي‏,‏ وأتمني أن يتفهم والدك‏,‏ ولايكون وجها آخر لوالدة تلك الشاب فيظلمكما هو الآخر‏.‏ وأتمني قبل ذلك أن تأتي الموافقة من والدة العريس لتدخل السعادة إلي كل القلوب المحبة‏.‏ ومبروك مقدما وإلي اللقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

الطـيف الجمــيل

19-10-2007
كم من سنوات أمضيتها في الطفولة البريئة تداعبني أحلام وأمنيات بأن يزورني‏(‏ ولو لمرة‏)‏ ذلك الجد الطيب المسمي بابا نويل بلحيته البيضاء وطرطوره وزيه الأحمر وابتسامته الودود‏,‏ والأهم من ذلك كله بهداياه الجميلة‏..‏ لكنه للأسف لم يختصني أبدا بتلك الزيارة‏...‏ فتصورت‏..‏ ثم أيقنت أني‏(‏ لسبب أو آخر‏)‏ غير جدير بها‏,‏ إلي أن أدركت مع تعاقب السنين أنه شخصية وهمية مصطنعة ارتبطت باحتفالات الكريسماس بالخارج‏..‏ ومع ذلك فقد بقي شخصية محببة وجميلة‏(‏ في المعني‏)‏ لنا وللأطفال من بعدنا‏,‏ وإن كنا لم نعد ننتظره كخيال بعد‏.‏

إلي أن فوجئت ـ وبعد عقود طوال تجاوزت فيها سن المعاش ـ بواقع يتجاوز هذا الخيال بمراحل وأشواط‏..,‏ فإذا بطيف رائع يطرق خلوتي ويتصل بي ليستفسر مني وبإلحاح عن أحلام الطفولة البريئة وحرمانها المرير ـ والتي لا تخص كهلا مثلي بالقطع ـ بل من هم أفضل وأروع مني بكل تأكيد‏:‏ أحباب الله‏..‏ الأيتام والمعاقون الفقراء‏.‏

وكانت المناسبة هي ليلة الرؤية لهلال رمضان‏..‏ ومع نسماتها الروحانية العطرة الجميلة‏..‏ وعلي مشارف الفجر منها‏..!!‏

وكأنما أردت أن أعوض حرمان زيارة الطفولة‏..‏ فأخذت أسرد وأسرد ما يحتاجه هؤلاء الأطفال من كساء وغذاء ومصروفات دراسية‏..‏ بل وهدايا وعيديات أيضا‏..‏ فإذا بصاحب الطيف الجميل‏(‏ والذي نتوقع أنك تعلمه‏)‏ ـ ولنطلق عليه بابا الخير ـ يستأذنني في مهلة بضع دقائق‏..‏ انهمرت بعدها أنهار الخير علي هؤلاء الأطفال المحرومين والأبرياء من شتي الاتجاهات‏..‏ فهذا محاسب يتبرع بعشرين ألفا‏..‏ وصاحب مصنع يتبرع بخمسين‏..‏ و‏..‏ و‏..‏ وأمكن مع أول أيام ونسمات الشهر الجميل تدبير احتياجات نحو ألف من هؤلاء الأطفال‏.‏

وإذا بزيارة أخري من ذات الطيف الجميل بعد يومين لا أكثر ليستفسر عن أحلام وأحوال أسر وأطفال آخرين‏..‏ فبلغ بنا الطمع مداه‏..‏ وطلبنا منه مضاعفة عدد الأطفال‏..‏ بل وشباب الأيتام غير القادر علي سداد مصروفات الجامعة‏..‏ وصولا لتجهيز بعض عرائس الأيتام المتعثرات في الزواج‏..‏ فإذا به يتقبل طمعي بكرم زائد ويحيلني لملاك آخر يتولي عنه كل هذه المهام دون تأخير‏..‏ والذي أفاض بدوره في العطاء فعرض علينا أيضا تجهيز مستشفي سرطان أطفال جامعة الزقازيق ببعض ما ينقصها من أجهزة حيوية‏..‏ بل وأدوية غالية تكفيها لمدة ثلاثة أشهر‏..!!‏

والأغرب يا سيدي أن هذا الملاك بات هو الذي يطاردنا ويلاحقنا‏(!!)‏ لإتمام مشروعات الخير التي وعدنا بها والتي تتجاوز ربع المليون جنيه‏...‏ والتي يسعي شباب القافلة بالكلية معنا جاهدين لإنجازها علي أفضل وجه يرضي الخالق عز وجل‏.‏

وليتك كاتبنا شاركتنا تلك الليلة الرائعة التي ازدان فيها استاد جامعتنا الحبيبة‏(‏ الزقازيق‏)‏ بأطفال الجنة من الأيتام الفقراء‏..‏ وشاهدت فرحتهم الغامرة باحتفالات وهدايا العيد‏.‏

وليتك شاهدت أيضا شباب قافلتنا الجميلة ومسئولي الجامعة والكلية والأستاد وهم يحلقون كالملائكة حول هؤلاء الأطفال عناية ورعاية وتدليلا‏.‏

أولئك الشباب المفلس تماما ماليا‏.‏ والثري جدا عطاء وحبا وإنسانية‏...‏ والذي كان يجوب المصانع والأسواق صائما لتدبير كساء الأيتام‏..‏ وهم لا يملكون غالبا لأنفسهم ثمن حذاء جديد‏..!!‏

فهل من روعة وعطاء ونقاء أعظم‏..!!‏
وليتك أيضا كنت معنا بتلك الليلة الرمضانية الرائعة التي أمضيناها مع وبين قلوب وضحكات يتيماتنا الجميلات من أبناء الكنيسة القبطية عندما توجهنا لهم للتهنئة بزواج إحدي زهراتهن البريئة‏.‏

تلك الزيارة التي سبقها ـ وبما يشبه الافلام الهندية ـ مفارقة غاية في الروعة والدلالة والتدبير الإلهي المعجز‏..‏ إذ ونحن نتناقش حول أفضل هدية لتلك العروس الجميلة‏..‏ فإذا بزميل قبطي بالكلية يتصل بنا ـ وفي هذه اللحظة بالذات‏!!‏ ـ طالبا أن يشاركنا في كساء الأيتام المسلمين‏..‏ فطلبت منه بدوري أن يتولي هو هدية تلك العروس‏(‏ وبأغلي ثمن‏)..‏ فوافق بعد إلحاح وفوضنا نحن في تقديمها‏.‏

ليتأكد لنا وللجميع ـ وللمرة المليون ـ أن الله دوما في الانتظار بكل الأديان‏..‏ واللغات‏..‏ بل والأجناس‏..‏ مادام الحب والتراحم والتواد هو السائد‏..‏ وليس البغض والكراهية والتربص والأحقاد‏.‏

وليكتمل هذا الفيلم الجميل بجارنا ضابط الشرطة القبطي الذي جدد شقته ويصر علي أن يختصنا نحن بأن نأخذ ما قد يصلح لديه من فائض أثاث لتزويج اليتيمات المسلمات‏..!!‏

فيا سبحان الله‏..‏ فما هذه الطاقة الكامنة والهانئة للخير بين ابناء مصر الأصيلة والجميلة‏..‏ وما سر تلك الأيام‏(‏ بل واللحظات‏)‏ الرائعة التي تجلي النفوس‏..‏ وتظهر أجمل وأروع مافي معدن البشر مسلمين ومسيحيين علي حد سواء‏..‏؟‏!‏

وما تفسير تلك اللقطات الرائعة التي نجد فيها تسابقا بين الثري الذي ينصب موائد الرحمن‏...‏ وبين الشاب العاطل والمفلس الذي يقف متحمسا وسعيدا بالإشارات والطرقات ليوزع تمرا وعصيرا علي من هم اغني منه من راكبي السيارات الفاخرة والفارهة‏..!!‏

انتهاء‏(‏ بل وابتداء‏)‏ باشقائنا وأبناء عمومتنا الاقباط ـ جارا أو زميلا أو تاجرا وسائقا للتاكسي ـ والذين يمتنعون تماما عن الأكل والسجائر‏(‏ وما أدراك ما هي‏)‏ مراعاة ومشاركة للصائمين‏.‏ والذين‏(‏ وبقدرة قادر‏)‏ تختفي أي مشاحنات معهم بذلك الشهر الكريم‏..‏ ليحل محلها ـ ولو علي سبيل المجاملة ـ تلك الموائد والمودة والزيارات المشتركة‏.‏

فما هذه اللوحة الإنسانية الرائعة‏..‏ وهل هؤلاء حقا هم أبناء مصر‏(‏ والذين باتوا يخانقون ذباب وجوههم‏)..‏ أم انه شعب مستعار‏..‏ أم ان شخصيتنا الحقيقية والتي تكاد تطمسها أوضاعنا القهرية‏..‏ تبزغ بأزهي صورها بتلك الأيام الروحانية الرائعة‏..!!‏

فما هو إذن سر هذا الشهر الرائع الجميل‏..‏؟
وهل نترك سلوكياته الإنسانية الراقية التي تظهر المعدن الحقيقي لشعبنا تفلت من بين أيدينا كالمعتاد كل عام‏..‏؟‏!‏

والاجابة بالقطع‏:‏ لا‏..‏ وألف لا‏..‏
أم أن إله رمضان ليس بإله سواه‏..!!‏

من هنا فاسمح لنا كاتبنا أن نطالبكم عبر صفحتكم الإنسانية والاجتماعية الثرية ببدء حوار حول المبادرات الذاتية الممكنة للتخفيف عن ذوي الحاجات من أهلنا وأبناء وطننا‏(‏ مسلمين واقباطا‏)‏ علي مدي العام‏.‏

ذلك انه اذا كان مشروعكم الجميل والنبيل لمساندة الشباب الذي كنا نستبشر به خيرا قد تعثر لأسباب معتادة جدا بمصر‏..!!‏ فيجب ألا نقف كثيرا في الانتظار‏..‏ فآلام البشر وصراخهم بلغ عنان السماء‏..‏ والخالق عز وجل لن يتهاون معنا في الحساب‏.‏

من هنا اسمح لي أن أبدأ معكم ببعض افكار متواضعة يستطيع كل منا أن يطورها ويبدأها بالدائرة المحيطة به‏..‏ والتي يمكن أن تتراوح مابين‏:‏

مشروعات عاجلة لا تحتمل تأجيلا‏:‏
وتتمثل مبدئيا في بطانية وبلوفر وحذاء‏(‏ ولو مستعملا‏)‏ لكل يتيم وفقير قبل دخول الشتاء‏.‏ وصدقني كم من بيوت دخلناها لا يوجد بها أي غطاء ـ أو حتي سرير ـ سوي بعض هلاهيل يفترشون بها التراب‏.‏

وصولا إن أمكن لتدبير بعض احتياجات العيد القادم لهم‏..‏ ولتكن تحت شعار كيلو لحم‏(‏ ولو مجمدا‏)‏ لكل يتيم أو فقير‏..‏

مشروعات متوسطة الأجل‏:‏
وتختص مثلا بالمعاونة في إتمام زواج أكبر عدد ممكن من الفتيات غير القادرات بابسط أجهزة وأثاث‏...‏ ولتكن‏(‏ مبدئيا‏)‏ من الفائض غير المستخدم بمنازلنا‏..‏ فضلا عن تلك التي تذخر بها الجرائد الإعلانية الأسبوعية بأرخص الأسعار‏.‏

إضافة لتوفير بعض تجهيزات بسيطة‏(‏ ولو مستعملة‏)‏ ـ كمعونة أو كقرض حسن ـ لمن يرغب في بدء مشروع صغير يكفيه وأسرته السؤال‏.‏

مشروعات ممتدة‏(‏ من رمضان للذي يليه‏):‏
ولتشمل تطوير جزء من حي عشوائي أو مدرسة أو مستشفي أو‏..‏ وصولا للمساهمة مثلا ـ وبالأولوية عن كل شيء ـ في إنجاز مشروعات تنقية المياه بقري وأحياء الفقراء‏..‏ ـ ولو من منظور توفير جرعة ماء نظيف لكل صائم‏..‏ خاصة أن رمضان المقبل وما بعده سيمكث معنا طويلا بأشهر الصيف والقيلولة‏.‏

فهل من دعوة منكم لأحبائنا الذين تهفو أرواحهم كثيرا لزيارة الرحمن ورسوله اليتيم‏..‏ بأن يخصصوا قيمة عمرة واحدة لتزويج بعض أقاربهم أو جيرانهم غير القادرين‏.‏ ونفس الشيء بالنسبة لأشقائنا الأقباط الراغبين في زيارة القدس لولا الاحتلال‏..!!‏

وهل‏..‏ وهل‏..‏ وهل‏..‏ ؟؟
سيدي‏..‏ ندرك تماما أننا لن نستطيع ـ بمثل هذه المحاولات والأفكار ـ أن نقضي علي الفقر والبؤس والمرض بمصر لارتباطه بأوضاع هيكلية جائرة‏..‏ لكننا نوقن في الوقت ذاته أن البطون الخاوية والأجساد الهزيلة والعارية لم تعد تحتمل المزيد‏..‏ وأن السرطان والفشل الكلوي والكبدي بات ينهش أجساد صغارنا بلا رحمة أو علاج‏..!!‏

فهل من مشارك أو مجيب للتخفيف عن أولئك الضائعين‏..‏؟‏!‏
كاتبنا الحبيب مصرنا الغالية تئن وعليلة‏..‏ لكنها ـ بأبنائها ـ ثرية وأصيلة‏..‏ وطاقات الخير بها كامنة وغير محدودة‏..‏ وكل المطلوب هو ترشيد تلك الطاقة كي تمثل نهرا مستمرا ومتجددا ومتدفقا طول العام‏..‏

فهل هذا مستحيل‏..‏؟‏!‏
د‏.‏ عادل حسن قاسم
قافلة شعاع الخير

‏*‏ في مثل هذا الوقت من كل عام‏,‏ تأتيني هذه الرسالة من الصديق الأستاذ عادل قاسم مؤسس قافلة شعاع الخير التي تضم زهورا من أرض مصر الطيبة‏,‏ لتمنحني أوكسجين نقيا‏,‏ يفتح مسام المحبة في القلب‏,‏ ويكشف عن أهل مصر الأصليين‏,‏ الذين يغيثون المحتاج‏,‏ ويمسحون دموع المتألمين‏,‏ ويرسمون الضحكة علي وجوه الأيتام المحرومين‏.‏

في مصر ـ ياسيدي ـ ملايين بابا نويل ونحن لا نشعر بهم‏,‏ وقد لا نراهم‏,‏ ولكنهم حولك وأمامك من حيث لا تحتسب‏..‏ قد يغلق أمامنا باب‏,‏ فيفتحون لنا أبوابا للأمل والفرح‏..‏ وقد يتعطل مشروع أو حلم‏,‏ فيفاجئوننا بمشاريع وأحلام لم نكن نتوقعها‏.‏

سيدي‏..‏ الطيف الجميل ليس هو بريد الجمعة أو من يحرره‏,‏ ولكنه ذلك الإنسان الذي يخجلك وهو يمد يده إليك‏,‏ خجلا وتواريا‏,‏ وكأنك أنت المحسن إليه‏.‏ هم أولئك الذين تحدثت عنهم في رسالتك‏..‏ صاحب المصنع الذي يفاجئني كل يوم بجملته أرجوك اطلب ما تشاء فهذه ليست أموالي‏,‏ إنها أموال الله التي أئتمنني عليها‏..‏ هو ذلك الملاك‏.‏ رجل الأعمال القادم من الصعيد‏,‏ الباحث عن الأيتام والفقراء في كل مكان‏,‏ صاحب القلب الأبيض‏,‏ والذي يشعرك ـ بكل ما يفعله ـ بأنه عاجز ومقصر‏.‏

هو زميلك القبطي‏,‏ وجارك الضابط القبطي‏,‏ اللذان يؤكدان لك ولي ولنا جميعا أن الله دوما في الانتظار بكل الأديان‏.‏

هؤلاء هم أهل مصر ياسيدي‏,‏ بعيدا عن اللصوص والفاسدين التي تملأ صورهم الصحف كل صباح‏,‏ متعتهم الأخذ بكل السبل‏,‏ فيما تبقي السعادة الحقيقية التي وصل إليها أصدقاؤنا في أن يعطوا من أنفسهم حبا وعطفا قبل أن يمنحونا أموالهم‏.‏

سيدي‏..‏ اقتراحاتك رائعة‏,‏ وستسمع قريبا أخبارا تسرك وتسر أحبابك وأيتامك وشبابك وكل مصري يحب الخير من خلال مبادرات ذاتية لبشر يحبون هذا الوطن‏,‏ يخافون الله‏,‏ ويعطفون علي عباده الفقراء‏.‏ وإذا كنت تري أن مصر تئن وعليلة فاسمح لي أن أختلف معك ـ وليكن الآن فقط ـ وأري أن مصر عفية وسعيدة بأبنائها الخيرين من أمثالك وأمثال أبنائك وطلابك في الجامعة وزهورك في قوافل شعاع الخير‏..‏ مصر سعيدة بملائكتها الذين لم يخذلونا دوما ولم يردوا سؤالا أو سائلا‏..‏ وكما زارك الطيف الجميل الذي يجمع هؤلاء‏,‏ طيف الخير والمحبة المزهر في قلوب أصحاب الأيادي البيضاء‏,‏ سيظل دوما بإذن الله ومشيئته عند حسن ظن عباد الله‏,‏ فإن تكن مسئولا فهذا تكريم من الله سبحانه وتعالي‏,‏ أما من لم يفهم مغزي تكليفه بالمسئولية وإجابته للسائل‏,‏ خسف به الله الأرض وأذله بعد عز وأذاقه مرارة السؤال‏.‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

حصاد الألم والأمل

12-10-2007
المحرر
للعام الثاني علي التوالي‏,‏ يخجلني صديق بريد الجمعة لواء مهندس بالمعاش محمد ناصر عبدالرازق يوسف‏,‏ بجهده الكبير المعجز في رصد كل ما نشر في بريد الجمعة‏,‏ علي مدي العام الفائت‏,‏ راصدا ومحللا ما لم أتلفت إليه في طاحونة العمل الأسبوعية‏.‏ جهد يستحق أن ينشر كاملا‏,‏ ولكنه يحتاج إلي صحيفة مكتملة‏,‏ فعذرا للاختصار‏,‏ وإن كنت أبحث عن طريقة لتوثيق هذا المجهود الرائع لكل ما نشر في البريد ويضم آمال وأحلام وآلام أصدقاء بريد الجمعة الذي هو منكم ولكم وبكم‏..‏ دمتم لنا بكل الخير والسلامة والسعادة والهناء وراحة البال‏.‏

المحرر من‏2006/9/1‏ م إلي‏2007/8/31‏ م لو حللنا ما وصل للباب من رسائل لوجدناها كالآتي‏:‏
*‏ مشاكل توضح الخيانة والخطيئة‏:‏ شبكة الشيطان‏,‏ ليتني ما فعلت‏,‏ الخطيئة‏,‏ الخائن‏,‏ خائنة ولكن‏!,‏ خطوات الشيطان‏,‏ ثمن الاختيار‏,‏ الشبح‏,‏ جروح الروح‏,‏ الفرصة الأخيرة حكاية و‏3‏ وجوه‏,‏ اعترافات أم نادمة‏.‏

*‏ مشاكل توضح المراهقة والمراهقة المتأخرة‏:‏ مذاق الحب‏,‏ خيوط العنكبوت‏,‏ سيدة المجتمع‏,‏ الأبواب المفتوحة‏,‏ تابوت امرأة‏,‏ احذروا أيها الرجال‏,‏ معصية الدش‏,‏ نزوة الخمسين‏.‏

*‏ مشاكل توضح الاشتهاء‏:‏ نوافذ الاشتهاء‏,‏ المستجير‏,‏ إذلال امرأة‏,‏ حبيبة زوجي‏,‏ وأنا أيضا أحب‏,‏ علي نور‏,‏ الحلال المعيب‏,‏ عيون المعصية‏,‏ الخيار الثالث‏,‏ نوع من الرجال‏.‏

*‏ مشاكل توضح الإدمان‏:‏ سيدة القصر‏,‏ منتصف الطريق‏.‏

*‏ مشاكل مرضية وابتلاءات‏:‏ بنات هذا الحي‏,‏ جحيم الساعات الثلاث‏,‏ المعذبون في الرؤية‏,‏ هي وسلوي‏,‏ كيف يعيشون؟‏,‏ لن نتزوج‏!,‏ دعوة كريم‏,‏ وجع في كبد البراءة‏,‏ مكافأة السماء‏,‏ الليالي السوداء‏,‏ أين يذهبون؟‏,‏ الونيس‏,‏ الشريك الآمن‏ هذا عدا ما يكتب تحت عنوان بدون عنوان أو مد لي يدك‏.‏

*‏ مشاكل توضح الأنانية وعقوق الوالدين وجحود الأبناء‏:‏ معني السعادة‏,‏ مفتاح الحياة‏,‏ مفتاح السعادة‏,‏ قبل الرحيل‏,‏ الغفلة‏,‏ بديلة ابنتي‏.‏

*‏ مشاكل توضح القسوة وسوء العشرة‏:‏ لحظة ضعف‏,‏ هذا الأب‏,‏ الانتقام‏,‏ اعترافات صغيرة‏,‏ هارب من المعتقل‏,‏ الشاطئ الآخر‏,‏ نور الحياة‏,‏ السعادة الهاربة‏,‏ رجل في حياتي‏,‏ القلعة السوداء‏,‏ دخان بلا نار‏!.‏

*‏ رسائل توضح أطماع الحياة‏:‏ كيف نتزوج؟‏,‏ بين الأصدقاء‏,‏ قصور وقبور‏,‏ طريق الغربة‏,‏ الطرف الثالث‏,‏ عذرية الكابتن‏.‏

*‏ رسائل تتحدث عن الوفاء والإخلاص وبر الوالدين‏:‏ الأستاذ‏,‏ وردة إلي أمي‏,‏ هذا أبي‏,‏ كان أبي‏,‏ أمي في يوم الرحيل‏,‏ ابني البار‏,‏ مكافأة السماء‏,‏ أنا وحماتي‏,‏ ليتني قبلته‏.‏

*‏ رسائل تتحدث عن توجيهات وإرشادات وعظات‏:‏ العدالة‏,‏ ما تحتاجه المرأة‏,‏ تغيير الديانة‏,‏ ما يرفضه الرجل‏,‏ بين المرأة والرجل‏,‏ بين آدم وحواء‏.‏

*‏ رسائل تتحدث عن السذاجة‏,‏ والجهل بالقوانين‏:‏ خطأ العمر

*‏ رسائل من نور تتحدث عن الرضا‏,‏ والحب‏,‏ والعرفان بالجميل والوطنية وتدعو للخير‏:‏ الكنز‏,‏ البداية‏,‏ بريق الأمل‏,‏ حلم الشباب‏,‏ أنهار الخير‏,‏ الزكاة ومشروع الشباب‏,‏ شرفة علي الجنة‏,‏ من أجل الشباب‏.‏

وجاء دور الحكم‏,‏ دور الدرر والعبر والعظات‏,‏ التي خرجنا بها خلال هذا الحصاد‏,‏ وهي كالتالي‏:‏ حكم ساقها لنا صاحب بريد الجمعة‏,‏ في تعليقه علي الرسائل‏:‏

معني السعادة‏:‏
‏*‏ إن السعادة‏:‏ هي ذلك الشعور المريح الذي يغمرك عندما تدخل البهجة إلي قلوب الآخرين‏,‏ وهي في التقوي‏,‏ والعطاء‏,‏ والرضا‏,‏ والفضيلة‏,‏ والاستقامة‏,‏ وراحة الضمير‏.‏

*‏ لا الفقر يستطيع إذلال النفوس القوية‏,‏ ولا الثروة تستطيع أن ترفع النفوس الدنيئة‏.‏

*‏ ما تكبر أحد‏,‏ إلا لنقص وجده في نفسه‏.‏

*‏ كلما ارتفع الشريف تواضع‏,‏ وكلما ارتفع الوضيع تكبر‏.‏

*‏ ثروتك الحقيقية لن تكون إلا في نفسك‏,‏ فيجب عليك أن تصالح ماضيك‏,‏ فليس فيه ما يخجل‏,‏ ولابد أولا وأخيرا أن تعود إلي الله‏.‏

الكنز‏:‏
‏*‏ إننا نمتلك الكثير‏,‏ والقليل منه يجعل الضحكة تتقافز علي شفاه بريئة‏.‏

*‏ إننا بحاجة إلي إنارة ذواتنا‏,‏ حتي تشع بالخير علي الآخرين‏,‏ فإن هنئوا وقرت عيونهم‏,‏ نام البشر سعداء‏.‏

الخائنون
‏*‏ علي الرغم من أنه لا توجد مبررات للخيانة‏,‏ توجد مبررات للانفصال‏,‏ لاختيار شكل للحياة لا يتنافي مع القيم‏,‏ والأخلاق‏,‏ والدين‏.‏

مفتاح الحياة‏.‏
‏*‏ إن حياتنا لن تتغير‏,‏ إذا ظللنا ننظر إليها من الزاوية الواحدة‏,‏ الضيقة‏,‏ المؤلمة‏,‏ فإذا أردنا التغيير‏,‏ علينا أن نغير أولا من وضع الرؤية‏,‏ لعلنا نري ما غاب عنا‏.‏

*‏ الحب مثل الإنسان‏,‏ له عمر‏,‏ يحتاج إلي أشياء عديدة كي يحيا‏,‏ ولا يحتاج إلي مقدمات حتي يموت‏.‏

مذاق الحب
‏*‏ إن ما لم نأخذه‏,‏ ونسع إليه في شرخ الشباب‏,‏ لا يحق لنا أن نأخذه‏,‏ ونحن في خريف العمر‏,‏ لأنه سيأتي حتما‏,‏ علي حساب آخرين‏.‏

*‏ القادر علي الانتقام‏,‏ قادر علي الهداية‏.‏

لحظة ضعف
‏*‏ من يتزوج علي عجل‏,‏ يندم علي مهل‏.‏

*‏ إن سلامة الفرد النفسية‏,‏ والبدنية‏,‏ هي التي تقود إلي سلامة الأسرة‏,‏ وعندما يفقد أحد طرفي العلاقة مقومات الأمان‏,‏ ومبررات السلامة‏,‏ ويصبح الطرف الآخر مصدرا للآلام‏,‏ فإن الانفصال عندئذ‏,‏ يصبح هو الاختيار الأفضل للجميع‏.‏

الخطيئة
‏*‏ إن خيال الواقع‏,‏ أوسع وأعمق من خيال كل المؤلفين والكتاب‏.‏

خيوط العنكبوت
‏*‏ كثير من الأبناء ينجرفون وراء مشاعرهم‏,‏ ويصمون آذانهم‏,‏ ويغمضون عيونهم‏,‏ فلا يرون الواقع‏,‏ ولا يستقرءون المستقبل‏,‏ فيندفعون خلف نبضات قلوبهم‏,‏ معتقدين أن السعادة تختبئ خلف هذا الإحساس الغامض الممتع ألا وهو الحب كما يعتقدون‏,‏ عكس ما يراه الآباء بعيون خبيرة‏,‏ وعقول عركتها الحياة‏,‏ وزادتها خبرة وصلابة‏,‏ لهذا يبدو الحوار بين الطرفين متوازيا‏,‏ لا يلتقي أبدا‏.‏

*‏ إن لذة الانتقام لا تدوم سوي لحظة‏,‏ أما الرضا الذي يوفره العفو فيدوم إلي الأبد‏.‏

*‏ الأولي أن يبكي الابن من أن يبكي الاب

اعترفات صغيرة
‏*‏ يغفل كثير من الآباء‏,‏ أن عيون الصغار ترصد خطاياهم‏,‏ وتختزن لغتهم‏,‏ وتصرفاتهم‏,‏ ولأن الصغار يعجزون عن المواجهة‏,‏ وعن التغيير‏,‏ يعزلون أنفسهم‏,‏ ويبحثون عن وسيلة للانتقام من آبائهم‏,‏ دون وعي بأنهم هم الذين يدفعون الثمن‏.‏

العدالة
‏*‏ إن عدل الله سيف مسنون علي رقاب الظالمين مهما طال ظلمهم‏,‏ وأن عطاءه سبحانه وتعالي لا يجف ولا يغفل عن المظلومين‏,‏ المؤمنين‏,‏ الصابرين‏,‏ الموقنين برحمته وعدله‏.‏

*‏ إننا نسير في الجنازات يملؤنا الخشوع‏,‏ وتنهمر من عيوننا الدموع‏,‏ علي مصيرنا الحتمي الذي نراه ماثلا أمامنا‏,‏ وما أن نواري الجثمان الثري‏,‏ ونعطي ظهورنا للمقابر‏,‏ تبهرنا الدنيا مرة أخري‏,‏ فنفرش للشياطين في نفوسنا أفدنة الشر تمرح فيها‏.‏

الخائن
‏*‏ إن العفو ـ لمن يقدر عليه ـ في مثل حالتكما‏,‏ مكاسبه أكبر بكثير من خسائر الانتقام‏.‏

جحيم الساعات الثلاث
‏*‏ إن الأزمة ليست في القانون‏,‏ وإنما في ثقافتنا‏,‏ ثقافة الانفصال التي تعني في مجتمعاتنا‏,‏ أن شركاء الحياة شركاء المنزل والفراش والأيام الحلوة ومثلها الصعبة‏,‏ إذا انفصلوا‏,‏ فهم أعداء‏,‏ يبالغ كل طرف في تعمد إيذاء الآخر وإذلاله‏,‏ حتي لو كان ذلك باستخدام ملائكتنا‏,‏ أطفالنا الصغار‏.‏

*‏ دعونا نوفر لهم ظروفا طبيعية وإنسانية‏,‏ لأنهم سيكونون المتكأ والملجأ عندما يتسرب العمر ومعه الصحة وحق الأمر والنهي‏.‏

هي وسلوي
‏*‏ نعم للفراش امراض‏,‏ والأمراض طاردت جسدها الهزيل‏,‏ لكنها لم تمس روحها‏,‏ تلك الروح المعزولة بأضواء من المحبة‏,‏ والعناية الإلهية‏,‏ فكانت تهزم كل الانكسارات‏,‏ بابتسامة حديدية‏,‏ تقرأ القرآن‏,‏ تكتب الشعر‏,‏ وتجمع الفقراء والمرضي حولها‏.‏

*‏ السعادة هي أن نهزم الألم في داخلنا وننقلها للآخرين‏.‏

قبل الرحيل
‏*‏ كثير منا تشغله الحياة ببهارجها‏,‏ غافلا أنها رحلة بين بابين متواجهين‏,‏ أحدهما للدخول‏,‏ والآخر للخروج‏.‏

*‏ إرادة الشفاء‏,‏ نصف الشفاء‏,‏ عليك أن تثق في رحمة الله‏.‏

*‏ من أكرم والديه‏,‏ سر بأولاده‏.‏

*‏ بعض الزوجات داء‏,‏ وبعضهن دواء‏.‏

*‏ المال خادم جيد‏,‏ ولكنه سيد فاسد‏,‏ وإنه كالسماد‏,‏ لا يفيد إذا لم ينثر‏.‏

طريق الغربة
‏*‏ الغربة كان الهدف منها هو الاستثمار في الأبناء‏,‏ لا في البناء‏.‏

*‏ قول رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏ لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت‏,‏ لأدركه رزقه كما يدركه الموت أبي نعيم في الحلية عن جابر رضي الله عنه‏.‏

الطرف الثالث
‏*‏ نعم أنت لست في حاجة إلي رأي‏,‏ فقد أنضجتك الغربة‏,‏ فهي ليست فقط للذين يركبون الطائرات ويرحلون‏,‏ ولكنها أيضا في الفقد والاحتياج‏.‏

*‏ الحياة الإنسانية وجود حقيقي‏,‏ نفس‏,‏ ورائحة عرق‏,‏ وحضن دافئ ملموس‏,‏ لا كلمات‏,‏ ووعود‏,‏ وهدايا‏.‏

خطوات الشيطان
‏*‏ إن هدف العدالة‏,‏ هو إصلاح المجرم قبل القصاص منه‏.‏

*‏ أن الستر‏,‏ أكرم وأعلي من هتك الأسرار والأعراض‏.‏

نزوة الخمسين
‏*‏ الرجل في مثل هذه المرحلة العمرية يحتاج إلي مزيد من الاهتمام والتدليل من الزوجة والأبناء معا‏.‏

عيون المعصية
‏*‏ إن ترويض النفوس وتهذيبها‏,‏ ليس بالأمر الهين‏,‏ ولا مقاومة إغراء الشياطين أمر يسير‏.‏

*‏ إن الإصرار علي الصغائر من الكبائر‏.‏

*‏ الكف عن المعاصي ترك وهو أسهل‏,‏ وعمل الطاعات فعل وهو أثقل‏.‏

السعادة الهاربة
‏*‏ لا يفرط في السعادة من ذاق حلاوتها‏.‏

*‏ الخراب يبدأ عندما تخرج الأسرار من البيت‏,‏ فسرك في دمك‏,‏ ولكنك لم تنظري أين تريقينه؟

جروح الروح
‏*‏ من الأفضل أن يكون أمامك أسد مفترس‏,‏ علي أن يكون خلفك كلب خائن‏.‏

*‏ لشريكنا في الحياة حق علينا‏,‏ أن نرده عن معصيته‏,‏ إن لم يكن من باب الحفاظ علي هذا الكيان‏,‏ فمن باب المحبة والخوف عليه من انتقام الله سبحانه وتعالي‏.‏

*‏ من خان الله في السر‏,‏ هتك الله سره في العلانية‏.‏

*‏ المعصية لا تأتي إلا بمعصية‏,‏ حتي تكتمل دائرة المعاصي حول مرتكبها‏,‏ فتدميه‏.‏

الفرصة الأخيرة
‏*‏ من لا يخاف خالقه‏,‏ لن يخاف زوجته‏.‏

*‏ الزواج سكن ومودة ورحمة‏,‏ لا تعذيب وذل ومهانة‏.‏

وأخيرا وليس آخرا‏,‏ وبالرغم من أن شكري لصاحب بريد الجمعة‏,‏ لا يوافقه ولايعجبه ـ تواضعا منه وخجلا ـ إلا أنني وكما قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم‏,‏ في حديثه الشريف الذي رواه الديلمي عن جابر رضي الله عنه‏:‏ من لم يشكر القليل‏,‏ لم يشكر الكثير‏,‏ ومن لم يشكر الناس‏,‏ لم يشكر الله‏,‏ وتكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة‏,‏ في الجماعة رحمة‏,‏ وفي الفرقة عذاب‏.‏

فواجبي أن أتقدم بالشكر الجزيل‏,‏ علي ما بذله من جهد واجتهاد‏,‏ ويكفي أنه كتب من بنات أفكاره ما يقرب من‏28025‏ ألف كلمة لقرائه الكرام‏,‏ هذا غير ما بذله في تصحيح‏,‏ وتنظيم‏,‏ وتعديل‏,‏ وترتيب‏,‏ وتنسيق‏,‏ ومراجعة أحداث القصص التي يرويها لنا الأصدقاء‏.‏

‏23‏ ـ ونأتي إلي مسك الختام‏,‏ فأهدي هذا الحديث النبوي الشريف‏,‏ إلي صديقي صاحب بريد الجمعة‏,‏ حيث أحسبه من الذين ينطبق عليهم إن شاء الله تعالي‏,‏ عن ابن أبي الدنيا رضي الله عنه‏,‏ في قضاء الحوائج عن الحسن رضي الله عنه مرسلا‏,‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم‏:‏إن لله عبادا خلقهم لحوائج الناس‏,‏ فقضي حوائج الناس علي أيديهم‏,‏ أولئك آمنون من فزع يوم القيامة‏.‏

لواء مهندس بالمعاش - محمد ناصر عبدالرازق يوسف
المزيد ....

أبغض الحلال

05-10-2007
‏‏{‏ بعد أن نشرت رسالة الأسبوع الماضي أربعين امرأة تلقيت رسائل عديدة‏,‏ أهمها رسالة من صاحبة المشكلة‏,‏ تتهمني فيها بالقسوة والانحياز إلي الرجل‏,‏ وشاركها الرأي العديد من القارئات المحترمات‏,‏ وعلي الجانب الآخر وصلتني آراء فيها قسوة أشد من قسوتي من بعض القراء الأفاضل‏,‏ فضلت عدم نشرها لأن فيها انحيازا سافرا لتسلط ذكوري لم أنحز إليه يوما في هذه الزاوية‏,‏ ولم أنصح رجلا بالزواج بثانية لأن زوجته تمنعت عليه أسابيع أو لأنها لا تقول له كلاما جميلا‏.‏

وقبل أن أعرض وجهة نظري‏,‏ علي أن أعتذر لتلك السيدة صاحبة الرسالة طالما رأت مني قسوة في ردي‏,‏ عمدت إليها‏,‏ إيمانا بأن القسوة أحيانا قد ترد الإنسان إلي ما قد يغيب عنه عندما يفتش في عيوب شريك الحياة‏,‏ ولا يلتفت إلي مزايا أمام عينيه وأصبحت غائبة بحكم العشرة والتعود‏.‏ ولا أخفي يا أصدقائي أن عددا كبيرا من رسائل صديقات البريد في الأسبوعين الماضيين كانت كلها تتحدث عن الرغبة في الطلاق وكأنهن يبحثن لدي عن دعم معنوي لأبغض الحلال‏,‏ فيما تصلني رسائل مؤلمة لأبناء الطلاق يشكون فيها من تضحية الأم والأب بالأبناء من أجل اللهاث خلف سعادة غير مأمونة‏.‏

منذ أسبوعين نشرت رسالة لسيدة فاضلة الظالمون كانت تشكو فيها من سوء طباع زوجها وقسوته وإهاناته حتي وصلت إلي مرحلة من التدمير النفسي لا تستطيع معها الاستمرار في الحياة‏,‏ فنصحتها بالاصرار علي الطلاق مهما عانت وعرضت عليها المساعدة بتوفير محام إذا أرادت مني ذلك‏.‏

أما صاحبة رسالة امرأة أربعينية فهي لم تذكر في رسالتها أي عيب في زوجها سوي ما يتعلق بالعلاقة الخاصة التي كانت تتم علي فترات تراها متباعدة‏,‏ وهذا غير ما جاء في رسالتها الجديدة التي ستقرؤنها بعد قليل ـ واستوقفني في رسالتها تركيزها علي جمالها وأنه لا يقول لها كلاما جميلا وهذا حقها ولكنه للأسف عيب في كثير من الرجال الشرقيين‏.‏ أيضا اعترفت صاحبة الرسالة بضعف زوجها وبكائه عندما طلبت الطلاق‏,‏ واصراره علي استمرار الحياة بينهما‏,‏ وتعهده بإصلاح أخطائه وهذا يكشف وجها حانيا محبا لهذا الرجل تجاه زوجته وأن عجز عن التعبير عنه لسنوات طويلة‏

ومن خلال هذا البريد تعلمت أن الرجال أسرع في قرار الطلاق‏,‏ والمرأة لا تلجأ إليه إلا بعد عذاب شديد‏,‏ فإذا فكرت سيدتي‏,‏ بما جاء في رسالتك‏,‏ ووضعت أمام عينيك العيوب والمزايا لشريكك في الحياة‏,‏ فإن الانحياز سيكون إلي الكفة الأرجح‏,‏ خاصة أنك حاربت وتحملت الكثير من أجل هذا الرجل‏,‏ والقفز من عربة الحياة المسرعة بطفلين في سن حرجة إلي المجهول‏,‏ مجازفة ينقصها كثير من العقل‏.‏

واعتقدت ومازلت معتقدا أنك بثقافتك ورجاحة عقلك وعنادك قادرة علي الحفاظ علي هذا البيت‏,‏ لأن بداخلك رغبة في الاستمرار‏,‏ ولو سألت كثيرا ممن حولك عن حياتهم الزوجية ـ نساء ورجالا ـ فستكتشفين أن الأغلبية تريد الخروج من هذه القلعة المحاصرة‏,‏ بينما يسعي آخرون‏,‏ شبابا وفتيات‏,‏ مطلقات وأرامل للدخول إليها ويعجزون عن ذلك‏,‏ وإن كان هذا لا يعني أن تستمري مع ظل رجل لا تشعرين معه بأي أمان أو تضمرين له كراهية شديدة‏,‏ نعم مثل زوجك وغيره من الرجال يستحقون اللوم‏

فالمرأة مخلوق رائع وراق أوصانا به الله ورسوله‏,‏ يلين بالكلمة الطيبة وبالمعاملة الحسنة‏,‏ وليس له أن يهجرك بلا عذر وإلا أصبح عاصيا وآثما‏,‏ وإن كان الأمر يستدعي من كلا الطرفين مناقشة واضحة بلا خجل‏,‏ حتي لو استدعي الأمر الذهاب إلي طبيب متخصص يمكنه مساعدتكما علي تجاوز أزمة طال أمدها‏,‏ من أجل حياة استمرت سنوات طويلة‏,‏ وأثمرت عن أطفال يستحقون منا التضحية طالما استطعنا ذلك‏,‏ أما إذا لم نستطع فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها‏.‏

وأنا أعرض الرسالة الثانية من صاحبة أربعين امرأة أعرض بجوارها رسالة أخري لامرأة انحازت إلي الطلاق ثم اكتشفت خطأ اختيارها وإن كان لكل حالة ظروفها ومبرراتها مع اختلاف طبيعة كل شخص‏.‏
المحــــــــرر
المزيد ....

أربعين امرأة

28-09-2007
{{‏ صباح الخير يا سيدي أكتب لك عقب ليلة مؤرقة لم أذق فيها طعم النوم وتشبه ليالي كثيرة فاتت وأخري بلاشك آتية‏..‏ لن أطيل عليك المقدمات‏,‏ لكن أرجو أن تعلم أن رأيك سيكون هو الشعرة التي أصل بها حياتي أو القشة التي تقصم ظهر البعير‏,‏ أنا سيدة عمري‏39‏ عاما نشأت في أسرة أكثر من ميسورة أعطاني الله الكثير من نعمه التي أشكره عليها في كل لحظة‏,‏ ما زلت أراعيه في تصرفاتي قدر استطاعتي حتي هذه اللحظة‏,‏ فقد كنت دائما سندريلا العائلة كما كانوا يدعونني مما جعلني اشهر بنات الحي الراقي الذي نسكنه في ذلك الوقت لجمالي الأوروبي

الذي لا تخطئه العين وذكائي الذي أهلني لكلية القمة التي يبحث عنها الجميع ولباقتي التي كانت محل اعجاب العائلة ولاسيما شبابها الذين تهافتوا لخطبتي منذ كنت في المدرسة الثانوية‏,‏ لكن أبي رحمه الله رفض لحين انتهائي من دراستي وكان محقا ومع أول شهر في الجامعة تعرفت علي زوجي الذي كان يكبرني بخمسة أعوام‏,‏ رأيته أوسم الجميع وعشقته بأعوامي السبعة عشر عشقا كما حكوا عن جولييت أو أكثر‏.‏ المهم تقدم لخطبتي فرفضه أبي لصعوبة دراستي وكذلك لأنه رأي أنه غير لائق من الناحية الاجتماعية وكان أول صدام في حياتي مع أبي‏,‏

بل قل الصدام الوحيد وأصررت ولم تفلح محاولاتي وافترقنا لسنوات لم أنسه فيها لحظة وحاولوا خطبتي عدة مرات فشلت جميعا‏,‏ لأنه كان طيفا في خيالي‏.‏ أما هو فتزوج بعد فترة وانجب ولدا وحيدا ولم تنجح حياته لأسباب أراها خارجة عن ارادته وبعد مرور أكثر من ثماني سنوات وبعد انفصاله عاود الاتصال بي ولم أشعر بأني تركته لحظة‏,‏ تواصل الكلام كأني كنت معه بالأمس وتقدم لي مرة أخري ورفضه والدي لنفس السبب السابق‏,‏ بالإضافة لظروفه الجديدة لكني كنت تخرجت وعملت وأصبحت أقوي‏,‏ ولن أطيل عليك تم الزواج وحققت حلم عمري مع الرجل الذي ذبت فيه عشقا

وسهرت من أجله الليالي الطوال ومن أول أسبوع اكتشفت يا سيدي أنه مريض بالبرود فهو لا يري جمالي إلا أمام الناس‏,‏ أما في البيت فهو يكاد لا يشعر بي‏,‏ عرفت معني الحرمان وأنا بعد عروس في أوج تألقها كلمته طلبت منه أن يأمرني بما يريد‏,‏ فعلت كل ما يمكن لفتاة مثلي بلا خبرة أن تفعل لجأت لصديقات أكبر‏,‏ تعلمت فنونا ربما لا تعلمها إلا بنات الليل لعله يشعر بي لكنه أبدا لم يشعر‏,‏

كان يقابلني كل أسبوعين‏,‏ أحيانا أكثر بعد محاولات مستميتة مني لأني كنت أحبه لحد الجنون‏,‏ وهنا يجب أن تعلم أني من الشخصيات شديدة العناد والكبرياء لكني أمام هذا الرجل كنت أذوب عشقا‏,‏ تفاصيل مخجلة لا أستطيع أن احكيها لك ولو كنت أعلم أن هذا الرجل لا يقدر أو مريض لحملته علي رأسي عمري كله‏,‏ لكني أصبت بلعنة من نوع غريب حبيبي أمامي وملكي

ورجل كامل الرجولة لكنه لا يراني‏.‏ هل تعلم أني لجأت للدجالين أنا الطبيبة حاملة لـ‏2‏ دكتوراة وعائلتي بها أعظم أطباء مصر ألجأ للدجالين وما أفاد هذا ولا ذاك‏,‏ بكيت تحت قدميه ليالي لا أعرف عددها اطلب منه أن أفهم ليكون الجواب أحبك لا استطيع الحياة بدونك‏,‏ والرد ماذا يبعدك والجواب الانشغال بالعمل‏,‏ وأضحك جميع الناس يعملون لماذا أنت وأنا ولا جواب شاف ردود

كلها تثير الضحك المر‏,‏ مرت السنوات علي هذا المنوال رزقني الله بفتاتين‏13‏ و‏4‏ سنوات وطبعا فرق السن الكبير بينهما معروف سببه وفقدت القدرة علي المقاومة ما عدت استطيع‏,‏ وفقدت الرغبة فيما يمكن أن يعطيني بعد طول محايلة‏,‏ ما عاد لديه ما يلزمني وبعد مرور‏14‏ سنة علي هذه المهزلة الانسانية ومع اقتراب الأربعين أشعر بأني أضعت عمري هباء‏,‏

فقدت حبي له‏,‏ طلبت الطلاق عشرات المرات فكان يبكي ويعد بالاصلاح وفعلا ينصلح الحال لأيام ثم يعود لنفس العادات الآن لم أعد أطلب الاصلاح ولا أريده لأني فعلا زهدته أصبحت كرامتي التي تبعثرت سنوات عند قدميه تقف بيني وبينه‏,‏ ما عدت أريده حتي إن طلب هو‏,‏ أعلنته أن حبي مات أصر علي عدم الطلاق‏,‏ مدعيا أنه يحبني

أما أنا فاكاد أجزم أنه ما أحبني يوما بل أحب المظهر الاجتماعي الذي يوفره له وجودي بجانبه وأحب الزوجة المتفانية التي ربت أولاده حتي الولد الذي لم أنجبه وأصبح الآن بالجامعة شابا متفوقا رياضيا تحكي عنه مصر كلها لا يعرف أما سواي‏,‏ سيدي لا تلعني لم أكن يوما ضعيفة بل إني في قسمي بالجامعة يلقبونني بكونداليزا ايماء إلي صلابتي فقد كنت امرأة حقيقية عاشقة والعشق ليس كفرا‏,‏ لم أفقد ايماني بالحب ابدا ولن أفقده رغم حرماني الطويل‏,‏ الآن وأنا في هذه السن ـ وبكل ضمير مرتاح لأني وحدي أعلم كم حاولت وماذا قدمت ـ أريد أن أبدا من جديد أن أعيش كما البشر أن أشعر بأني امرأة مرغوبة ولي رجل يشتهيني‏,‏ أعرف كيف أحصل علي الطلاق رغم أنفه لكن ما يوقفني هم أولادي الثلاثة حتي الولد الذي ليس من رحمي

يستعطفني أن استمر‏.‏ هم لا يعرفون السبب وحتي بداية هذا العام لم يكن أحد في هذه الدنيا يعلم بمصيبتي حتي فاض بي فلجأت لشقيقه وهو أكثر من أخي لم أحك لكني طلبت الوساطة للطلاق الهادئ‏,‏ وأخبره زوجي بالسبب‏,‏ وذكر له أني لم أقصر‏,‏ لكنه سيحاول الاصلاح واستمر الحال كما هو ـ حياتنا تبدو مثالية أمام الناس‏,‏ أنا امرأة عملية أري أن الناس إن لم تضر لن تفيد لذلك سيكون الطلاق صدمة لمجتمعنا لا يهمني لم يعد شئ يهمني سوي أن أنجو باعصابي وما بقي من شبابي من هذا الجحيم‏,‏ فقدت كثيرا من الجمال الذي كان لكني بعد أنثي جميلة أراها في عيون من حولي بل قل صرت أبحث عنها ولولا أني بعد بعقلي لانزلقت في علاقة مع شاب يصغرني بعشر سنوات منذ شهور قابلته في أحد المؤتمرات

وطاردني أسابيع أسلمت اذني له وسهرت معه ليالي علي النت وأفقت لأجد نفسي أفكر فيه لملمت اشلاء انوثتي‏,‏ وانسحبت بهدوء قبل أن أنزلق للهاوية ويكفي أني أشعر بأن روحي تهاوت لما يغضب الله وهذا ما لا أحتمله فليس أقسي علي المرأة الحرة من أن تعطي من لا يستحق ما لا يستحق حتي ولو كانت مجرد كلمات‏..‏ سيدي السؤال الآن هل أضيع ما بقي من عمري أم أنجو؟‏!‏ أريد إجابة واضحة ويعلم الله أني ما نقلت إلا قليلا من سواد الحقيقة‏.‏

*‏ سيدتي‏...‏ تسألينني هل تختارين طريق النجاة أم تضيعين ما بقي من عمرك‏,‏ وكأنك تختصرين حياتك في السؤالين‏,‏ إما النجاة بالطلاق‏,‏ أو إضاعة ما تبقي من عمر بالاستمرار مع هذا الزوج‏,‏ فيما الحقيقة التي أراها أن التفكير في إجابة حسب هذا المنهج أيا كانت‏,‏ ستكون خاطئة وظالمة لكل الأطراف‏,‏ فما بين الخيارين حكايات طويلة‏,‏ تضحية‏,‏ انتظار‏,‏ تحد وزواج وأبناء‏,‏ هل نسقط كل هذا‏,‏ ويكون الحل الانتحار بالاستمرار‏,‏ أو الفرار بالسعادة المنتظرة؟‏!‏

سيدتي‏....‏ لقد انتظرت هذا الزوج طويلا‏,‏ وتحديت من أجله عائلتك‏,‏ وذهب‏,‏ تزوج وعاد إليك‏,‏ ليجدك في انتظاره‏,‏ وكأنه لم يغب يوما عنك‏,‏ ولكنك بعد أسبوع واحد من الزواج‏,‏ اكتشفت بروده العاطفي‏,‏ اختزلت حياتكما كلها في التعبير عن المشاعر به لفظا وحسا‏,‏ أنجبت طفلين‏,‏ وعشتما حياة يحسدكما الناس عليها‏,‏ فيما تتألمين لأنه لا يقدر هذا الجمال الذي تمناه الجميع‏,‏ لم تقولي كلمة واحدة في رسالتك عن سوء سلوكه عن بخله أو قسوته‏,‏ عيبه الكبير ويكاد يكون الوحيد أنه لا يقدر جمالك ولا يسعي لإرضائك‏,‏ حتي وصل بك الأمر إلي اللجوء للدجالين وأنت الطبيبة صاحبة الاثنين دكتوراه‏,‏ وها هو يسقط من قلبك‏,‏ وتندفعين في علاقة مراهقة مع شاب يصغرك بعشر سنوات‏,‏ وكأنك تدفعينني دفعا إلي نصحك بالطلاق حتي لا تسقطي في الخطيئة‏,‏ ولكني لن اقول لك هذا‏,‏ سأقول لك ما قد يصدمك‏:‏ إنها أزمة الأربعين يا سيدتي‏,‏ ولا تعتقدي أنه من العيب الاعتراف بأزمة هذا العمر‏,‏ تلك الأزمة التي يمر بها الرجال‏,‏ كما تمر بها النساء‏,‏ وإن كانت عندهن أكثر وضوحا‏.‏

فها أنت تتخبطين وتختصرين سعادتك في العلاقة الزوجية‏,‏ وكلمات الغزل التي مازالت تطاردك‏..‏ بالطبع لا أقلل من حقك واحتياجك لهذه العلاقة المشروعة‏,‏ ولكنها ليست كل السعادة‏,‏ كما تعتقدين‏..‏ تفكيرنا هو الذي يشعرنا بالسعادة أو بالشقاء‏,‏ وحبك الذي بدأ كالأسد ينصرف‏,‏ الآن كالحمل‏,‏ كاشفا كل السوءات‏,‏ بعد أن كان ساترا لكل المعاصي‏.‏

سيدتي‏...‏ أنت أم لطفلين وتربين ثالثا وصل إلي الجامعة‏,‏ ألا يسعدك هؤلاء‏....‏ ألا تسعدك صورتك أمام الجميع‏...‏ ألا يرضيك تمسك زوجك بك علي الرغم من إصرارك علي الطلاق‏,‏ وبعد أن اعترف بأخطائه وأشاد بك لشقيقه‏,‏ إلي أين تريدين الذهاب بقطار الحياة السريع‏,‏ وأنت تحملين علي كتفيك‏,‏ وفي قلبك طفلين‏,‏ هل إلي علاقة حب تؤمنين به‏,‏ أم إلي وهم سيدفع ثمنه آخرون؟‏!‏

لقد مررت يوما مثلك بمحنة الأربعين‏,‏ وشعرت في لحظة بأن العمر تسرب من يدي خلسة‏,‏ ولكني تلفت حولي‏,‏ فوجدت اشياء جميلة حققتها‏,‏ وتأملت آخرين وهبتهم الوجود‏,‏ واكتشفت أنها مرحلة قصيرة من التأمل ما تلبث أن تنقضي‏,‏ وأن الاستمتاع بما بين أيدينا أفضل بكثير من التضحية به من أجل مستقبل مجهول‏,‏ خاصة إذا كان الواقع يمكن بمزيد من الإصرار ــ إصلاحه وتغييره ــ فزوجك لا يعاني من علة‏,‏ ولكنه قد يحتاج إلي استشارة طبيب‏,‏ وإلي مزيد من حنانك واحتوائك‏.‏

سيدتي‏...‏ ليس لأحد حظ كل الأيام‏,‏ ونادرا ما يكون الزواج زواج عقل‏,‏ لكن الطلاق يجب ان يكون طلاق عقل‏,‏ لأن الزوجين يعرف كلاهما الآخر‏.‏

وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....