‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2006. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Posts 2006. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، ٣ أغسطس ٢٠١٢

هي وسلوي

29-12-2006
سيدي أكتب إليك بعد طول تردد وتفكير عميق‏,‏ فرسالتي تختلف قليلا عما أطالعه في بريد الجمعة من قصص وأحداث خطيرة‏..‏

لقد ولدت لأري العالم مختصرا في سقف حجرة أو سماء مفتوحة‏..‏ حكم علي شلل الأطفال بالرقاد علي ظهري أغلب أوقات حياتي فإذا ما رأف المرض بحالي جعلني أري من حولي سائرين‏,‏ يهرولون‏,‏ يتنقلون بأنفسهم من مكان إلي مكان‏.‏

في البداية بالطبع لم أع سبب كل هذا‏,‏ لم أكن أدرك ما الذي يجعلني ساكنة ويجعلهم متحركين‏,‏ ولماذا هذه النظرات الحزينة دائما في عين أبي ولماذا هذه الدموع علي خد أمي؟‏!‏

كانا يتمنيان البنت بعد ثلاثة ذكور‏,‏ وها هي البنت تقبل عليهم بأطراف رخوة لا تصمد أمام أرض أو طريق‏..‏

عندما بدأت أعبر سنوات الدراسة في المرحلة الابتدائية بدأت أدرك شيئا فشيئا سر همهمات الناس من حولي‏..‏ هذه تمصمص شفتيها وهذا يعرض المساعدة بلهفة كي يحملني ويفوز بثواب الله‏,‏ والوالدن يدبران قيمة سنادة مستوردة تساعدهم علي انتقالي ثم يأتي الفرج من أحد أقاربنا في الخليج فيهدينا كرسيا متحركا‏..‏ لن أصف لك يوم‏,‏ جاء الكرسي المتحرك لبيتنا‏..‏ كان فرحا‏,‏ فأخيرا سنستغني عن الكرسي الخشب أبو عجل مرة تقع ومرة تنكسر‏..‏ أخيرا سيصبح الانتقال إلي دورة المياه أمرا يسيرا والسير من مدخل البيت إلي مركز العلاج الطبيعي محطتين من البيت أمرا ممكنا‏..‏

وتمر الأيام وأدرك أكثر‏..‏ أدرك أن زميلاتي في المرحلة الإعدادية يتحدثن عن عريس الأحلام المقبل علي فرس أبيض ليخطف ست الحسن والجمال‏..‏

أدرك أن حرماني من مشاهدة أفلام الكرتون خاصة فيلم سندريلا أو الأميرة النائمة لم يكن بلا سبب كان رأفة بي من والدي ورحمة بحالي‏.‏

أدرك أنني لست ست الحسن والجمال ولست فتاة كاملة وإن كنت أميرة نائمة‏,‏ لن يأتيها فارس ليقبلها فتعود إلي الحياة‏..‏ أميرة نائمة تغطي ساقيها الضامرتين وتنظر إلي السماء‏..‏

أتعرف كانت أحلامي تتلخص في سباق طويل لا ينتهي فيه اللاعبون إلي شيء‏..‏ فقط جري‏..‏ جري‏..‏ كان نفسي أجري وأجري وأعبر مناظر كثيرة أمامي أعبر مدخل البيت ومركز العلاج الطبيعي والمدرسة والسوق وأجري لآخر يوم في عمري‏..‏

المهم‏..‏ الواقع فرض نفسه بسخافة واستسلمت له بهدوء‏..‏ الواقع قال إني مشلولة وشكلي مش ولابد ولن يقترب مني إنسان ليرتبط بي‏,‏ وأنا استسلمت لهذه الفكرة تماما‏..‏ قبلت واقعي كما قبلت نفسي‏.‏

حياتي بعد الثانوية التجارية أصحبت روتينا محفوظا وأمرا واقعا مملا طول النهار علي السرير وفسحتي الوحيدة من وإلي دورة المياه‏,‏ والنشاط العظيم الذي أقوم به مشاهدة التليفزيون أو الرد علي التليفون‏.‏

وحدث أن جاءتنا زيارة علي غير توقع‏..‏ صديق قديم لأبي نقل إلي مدينتنا وسيستقر فيها بعض الوقت‏..‏ وجدت أبي المهموم دائما يضحك من القلب وهو يتذكر مع صديقه أيام الشباب ووجدت هذا الزائر الغريب عني يهتم بحالي دون أن يشعرني بالشفقة التي اعتدت رؤيتها في أعين من يحادثني‏..‏

كان مستمعا جيدا‏,‏ كلما سألته عن شيء أجاب باختصار وسألني عن أمر يخصني‏..‏ عن دراستي وعن الآلة الكاتبة وعن لغتي الثانية‏,‏ عن قراءاتي وعن مشاهداتي لأفضل فيلم ورأيي في أفضل برنامج‏..‏ ولأول مرة أشعر أن أحدا يريد أن يستمع لي‏..‏ لأول مرة أتحدث وأتحدث لتستمر الزيارة من وقت العصر إلي أن حضرنا العشاء وتناولناه معا‏..‏ في حجرتي أمام سريري‏..‏

كانت عقلية هذا الرجل ذي المركز المرموق عقلية عملية فذة فتحت أمامي سردابا أري في نهايته نورا لم أكن أراه من قبل‏..‏ سردابا في حياتي المظلمة التي ارتضيتها وارتضيت الحياة فيها بشمعة هزيلة‏..‏

تكررت الزيارات وتكررت الأحاديث بيننا‏..‏ كان أبا عظيما ومعلما ممتازا في مدرسة الواقع‏..‏ وذات مرة فاجأني بحقيبة سوداء فتحها ليخرج منها جهاز كمبيوتر محمولا‏..‏ قال لي انه جهازه الخاص وأن العمل سلمه جهازا آخر كعهدة سيستخدمه‏..‏ وأنه يريد مني التدرب علي برنامج وورد‏word‏ والكتابة بسرعة وقال لي لدي مفاجأة لك بعد أسبوع‏!!.‏

لم أكن أعرف ماذا سأكتب‏..‏ بدأت أنسخ ما في الجرائد وأدرب نفسي وشيئا بداخلي يقول‏:‏ إن السرداب المظلم سيضئ قريبا‏.‏

وفي زيارته التالية أحضر معه مجلدا مكتوبا بخط اليد وقال لو نسخت هذا في خلال يومين فستحصلين علي مكافأة قيمة‏..‏ فصاحبه مستعجل عليه جدا‏..‏ وبشرني بأن هذا مشروع جيد يكسب صاحبه ربحا وفيرا وأنها خطوة أولي استطيع بعدها عمل الكثير والكثير‏..‏

وأخير شمرت عن ساعدي وزحزحت نفسي من وضع الجلوس فوق السرير إلي الجلوس عليه أمام المكتب وبدأت العمل الأول في حياتي‏..‏

لم أنم أول ليلة واصلت الليل بالنهار حتي انتهيت من المجلد وحادثني صديق أبي ليطمئن علي انجازي‏..‏ قلت له تمام‏..‏ كتبته‏..‏ فأعطاني يوما مهلة للمراجعة حتي لا تكون هناك أخطاء‏..‏ ثم زارنا واستلم القرص الذي حفظت عليه الملف الخاص بالمجلد وعاد بعدها بأول مكافأة مالية تلمسها يدي في حياتي ولم يكن يهمني قيمتها‏..‏ كل فرحتي هي أني انجزت شيئا‏..‏ عملا‏..‏ وأصبحت أخيرا أستحق المكافأة ويعتمد علي تكررت زياراته وتكرر عملي ليلا ونهارا وازداد ضوء سرداب حياتي بدأت أري نفسي جميلة مشرقة‏..‏ لماذا لم أكن أراها قبل الآن هكذا؟ سؤال سألته وكتبته وتأملته طويلا‏..‏

ياااه‏..‏ ما الذي يمكن أن يغير شخصا تعود السكون والموت في مكانه إلي شخص يحب الحياة وضوء الشمس؟‏!.‏

سيدي اسمح لي أن أتساءل عن المستقبل القريب ماذا بعدد يمكن أن يحدث في حياتي هل سيستمر عملي مع الحروف المطبوعة وبين الأوراق؟ هل هناك ضوء آخر يمكنني السعي وراءه؟ لكن علي كل الأحوال أقسم لك أن حياتي تغيرت‏180‏ درجة وأصبحت الآن أميرة بحق صحيح علي كرسي متحرك أو سرير مرضي‏..‏ لكني أميرة وأحب الحياة‏.‏

*‏ عزيزتي‏..‏ أعرف جيدا معني كلماتك عن رؤيتك للحياة من خلال سقف حجرة‏,‏ أو علي كرسي متحرك‏..‏ أعرف أيضا كيف يتحول هذا السقف‏,‏ أو تلك السماء الصافية‏,‏ إلي شاشة عرض خاصة تستوعب أحلامك المستحيلة‏,‏ أتتبع عينيك وهما ترصدان الأقدام المتحركة حولك‏,‏ ورغبتك الملحة في الجري والهرولة‏,‏ أعرف وأفهم لأني رأيت قصتك من قبل‏,‏ عايشتها في نهايتها‏,‏ واستمعت إلي بداياتها‏,‏ لذا فأنا مطمئن عليك واثق من نجاحك وتحقيقك لما فشل فيه أصحاء كثيرون‏.‏

لتسمحي لي يا عزيزتي أن أحكي لك قصة سلوي سبع تلك المرأة العظيمة التي رحلت عن دنيانا في الشهور الأولي من هذا العام‏,‏ فهي قصة تستحق أن تروي‏,‏ ففيها ماضيك ومستقبلك‏,‏ ولدت سلوي مثلك بشلل في قدميها‏,‏ وتحدت كل الصعاب حتي حصلت علي بكالوريوس تجارة وعملت به‏,‏ وكانت رغبتها في الجري مثلك تماما‏,‏ فقبلت أن تجري جراحة محفوفة بمخاطر جسام‏,‏ علي أمل أن تجري وتجري‏,‏ ولكن الأقدار شاءت لها أن تفشل الجراحة وتقضي ما تبقي من حياتها نائمة ـ كالملائكة علي ظهرها‏..‏ تحرك أصابعها بكل صعوبة‏,‏ وتمارس تفاصيل حياتها بعينيها وشفتيها‏.‏

سلوي قبلت الابتلاء بنفس راضية‏,‏ وحولت حجرتها إلي روضة من الزهور والصور والآيات القرآنية‏,‏ وجعلت حوارها اليومي من وإلي الله‏,‏ واختارت أن يكون لها دور في الحياة‏..‏ تحولت سلمي في سنوات قليلة إلي مؤسسة خيرية‏,‏ تديرها وهي لا تغادر فراشها‏,‏ رجال حولها يخشون غضبها إذا قصروا في عملهم‏..‏ سيارات محملة بالطعام وبملابس المدارس والعيد‏,‏ في رمضان وفي غيره‏,‏ تجوب محافظات مصر الفقيرة‏.‏ نساء يقفن أمامها يقدمن كشف حساب لاستثماراتهن التي غرستها ورعتها سلوي‏.‏

نعم للفراش أمراضه‏,‏ والأمراض طاردت جسد سلوي الهزيل‏,‏ لكنها لم تمس روحها‏,‏ تلك الروح المغزولة بأضواء من المحبة والعناية الإلهية‏,‏ فكانت تهزم كل الانكسارات بابتسامة حديدية‏,‏ تقرأ القرآن‏,‏ تكتب الشعر‏,‏ وتجمع الفقراء والمرضي حولها‏.‏

عاشت سلوي سبع بألمها لتسعد الآخرين‏,‏ الأصحاء‏,‏ لتهزم الكسالي والأغبياء المتباهين بصحتهم وهم أعجز منك ومنها‏.‏

رحلت سلوي عندما غلبها الحنين وحاصرها المرض‏,‏ فلبت نداء ربها‏,‏ تاركة مؤسستها تواصل رحلتها‏,‏ مستمدة قوتها من روحها وتحديها‏.‏

وها أنت‏,‏ تذكرينني بالبدايات التي تشبه كثيرا ما روته لي الراحلة سلوي سبع عن نفسها وأحاسيسها‏,‏ وأري أن الدنيا تفتح لك أبوابها‏,‏ فها أنت تمسكين بمفاتيح السعادة والبهجة الحقيقية‏,‏ فالسعادة ليست في أن نجد شخصا واحدا نحبه ونتزوجه‏..‏ السعادة هي أن نهزم الألم في داخلنا وننقلها إلي الآخرين‏,‏ وقتها سيحبك الآلاف من الناس‏.‏

عزيزتي‏..‏ أنت لست عاجزة ولا مشلولة‏,‏ أنت قوية بما تفعلينه وستكونين أقوي بقربك من الله وبمقدرتك علي اسعاد الآخرين‏,‏ وأتمني أن تتصلي بي لأقدم لك بعض الكتب التي ستعينك علي مشروعك في الحياة ومن بين هذه الكتب‏,‏ كتاب رائع وشيق لقصة حياة سلوي سبع الذي كتبته بأصابع مرتعشة وبأحلام لم تنته‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

خائنة ولكن‏!‏

22-12-2006
*‏ ترددت كثيرا في الكتابة إليك‏,‏ خوفا من سهام نقدك وكلمات القراء‏,‏ الذين أوقن بأنهم سينبذونني وسيصفونني بصفات سيئة‏...‏ ولكني توكلت علي الله‏,‏ وقررت عرض مشكلتي بعد أن ضاق بها صدري‏,‏ خاصة بعد أن قرأت منذ أسابيع في بريد الجمعة رسالة لقاريء يعيش مشكلة تشبه مأساتي‏,‏ وإن كانت أخف منها قليلا‏.‏

الحكاية باختصار يا سيدي‏,‏ أني شاب عمري لم يتجاوز الثلاثين‏,‏ أعمل في وظيفة مرموقة‏,‏ تزوجت منذ ثلاث سنوات فقط‏,‏ من فتاتي التي تصغرني بخمسة أعوام‏...‏ تزوجنا بعد قصة حب رائعة‏...‏ كنت أحس مع فتاتي أني صديقها وأبوها قبل أن أكون زوجها‏...‏ فقد عانت حبيبتي كثيرا بعد انفصال والديها‏,‏ حيث تزوج كلاهما من آخر وأخري‏,‏ وعاشت هي مع أمها وزوجها عيشة منطوية كئيبة‏,‏ تعاني الوحدة والحرمان من الحنان والاحتواء‏,‏ لذا كنت أتفهم صمتها الطويل في صحبتي‏,‏ وعدم مقدرتها علي التعبير عن نفسها‏,‏ تزوجنا وكلي رغبة في تعويضها عما عانته‏.‏

بدت حياتنا سعيدة‏,‏ آمنة‏,‏ في شهورها الأولي‏,‏ كان يقلقني أحيانا رغبة زوجتي في الانسحاب‏,‏ وعدم إقبالها علي العلاقة الخاصة بيننا‏,‏ ولا أخفيك سرا أني كنت أستريح كثيرا لموقفها هذا‏,‏ لأني كنت أبذل جهدا كثيرا في عملي‏,‏ وأغيب أوقاتا طويلة عن البيت‏,‏ وأعود مجهدا‏,‏ لذا فقد كان تصرفها يزيح عني الإحساس بالذنب نتيجة لتقصيري معها‏.‏

ولم أر في تصرف زوجتي وانصرافها عن الترحيب بالعلاقة الحميمية أي شيء يثير الريبة‏,‏ خاصة أنها حملت في شهورها الأولي‏,‏ وأنا أعرف أن بعض الزوجات يفضلن الابتعاد في تلك المرحلة‏.‏

كانت زوجتي تقضي وقتا طويلا أمام جهاز الكمبيوتر‏,‏ ولم أسألها يوما ماذا تفعل‏,‏ فأنا أثق فيها كل الثقة‏,‏ وأري في هذا الجهاز العجيب ما يشغل وقتها في غيابي‏.‏

وذات يوم‏,‏ نسيت زوجتي أن تغلق الجهاز بعد أن غلبها النوم‏,‏ فجلست أمام الكمبيوتر‏,‏ لأكتشف أن زوجتي كان تدير حوارا مع أحد الأشخاص من خلال الشات أقل ما يوصف به أنه حوار قذر ومتدن‏,‏ طبعا كانت تستخدم اسما مستعارا‏,‏ فغضبت بشدة ولكني آثرت ترك الأمر حتي الصباح‏.‏

لم يغمض لي جفن‏,‏ أعدت الإفطار وجلسنا‏,‏ فقلت لها إنها نسيت أن تغلق بريدها قبل أن تنام‏,‏ فتلون وجهها واضطربت‏,‏ ولم تنطق بكلمة‏,‏ فأخبرتها أني قرأت كل شيء‏,‏ لم ترد‏,‏ بل هرولت من أمامي باكية إلي غرفة نومنا‏,‏ فلحقت بها ومع اسئلتي الصارخة‏:‏ لماذا تخونني؟‏...‏ كيف تفعلين ذلك؟‏,‏ هل قصرت معك في شيء؟

بعد فترة طويلة من البكاء‏,‏ قالت لي إنه مجرد لعب‏,‏ تشغل به وقت فراغها‏,‏ وأن من تحادثه لا يعرف من هي‏,‏ ولم تقل في حوارها معه أي معلومات حقيقية عن نفسها أو عن حياتنا‏.‏

حوار طويل انتهي بإعلانها ندمها علي ما فعلت وطلبت مني نسيان ما حدث‏,‏ ولن تعود إليه مرة أخري‏,‏ ولا أخفيك سرا‏,‏ أني التمست لها الاعذار‏,‏ وعفوت عنها من قلبي‏,‏ وقررت ألا أجرحها وألا أعود للحديث في هذا الموضوع‏.‏

ومرت أيام أخري في نهر حياتنا‏,‏ كانت زوجتي ترفض خلالها أن أقترب منها‏,‏ دون أن يثير في تصرفها أي شك أو ريبة‏.‏

وفي يوم أسود‏,‏ زارني في بيتي صديق‏,‏ يعمل مهندسا في مجال التكنولوجيا‏,‏ وقال لي إنه يحمل برنامجا معجزة‏,‏ يسجل كل ما يدور علي جهاز الكمبيوتر ويحفظه صوتا وصورة‏,‏ وعرض تحميله علي جهازي المنزلي‏,‏ فلم أرفض ولم أرحب‏,‏ وأرجو أن تصدقني‏,‏ لم افكر وقتها في زوجتي‏,‏ أو أن يكون هذا البرنامج فرصة لمراقبتها‏.‏

...‏ ومرت أيام‏,‏ وذات مساء كانت زوجتي نائمة‏,‏ وكنت قلقا يخاصمني النوم‏,‏ فقررت الجلوس أمام النت‏,‏ وتذكرت برنامج صديقي وقلت لماذا لا أتصفحه‏,‏ مجرد لعب وتضييع للوقت‏,‏ وهنا كانت فجيعتي ومصيبتي‏,‏ زوجتي‏,‏ حبيبتي‏,‏ أم طفلي القادم‏,‏ الوديعة‏,‏ الخجولة‏,‏ الصامتة دوما‏,‏ عارية تماما‏,‏ تخفي وجهها فقط بإيشارب‏,‏ تفعل أشياء غريبة مع شخص آخر عبر الشات والكاميرا‏,‏ تقول ألفاظا مفزعة‏,‏ لم أسمعها منها يوما‏,‏ تفاصيل أعف عن ذكرها وأثق أنك لا تستطيع نشرها‏.‏

فقدت صوابي فكرت في قتلها‏,‏ سارعت بالدخول إلي غرفة نومنا‏,‏ نظرت إليها‏,‏ وهي نائمة كالملائكة‏,‏ فأحسست بضعف غريب وأنا انظر إلي ابني المقيم في بطنها‏,‏ فانسحبت باكيا من الغرفة؟

جلست أتساءل‏:‏ لماذا تفعل ذلك إذا كانت ترفضه معي؟‏...‏ هل هذا الشخص تحبه؟‏,‏ وإن كانت كذلك فلماذا لا تلتقيه‏,‏ ولماذا يناديها باسم غير اسمها؟‏...‏ هل هي خائنة أم أن ما فعلته لعبا وتضييعا للوقت؟

اسئلة كثيرة كانت لها إجابة واحدة‏,‏ الطلاق‏....‏ عندما وصلت إلي هذا الحل‏,‏ أصابني الفزع وتحولت إلي محاكمة نفسي‏,‏ لقد انشغلت عنها كثيرا‏...‏ لم أبذل جهدا لاحتوائها‏,‏ علي الرغم من معرفتي بما عانته من عذاب ووحدة منذ طفولتها‏..‏ كنت أنانيا بحثت عن نجاحي واسترحت لابتعادها عني‏.‏

وجدت نفسي تميل إلي التماس الاعذار لها‏,‏ مع وجود صوت صراخ في داخلي يتهمني في رجولتي‏.‏

أعرف جيدا أن كل من يقرأ حكايتي‏,‏ سيلومني‏,‏ وسيري أن علي تطليقها فورا دون تردد‏,‏ ولكني وبعد أيام طويلة من اكتشافي تلك الخيانة لم أجرؤ علي مواجهتها بما عرفت‏,‏ فأنا أخشي أن يقودنا الحوار إلي الطلاق‏,‏ قبل أن يأتي طفلي الأول‏,‏ كما أخشي عليها من الضياع‏,‏ وأدعو الله أن تقدم لي مبررات أقبلها‏,‏ فلدي مساحة غريبة من الاستعداد للعفو والسماح‏,‏ ولا أعرف كيف أنهي هذا الموقف المؤلم والسخيف‏....‏ فبماذا تنصحني؟‏!‏

**‏ سيدي‏...‏ نعم رسالتك ستستفز القراء‏,‏ خاصة الرجال‏,‏ كما استفزتني‏,‏ وسيكون الرد الأولي المتسرع‏,‏ والذي يعكس رفض خيانة المرأة‏,‏ أيا كانت صورة هذه الخيانة‏,‏ مادية أو معنوية‏,‏ هو أنك لابد أن تطلقها‏,‏ فهي لا تستحق أن تبقي معك‏,‏ فعلي الرغم من أنك كنت كريما معها في خيانتها الأولي‏,‏ وعفوت عنها‏,‏ إلا أنها استخفت بك‏,‏ وزادت من خيانتها‏,‏ كما أن المتعارف والمتفق عليه أنه لا توجد مبررات للخيانة‏,‏ فكل ما ذكرته مبرر للصدام‏,‏ للحوار‏,‏ وحتي للانفصال‏,‏ أما الخيانة فلا‏,‏ فمجتمعاتنا تغفر الخيانة للرجل‏,‏ وتتعامل معها علي أنها نزوة‏,‏ وأن المرأة عليها أن تستوعب وتخوض معركتها مع امرأة أخري‏,‏ من أجل استرداد زوجها‏,‏ حفاظا علي بيتها‏,‏ وهذه رؤية لها علاقة بثقافة المجتمع ــ ذكورا أو إناثا ــ وليس لها أي علاقة بالشرع والدين‏.‏

أقول لك إن هذا الحل هو الطبيعي والأيسر‏,‏ والذي سيميل إليه الأغلبية‏,‏ ولكن ــ وهذه الملاحظة لكل أصدقائي القراء ــ تعلمت من خلال هذا الباب‏,‏ أن الإنسان ــ رجلا أو امرأة ــ عندما لا يتخذ قراره الحاسم في نفس اللحظة التي يجب أن يتخذه فيها‏,‏ ويبحث عن رأي وصوت آخر يناقشه فيما يجب عليه فعله‏,‏ فهذا يعني أنه لديه رغبة في قرار آخر‏,‏ عكس ما هو سائد‏,‏ هو أو هي يريد التجاوز والتسامح‏,‏ فهل يجب علي أو عليكم أن نقول له‏:‏ لا تسامح‏,‏ خذ قرارك بناء علي طريقة تفكيرنا وطلقها فورا‏,‏ أو اتركي له البيت‏.‏

سيدي‏.‏ قبل أن أناقش مشكلتك‏,‏ أريد فقط لفت الانتباه إلي أني أثرت نشر هذه الرسالة‏,‏ لأني اكتشفت ان هذا النوع من الخيانة متكرر‏,‏ وإن تشككت في أسلوب الكشف عنه حتي سألت صديقي خبير الكمبيوتر حسام صالح‏,‏ فأكد لي أن هذا النوع من البرامج أصبح شائعا‏,‏ وأن من تظن أو يظن نفسه آمنا في مثل هذه العلاقات موهوم‏,‏ فقد يكون الملايين في العالم يشاهدونه في نفس اللحظة‏.‏

إن الاستخدام الخاطئ لهذه التكنولوجيا‏,‏ يحولها إلي شيطان مقيم‏,‏ يخترق الأسوار والحدود‏,‏ ويصل إلي المضاجع كما يصل إلي النفوس المريضة‏.‏

سيدي‏..‏ أنت تعرف جيدا مقدار تقصيرك وهروبك من منح زوجتك حقوقها مستندا إلي ابتعادها عنك‏,‏ هذا الابتعاد ربما هو الذي دفعها للبحث عن اكتفاء ذاتي‏,‏ قد تكون أدمنته قبل الزواج‏,‏ فجعلها تستغني عنك‏,‏ أو تشعر بإهانة تجاهلك‏,‏ وأكرر أن هذا ليس مبررا للخيانة‏,‏ ولكنها حدثت‏,‏ وكشفت عن أن زوجتك في حاجة إلي طبيب نفسي‏,‏ وسأميل في رأيي إلي رغبتك في العفو والسماح‏,‏ راجيا من الله أن تتوب زوجتك توبة حقيقية بعد أن تواجهها بما عرفت‏,‏ علي أن تغير أنت الآخر من نفسك وتزيد من وجودك وقربك منها‏,‏ ويكون قرارك خالصا لوجه الله تعالي الذي قال في كتابه الحكيم ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات‏,‏ وأن الله هو التواب الرحيم كما استعين هنا بموقف الرسول صلي الله عليه وسلم عندما ذهبت إليه الغامدية تعترف بزناها قائلة‏:‏ طهرني فقال‏:‏ ويحك‏...‏ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه‏..‏

وإلي لقاء بإذن الله
المزيد ....

جحيم الساعات الثلاث

15-12-2006
هذه هي قصتي‏,‏ قصة رجل عمره الآن ستة وثلاثون عاما قضي منها السنوات الثلاثة الأخيرة في عذاب وجحيم‏,‏ وأرجو أن يتسع لها صدركم‏ منذ أن عرفتها وأنا أتقي الله فيها‏,‏ أحملها علي كفوف الراحة كما يقولون‏,‏ لم أدخر جهدا لإسعادها وإدخال البهجة علي قلبها‏,‏ حددت لها مطلبا واحدا أوحد هو كل ما طلبته منها بعد زواجنا‏,‏ لا أريد غيره وفي سبيل تحقيقه سوف أبلع لك الزلط‏,‏ كان طلبي الوحيد هو تقوي الله ومراعاته في كل لحظة من لحظات حياتنا الزوجية وفي أبنائنا اذا ما من الله علينا بنعمة الأولاد‏.‏

وتزوجت ممن رق لها قلبي وظننت أنني سأرفل معها في النعيم‏ ولم يمض وقت طويل حتي اكتشفت أنني أمام حيه رقطاء‏,‏ أذاقتني المر بكل أشكاله وألوانه‏,‏ لم أطلب شيئا من أتفه وأبسط الأمور لأكبرها الا وفعلت ضده‏,‏ لم تترك شيئا ينغص علي حياتي إلا وفعلته بكل برود أعصاب وجرأة وتبجح‏,‏ ولما لا تفعل وقد رزقنا الله بولدين أصبحا هما روحي وعقلي وفلذة كبدي‏,‏ كم من مرة وسط نيران الخلافات قالت بكل برود أعصاب عندما كانت تلوح بوادر الانفصال‏,‏ لن تري ولديك بعد الطلاق‏,‏ وبكل لذة تطالع قسمات وجهي لكي تري أثر الهلع والجزع عليهما‏.‏

أخذت الولدين وذهبت إلي أهلها‏,‏ وبدأت لعبة الابتزاز منهم جميعا‏,‏ التلذذ الغريب بمساومة أب علي أولاده‏,‏ أرضخ وأكتم ألمي وهمي وكمدي وأصاب بالأمراض‏,‏ وعندما تقترب من نقطة العودة لاستئناف الحياة الزوجية تظهر فجأة رغبة ونشوة التلذذ بإيلام الآخرين‏,‏ فتعود للبداية واصطناع سبب جديد لاستمرار الوضع علي ما هو عليه‏,‏ وهكذا مرات ومرات‏,‏ وأنا أتسول رؤية ولدي‏,‏ ويكرمني الله رغم كل ذلك بمزيد من النجاح في عملي ويزداد دخلي فيزداد الحقد والغل والكيد‏,‏ فقد تأكدوا تماما أن الولدين هما حبل المشنقة الذي لفوه حول عنقي ويمكنهم شده في أي لحظة لانهاء حياتي‏.‏

عدة سنوات قضيتها علي هذا الحال حتي تم أبغض الحلال الذي لم يكن هناك مفر منه‏,‏ كمناورة تم رفع شعار الإبراء‏,‏ رفضت بحسم وإصرار وأبيت الا أن أدفع ما يوازي ثلاثة أضعاف ما قيل إنه حقها الشرعي‏,‏ والله هذا ما حدث ولم يكن ذلك الا محاولة مني لتطبيق أوامر المولي عز وجل في سورة النساء‏,‏ ثم رفضت سكنا كنت أنوي إعداده لها ولفلذتي كبدي فوقعت علي نفس الالتزام الصارم القانوني بأكثر مما طلب كنفقة وكإيجار مسكن‏.‏

من يومها وأنا أتكفل بمصروفات ولدي من الألف للياء بكل ما تحمله الكلمة من معان‏,‏ فهما سر وجودي وبقائي متماسكا في هذه الدنيا بعد الله سبحانه وتعالي‏,‏ ويأبي الحكم العدل اللطيف الخبير العليم أن يختل ميزان العدالة بين عباده‏,‏ فأترقي في عملي ويزداد دخلي وأتلذذ أيما لذة وأتلهف بشوق غريب لموعد زكاة المال‏,‏ وأتوسع في الصدقات التي أصبحت أحب الأعمال لي‏,‏ لو خيرت بين قصر منيف في أفخم بقعة علي سطح الأرض ووجه محتاج مسكين معوز لحظة تهلله وحبوره وهو يتلقي المساعدة‏,‏ لاخترت الثانية دون تردد والله العظيم‏,‏ وأتشدد أكثر وأكثر في إخفاء الصدقة فيزداد دخلي أكثر وأكثر‏,‏ وأتشدد أكثر وأكثر في الترفع عن رد أذي مطلقتي لي فيزداد نجاحي‏,‏ وأغوص في أعماق كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه‏,‏ ولا من خلفه‏,‏ فأجد فيه سلوي سحرية ومخرجا لكل همومي ويزداد يقيني بأن الله لن يخذلني أبدا ولن يرد دعائي وأنا أبكي بين يديه كل يوم وكل ساعة‏,‏ وكل لحظة بأن يمكنني من تربية طفلي كما يحب ويرضي‏.‏

فما المشكلة إذن؟
سيدي الفاضل‏,‏ هل سمعت أو قرأت أو حدث وتكلمت مع أحد من قبل عن القانون‏25,‏ وتحديدا المادة‏20‏ منه‏,‏ وهو القانون الذي ينظم رؤية أبناء الطلاق بالنسبة للأب والأم غير الحاضنين‏,‏ وغني عن البيان أن السواد الأعظم ممن يطبق عليهم هذا القانون هم الآباء كون أن أكثر من تسعين في المائة من الحاضنين لأبناء الطلاق هن الأمهات‏.‏

هل تدري علام ينص هذا القانون؟ وماذا يمنح الأب لكي يتواصل مع أبنائه فلذات كبده؟ وكيف يمكنه من تمتيعهم بحنانه وتعليمهم أمور دنياهم ودينهم وإعطائهم حقوقهم من الأبوة التي كفلها الله لهم؟
ينص القانون علي حق الأب في رؤية أولاده لمدة ثلاث ساعات أسبوعيا‏,‏ ثلاث ساعات للأبوة التي أقسم بها المولي في كتابه العزيز فقال في سورة البلد‏,‏ بسم الله الرحمن الرحيم ووالد وما ولد صدق الله العظيم‏,‏ ثلاث ساعات لكل أب مكلوم مقهور يتلمظ فوق جمر فراقه عن أبنائه‏,‏ ثلاث ساعات لكل أب تجلده بسياط من لهيب أسئلة أبنائه فلذات أكباده بابا إنت ليه ماعدتش بتبات معانا؟‏,‏ ثلاث ساعات لكل أب أصبح صديقا لحراس العقارات والمدارس من كثرة انتظاره أمام منزل ومدرسة أولاده لكي يحظي برؤيتهم من بعد ويطمئن عليهم ولو للحظات عابرة‏,‏ ثلاث ساعات تستطيع أي مطلقة أن تحول بينه وبينهم بأبسط الحيل كيدا له وإمعانا في قهره‏.‏

بليل والناس نيام وفي لمح البصر سنوا قانونا يمد عمر الحضانة للأم بالنسبة للولد والبنت إلي سن خمسة عشر عاما‏,‏ وبالتوازي فجل ما احتفظوا به للأب وللأبوة كانت هذه الساعات الثلاث أو الرؤية‏,‏ وكأن الأب سيذهب الي رؤية مباراة كرة أو فيلم سينمائي‏,‏ حتي مسمي القانون ـ الرؤية ـ يشي بالظلم والقهر والعبث وسحق معني الأبوة سحقا‏,‏ فهل ما يربط أبا بإبنه من صلبه بلحمه ودمه هو الرؤية؟ أي جنون وهذيان هذا أن تربطني بابني رؤية‏,‏ ومن الذي أفتي وخيل له عقله السقيم أن انفصال أب عن أم أولاده يستلزم قهره وسحقه وتحطيمه بسلخ أولاده عنه؟ وهل ذلك في صالح أطفال أبرياء في عمر الملائكة يهاتفون والدهم بالدموع والصراخ حزنا وكمدا وقهرا علي فراقه؟ هل من سن وقبل وتواطأ علي تطبيق هذا القانون عنده الاجابة عن سؤال طفل بريء يسأله لأبيه في ملائكية بابا نفسي في مرة تفسحني بالعربية وإنت بتسوق وأنا راكب ورا فلا يملك الأب حتي ترف البكاء علي حالة قدره ومسئوليته أمام الله‏,‏ أن يظل أمام أبنائه القدوة في القوة والتحمل والجلد والمثل في الإقبال علي الحياة والتعامل معها‏.‏

ملأوا الدنيا صراخا وعويلا وصخبا مقيتا أصم الآذان عن نذالة الرجال وعن الثقافة الذكورية الضاربة في أطناب المجتمع‏,‏ وعن تقاعس الأزواج عن دفع نفقات مطلقاتهم وأبنائهم‏,‏ اعتبروا الأب المطلق ـ حتي ولو كان رافضا أصلا للطلاق وتم فرضه عليه ـ مجرما آثما لا يستحق أكثر من ثلاث ساعات رؤية‏,‏ وإذا قلت لنسلم بأن مجتمعنا ذو ثقافة ذكورية ولنسلم بنذالة الأزواج المطلقين وتهربهم من نفقات أبنائهم الذين من أصلابهم‏(‏ يا للشذوذ في الفكر‏)‏ وفقط نسألكم بالله ماذا أعد القانون للمطلق الملتزم المؤدي لكل واجباته المادية الذي يبغي تربية أبنائه؟

لا شيء سوي‏....‏ الجحيم‏..‏ جحيم الثلاث ساعات أسبوعيا‏,‏ هذا إن نالهم هل هناك بقية باقية من عقل أو إيمان في القلوب عند من يتسفه بأقوال وفريات مقززة مقرفة بشعة الوضاعة والدناءة علي شاكله نحتاط كي لا يخطف الأب الأبناء‏,‏ لبوهيمية وحيوانية هذه الترهات‏,‏ المولي سبحانه وتعالي يخبرنا في كتابه العزيز عن الأبوة في شخص سيدنا يعقوب عندما غاب عنه ابنه سيدنا يوسف فقال بسم الله الرحمن الرحيم وتولي عنهم وقال يا أسفي علي يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم صدق الله العظيم‏,‏ الله يخبرنا عمن ابيضت عيناه حزنا وكمدا ولوعة وحنينا لغياب ابنه‏,‏ ونحن عندنا من يشط في غلواء مقزز ويفكر في خطف الأب لأبنائه‏,‏ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

كل بلاد العالم بلا استثناء تمنح الأب المطلق الحق في معايشة أبنائه علي الأقل ـ أكرر علي الأقل ـ يومين أسبوعيا إلا مصرنا العزيزة بلد الألف مأذنة والثلاث ساعات أسبوعيا‏.

*‏ سيدي‏..‏ آلمتني رسالتك‏,‏ وبمعني أدق وجعت قلبي وستوجع قلب كل أب‏,‏ يعرف جيدا معني أن يحرم من رؤية أبنائه‏,‏ اللعب معهم‏,‏ سماع حكاياتهم الطفولية‏,‏ واحتضانهم في صدره‏,‏ دون أن ينظر في الساعة خوفا من أن يطول العناق وتضيع الدقائق فلا يجد وقتا لتأمل وجوههم أو تلمس ملامحهم‏.‏

ليست هذه المرة الأولي التي أقرأ فيها أو أسمع عن قانون الرؤية ومشاكله وأزماته‏,‏ وأتفق معك في أنه يحتاج إلي إعادة مراجعة وتعديل لوضع ضوابط تسمح للأب أو الأم اللذين افترقا برؤية أطفالهم ومعايشتهم وقتا أطول‏,‏ وقت يسمح بالمشاركة في تفاصيل الحياة‏,‏ مع تغليظ العقوبة علي الطرف الذي يتحايل أو يرفض تنفيذ القانون‏,‏ ليس فقط من أجل إشباع غريزة الأبوة أو الأمومة‏,‏ وإنما حماية للأطفال‏,‏ للمستقبل‏,‏ حتي ينشأوا في ظروف طبيعية‏,‏ فليس من المقبول أن ننشئ أجيالا ضائعة بسبب سوء اختيارات الأزواج‏,‏ أو صعوبة استمرار الحياة بين رجل وامرأة‏.‏

نعم سيدي‏,‏ ساعات ثلاث أسبوعيا لا تكفي‏,‏ ولا تغرس دفئا أو تربية في نفس طفل صغير‏,‏ بل قد تؤذي مشاعره وتصيبه باضطرابات وجدانية‏,‏ ودعنا نتفق علي أن الأزمة ليست فقط في القانون‏,‏ وإنما في ثقافتنا‏,‏ ثقافة الانفصال‏,‏ والتي تعني في مجتمعاتنا‏,‏ أن شركاء الحياة‏,‏ شركاء المنزل والفراش والأيام الحلوة ومثلها الصعبة‏,‏ إذا انفصلوا فهم أعداء‏,‏ يبالغ كل طرف في تعمد إيذاء الآخر وإذلاله‏,‏ حتي لو كان ذلك باستخدام ملائكتنا‏,‏ أطفالنا‏,‏ الصغار‏,‏ رغبة في الانتقام تغتال غريزة الأمومة أو الأبوة‏,‏ وأنا أصر علي ذكر الطرفين ـ علي الرغم من أنك مجني عليك ـ لأني أعرف أيضا آباء قساة يتفننون في إيذاء مطلقاتهم باستخدام الأبناء‏.‏

سيدي‏..‏ لست في حاجة إلي تثمين موقفك مع أم أطفالك‏,‏ ولا مراعاتك لله سبحانه وتعالي‏,‏ لأنك تلمس بنفسك رحمته بك وعطاءه الكريم لك‏,‏ حتي إن كنت تتألم الآن فإني واثق من صبرك ورضائك عن ابتلاء الله لك‏,‏ والذي لن يطول‏,‏ وسيأتي اليوم الذي تجني فيه ثمار صبرك وألمك‏.‏

ولكني أشفق علي أم طفليك ومن تفعل مثلها‏,‏ فهذه القسوة في تعاملها معك‏,‏ لن تغرس إلا قسوة في نفوس الصغار‏,‏ وسيأتي يوم يكبرون ويفهمون ما فعلته‏,‏ ووقتها ستشرب من نفس الكأس التي تذيقك إياها‏,‏ ولكن ليس بأمر منك أو قهر‏,‏ وإنما بقرار من أبنائها و‏..‏من أعمالكم سلط عليكم فهل تفيق هي وغيرها‏,‏ وهو وغيره قبل فوات الآوان‏,‏ دعونا نبتعد بأطفالنا عن صراعاتنا وأغراضنا الشخصية‏..‏

دعونا نوفر لهم ظروفا طبيعية وإنسانية‏,‏ لأنهم سيكونون المتكأ والملجأ عندما يتسرب العمر ومعه الصحة وحق الأمر والنهي‏.‏

أتمني أن تستجيب مطلقتك لكلماتك ولدعوتي‏,‏ بإتاحة الفرصة لأطفالكما بأن يلتقيا بك أطول وقت ممكن دون الاستناد إلي قانون وضعي‏,‏ فالقانون الإلهي قاس لمن يخالفه‏,‏ وأدعو الله ألا تعميها رغبتها في الانتقام عن عدالة الله‏,‏ فتندم بعد فوات الأوان‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

العــــــــدالة

08-12-2006
أنالا أكتب مشكلة خاصة بي أو حتي بشخص قريب لي‏,‏ وانما سأقص عليك وعلي كل قراء بابك الكريم قصة كنت شاهدة عليها‏,‏ بل ومشاركة في بعض احداثها بحكم عملي في محكمة الاسرة‏..‏ منذ بداية عملي في المحكمة أصبت بدهشة غريبة ليس لكثرة القضايا الغريبة عن طبيعة مجتمعنا فحسب‏,‏ بل لأن هذه المشاكل وصلت لجميع المستويات فلا فارق كبير بين عامل بسيط واستاذ جامعي حين يعتدي ايهما علي زوجته بالضرب‏..‏ وبمرور الوقت بدأت افهم بعض ألاعيب المحامين فاصبحت أقيم المحامي منذ أول وهلة فأعرف ان كان موكله علي حق أو هو المعتدي‏.‏

منذ‏4‏ سنوات أتي أستاذ جامعي محترم يحمل علي جبينه علامة الصلاة ويحمل السبحة في يده مع محاميه ليرفع قضية طاعة علي زوجته‏,‏ واستطاع ان يمثل علي وعلي زميلاتي في المكتب جيدا باستغفاره الدائم‏,‏ وإظهار انه مضطر لعمل ذلك‏,‏ وان زوجته ضعيفة الشخصية امام اهلها وانها تركت المنزل منذ ما يقرب من سنتين مصطحبة ابنتهما‏,‏ وقد حاول اصلاح الموقف عدة مرات إلا أنها ترفض ولم يجد حلا إلا القضاء‏.‏

وعلي الرغم من خبرتي الكبيرة إلا انني صدقته باستغفاره الدائم ودموعه التي كان يمنعها بجدارة‏,‏ والحقيقة انه اكثر موهبة في فن التمثيل من المرحوم يوسف وهبي‏.‏

استدعينا الزوجة فحضرت وهو لم يحضر وبمناقشتها اكتشفنا الحقيقة المرة‏,‏ فالاستاذ الجامعي المحترم كان دائم الخلاف معها في فترة زواجهما التي لم تستمر اكثر من‏6‏ أشهر ثم قرر ان يتخلص منها فأخذها يوما لزيارة والدها وتركها ليذهب لشراء دواء من صيدلية مجاورة ولم يعد‏,‏ حاولت الرجوع الي شقتها وجدت القفل قد تم تغييره وان الاستاذ المحترم باع الشقة من اسبوعين سابقين لهذه الخيانة البشعة وبالتالي فقد طردها من الشقة دون حتي ان تأخذ ملابسها‏,‏ مستغلا سذاجة والدها الذي لم يكتب قائمة بالمنقولات‏,‏ وقد قال له انا ائتمنك علي ما هو أغلي عندي من الذهب والمنقولات‏.‏

ذهلت انا وزميلاتي لما سمعناه فلم يخطر ببالي يوما ان يتصرف اي انسان بهذا الشكل وحينما سألناها عن السبب في تأخرها في رفع قضية‏,‏ قالت انها اصيبت بانهيار نفسي تام واضافت جملة لعلها غير لائقة ـ ولكن ربما لما رأته ـ لها عذرها فقد قالت انه قبل ان يذهب بها الي بيت والدها عاشرها وكأنه يأخذ كل ما يمكن ان يأخذه منها‏,‏ ولحكمة الله سبحانه وتعالي اراد الله أن تحمل منه في هذا اللقاء‏.‏

استدعينا الزوج المحترم فلم يحضر ولا مرة الي ان انتهت مدة التسوية الودية وسارت القضية في مسارها الطبيعي في المحكمة بعد نحو عام ونصف العام جاء الاستاذ المحترم هو ومحاميه ليثبت نشوز زوجته‏,‏ وعلامات النصر علي وجهه ووجه محاميه وفهمت فورا اللعبة الحقيرة التي اصبحت تتكرر كثيرا في المحكمة‏,‏ فقد اشتروا محاميها وبالفعل عندما ارسلنا اليها جاءت وهي مذهولة فقد اقرت في الجلسة الودية معنا انها علي استعداد تام للعودة اليه إذا اتقي الله ورجع عما هو فيه‏.‏

وحينما قرأت الحكم فهمت تماما ما حدث فقد قدم المحامي الاعتراض بعد المدة القانونية لذلك رفض شكلا‏,‏ وبالتالي سقطت كل مستحقاتها كزوجة وبمجرد أن أثبت نشوزها أرسل لها ورقة الطلاق الغيابي‏.‏

بالرغم من مرور حالات طلاق كثيرة الا ان هذه الحالة اثرت في وفي زميلاتي كثيرا‏,‏ فهي طبيبة شابة صغيرة في السن تزوجت فقط لمدة ستة اشهر وظلت معلقة ما يقرب من‏4‏ سنوات‏,‏ ثم خرجت بدون أن تحصل علي أي من مستحقاتها باسلوب رخيص‏.‏

المهم انه في الوقت نفسه بعد أن طلقت هذه الدكتورة المظلومة حضرت الي المكتب زوجة شابة اقل ما توصف به هو انها غبية ووقحة جاءت لرفع قضية طلاق علي زوجها المهندس المحترم وبمنتهي البجاحة عندما سألناها عن السبب قالت‏:‏ واحد ما بيخلفش استني معاه ليه‏.‏

وحضر زوجها بصحبة محاميه وأمه وقال إنه يريد ان يسوي الموضوع ودي‏,‏ وبالرغم من اعتراض محاميه وامه إلا أنه اعطاها كل شئ من منقولات ومؤخر وحتي نفقة المتعة التي لا تستحقها وحينما اعترضت احدي زميلاتي وقالت‏:‏ خليها تجري في المحكمة شوية‏,‏ رد قائلا‏:‏ واشيل وزرها؟‏!‏

وحصلت هذه الزوجة الوقحة علي الطلاق علي طبق من ذهب‏.‏
ظللت مدة اقارن بين ما حدث مع تلك الطبيبة المظلومة‏,‏ ما حدث مع ذلك المهندس واقول سبحان الله‏,‏ وفكرت طويلا واستخرت الله‏,‏ واتصلت به وتعجب في البداية وقال لي هو لسه في حاجة تاني في المحكمة‏,‏ فأخبرته أني قد احضرت له عروسة وتكلمت معه كأخت كبري له‏,‏ وقلت له ان هذه الزوجة قد ذاقت الظلم ولها ابنة دون اب فلم لا يتخذها ابنة له؟

وفي خلال ثلاثة أشهر كانوا قد تزوجا وحضرنا اناوزميلاتي في المكتب عقد قرانهما واصبحنا علي اتصال دائم بهما ولا يذكر أحد منهما الآخر إلا ويقول ان الله عوضه به خيرا‏.‏

هل انتهت القصة عند ذلك الحد؟ كلا ان الله يمهل ولا يهمل ولابد للظالم عن يدفع ثمن ما قدمه للغير‏,‏ وقد اراد الله ان أري حكمته بنفسي فقد اصيبت احدي قريباتي بالمرض اللعين فذهبت لزيارتها في المستشفي‏,‏ فوجدتها في حالة عصبية سيئة‏,‏ وتطالب بنقلها من هذه الحجرة إلي أي حجرة مجاورة‏,‏ بسبب صوت الصراخ الذي يصدر عن نزيل الغرفة المجاورة‏,‏ وبالفعل سمعت صوته لفترة قصيرة‏,‏ فشعرت بالرغبة في مغادرة المكان‏,‏ وحينما خرجت كان باب الغرفة مفتوحا والاطباء وبعض الممرضات يحملون سيدة مسنة فقدت وعيها وحاولوا إفاقتها ولمحت المريض علي سريره وهو مقيد بعد أن أخذ كمية كبيرة من المسكنات وشعرت اني اعرفه ولكن لم اتذكر من هو؟

المهم اني ساعدت الممرضات ونقلنا أمه الي الاستراحة وقامت احدي الممرضات بإفاقتها‏,‏ وما أن أفاقت حتي انهارت بالبكاء وظلت تردد يموت‏...‏ بس يارب يموت ويرتاح من اللي هو فيه‏.‏

لن اطيل عليك إنه هو نفسه الاستاذ الجامعي الذي رضي أن يأكل حقوق زوجته وابنته‏,‏ لم يكن عقابه بالمرض فحسب بل علمت من الممرضات ان زوجته استولت علي ممتلكاته وخلعته في بداية مرضه وان زملاءه واهل الخير هم من ينفقون عليه‏.‏

هل هذا فقط؟ كلا يجب علي كل من يشترك في الاثم ان يدفع الثمن‏,‏ فمحامي هذا الاستاذ والذي اشتهر باتباع كل الاساليب غير القانونية سقط من علي سلم المحكمة ليقضي بقية حياته عاجزا لا يستطيع حتي أن يقضي حاجته‏.‏

هل انتهت القصة لا والله فقد اتصلت بي صديقتي تلك الطبيبة التي ظلمت في الماضي لتخبرني بأنها حامل‏,‏ خبر لم اكن اتوقعه علي الاطلاق‏,‏ فقد أكد الاطباء مدي سوء حالة زوجها إلا أن الله إراد ان يجازيها خيرا عن صبرها ويجازيه خيرا عن امانته ومراعاته لحدود الله‏.‏

لقد بعثت لك بهذه القصة لعل من يقرأها يتعظ بها وليدرك الجميع ان الله يمهل ولا يهمل وان عدالة الله لابد أن تتحقق علي الأرض‏.‏

‏magdyrais:hinetsuez@yahoo.com

‏{‏ سيدتي‏..‏ لا أعتقد أن ما كتبته يحتاج مني إلي أي تعليق‏,‏ إلا أنه يؤكد حاجتنا المستمرة إلي نماذج وتجارب تذكرنا بأن عدل الله سيف مسنون علي رقاب الظالمين مهما طال ظلمهم‏,‏ وأن عطاءه سبحانه وتعالي لايجف ولا يغفل عن المظلومين‏,‏ المؤمنين‏,‏ الصابرين‏,‏ الموقنين برحمته وعدله‏.‏

نحن مجتمعات تتحدث كثيرا في الدين‏,‏ وتتظاهر بالتدين مثل صاحبنا الاستاذ الجامعي ـ عفا الله عنه وغفر له ـ ويوسوس لنا الشيطان ان الله غافل عما نرتكبه‏,‏ معتقدين ان سعادتنا هي الأولي حتي لو جاءت ظلما وجورا علي حقوق الآخرين‏,‏ حتي نفاجأ بقضاء الله فنصبح علي ما فعلنا نادمين‏,‏ ولكن بعد فوات الأوان‏,‏ إننا نسير في الجنازات‏,‏ يملؤنا الخشوع‏,‏ وتنهمر من عيوننا الدموع‏,‏ علي مصيرنا الحتمي الذي نراه ماثلا أمامنا‏,‏ وما أن نواري الجثمان الثري‏,‏ ونعطي ظهورنا للمقابر‏,‏ فتبهرنا الدنيا مرة أخري‏,‏ فنفرش للشياطين في نفوسنا أفدنة الشر تمرح فيها‏.‏

{‏ سيدتي‏..‏ إنني أدعوك للتوجه للأستاذ الجامعي المريض‏,‏ اطلبي منه أن يسترضي مطلقته ويطلب عفوها‏,‏ لعل الله يغفر له ويتوب عليه‏,‏ وأنتهزها فرصة لدعوة كل ظالم أن يكف عن ظلمه ويطلب العفو ممن ظلمه قبل أن يحل قضاء الله‏,‏ كما أدعو كل مظلوم أن يصبر ويثق في عدل الله ورحمته‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

كيف نتزوج؟‏!‏

01-12-2006
قد لا تكون مشكلتي معقدة‏,‏ فأحداثها كلها حدثت في فترة زمنية لا تزيد علي الشهر‏,‏ وأنا علي يقين بأن كثيرا من الناس يعانون أكثر مما أعاني‏,‏ ولكن برغم أنها مشكلة صغيرة الحجم وحدثت في مدة قصيرة فإنها أحدثت في نفسي أثرا كبيرا وأثارت بداخلي تساؤلات عديدة كلها تدور في فلك واحد‏..‏ ما قيمة الإنسان في عيون أخيه الإنسان؟

تم التعارف واتفقنا علي الارتباط‏,‏ سيعود في ديسمبر من الدولة العربية حيث يعمل لنعقد القران ثم يسافر وحده لإنهاء إجراءات الإقامة ثم يعود مرة أخري ليصطحبني معه‏..‏ مكالمات هاتفية من طرفه دوما يعبر فيها عن افتقاده لي وعن محبته العريضة بألفاظ مهذبة لا تخرج عن حدود اللياقة‏,‏ وسعادة من طرفي وآمال بمستقبل جميل مع شخص متميز متعلم وله مركز مرموق بشركة عالمية كبيرة يليق بدرجة علمية عالية بذل في سبيل الحصول عليها من دولة أجنبية جهده وماله ووقته‏.‏

لن أقول إني قد همت به حبا في هذه المدة القصيرة‏,‏ ولكن أحسب أنه كان محل اهتمامي وأن حبه كان قد أوشك علي الدخول إلي قلبي‏.‏

لست تافهة ولا صغيرة‏,‏ وتشهد بذلك أعوامي السبعة والعشرون ومهنتي بتعليم طلاب الجامعة لفترة تربو علي السنوات الأربع‏,‏ استشعرت الصدق في نيته وكلماته ولم أقف في الأمر وحدي فلم أعتد الانفراد برأيي شاورت أمي التي لم تمانع ورأت فيه زوجا مناسبا لابنتها الوحيدة‏.‏

وذات يوم أصاب عطل هاتفي النقال الذي يحادثني دوما عليه فلم أتمكن من استقبال مكالماته لمدة يومين‏,‏ فكرت أنه لابد قلق علي واتصلت به مساء‏,‏ ويا للعجب ما إن نطقت باسمي حتي أغلق السماعة في وجهي‏!!‏

لم أستوعب الأمر‏,‏ فكرت أن الاتصال الدولي صعب وأنه انقطع لسبب أو لآخر فعاودت الاتصال مرات ومرات وصفارة مزعجة ترن في أذني في كل مرة‏,‏ وأيضا لم أفهم أنه هو من كان يقوم بقطع المكالمة قبل إتمامها‏.‏

ما كان مني إلا القلق عليه أو الظن بأنه قد غضب من هاتفي النقال المغلق لمدة يومين فأجلت الاتصال به لليوم التالي‏,‏ جاء صباح اليوم التالي ومبكرا كان اتصاله‏:‏

ـ هل قرأت الرسالة التي بعثت بها لك؟
قرأتها ولم أفهمها‏..‏ سأشرح لك‏..‏ زميل لي في العمل هنا رشح لي فتاة لأخطبها وقتما كلمتني كنت في منزلها‏.‏

ـ أتمني أن نكون أصدقاء وأن أحصل علي دعواتك لي بالتوفيق إنها فتاة محجبة ومهذبة لا تتميز عنك في شيء‏..‏ حتي إني لا أ عرفها مسبقا لكن الارتباط بها أسهل فهي مقيمة هنا‏,‏ أنت إنسانة ممتازة محترمة جدا ومهذبة‏.‏

أحببتك جدا‏..‏ أتمني من الله أن يوفقك في حياتك‏..‏ يا للبساطة‏..‏ إنه أمر سهل جدا بالنسبة له‏.‏

لا أذكر ماذا كان ردي الذي لم يكن لينا علي أي حال ولكن‏..‏ هل كانت هذه صفقة؟ هل كانت متاعا يشتريه أم كنت أثاثا يستبدله‏..‏ إنسانة أنا لي قلب ينبض ودماء تجري في عروقي‏,‏ لي إحساس ومشاعر‏,‏ لي آمال وأحلام‏..‏ بكل بساطة وجد صاحب الأعمال والشهادات عرضا أفضل فأطاح بالعرض الأول‏,‏ أو أني بضاعة كان سيستقدمها من الخارج فوجدها في مصنع خلف بيته‏..‏ ما الفارق؟ تذكرة طيران وإجراءات إقامة؟ سفر ومشقة؟

لابد أن العرض الثاني أفضل من العرض الأول‏,‏ وهو تاجر ناجح يجيد دراسة العروض‏..‏ فلماذا يجهد نفسه؟

يا إلهي هل الإنسان رخيص لهذه الدرجة في عيون أخيه الإنسان؟ ألا يساوي جرح قلبه إجراءات وتذكرة طيران؟

أريد جوابك يا سيدي‏..‏ أريد أن أسمع كلماتك فلا تبخل بها علي‏.‏

{‏ سيدتي‏..‏
أحترم إحساسك الجريح‏,‏ وإن كنت لم أندهش من تصرف هذا الشاب‏..‏ وأقدر أيضا قبولك الزواج بهذه الطريقة المتسرعة من شاب رأيت في مقوماته الظاهرة ما يبشر بأنه زوج مناسب‏,‏ وإن كنت لا أرحب بهذا الأسلوب في الزواج‏,‏ وأري فيه مقامرة تؤدي كثيرا إلي انهيار زيجات لأنها لم تقم علي أسس سليمة‏.‏

فليس المؤهل وحده ولا الوظيفة المرموقة والمظهر الجيد مبررات للقبول بعريس قادم من الخارج يبحث عن عروس في أيام قليلة‏,‏ لتشاركه رحلة الحياة بقسوة اختباراتها‏.‏ هذه الشراكة التي تستوجب التأكد من أشياء عديدة غير المؤهل والإمكانات المادية‏,‏ علي رأسها دينه وأمانته‏,‏ وهاتان الصفتان تحتاجان بعض الوقت للتأكد منهما عبر السؤال والمعايشة‏,‏ لأن من يتزوج علي عجل يندم علي مهل‏,‏ وقد تكون إرادة الله سبحانه وتعالي تدخلت لإنقاذك من هذا الندم‏,‏ لأن ما فعله هذا الشاب يؤكد أنه لم يخترك لأنه رأي فيك أشياء خاصة يتمني أن تكون عليها شريكة حياته‏,‏ هو كان يريد عروسا مناسبة والسلام‏,‏ وعندما وجد فرصة أخري‏,‏ أكثر يسرا وأقل تكلفة‏,‏ لم يفكر فيما سيسببه لك من ألم أو جرح‏,‏ فكر في نفسه فقط‏,‏ لأنه إنسانا أناني‏,‏ لا يعرف معني الرجولة‏,‏ ومن السهل أن يكون إنسانا ولكن الصعب أن يكون رجلا‏..‏ إنسان بهذه الصفات لا يستحق الحزن عليه‏,‏ بل يجب عليك أن تشكري الله لأنه أنقذك من الارتباط بمثله‏.‏

وتظل المشكلة الرئيسية والصعبة التي ترد إلي من فتيات عديدات‏,‏ إذا كان زواج الصالونات‏,‏ والزواج من القادمين من الخارج في إجازات‏,‏ محفوفا دائما بمخاطر الفشل‏,‏ فكيف نتزوج؟‏..‏ سؤال صعب أتمني أن يشترك معي أصدقائي قراء بريد الجمعة في الإجابة عنه‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله تعالي‏.‏
المزيد ....

دائرة العفـو

24-11-2006
تلقيتفي بريدي هذا الأسبوع أكثر من مائة رسالة من أصدقاء بريد الجمعة تعليقا علي رسالة الأسبوع الماضي الانتقام أغلبها يميل إلي عفو البنات عن والدهن القاسي‏,‏ بعد أن رأين انتقام الله الشديد‏,‏ وإن اقترح البعض ـ بعد التأكيد علي إعادته رسميا إلي الحياة ـ أن يضعنه في بيت آخر بعيدا عنهن حتي لا يستعدن الذكريات المؤلمة بوجوده‏,‏ علي أن يراعينه ويهتممن به‏.‏ أما البعض فقد رأي أن يساعدنه ويضعنه في دار مسنين‏,‏ دون الإعلان أو الإفصاح عن كونه أبيهن‏.‏ ولظروف المساحة اضطررت لعدم نشر القصة الرئيسية احتراما لرسائلكم التي اخترت بعضا منها‏,‏ وأعتذر للاصدقاء الذين لم أستطع نشر رسائلهم‏.‏

**‏ تعقيبا علي رسالة الانتقام ولأنها جاءت علي الجرح كما يقولون‏,‏ أردت ان اضيف إلي ردك الحل الذي وضعته انا لحالتي والتي فيها بعض من معاناة الأخت‏,‏ وأرجو المعذرة إن قلت لك إن ردك غير منصف‏,‏ لانك لو شعرت بالمشاعر التي نشعر بها نحن الذين أبتلينا بمثل هذه النوعية من الآباء لو عرفت معني أن تعيش عمرك كله تعاني من الآثار النفسية والعصبية التي ليس لها دواء عند أعتي الأطباء‏,‏ عندما تعرف ان ينشأ الفتي والفتاة بشخصية غير واثقة من نفسها رغم نجاحها ورغم براعتها في عملها‏,‏ بسبب ماذا؟ عندما تعرف ان تداري يدك من الناس استحياء بسبب الرعشة والتوتر التي تنتابها في أي وقت‏,‏ بسبب ماذا؟
عندما تبتلي بالتبول اللا إرادي ولاتتمكن من السيطرة علي التبول في وضح النهار وفي عز شبابك رغم تأكيد الأطباء سلامتك‏,‏ وان الحالة عصبية ليس لها دواء عندهم‏,‏ عندما تستتر من الناس بسبب الفضائح مع مراعاة ان الحالة الاجتماعية من مستوي يحرص جدا علي سمعته‏,‏ كل هذا لا يساوي شيئا مع المعاناة التي يشعر بها الطفل‏,‏ وينشأ فيها ويترعرع وينتهي المطاف بعقاب الله‏,‏ وأي عقاب إنه عقاب القادر عظيم الشأن شديد البطش‏.‏ ولكنك أنت تطلب منا العفو ولم يستطع الرسول الكريم ان يعفو عن قاتل عمه حمزة‏,‏ فبعد إسلام حبشي لم يسلم عليه الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ولم ينظر إلي وجهه وهوالرسول‏!!‏ وعند غرق فرعون كانت الملائكة تغطي رأسه حتي لايقول الشهادة فيعفو عنه الله‏!!‏ وهذه الملائكة‏,‏ ونحن لسنا برسل ولا ملائكة فلا تطلب منا ماعجز عنه الأفضل منا‏,‏ وليس هذا العفو الكبير إلا من صفات الخالق‏,‏ لانستطيع نحن أن نصل إليها‏,‏ واتحدي أي مخلوق ان يصل إليها‏,‏ ولذلك أقول لأخواتي ماقلته لنفسي وادعو به دوما‏(‏ ربنا ولاتحملنا مالا طاقة لنا به‏)‏ وهذا الدعاء في خواتيم البقرة‏,‏ وأري ان يرحن ضمائرهن ويضعنه في مكان يلقي فيه الرعاية ويسألن عليه ويزرنه ولايجب ان يفصحن ابدا له أو لغيره عن صلتهن به وتأكدن تمام التأكد‏,‏ وعن خبرة إن الإنسان لايتغير ابدا من النقيض إلي النقيض إلا بمعجزة‏,‏ نادرة الحدوث‏,‏ لذلك فلا أنصح بأن تعود له الذاكرة وعليكن بالإكثار من الدعاء لكن وله ولوالدتكن رحمها الله‏.‏
أختكن في المعاناة

**‏ لتسمح لي أن أوجه كلماتي هذه إلي الفتاة كاتبة الرسالة المرتعشة الانتقام وأضم صوتي إلي صوتكم في كل ما ذكرتم في ردكم القيم مذكرا بالآتي‏:‏
ـ تعرض رسول الله صلي الله عليه وسلم لأقصي أنواع الاضطهاد والعنت حينما ذهب ليعرض الإسلام علي أهل الطائف فرفضوا دعوته وأمروا أولادهم وسفهاءهم بأن يقذفوا الرسول الكريم بالحجارة حتي أدمت قدماه الشريفتان وبعد انتهائه من دعائه المأثور الجميل ظهر له ملك الجبال قائلا‏:‏ يا محمد السلام يقرؤك السلام ويقول لك‏:‏ لو أمرتني لأطبقت عليهم الأخشبين الجبلين فكان رد الرسول العظيم‏:‏ أتركهم ربما يخرج من أصلابهم من يعبد الله فقال ملك الجبال‏:‏صدق من سماك الرؤوف الرحيم‏.‏

ـ وسيدنا إبراهيم عليه السلام حينما رأي رؤية أنه يذبح ابنه فلذة كبده سيدنا إسماعيل عرض عليه الأمر قائلا‏:‏ يا بني إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا تري قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين‏.‏
ولتتذكري دائما الآية الكريمة التي ذكرها الله في قرآنه الكريم‏:‏وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا وقديما قال أحد الحكماء‏:‏ لأن تندم علي شيء لم تفعله خير من أن تندم علي شيء فعلته‏.‏ ولم يبق في أعمارنا يا ابنتي بقدر ما فات منها‏.‏ فضعي هذا في الاعتبار عند اتخاذك للقرار‏.‏
فلتنس تماما واخواتك ما حدث من أبيكم وإذا لم يرحمكم في صباكم لسيطرة شيطانه عليه فارحموه أنتم في شيخوخته بقلوبكم الرحيمة التي سيملؤها الله بالحنان بعد أن شاهدتموه علي هذه الصورة المزرية واكتفوا بالانتقام الإلهي الذي واجهه ومهانته وإذلاله في غسل السلالم في برد الشتاء القارص والأكثر إيلاما الأمراض التي ابتلي بها‏:‏ السكر ـ والضغط ـ وماء علي الرئة والخبز العفن الذي أجبر علي تناوله والأشد قسوة فقده للذاكرة‏!‏ ألا يكفي كل ذلك عما اقترفت يداه في ايلامكن وتعذيبكن مهما يكن؟‏!.‏
ممدوح صابر علوان
مدير عام بجامعة المنصورة سابقا

**‏ إلي صاحبة الانتقام‏:‏ لا تنتقمي من والدك بتركك له‏,‏ فينتقم منك الله بمعصيتك لأمره‏..‏ ألا تكفي خمس سنوات قضاها مجهولا يتكفف الناس ويستعطفهم أن يطعموه أو يستروه أو يؤوه من برد الشتاء وحر الصيف؟ ألا يكفي كم الإهانة والذل والنكران والهوان الذي عاشه بعيدا عن أهله وسلطانه وماله وأبنائه؟ ألا يكفي كل ما لاقي من عذاب استمر لخمس سنوات‏,‏ ويا لمفارقات القدر أن يستقر به المقر في بيت من بيوت الله يخدم فيه ويعبد الله‏!‏ ألم تتألمي ولو للحظة ـ لضعفه وشيخوخته ومرضه وانكساره؟ ألم تتأملي هذا الإنسان الجديد الذي تبرأ من كل ماضيه بكل ما فيه‏,‏ ويعيش إنسانا آخر‏,‏ يسطر في كتاب أعماله أعمالا غير التي كانت ويحيا حياة نقية كلها صفاء ورحمة وطاعة لله‏.‏
سيدتي ـ لقد قلت في رسالتك أنك عندما حاولت أن تذكريه بماضيه تعجب وتبرأ من هذا الأب القاسي وتمني لو أن له بناتا مثلكن سيكون بهن رءوفا رحيما عطوفا‏,‏ سيدتي لا تضيعي والدك بتجاهلك له أنت وأخواتك‏,‏ فإن فعلت فسوف تعيشين في عذاب آخر سيظل يلازمك مدي الحياة‏,‏ قد مر ما مر بمره وعذاباته وأصبح ماضيا فلا تحاولي الرجوع إليه وانظري إلي ما هو آت واعلمي أن أمامك والدك الشيخ المريض الذليل الذي يمد يده إليك لترحميه من ذل السؤال والحوجة وهو في هذه السن‏,‏ لقد حزنت لقولك أنك بكيت بدموع لا تعرفين من أين أتت عندما رأيته في هذا الحال‏,‏ رغم كل ما فعله تحركت فيك عاطفة أبوته لك وبنوتك له‏..‏ إنها غريزة البشر التي مهما اعتلاها الظلم تبقي فينا وتظهر في الضعف ووقت الشدة والاحتياج لأقرب إنسان لنا علي وجه الأرض والدنيا‏.‏
علي إبراهيم جاد


**‏ شدني مضمون ووقائع رسالة الانتقام بــأهرام الجمعة‏17‏ نوفمبر الحالي ولفتني تعليقكم الهادئ والمتوازن‏,‏ وأقلقني موقف البنات وموقف محاميهم‏,‏ فقد غاب عن الجميع ـ طبقا للوقائع المنشورة ـ عدد من الأمور الشرعية والقانونية والواقعية‏:‏
أولها‏:‏ الموقف السلبي لحكم اعتبار الأب في حكم المفقود‏,‏ وما ترتب عليه من إثبات الوفاة القانونية وما تبعه من صدور إعلام الوراثة‏,‏ والسكوت علي هذا في حد ذاته مع الوقائع المستجدة يعرض الجميع لمسئوليات قانونية عديدة مدنية ومالية بل وجنائية لا أظن أحدا من أصحاب الشأن يرتضيها لنفسه‏.‏

ثانيها‏:‏ أن عودة الأب في رعاية بناته لن يعطيه الشرعية القانونية لإدارة أمواله أو التصرف فيها‏,‏ والأمر الطبيعي في هذا الموقف هو اتخاذ عدد من الإجراءات القانونية البسيطة طبقا لأحكام القانون المدني وقوانين الأحوال الشخصية والولاية علي المال وقانون المرافعات‏,‏ تكفل في النهاية تعيين قيم علي الأب المحجور عليه لأسباب واضحة ومن الطبيعي أن هذا القيم ستكون واحدة من البنات بالاتفاق فيما بينهن‏.‏

ثالثها‏:‏ وبعد أن أشرت إلي الأمور الدنيوية فيما سبق باعتبارها الهاجس الذي ركزت عليه الرسالة فإن ما أشرت أنت إليه في تعقيبك مما أمر به الدين مما لا مناص لكل من يتدبر أمور دينه ودنياه‏,‏ الا أن ينصاع له‏.‏ أو كما أشرت فإن المغفرة والعفو وإعمال حكم الدين هو الطريق الصحيح والصواب وأقول للبنات توكلن علي الله متوخيات طريق الحق والصلاح‏,‏ ولا أشك للحظة أنه سيحقق لكن كل السعادة وراحة الضمير‏.‏
عادل العزبي


**‏ لن أقول لصاحبة رسالة الانتقام أكثر مما قاله الأستاذ محرر البريد‏,‏ لكن ربما أضيف إضافة بسيطة أقول فيها لصاحبة الرسالة أنك لو تركت والدك يواجه مصيره في وحدته ومرضه‏,‏ فسوف ينعكس ذلك سلبا علي سلامتك النفسية في القادم من الأيام‏,‏ وأنت قد عانيت بما فيه الكفاية فيما مضي منها ولست بحاجة إلي مزيد‏,‏ وأن كنت مسديا إليك بنصيحة فهي أنك برعايتك لوالدك المريض في نهاية عمره‏,‏ فبانتظارك مكافأة المولي عز وجل في الدنيا والآخرة‏,‏ فلا تفرطي فيها لأنك تستحقينها‏,‏ ولتترفقي بأبيك في مرضه وحاجته‏,‏ ولا تتركيه يتسول ثمن دوائه‏,‏ ولا تدعيه يمسح بلاط السلالم وهو في هذه السن المتقدمة‏,‏ ولا تبخلن عليه بماله‏,‏ وحتي لو شفي وعاد لسابق عهده وهذا مستبعد جدا‏,‏ فهو قدركن الذي لا مهرب منه‏,‏ لأننا لا نختار آباءنا‏,‏ ولتعلمي يا ابنتي أنت وأخواتك أن عذاب سياط ضمائركن لو عققتن والدكن في ضعفه‏,‏ سيكون أقسي وأشد إيلاما من ضربات أسلاك الكهرباء التي أذاقكن إياها في جبروته‏.‏
دكتور أحمد الجيوشي
الملحق الثقافي بنواكشوط

**‏ إن ذلك الأب المأساوي‏..‏ يذكرنا بـالملك لير في مسرحية العبقري شكسبير‏..‏ مع اختلاف الأسباب‏..‏ وربما تفوق واقع والد البنات علي خيال شكسبير‏..‏ فيما يتعلق بقضية الجريمة والعقاب‏..‏ والتأكيد المطلق علي حتمية لحظة الحساب‏,‏ كناموس علوي حاكم لحركة حياة البشر‏..‏ لا فرق بين ملك وخفير‏..‏ هانم أو خادمة‏..‏ والمعيار الثابت أزلا كل نفس بما كسبت رهينة‏..‏ كما تشير الرسالة إلي المال‏..‏ حين يتحول إلي لعنة‏..‏ وإلي القدر أو السلطة حين تصبح بلاء‏..‏ فيصبح الشخص عدو نفسه والآخرين حتي أبنائه‏..‏ وتتضاعف الأحزان بالعناد والمكابرة‏..‏ وفي غفلة من أن رب الكون يسمع ويري‏..‏فهل يتعلم مدمنو الفساد والضلالة الدرس ويتوبون‏..‏ قبل أن تقع الواقعة في الدنيا قبل الآخرة؟‏!..‏
يبدو أن الأب كان يعاني مشاكل ذهانية وفقد القدرة علي إدراك ما يصدر عنه من أقوال وأفعال‏..‏ فرغم ثروته يدفع بناته وزوجته إلي عمل ما لا يناسب غناه‏..‏ وحين تنتحر ابنته يقول ارتحت من واحدة وعقبال الباقي‏..‏ منتهي التعاسة الذاتية‏..‏ لقد كان عدو نفسه‏..‏ يعاني انكسارات تحتية‏..‏ وعميت بصيرته‏..‏ حالة من الجحيم الذاتي الداخلي‏..‏ ضاقت نفسه به‏,‏ فضاقت كل الدنيا به‏..‏ فأصاب الحريق أقرب الناس إليه‏.‏ بناته وزوجته‏..!!‏ عبثية جاهلية مجنونة‏..‏ توحي بأن ذلك الأب كان جاهلا‏..‏ وغبيا‏..‏ هكذا كان حظه‏..‏ انه نموذج يتكرر في مجتمع الثراء السريع غير المشروع ودون مؤهلات طبيعية‏..‏ حيث التسلح بالمال مع الرذالة والبلطجة‏..‏ والعيش برؤية واحدة‏..‏ تقوم علي أنا‏..‏ الوحيد اللي صح‏..‏ والنتيجة قبض الريح‏..‏ لالشيء‏!‏ ومنتهي الضعف البشري‏..‏ عندما يصبح الفرد عبدا ذليلا لشيطانه‏!!..‏ والنتيجة‏..‏ الخصومة مع الله والنفس والآخرين‏!!‏ ولذلك جاء قوله عز وجل في القرآن لا تقتلوا أنفسكم لكل من يلقي نفسه إلي التهلكة‏..‏ وهو يظن أنه يحسن عملا‏..‏ حقا‏..‏ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور‏.‏
محمد الشاذلي ـ المنوفية
المزيد ....

الانتقـــام

17-11-2006
سيدي أكتب لك من داخل القطار‏,‏ لذا اغفر لي ارتعاشة الكلمات وسوء الخط‏,‏ واستميح القراء عذرا في قسوة بعض التعبيرات وفجاجتها‏,‏ ولكني لم استطع التعبير عن نفسي إلا بما حدث مجردا من أي تنميق أو تجميل‏.‏

وأناشدك ألا تقسو علينا‏,‏ فنحن بنات قسا الزمن علينا طويلا‏,‏ وأرواحنا ـ كما أجسادنا ـ كلها ندبات وجروح‏.‏

نحن ست بنات‏,‏ خمس شقيقات‏,‏ والصغيرة من أم أخري‏..‏ عشنا أيام طفولتنا وصبانا في عذاب لا يمكن وصفه أو تخيله بسبب قسوة أب تجرد من كل مشاعر الإنسانية‏,‏ ولم نهنأ‏,‏ أو نغمض عيوننا إلا بعد موته الغريب والمفاجئ‏,‏ موته استمر‏5‏ سنوات‏,‏ واعتقدنا أن الحياة السعيدة بدأت‏,‏ وأن السماء تعوضنا عما عانيناه‏,‏ ويبدو أنها كانت أضغاث أحلام‏,‏ فها هو الفزع يعود من جديد‏,‏ والنوم يستعد لهجرة عيوننا التي أدماها البكاء‏.‏

دعني استرجع معك ذكرياتنا التي لا تفارقنا لحظة‏,‏ فكل ألم عليه شاهد في الروح والبدن‏.‏ استيقظت عيوننا منذ الميلاد‏,‏ علي أم كسيرة‏,‏ باكية دائما‏,‏ وأب لم نره في البيت إلا في يده سلك كهرباء عار‏,‏ تنهال سياطه علي أجسادنا‏,‏ إذا بدر منا أي صوت‏..‏ هل يمكن تخيل طفل لا يبكي؟‏..‏ نعم‏,‏ نحن‏,‏ كنا نعي أن البكاء حتي في الأشهر الأولي يعني ألما غير مفهوم من يد شبح‏,‏ لم نكن نعرف ماذا يمكننا أن نناديه‏.‏

أتذكر الآن‏,‏ عندما كان عمري‏5‏ سنوات‏,‏ أمي حامل في شهورها الأولي‏,‏ كانت تستحم‏,‏ سقطت في الحمام‏,‏ فأخذت تستغيث بصوت منخفض حتي لا توقظ أبي النائم‏,‏ ولكنه للأسف مع بكائها‏,‏ هل يمكن أن تتوقع ماذا فعل؟ لا أنسي ملامح وجهه في ذلك اليوم‏,‏ ملامح شيطانية مفزعة‏,‏ لم يثنه دمها المراق علي الأرض‏,‏ لم يفزعه‏,‏ إنهال عليها ضربا ورفسا في بطنها وشدها من شعرها خارج الحمام‏,‏ ونحن نبكي ونصرخ رعبا‏,‏ حتي تجمع الجيران‏,‏ وأخذها أحدهم فاقدة الوعي إلي المستشفي‏,‏ بينما توجه هو إلي غرفة نومه‏.‏ يومها أصبت أنا الأخري بانهيار عصبي وظللت مريضة فترة طويلة‏.‏

سيدي‏..‏ هل لك أن تتخيل ماهو جزاء أي واحدة فينا‏,‏ لو لم تتفوق في المدرسة؟‏..‏ يحلق شعرها‏,‏ ويغرس وجهها في صفيحة الزبالة ثم ينهال عليها ضربا بالسلك العاري حتي تفقد وعيها من شدة الألم‏.‏

لم يكن أبي ينفق علينا‏,‏ ولا تظن أنه كان فقيرا‏,‏ بل كان كما يقولون يلعب بالفلوس لعب‏,‏ معه أموال كثيرة من تجارة الغلال‏,‏ ولكنه كان يأمرنا بالعمل ونحن أطفال لنشتري ملابس المدرسة‏,‏ وننفق علي أنفسنا‏.‏ كنا نمسح سلالم أقاربنا والجيران مقابل أجر‏..‏ أما أمي فقد اشتري لها إخوالي ماكينة خياطة‏,‏ إضافة إلي عملها في مصنع مجاور لمنزلنا حتي تنفق علينا‏.‏

ذات يوم جاءت أختي متأخرة قليلا من المدرسة‏,‏ فانهال عليها ضربا‏,‏ حتي هربت من البيت‏,‏ غابت أسبوعا ثم عادت‏,‏ وبعد العلقة المعتادة اصطحبها عند طبيبة نساء للتأكد من عذريتها‏,‏ ثم قرر تزويجها فورا‏,‏ أراد تزويجها من شيال في مقلاة لب‏,‏ وأمام قراره‏,‏ لم تجد أختي إلا الانتحار حلا‏,‏ أحرقت نفسها‏,‏ تركتنا للعذاب ورحلت‏.‏ هل تعرف ماذا فعل هذا الرجل الذي يطلق عليه أبا قال بأعلي صوته‏:‏الحمد لله ارتحت من واحدة‏,‏ عقبال الباقي‏.‏

اقترح اخوالي علي والدتي أن تترك له البنات الكبار‏,‏ وتذهب معهم بالبنات الصغار‏,‏ ولكن أمي رفضت خوفا علي الكبار والصغار من بطشه وجبروته‏,‏ فقد كانت تري في وجودها بعض الحماية لنا‏.‏

سيدي‏..‏ لايمكن لأحد تخيل معني الذل والحرمان مثل الذي يعانيهما‏..‏ لن يستوعب أحد معني استحالة أن تتحرك من موقعك في البيت أو تمشي حافيا لأن والدك نائم‏.‏ لن يفهم أحد معني أن ترتدي طوال العام ـ صيفا وشتاء ـ فستانا ممزقا‏,‏ وتأكل رغيفا واحدا‏,‏ وتنام الليل خائفا‏,‏ وتصحو النهار مذعورا‏.‏

لك أن تتخيل كل شيء‏,‏ كل أنواع العذاب والقهر والألم‏,‏ فليست أزمتنا الآن فيما فات‏,‏ ولكن دعني أكمل لك‏:‏

منذ‏14‏ عاما‏,‏ أصيبت أمي بنزيف حاد‏,‏ مما أغضب أبي‏,‏ فانهال عليها ضربا‏,‏ واستنجدنا بأخوالي‏,‏ نقلناها إلي المستشفي‏,‏ ولكن قضاء الله كان أسرع‏..‏ ماتت أمي‏..‏ كلمة الحنان في الحياة‏,‏ ورفض القاسي تسلم جثتها حتي دفنها أخوالي‏.‏ وفي الأربعين دخل أبي علينا البيت وفي يده مطلقة عمرها‏20‏ عاما قال إنها زوجته‏..‏ وقتها كنت أعيش معه أنا وشقيقتي الصغري‏,‏ بعد زواج شقيقاتي‏.‏ جمعنا أبي وقال لنا‏:‏ لو شكت لي منكم كلمة‏,‏ فسأضع سلك الكهرباء في عيونكما‏,‏ وفرغ شقيقتي من عملها في مقلاة اللب لتخدم زوجته الجديدة‏,‏ أما أنا فكنت أسارع بالعودة من عملي‏,‏ حتي أنظف البيت وأطهو لهما الطعام‏.‏

المهم التفاصيل متعددة‏,‏ ولكن الأهم أن أبي تزوج ثلاث مرات بعد أمي‏,‏ وآخر واحدة حملت رغما عنه فطلقها‏,‏ وعاش بدون زواج حتي حدث ما حدث‏!.‏

سيدي‏..‏ منذ‏8‏ سنوات‏,‏ ذهب والدي لأداء العمرة ولم يعد‏..‏ انقطعت أخباره عن الجميع منذ سفره‏..‏ توجه أعمامي عدة مرات إلي السفارة السعودية يسألون عنه بلا جدوي‏..‏ لا يعرف أحد له طريقا‏.‏ هل تدري كيف كان إحساسنا مع كل يوم نتأكد من غيابه؟‏..‏أصابتنا كريزة ضحك‏,‏ صرخنا زمن العذاب انتهي‏,‏ روحة بلا رجعة‏..5‏ سنوات عشناها علي أعصابنا حتي أقمنا دعوي أمام المحكمة لاعتباره مفقودا وعملنا إعلام وراثة‏.‏ بعدها فقط بدأنا نشعر أننا آدميون‏..‏ انطلقنا في الشقة‏,‏ مزقنا صوره‏,‏ ألقينا بملابسه في صناديق القمامة‏,‏ حتي الملاية التي كان ينام عليها والبطاطين التي استخدمها‏,‏ شبشبه‏,‏ الأكواب التي كان يشرب فيها‏,‏ الكرسي الذي جلس عليه‏,‏ كله حطمناه‏,‏ تخلصنا منه‏,‏ أتعرف ما الذي كان يؤلمنا ويعذبنا؟ أنه مات بدون عذاب‏,‏ لم يعش أمامنا ذل المرض‏.‏

حصلنا علي أمواله التي حرمنا منها واكتنزها في البنك‏,‏ كل واحدة فينا بدأت تتحدث عن أحلامها‏,‏ واحدة ستشتري ذهبا‏,‏ والأخري تشتري محلات ملابس‏,‏ والثالثة تشتري سوق الخضار واللحوم‏,‏ وهكذا بدأنا في تنفيذ أحلامنا‏,‏ لا يعكر صفو حياتنا سوي منازعات أعمامنا فيما هو حق لنا‏.‏

سيدي‏..‏ كان كل شيء يسير طبيعيا حتي جاء هذا اليوم‏..‏ في شهر رمضان الماضي دعتني زميلتي إلي عقد قرانها في أحد المساجد‏,‏ صليت ركعتين تحية للمسجد‏,‏ وفيما أنا خارجة في طريقي إلي القاعة‏,‏ لا أدري ما الذي دفعني للنظر خلفي‏,‏ هل يمكن تصور من كان يجلس علي الأرض؟‏..‏ إنه أبي‏,‏ رجل عجوز ممزق الملابس‏,‏ لا يمكن‏,‏ هل عاد أبي‏,‏ أصابني الفزع واستعدت كل تاريخي‏,‏ اختبأت‏,‏ خشيت أن يراني‏,‏ ثم توجهت إليه وأنا ارتجف‏,‏ نظرت إليه فلم يعرني اهتماما‏,‏ استيقظت علي نداء صديقاتي‏,‏ فحضرت عقد القران‏,‏ ثم توجهت إلي إمام المسجد وسألته‏:‏ هل تعرف هذا الرجل‏,‏ فقال لي إن أحد أقاربه أتي به منذ فترة من القاهرة وأخبرنا أنه كان يعالج في المستشفي‏,‏ ويخدم في المسجد‏,‏ ويغسل السلالم في العمارات المجاورة‏.‏

هل يمكن تخيل ذلك‏,‏ والدي الذي كان يصحو العصر من نومه‏,‏ ويرتدي أفخر الثياب‏,‏ يمسح السلالم ويجلس علي الأرض‏.‏ طلبت من الإمام أن يدعوه‏,‏ وسألته إيه حكايتك فقال لي‏,‏ إنه كان في مستشفي في السعودية‏,‏ والسفارة هناك أخبرته أنه مجهول الاسم‏,‏ وهو لا يتذكر أي شيء عن شخصيته‏,‏ وعملوا له وثيقة سفر ورحلوه لمصر‏..‏ هو يحكي وأنا أستعيد كل المشاهد القديمة تفصيليا‏..‏ بكيت وبكيت‏,‏ لم أعرف لماذا أبكي‏,‏ هل هذا الرجل المنكسر الذي ينظر لي بمحبة وحزن هو أبي الظالم‏..‏

يمد يده ليأخذ مني بعض النقود‏,‏ أتذكره وهو يقذف في وجهي صينية الطعام لأني نسيت شيئا‏,‏ يعيدني صوته وهو يدعو لي‏:‏ربنا يطعمك ما يحرمك‏.‏ سألته‏:‏مش فاكر أنت كنت إيه زمان؟ وأرد في نفسي‏:‏ كنت شريرا‏,‏ قاسيا‏,‏ بتضرب بسلك الكهرباء والشلوت ومسمينا الحلاليف‏.‏ نظر إلي طويلا وقال‏:‏ أنا حاسس إن ربنا بيعاقبني علي شيء عملته وغضبان علي‏.‏ لا أعرف من أين أتيت بهذه الدموع‏,‏ هل كنت أبكي عليه أم لأنني تذكرته وهو يجر أمي من شعرها وهي تنزف‏..‏ أتذكره وهو يرفض الذهاب إلي المستشفي لدفنها‏.‏

عدت إلي البيت‏,‏ دعوت شقيقاتي وحكيت لهن ما حدث‏,‏ لم يصدقن ما سمعنه‏,‏ فقررنا استدعاء محامينا‏,‏ واتفقنا علي الذهاب إليه لرؤيته‏..‏ إندفعنا نحوه‏,‏ كادت واحدة تناديه بابا منعناها‏..‏ جلسنا معه وبدأ المحامي يحكي لي حكايتنا مع أبينا ـ الذي هو الجالس أمامنا ـ تعمدنا ذكر بعض كلماته مثل الحلاليف حتي نتأكد من ذاكرته‏,‏ فوجئنا به يبكي ويقول‏:‏كيف لأب يفعل ذلك في بناته‏,‏ أنا كان نفسي يكون لي بنات مثلكم‏..‏ قالت له أختي‏:‏مش يمكن ولادك لو عرفوا إنك عايش يتبروا منك‏,‏ نظر إليها باندهاش قائلا‏:‏ليه يابنتي إنت قاسية قوي كده‏.‏

المهم سيدي‏..‏ عدنا إلي البيت أكثر حيرة‏,‏ جاء خالي لنا وأخبرناه‏,‏ فقال إنه لابد أن يعود إلي بيته‏,‏ فهذا حقه‏..‏ وقال المحامي‏:‏ إنه لو عاد سيستعيد أمواله منكن‏,‏ أعمامكم سيرفضون‏,‏ وسيقدر عليكن‏,‏ ولو عالجناه‏,‏ قد يعود إلي ما كان عليه وينتقم منكن‏.‏ قلنا مرة ثانية عذاب وذل وبهدلة‏.‏

اتفقنا أن نذهب له كل شهر‏,‏ نمنحه صدقة تكفيه وطعاما وملابس‏..‏ فكرنا في إدخاله مستشفي والانفاق عليه ولكن خشينا أن يشفي ويفهم ما فعلناه به فينتقم منا‏.‏

سيدي‏..‏ عقولنا ترفض عودته‏,‏ ولكن ضميري يؤلمني‏,‏ صوت في داخلي يقول لي‏:‏إرحمي عزيزا ذل‏,‏ إرحمي آباك في شيخوخته‏,‏ يكفي ما يراه من عذاب‏,‏ يغسل سلالم العمارات في عز الشتاء‏,‏ ألا يكفي انتقام الله‏.‏

منذ أيام ذهبنا إليه وجدناه مريضا في حجرة متواضعة بجوار المسجد‏,‏ وقال لنا إمام المسجد‏:‏ إن الطبيب أخبرهم بمرضه بالسكر والضغط وماء علي الرئة‏..‏ أهل الخير أحضروا له الدواء‏..‏ وجدت بجواره كيسا فتحته وجدت به خبزا عفنا‏..‏ أتألم له ومنه‏..‏ أتذكر ذات صباح عندما استيقظ من النوم فلم يجد خبزا طازجا‏,‏ ففتح رأس أمي بغطاء ماكينة الخياطة‏..‏ وها هو اليوم يأكل خبزا عفنا‏..‏ يا الله‏!.‏

سيدي‏..‏ نعيش في أزمة بين ضمائرنا وبين ذكرياتنا المؤلمة‏..‏ نعجز عن الاتفاق علي قرار‏..‏ فقررنا الاحتكام إليك‏,‏ لعلك تساعدنا علي اتخاذ القرار السليم بدون أن تظلمنا‏!.‏

سيدتي
ألتمس الأعذار لمن يري الظلم ويعاني منه‏,‏ وتغيب أو تتأخر عدالة الله سبحانه وتعالي ـ لحكمة يعرفها ـ عن أنظار العباد‏..‏ ولكن عندما يأتي عقاب الله وإنتقامه من الظالم أمام عيني المظلوم وفي حياته‏,‏ أتساءل كيف لهذا المظلوم أن ينقلب إلي ظالم غافلا عن عدالة الخالق العظيم الذي يمهل ولا يهمل‏.‏

سيدتي‏..‏ من يقرأ الجزء الأكبر من رسالتك‏,‏ لابد أن يغضب ويتألم ويطالب بالقصاص من مثل هذا الأب‏,‏ ومن يقرأ الجزء الأخير‏,‏ لابد أن يتمهل ويعيد النظر إلي الصورة مكتملة قبل أن يصدر حكمه بدون قسوة أو اندفاع عاطفي‏.‏

أعتقد أنك لست في حاجة الآن للتعبير عن الرفض الكامل لسلوكيات والدك قبل فقدانه لذاكرته‏..‏فمهما كانت الكلمات فلن تعبر عن الألم والمهانة التي تعرضتم لها جميعا من سلوكيات هذا الأب‏,‏ والذي لولا نهايته‏,‏ لكان الكلام فيها لا ينتهي‏,‏ فما فعله بعيد عن الإنسانية كل البعد‏,‏ وليس فقط بعيدا عن الأبوة‏.‏

ستقولين إنه الماضي الذي يعيش فيكن حتي الآن‏,‏ ولكن الآن ليس أمامك إلا التعامل مع الحاضر من أجل المستقبل‏,‏ فالعيش في الماضي لن يزيدكن إلا ألما‏.‏

فعندما تصلني رسالة غاضبة من ابن لسوء سلوك أو رعاية أحد والديه‏,‏ تطل أمام عيني الآية الكريمة‏:‏ وإن جاهداك علي أن تشرك بي ماليس لك به علم‏,‏ فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا‏..‏ الخالق‏,‏ الجابر‏,‏ المنتقم‏,‏ عندما يصل الأمر إلي الدعوة للشرك به من أحد الأبوين‏,‏ يأمرنا بعدم طاعتهما في هذا فقط‏,‏ بينما يطالبنا سبحانه وتعالي بمصاحبتهما في الدنيا معروفا‏,‏ هذا في حقه‏,‏ فما بالنا لو الأمر يتعلق بنا نحن الأبناء البشر‏,‏ ألا ترين أن في هذه المصاحبة والتكريم أمرا إلهيا يجب الامتثال إليه‏,‏ فإذا سلمنا بذلك‏,‏ واستندنا إلي أمر الإحسان ـ المتكرر في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ـ إلي الوالدين‏,‏ وقررنا أن يكون القرار ابتغاء لمرضاة الله‏,‏ فإن قراركن سيكون واحدا ومحددا‏.‏

سيدتي‏..‏ إن لذة الانتقام لا تدوم سوي لحظة‏,‏ أما الرضا الذي يوفره العفو فيدوم إلي الأبد‏,‏ واستمعي إلي قوله سبحانه وتعالي وليعفوا وليصفحوا‏,‏ ألا تحبون أن يغفر الله لكم‏....‏ ألا تحبون أن يغفر لكم الله‏,‏ كم هو مقابل زهيد‏,‏ مهما تكن قسوة الأيام‏,‏ فالتسامح يا عزيزتي جزء من العدالة‏.‏

لا أريد أن أدخل معكم في فرضيات‏,‏ لأن إذا قلت أنكن لو عالجتوه وأحسنتم إليه قد يعود إلي سيرته الأولي‏,‏ سأقول لكم ومن أدراكن أن الله قد يعيد إليه ذاكرته الآن ويزداد انتقامه منكن لأنكن تركتموه‏.‏

إن ما أنتن فيه من حقه‏,‏ إنه ماله حتي ولو كان ظالما لكن‏,‏ وعودته وهو فاقد الذاكرة ـ علي قدر ما أعرفه ـ لا يعطيه الحق القانوني في التصرف فيما يملك لأنه ليس أهلا لذلك‏,‏ ولكن نصيحتي لك ولشقيقاتك أن تكون قبلة قراركن خالصة لوجه الله سبحانه وتعالي‏,‏ وأن تذهبن إليه فورا وتعدنه إلي بيته وتحرصن علي علاجه‏,‏ وثقي بأن الهناء والاستقرار والسعادة لن يعرفوا طريقهم إليكن إذا ظل أبوكن ملقي في الطريق‏.‏ إن المنتقم يرتكب نفس الخطيئة التي ينتقم لأجلها‏,‏ فلا تواصلن حياتكن وأنتن ترتكبن نفس الخطيئة‏,‏ والأولي أن يبكي الابن من أن يبكي الأب‏,‏ كما قال المفكر بترارك‏.‏

وخذي وعد الله سبحانه وتعالي في كتابه الكريم‏:‏عفا الله عما سلف‏,‏ ومن عاد فينتقم الله منه‏,‏ والله عزيز ذو انتقام‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

دعوة إلي الاستقرار

10-11-2006
محافظة سوهاج دائما سيئة الحظ‏,‏ فمع كل حركة جديدة لنقل وتعيين المحافظين يعين لها محافظ جديد حديث العهد بالعمل في الإدارة المحلية‏,‏ وفي الحركة التالية تفاجأ بمحافظ جديد بدلا من محافظها الذي ينقل إلي محافظة أخري أو يحال إلي الاستيداع‏!‏

وفي حركة المحافظين المحدودة التي تمت أخيرا‏,‏ وشملت ثلاث محافظات فقط نقل من سوهاج اللواء محمد شعراوي الذي عين محافظا منذ شهور‏,‏ وعين لها محافظ جديد‏,‏ ومن قبل ذلك نقل اللواء حسن الألفي من سوهاج إلي أسيوط‏,‏ ونقل اللواء محمد حسن طنطاوي من سوهاح إلي الفيوم‏!!‏ وكأن سوهاج دون محافظات الجمهورية مركز لتدريب المحافظين الجدد‏,‏ فمن ينجح في التدريب ينقل إلي محافظة أخري‏,‏ ومن لم ينجح يستغن عنه‏,‏ وفي الحالتين تفاجأ سوهاج بمحافظ جديد وأصبح الفرق واضحا لكل ذي عينين في المستوي الحضاري والتنموي بين سوهاج وبين محافظة قنا جارتها الجنوبية‏,‏ وأسيوط جارتها الشمالية‏,‏ فلماذا لايستقر المحافظ في موقعه مادام قد أثبت جدارته؟

د‏.‏ علي أحمد طلب
المزيد ....

هذا الأب

03-11-2006
قرأت إن حضرتك بتحل المشاكل‏..‏ أحكي لك بس إحلف ما تقلش لبابا‏,‏ علشان هو بيضربني‏,‏ وقبل كده ضرب أخويا وخلاه يلبس نضارة‏,‏ وماما باعت الشقة علشان تعالجه‏.‏

بابا بيضربنا وطرد ماما من أول المدرسة‏,‏ وراحت عند ستي‏,‏ ولما قلت لها تعالي‏,‏ قالت كلام مش فاهماه‏.‏

بابا كان بيضرب ماما كتير ويشتمها‏,‏ وماما غلبانة بتنام في الأودة مع ستي وخالتي اللي عندها سرطان‏..‏ وبابا مش بيأكلنا غير الأكل اللي بتجيبوا لنا ماما كل أسبوع‏.‏

بابا بيخلينا نعيش في شقة مش نظيفة‏..‏ عايز ماما علشان خايف من بابا وخايف وأنا نايم لوحدي لما بيروح الشغل‏,‏ أنا توأم‏,‏ لكن كنت بنام علي إيد ماما‏,‏ وهي بتروح مع أخويا للدكتور‏...‏ بتاع المخ ودكتور‏...‏ بتاع العين‏.‏

علشان خاطري‏,‏ تعرف تمشي بابا‏,‏ وماما ترجع البيت‏..‏ هي قالت له تعالي يوم السبت والأحد وأنا أمشي‏,‏ هو رفض وشتمها علي السلم‏.‏

أرجوك أنا خايف‏,‏ اسمي‏...‏ في سنة‏6‏ وبابا مهندس وده تليفون ماما‏...‏ وده تليفون بابا‏....‏

اوعي تقول لبابا علشان هو مع الناس كويس قوي‏,‏ ومعانا ومع ماما بيقول كلام شتايم وأنا أكثر واحد بيضربني‏,‏ وبأذاكر علي الأرض‏.‏

*‏ وصلتني هذه الرسالة التي تركت كلماتها البريئة المبعثرة المكتوبة بقلم رصاص باهت‏,‏ لتعكس حالة كاتبها‏,‏ الطفل الصغير‏,‏ الخائف المرتعش‏..‏ خائف ومرتعش من من؟‏..‏ من أبيه‏.‏

طفل صغير في الصف السادس الابتدائي‏,‏ يرصد بعينين مذعورتين جريمة كبري يرتكبها رجل في حق أسرة كاملة‏.‏

حرت كثيرا‏,‏ لقد طلب مني الصغير أن أحلف ألا أخبر والده‏,‏ وفي نفس الوقت أرسل لي رقم هاتفه في البيت‏,‏ وحذرني من أنه هو مع الناس كويس قوي‏,‏ يعني الطفل الصغير يفهم جيدا ازدواجية والده وكذبه‏,‏ ويخشي أن يخدعني بكلماته‏,‏ ثم يعود إليه ليوسعه ضربا‏.‏ فآثرت أن أحذف من الخطاب ما يشير إلي الأب أو مكان عمله‏,‏ وبعد أن فشلت في الوصول إلي والدة الطفل‏,‏ بسبب انشغالها بطفلها الآخر المريض وانتقالها من طبيب إلي آخر‏,‏ قررت أن أخاطب هذا الأب وأناشده‏,‏ لعل قلبه يفيق من غفوته قبل فوات الأوان‏.‏

سيدي الأب‏..‏ أرجو أن تقرأ كلمات طفلك بقلب الأب الإنسان‏,‏ لا بعقل الرجل المستبد‏,‏ الباطش‏,‏ المستقوي‏..‏ وحاول أن تفهم وتستوعب أنك تغرس في عقل ووجدان أطفالك جذور الخوف والكراهية‏,‏ والتي ستصبح مع الأيام فروعا قوية تلتف حولك وتقتص منك‏.‏

سيدي الأب‏,‏ أعرف رجالا ونساء‏,‏ لا ينامون ليلهم‏,‏ يستجدون الله سبحانه وتعالي ظل طفل‏,‏ وأنت أنعم الله عليك بالأولاد‏,‏ ولكنك لم تقدر نعمة الله عليك والتي قال عنها رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم‏:‏ريح الولد من الجنة‏..‏ هل هكذا يكون التعامل مع ريح من الجنة؟

هل يمكن أن تكون سعيدا وراضيا وطفلك يتمني أن تمشي‏,‏ ألم تفر دمعتك من عينيك وهو يكرر أكثر من مرة أنا خايف‏..‏ ألن يرق قلبك‏,‏ لأنه مازال يشعر ببعض الأمان لوجودك‏:‏وخايف وأنا نايم لوحدي لما بيروح الشغل‏.‏

سيدي الأب‏..‏ لو كنت في بلد أوروبي وقال عنك ابنك هذا الكلام‏,‏ لوضعت في السجن‏,‏ وهذا قانون وضعي‏,‏ فما بالك بانتقام السماء‏,‏ إنك تنشئ أبناء عاقين‏,‏ تعقهم في صغرهم‏,‏ وسيعقونك عندما يكبرون‏.‏

لا أعرف كيف لأب متعلم‏,‏ أن يطرد السعادة متعمدا‏,‏ يوزع التعاسة علي أقرب الناس إليه‏.‏

أدعو الله أن يرق قلبك وأنت تقرأ كلمات ابنك‏,‏ وتسارع بضمه إلي حضنك وتقبل رأسه ويديه‏,‏ وتعيد زوجتك وأطفالك إلي جنتك‏,‏ وإذا كان هناك ما يعكر صفوك ويضغط علي أعصابك بسبب مشكلات في العمل أو ضيق ذات اليد‏,‏ فإني أعرض عليك مد يد المساعدة قدر استطاعتي‏,‏ واتمني أن تتصل بي‏..‏

وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

خيوط العنكبوت

27-10-2006
أنا سيدة تجاوزت الستين من عمري‏,‏ أعيش مع زوجي وابنتي التي تعمل في احدي الشركات العالمية في مصر‏,‏ بعد أن تزوج الابنان وأنجبا لنا أحفادا هم قرة العين ومكافأة نهاية العمر‏.‏ المشكلة ياسيدي أن السعادة هربت من بيتنا‏,‏ وأصبت وزوجي بأمراض نفسية من الضغط والتوتر‏,‏ هذا عدا السكر وغيره من الأمراض التي لم تزرنا يوما إلا بسبب ابنتي‏,‏ فرحة قلبينا‏,‏ والتي استكثرت علينا أن نسعد بها ونفرح بأبنائها‏.‏

ابنتي ـ ياسيدي ـ عمرها ثلاثة وعشرون عاما‏,‏ آية في الجمال والخلق‏,‏ فقد كان حرصي وزوجي علي تربية أبنائنا علي طاعة الله والالتزام بأوامره ونواهيه‏,‏ ولم نفرق يوما بين الولد والبنت‏,‏ فحرصنا علي توفير حياة كريمة لها‏,‏ اشترينا لها سيارة‏,‏ وحرصنا دائما علي أن تكون في أحسن صورة‏.‏

كان من الطبيعي أن يتقدم لابنتي العرسان‏,‏ الواحد تلو الآخر‏,‏ كلهم من مستويات طيبة‏,‏ ولكنها كانت ترفض دون أي تفكير‏..‏ أتدري ماهو السبب؟

لقد تعرفت ابنتي عن طريق الإنترنت ومن خلال الشات‏,‏ علي رجل فلسطيني يكبرها بخمسة عشر عاما ـ كما ادعي ـ ويعيش في لبنان‏,‏ عرفته منذ عامين وتعلقت به حتي أحبته‏,‏ تظل تحادثه طوال الليل‏,‏ وتنام ساعات قليلة قبل أن تذهب إلي عملها‏.‏ حتي أصابها الإجهاد بالذبول‏,‏ وشغلها عن كل ما من حولها‏.‏

ولأن ابنتي لاتخفي علينا شيئا‏,‏ أخبرتنا بهذه العلاقة‏,‏ وبأنها لن تتزوج إلا هذا الرجل‏..‏ حاولنا إثناءها بكل الطرق‏..‏ قلنا لها‏:‏ نحن لانعرف شيئا عنه‏,‏ ومن أدراك أنه ليس متزوجا؟‏..‏ وماذا ستفعلين إذا أنجبت منه واختفي؟ خاصة أن أبناء الفلسطينيين لايحصلون علي الجنسية المصرية‏,‏ فتدافع عنه باستماتة‏,‏ وتؤكد أنه لايكذب وأنه غير متزوج‏.‏

وعندما قرأنا منذ أسابيع في بريد الجمعة رسالة مفتاح الحياة لتلك السيدة التي أصرت علي الزواج من عربي ورضخ أهلها لرغبتها‏,‏ ثم بعد ذلك تركها معلقة‏,‏ بعد أنه اكتشفت أنه سبق له الزواج‏,‏ ثم تزوج بعدها بأخري‏,‏ فدمر حياتها‏,‏ ازداد حزننا وخوفنا‏,‏ وقال لها والدها‏,‏ لن أسمح لك بالزواج من أجنبي حتي لو كان وزيرا‏,‏ ولو قبلت الزواج من شحات مصري‏,‏ سأزوجك إياه‏.‏

ولكن لم يجد كلامنا في شيء نحن وصديقاتها‏,‏ وقالت إنه مستعد للمجيء إلي مصر لطلب يدها‏,‏ علي الرغم من علمها بأنه معدم ماديا‏,‏ فقلنا لها سنوافق بشروط‏,‏ أولها أن يحضر شهادة من السفارة بأنه غير متزوج‏,‏ ثم يشتري لها شقة تمليك في حي راق بالقاهرة‏,‏ ويكتب مؤخر صداق لايقل عن مائتي ألف جنيه‏,‏ ويفتح لك حسابا في البنك بمبلغ مائة ألف جنيه‏.‏ وقلنا لها إذا وافق علي هذه الشروط‏,‏ فسنوافق علي الزواج‏.‏

سيدي‏..‏ أدعوك إلي مناشدة هذا الرجل أن يبتعد عن ابنتي‏,‏ ويراعي الله فينا‏,‏ ويرحم أبا وأما مسنين ومريضين‏,‏ ولايقهرنا في ابنتنا‏.‏ وأن تخاطب ابنتنا بما تراه وسنأخذ بكلماتك‏,‏ لعلها تقتنع برأيك وتزيح من قلوبنا هذا الهم والنكد الذي كاد يقضي علينا‏.‏

**‏ سيدتي‏..‏ كثير من الأبناء‏,‏ ينجرفون وراء مشاعرهم‏,‏ ويصمون آذانهم‏,‏ ويغمضون عيونهم‏,‏ فلا يرون الواقع‏,‏ ولايستقرءون المستقبل‏,‏ فيندفعون خلف نبضات قلوبهم‏,‏ معتقدين أن السعادة تختبيء خلف هذا الاحساس الغامض‏,‏ الممتع‏,‏ ألا وهو الحب كما يعتقدون‏.‏ عكس ما يراها الآباء بعيون خبيرة وعقول عركتها الحياة وزادتها خبرة وصلابة‏,‏ لهذا يبدو الحوار بين الطرفين متوازيا‏,‏ لايلتقي أبدا‏.‏ ويبدو أن ابنتك الجميلة‏,‏ محدودة الخبرة‏,‏ وليس لها تجارب في الحياة‏,‏ لذا لم يكن صعبا علي رجل شارف علي الأربعين أن يعبث بمشاعرها البريئة ويغزو قلبها البكر‏,‏ ليحركها كيفما يشاء‏,‏ لذا فلتسمحي لي أن يكون حواري مع ابنتك‏.‏

ياعزيزتي‏..‏ لقد ربيت في بيت يتقي الله ولايعرف للخطأ طريقا‏,‏ ولكنك آثرت اختيار الطريق الخطأ منذ قبلت الدخول في علاقة عبر الشات مع شخص لاتعرفينه‏,‏ وبنيت أهم قرار في حياة الانسان علي أساس ضعيف ومحرم شرعا‏.‏ ياابنتي الناس تتعارف وتلتقي وتعيش سنوات ثم تكتشف أنها لم تتعارف‏.‏ تتم الخطبة بين الشابين يلتقيان‏,‏ يتحدثان‏,‏ ثم يكتشفان أنهما غير متوافقين‏,‏ يحدث هذا أيضا بعد الزواج‏,‏ فكيف يمكن لك أن تعرفي شخصا وتجزمي أنه غير كاذب‏,‏ وكل مابينكما حوار من طرف واحد‏..‏ كلاكما يقدم نفسه للآخر كما يحب أن يراه وليس علي حقيقته‏.‏

أعتقد أنك لست في حاجة لأن أسرد لك مئات العلاقات التي تمت عبر النت لبشر حولنا‏,‏ ثم اكتشفوا أنهم كانوا ضحية كذب وخداع‏.‏

لن أقول لك ـ ياصغيرتي ـ إنني ضد الزواج من أجنبي‏,‏ فقد تسوق الأقدار شخصا من جنسية أخري‏,‏ يكون كفؤا وكل مقدماته تنبيء بزواج ناجح‏,‏ علي الرغم من أن احتمال الفشل قائم طوال الوقت في مثل هذه الزيجات‏,‏ إذا ما قورنت بمثيلاتها عندما تكون من نفس الجنسية‏.‏

لن أقول لك ذلك‏,‏ ولكن بحكم خبرتي وصداقاتي المتعددة لكثير من الفلسطينيين‏,‏ أؤكد لك أنه من الصعب أن يظل فلسطيني حتي هذا العمر بدون زواج‏,‏ كما أن هذا الشخص لو كان جادا وصادقا ما استمر عامين علي اتصال بك دون أي مبادرة أو محاولة للمجيء ومعرفتك عن قرب‏.‏

أيضا لابد أن أذكرك بأن الأوضاع السياسية تحول دون السماح للفلسطينيين بدخول مصر في الوقت الحالي‏.‏ وإذا سمح‏,‏ يكون في ظروف استثنائية‏,‏ وحتي تتأكدي اعرضي عليه شروط أهلك‏,‏ بل نصفها فقط‏,‏ واطلبي منه أن يأتي خلال شهر‏,‏ وثقي بأنه لن يفعل وسيختلق لك ألف عذر‏.‏

عزيزتي أنت مسئولة عن اختيارك‏,‏ ولك أن تتمسكي به‏,‏ ولكن عليك أن تتذكري أن هذا الاختيار لن يحدد مصيرك فقط‏,‏ وإنما سيحدد أيضا مصير أطفال ليس لهم أي ذنب‏,‏ في سوء تقديرك أو اندفاعك‏,‏ كما أن أي ألم أو ضرر سيصيبك سيؤلم والديك وشقيقيك‏,‏ فهل يمكن المخاطرة بمستقبل وبواقع من أجل رجل لم ترينه‏,‏ معدم ماديا‏,‏ أكبر منك بخمسة عشر عاما‏.‏

عزيزتي‏..‏ أنت تعيشين قصة في خيالك‏,‏ خيوطها‏,‏ أسلاك تليفون تشبه خيوط العنكبوت‏,‏ لو انقطع التيار‏,‏ أو تعطلت شبكة الانترنت‏,‏ انقطعت معها كل تفاصيل العلاقة‏,‏ علاقة مرهونة بعدم مقدرة فيروس علي تدمير كل ذكرياتك مع هذا الرجل‏.‏ لذا أدعوك إلي الرأفة بنفسك أولا وبوالديك وتحملي آلام الانفصال عما تعودت عليه‏,‏ لأن تعلقك بهذا الشخص بفعل العادة‏,‏ لا بأمر الحب‏.‏ وثقي بأن الله قادر علي تخفيف آلامك وتعويضك بزوج يناسبك‏,‏ يظهر في حياتك في ظروف طبيعية‏,‏ لا في إطار خيالي وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

الخطــــــــيئة

20-10-2006
تعود قصتي أو مأساتي إلي أكثر من‏33‏ عاما مضت‏,‏ واعتقدت أن الله قد غفر لي خطيئتي‏,‏ ولكن كانت الأقدار تخفي شيئا آخر‏ كنت في بداية السبعينيات‏,‏ طالبة جامعية من أسرة متوسطة في صعيد مصر‏,‏ وكنت في هذا الوقت مخطوبة لشاب من أقاربي‏,‏ أنهي تعليمه الجامعي قبلي بسنوات‏,‏ وكان يقضي الخدمة العسكرية واتفقت العائلتان علي إتمام الزفاف فور انتهائه من فترة تجنيده‏.‏

كنت أحبه حبا كبيرا‏,‏ وأثق فيه إلي أبعد الحدود‏,‏ فهو الرجل الأول في حياتي‏,‏ هو أملي ومستقبلي‏,‏ لم يكن خطيبي فقط‏,‏ ولكن كان أستاذي ومعلمي‏.‏ ما إن يأتي في اجازته‏,‏ حتي يطل علينا في بيت العائلة‏,‏ يحكي لي كل شيء‏,‏ وأحكي له تفاصيل أيامي بدونه‏,‏ وحتي لا أطيل عليك وأسرد تفاصيل لن تجدي الآن‏,‏ سأصل مباشرة إلي قلب الأزمة‏.‏

ذات مساء‏,‏ وفي ليلة أخيرة في إجازته في شهر سبتمبر عام‏1973,‏ حدث بيننا مايحدث بين الأزواج‏,‏ لا تسألني كيف‏,‏ وأين كانت العائلة‏,‏ إنه الشيطان الذي استغل ضعفنا الإنساني‏..‏ بكينا طويلا‏,‏ وأقسم لي أنه سيتم الزواج في إجازته المقبلة‏,‏ ولكنه لم يف بوعده‏ لم يف‏,‏ ليس إنكارا أو خسة‏,‏ ولكن لأن الله اختاره‏,‏ ليكون أحد شهدائنا في حرب أكتوبر‏ ضاقت بي الدنيا‏,‏ وكدت أفقد عقلي‏,‏ خاصة بعد اكتشافي أني حامل منه‏,‏ من ليلة واحدة‏,‏ ضعفت وخنت نفسي قبل أن أخون ربي‏.‏

لن استطيع أن أصف لك إحساس فتاة وحيدة‏,‏ فقدت حبيبها وخطيبها‏,‏ لا ينازع إحساسها بالفقد إلا الاحساس بالخوف من الفضيحة‏,‏ تمنيت الموت ودعوت الله كثيرا حتي لا أفضحه أو أسيء إليه أو إلي أهلي‏.‏ حاولت التخلص من حملي‏,‏ ولكن وقتها كان هذا صعبا‏,‏ وأصبحت الأيام تمر علي كالسكين البارد عندما تمر علي رقبة الذبيحة‏.‏

لم يكن أمامي إلا خيار واحد وأخير‏,‏ وإلا سيكون الهرب من بلدتنا هو الحل‏,‏ لجأت إلي صديق خطيبي‏,‏ الذي أعرف أنه كان مكمن أسراره‏,‏ وكان معه علي الجبهة‏,‏ وبعد أول زيارة له بعد توقف الحرب بشهرين‏,‏ أوفدت له من يستدعيه لزيارتنا‏,‏ وحكيت له المأساة التي أعيشها‏.‏ ففوجئت به نبيلا‏,‏ شهما‏,‏ مخلصا‏,‏ يعرض علي الزواج فورا‏..‏ وكأن السماء تلقي لي بطوق نجاة قبل أن ألفظ النفس الأخير‏.‏

في الصباح تقدم إلي أسرتي طالبا يدي‏,‏ وعندما عرضوا علي الأمر‏,‏ أخبرتهم بموافقتي الفورية لأنه صديق خطيبي الراحل‏,‏ وأثق في حسن خلقه‏.‏

تزوجنا في هدوء‏,‏ واستأجرنا شقة في مدينة بعيدة حتي أنجبت بعد ستة أشهر من الزواج لن أحكي لك‏,‏ كم وكيف كان هذا الرجل كريما معي ومع طفلي الذي نسبه إليه‏,‏ دون أن يشعر بأي تفضل‏,‏ لم يهني بكلمة أو بإشارة أو بإيماءة‏,‏ بل كان يبالغ في تدليله‏.‏ الغريب أنه كان يرفض أن ينام معي في غرفة واحدة‏,‏ ولم ألمح في عينيه نظرة رغبة أو اشتهاء حتي بعد انجابي بشهور‏.‏

وشاءت الأقدار أن يأتيه عقد عمل في إحدي الدول الخليجية‏,‏ فسافرنا واعتبرتها فرصة لبداية حياة جديدة‏,‏ وحاولت التقرب إليه‏,‏ والتفاني في خدمته‏,‏ ولكنه ظل علي موقفه مني‏,‏ إلي أن واجهته بالسؤال عن سر ابتعاده‏,‏ فرد علي‏,‏ بأنه لا يريد أن يستغل الموقف‏,‏ خاصة أنه يعرف أني قبلته زوجا في ظرف خاص‏,‏ ولكني قلت له إني أحببته‏,‏ وأحببت انسانيته وشهامته‏,‏ وأنه أمام ربي وأمام الناس‏,‏ وفي وجداني‏,‏ زوجي ووالد ابني الوحيد‏.‏

وذاب الثلج بيننا‏..‏ وبدأنا نعيش حياة طبيعية‏,‏ ولم يقدر الله لنا الانجاب فأصبح ابني هو قرة عينه وفرحة قلبه‏ سيدي‏..‏ لو سردت لك سنوات السعادة والهناء‏,‏ لما كفتني صفحات وصفحات‏,‏ حتي أيقنت أن ربي غفر لي خطيئتي‏,‏ خاصة أني حججت إلي بيته الحرام‏,‏ وبكيت دما طلبا لعفوه ومغفرته‏,‏ ولكن يبدو أنه سبحانه وتعالي لم يستجب‏.‏

حصل ابني علي الثانوية العامة بمجموع مرتفع‏,‏ ورفض زوجي أن نتركه يعود إلي القاهرة بمفرده لإكمال تعليمه الجامعي‏,‏ وقال إنه سيدخل كلية قمة ويحتاج إلي دعم ورعاية‏,‏ فأنهي أعماله في تلك الدولة التي قضينا بها أحلي سنوات عمرنا وعدنا‏ أحس بصعوبة وأنا اختصر سنوات طويلة في سطور قليلة‏,‏ ولكن ليس أمامي إلا القفز فوق الأحداث‏,‏ تخرج ابني من الجامعة‏,‏ واشتري له والده ـ زوجي ـ شقة فاخرة‏,‏ كما أثث له مكتبا فخيما يبدأ به حياته العملية‏.‏

نجح ابني في عمله‏,‏ واقترح عليه زوجي أن يكمل نصف دينه‏,‏ فرحب ابني‏,‏ وأخبرنا أنه تعرف علي فتاة من أسرة طيبة‏,‏ ووالدها يشغل مركزا مرموقا‏,‏ فرحبنا علي الفور‏,‏ وحددنا موعدا لزيارة أسرتها‏,‏ وتم كل شيء بسرعة شديدة‏,‏ خطبة‏,‏ فزواج‏,‏ بعد عام طفل جميل‏ بدأ ابني ينشغل عنا بحياته‏,‏ تمر أيام دون أن نراه أو يتصل بنا‏,‏ كنت أتصل بزوجته وأعاتبها‏,‏ فتقسم لي أنها لا تراه إلا نادرا‏,‏ وأن حياته مرتبكة دون أن تعرف الأسباب‏,‏ وأنه أصبح عصبيا يغضب لأتفه الأسباب‏,‏ زوجته لم تعرف ولكني عرفت‏.‏

في يوم فوجئت بسكرتيرة ابني تتصل بي لتطلب مقابلتي‏,‏ انقبض قلبي خوفا علي ابني‏,‏ فرحبت بها علي الفور‏,‏ وكانت المفاجأة‏.‏ ابني متزوج بها عرفيا‏,‏ وعندما حملت منه خيرها بين الاجهاض وبين الانفصال‏,‏ وعندما رفضت العرض الأول فوجئت به يمزق صورتي الزواج العرفي أمام عينيها‏,‏ وقال لها‏:‏ اخبطي رأسك في أكبر حائط‏.‏ مادت الأرض بي‏,‏ وطلبت منها أن تمهلني بعض الوقت‏,‏ وعرضت الأمر علي زوجي‏,‏ فقال لي ربما تكون كاذبة ومدعية‏,‏ دعينا نتأكد بأنفسنا‏,‏ وكانت قد حددت لي الشقة التي كان يستأجرها ويلتقيان فيها ويعرفهما الجيران‏..‏ فتوجهنا إليها وبدأنا في السؤال والتحري حتي تأكدنا من صدق كلامها‏.‏

اتصلت بابني وطلبت حضوره لأمر مهم‏,‏ وواجهته أنا وزوجي‏,‏ فأنكر في البداية‏,‏ وادعي أنها كاذبة‏,‏ وعندما أيقن أننا لا نصدقه وأننا نعرف ماحدث‏,‏ قال فلتذهب للحجيم‏,‏ لقد اتفقت معها علي عدم الحمل‏,‏ فلتشربه‏,‏ كلمة قاسية‏,‏ جرحتني‏,‏ وأعادتني إلي ألمي وجرحي القديم‏,‏ إنها في نفس موقفي السابق‏,‏ بل هي أفضل مني‏,‏ لقد تزوجته‏,‏ حتي لو كان أسلوب الزواج خاطئا أو عليه تحفظات‏,‏ ما ذنبها وما ذنب جنينها؟‏..‏ لا أعرف كيف سار الحوار بيننا‏,‏ كل ما أذكره أني انفجرت في جهه وصارحته بحقيقته وبأن هذا الرجل الذي يعتقد أنه والده هو الذي أنقذه وأنقذني‏,‏ فكيف يضع ابنه في موقف لا يعرف كيف سينتهي وعند اسم من؟ أو في أي ملجأ؟‏.‏

نعم‏,‏ كانت كلمات قاسية ومؤلمة‏,‏ لم يفلح زوجي في إيقافي أو انقاذ الموقف‏,‏ لحظات رهيبة‏,‏ اختفي بعدها ابني وتركني في جحيم‏..‏ غير موجود في المكتب‏,‏ لا يرد علي هاتفه‏,‏ ولا يعود في المساء إلي بيته‏ أيام طويلة من العذاب والبحث‏,‏ حتي فوجئت به يطرق بابي‏,‏ ويحدثني بغلظة رافضا توجيه كلمة أو نظرة للرجل الذي رباه وتحمله وحمله اسمه‏,‏ قال لي في صيغة آمرة‏:‏ لقد بعت كل شيء في مصر‏,‏ وانهيت إجراءات سفري إلي كندا‏,‏ وعليك الآن أن تختاري‏,‏ إما أن تذهبي معي ومع زوجتي وابني‏,‏ وإما أن تظلي هنا مع هذا الرجل ولن ترينني مرة ثانية‏..‏ وقبل أن أرد بكلمة‏:‏ أو أحاول استدراجه إلي حوار‏,‏ أخبرني أن أمامي أسبوعين لأحدد اختياري وانصرف مهرولا‏.‏

سيدي‏..‏ زوجي يمارس نبله وكرمه ويقول لي سأرضي بأي خيار يسعدك ولن ألومك أو أغضب منك‏..‏ وأنا حائرة كيف لي أن أضحي بمثل هذا الرجل؟ وفي الوقت نفسه قلبي يتمزق عندما أتخيل أني لن أري ابني أو أحفادي مرة أخري‏..‏ عقلي توقف عن التفكير‏..‏ فهل لديك نصيحة؟

*‏ سيدتي‏..‏ كثيرا ما نشاهد في الدراما التليفزيونية مالا نصدقه‏,‏ ونراه شطحات مؤلفين‏,‏ مثلما نقول الآن عن مسلسل سكة الهلالي ذلك الرجل الذي يبدو مثاليا‏,‏ ولكن خطيئته القديمة تلاحقه بعد أكثر من عشرين عاما وتجعله يعتقد خطأ أنها أثمرت ابنة ظهرت لتدمر كل استقراره وظن أنه تجاوز الماضي بكل خطاياه وآثامه‏,‏ هذا في الدراما والتليفزيون ولا نصدقه‏.‏

ولكن عندما نقرأ مثل قصتك‏,‏ نكتشف أن خيال الواقع أوسع وأعمق بكثير من خيال كل المؤلفين والكتاب‏.‏

إن مأساتك ياسيدتي شديدة التشابك‏,‏ فعندما أفكر في موقف ابنك أو نبل وشهامة زوجك‏,‏ يقذفني التفكير إلي اصلاحك للخطيئة بإثم آخر‏,‏ فقد خالفت الشرع أنت وزوجك‏,‏ بنسب ابن إلي غير ابيه‏,‏ بما في ذلك من اختلاط للأنساب‏,‏ قد يعجز تفكيرنا العاطفي والتماس الأسباب عن تصور ما قد يسفر عنه من كوارث أقلها وأبسطها توريث من لا يستحق وحرمان الأحق‏,‏ لذا سأترك مناقشة موقف الشرع مما ارتكبتيه للعلماء لعل أحدهم يفتينا في مثل هذا الوضع‏,‏ ويحدد لك ما الذي يجب فعله للتكفير عن هذا الإثم‏,‏ حتي لو كان الثمن كبيرا‏.‏

وبالطبع ليس من حقي ولا من حق أحد أن يلومك علي خطيئتك‏,‏ فأنت تعرفين قدرها‏,‏ وقضيت حياتك تستغفرين ربك وتعبرين عن ندمك‏,‏ فليس هذا هو موضع اللوم والتأنيب‏.‏

يبقي الموقف الأزمة‏,‏ ابن لاقي أحسن تربية من أم مثلك ورجل قام بدور الأب خير قيام‏,‏ ولكنه جنح وارتكب خطأ في حق نفسه وحق زوجته وحق تلك السكرتيرة التي تزوجها عرفيا‏.‏ هذا الخطأ الذي دفعك لكشف السر الذي احتفظت به أكثر من ثلاثين عاما‏,‏ فكسرته أمام نفسه‏,‏ وجعلته يري نفسه ابن حرام فيكره الرجل الذي أحسن تربيته‏,‏ ويشعر أن لن ينقذه من إحساسه المفزع بالغربة وباليتم سوي الهرب إلي الخارج‏,‏ إلي بلد آخر لا يعرف فيه أحدا ولا أحد يعرفه‏.‏ إذن هو موقف انفعالي يجب عليك وعلي زوجك تفهمه‏.‏

وإن كان هذا لا يعني عدم إدانة الابن‏,‏ لأنه لو تمهل قليلا لاكتشف أنه هو الآخر يرتكب جرما كبيرا‏,‏ لايقل عما ارتكبته وإن كنت تحملت نتائجه فها هو يغرر بفتاة باسم الزواج‏,‏ ثم يريد الفرار ويتركها تواجه المجتمع بابنهما وحيدة مذعورة‏,‏ موقف يتنافي مع الرجولة ومع غضبته من الحقيقة التي آلمته‏.‏ هذه الحقيقة كان يجب أن تعيده إلي صوابه حتي لا يضع ابنه في موقف أسوأ مما وقع هو فيه‏.‏

سيدتي‏..‏ قرارك لا يحتاج إلي تفكير‏,‏ فالتضحية بمثل زوجك غير مقبولة‏,‏ هذا الرجل الذي وهب حياته لك ولابنك‏,‏ وسترك في الدنيا فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان‏,‏ أدعوكما إلي محاولة أخري مع الابن‏,‏ قولا له أن يفعل مايشاء‏,‏ ولكن عليه أن يعترف بابنه ثم يسافر إذا أراد‏,‏ فإذا نجحتما في ذلك‏,‏ فإنكما تكونان قد قطعتما نصف المسافة‏,‏ وحاولي سيدتي أن تحافظي علي جسر للمودة معه‏,‏ لعله بعد سفره وغربته يهدأ ويستعيد عقله واتزانه‏.‏ أما إذا أصر علي موقفه من زوجته العرفية وجنينها‏,‏ فإن عليك أن تخوضي معركتها التي هي كانت معركتك‏,‏ وتقفي بجانبها في المحاكم حتي تحصل علي نسب ابنها لابنك‏,‏ حفظك الله وزوجك الكريم‏,‏ وهدي سبحانه وتعالي ابنك إلي صواب الفعل والقول وأدخل اللين والمحبة إلي قلبه حتي يري ما اختلط عليه وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

‏لحظة ضعف

13-10-2006
*‏ أنا سيدة في أوائل الأربعينيات من عمري أعمل أستاذا بإحدي الكليات من الله علي بحب العلم وحسن الخلق وحب الناس ورغبتي في إسعادهم ما استطعت‏,‏ ورزقني الله خشيته في كل قول وعمل وابتلاني بعزة نفس وحياء في مثل هذا الزمان‏..‏

ماتت والدتي رحمها الله بعد مرض عصف بها قبل تخرجي بقليل‏,‏ فانطفأت فرحتنا وكان لي أخوة صغار فرفضت كل من تقدم لي وقتها لأكون بجوارهم‏,‏ ونهضت بمسئوليتهم مع أبي أمده الله بالصحة والعافية وجزاه الله عنا كل خير عن كل ما قام به بدءا من رفضه للزواج إلي تحمل مشاكلنا ومؤازرتنا في حياتنا العلمية والمادية للآن‏.‏ ووصلت إلي نهاية العشرينيات‏,‏ وفي لحظة ضعف إنساني قررت أن أقبل زوجي الحالي وهو رجل يكافئني أسريا وعلميا‏,‏ ومشهود له بالخلق الكريم‏

كان يعمل بأحد البلاد العربية وكان ذلك من أسباب رفضي لكل من تقدم لي من قبل‏,‏ وذلك لاحتياج أسرتي لوجودي بجانبهم ولعلمي بمشاكل أسر المغتربين ورفضي لها‏..‏ لكنه قابلني في منتصف الطريق ومنحني حق تنسيق وقتي بين أسرتي ودراستي العليا من جهة‏,‏ وبين السفر له في زيارات من جهة أخري ولم يشترط إقامتي معه فارتحت لتقديره واستخرت الله وقبلت به‏,,,‏ وكنت قد اقترنت كل مشاعري من قبل لمن سأسير معه علي الدرب

ففتحت أبوابي له فوجدت منه قبولا لها وتحفظا في ردها بشدة وتعلل إنه لا يجيد الكلام في المشاعر‏...‏ ووجدت زوجي طيبا هادئا‏,‏ ليس لديه متطلبات أو عادات سيئة‏,‏ يقوم بفرائضه الدينية كلها ولكن ليس لديه أصدقاء؟ بخيل ليس فقط ماديا ولكن إنسانيا وعاطفيا بشدة‏,‏ أختارني كما قال لي لأنني تدربت علي المسئولية برعاية أخوتي‏,‏ فلن أثقل عليه ولأنني ذات مال فلن أطلب منه ما تطلبه الزوجات من متاع وحلي‏...‏

وفوجئت بأنه يسئ إلي بالحديث عني في محل عمله حيث لا يعرفني الناس‏,‏ وعندما علمت وواجهته في البداية قال لي إنه يخشي أن يحسده الناس علي وعندما تكرر ذلك قال إنه للتسالي‏,‏ فلما عرفني مجتمعه وأنكروا ما قاله كان يقول إنه يهزر ولكن للأسف تكرر ذلك في عدة أماكن عمل بها‏,‏ وكان دائما هناك من يرد عني غيبتي ويبلغني بما يحدث‏..‏ فصبرت واحتسبت وقلت إن لكل منا تقائصه‏,‏

وأن الصبر والحب كفيلان بأن يعدلا ميزان زوجي ويردوه وبالنسبة للمال فلست محتاجه وكنت بما أصرفه علي نفسي وأبنائي أعتبره إدخارا مع زوجي وقربة إليه تقربني منه‏...‏ ثم بدأت تتساقط الأقنعة وأصبحت أري مدي تدخل أهل زوجي في شئوننا وهو لا يستطيع عمل شيء‏..‏ فعلي سبيل المثال زيارة الأصدقاء يحددون لزوجي ميعاد عودتنافلما نسي الميعاد اتصلوا به علي المحمول ووبخوه بشدة حتي إننا كنا نسمع الصوت العالي‏.‏ ونحن حوله‏!!‏

وشكوت لأبي ما أنا فيه فطلب مني التسامي وأن أدفع بالتي هي أحسن وألا أدخل مع أهل زوجي في نزاع‏,‏ فعملت بنصيحته وتحملت في سبيل ذلك الكثير‏..‏ وفي الوقت نفسه قرب أبي زوجي منه وشمله بعطفه وتقديره واستمررت علي الحب والصبر‏..‏ فإذا بزوجي إذا ما تعرض لموقف ظهر خطؤه وسوء حاله فيه‏,‏ عاقبني بخصام طويل لشهور وتعالي علي‏..‏ ومرت أربع سنوات علي هذا الحال حتي اشتد عود أخوتي وأنهيت جزءا لا بأس به من دراستي

فسافرت إليه وأقمت معه عامين هادئين أحيطه بحبي وأبتعد عن كل ما يمكن أن يهز أو يعكر صفونا وأسرتنا‏,‏ وبدأت تتحرك صخور زوجي القلبية تجاهي وتجاه أولادنا أخيرا‏,‏ وحمدت الله علي ذلك ولم يغضبني منه إلا رفضه نزولي لعيادة والدي في المستشفي وتحجج بطول إجراءات السفر وكانت نقودي قد نفدت‏(‏ وكنت أحمل معي من مالي الخاص ما أحتاجه لشراء ما أرغب‏,‏ وكذا بعض الهدايا وحتي أستطيع مكالمة أبي كلما أردت‏,‏ وكان أبي ينفق علي وعلي أبنائي طوال إقامتي لديه‏)‏ ورفض زوجي سفرنا حتي تصرف له جهة عمله التذاكر المجانية‏..‏ وأسقط في يدي وعز علي أن أقترض من صديقاتي هناك وأنا لا أعمل ولا دخل لي‏,‏ وإن طلبت المال فسيعلم الجميع بحال زوجي معي وكان ذلك ما لا أريده أن يحدث‏..‏ وعين المحب ياسيدي تري مافي الخيال لا ما يحدث علي أرض الحقيقة‏..‏ فتخطيت ذلك لزوجي ولكن لم أنسه‏..‏ وبعد حدوث مشاكل لزوجي في العمل عدنا إلي بلدنا لفترة‏,‏ ودخل أولادي في المدارس واتفقت مع زوجي علي ألا يسافر منفردا أبدا‏.‏

لكن تأتي الرياح بمالا تشتهي السفن فعاود زوجي حنين جمع المال ورفض من أماكن السفر ما يمكن أن نسافر فيه كعائلة بحجة إنه أقل مرتبا‏,‏ وسافر إلي قرية صغيرة بعد تشجيع والده لأنه يري أن مصلحة ابنه هي الأهم ونحن‏(‏ الأسرة‏)‏ سنعتاد علي أي حال‏..‏ وكالعادة خشي زوجي أن يظهر أمام والده انه رضخ لرغبة أسرته بوجوده معنا وعدم سفره وسافر‏..‏ وبعد انتهاء العام الدراسي سافرنا أنا والأولاد مع الشوق والحنين والحب للزوج والأب المسافر‏,‏ وكنت وقتها تدرجت في عملي وترقيت في وقتها‏..‏ فوجدت تغيرا من زوجي وبدلا من التهنئة علي ترقيتي سمعت منه كلمة أخجل أن يكتبها قلمي وبدأ في انعزاله عنا‏(‏ أنا والأولاد‏),‏ فقلت من الجائز إنها غيرة مني فنحيت ذلك جانبا واستمررت في حياتي وألححت عليه بالعودة لاحتياجنا كلنا إلي وجوده‏...‏ وعاد زوجي بعدها إلي بلدتنا وبدلا من أن نكمل مسيرتنا مع أبنائنا ونحيا في سعادة وجدت الاساءة والتلكك علي أي هفوة لي كأن يعلو صوتي في المنزل مثلا‏..‏

وإذا بي أدخل متاهة من النكد والخصام الطويل وإذا ما حاولنا مصالحته أبي واستكبر وزاد من خصامه‏..‏ وأشكو لوالدي فيقول لي انني استاذة جامعية وعيب علي ان اشكو كالنساء فأحس بخذلانه لي‏..‏ وكان ان أساء لي حماي في مكان عام وسط أغراب واقارب فلم أتكلم حتي أنهي كلامه‏(‏ وأحلف بالله العظيم انني لم أخطئ ولم أتكلم‏)‏ وتساقطت دموعي وحاول اخوة زوجي الدفاع عني حيث انني لم يحدث مني شيء واضطرب الضيوف واستأذنوا في الخروج واعتذروا بالنيابة عن حماي‏,‏ وزوجي في ركن لا يتكلم وكأن الأمر لا يعنيه وبعد انفضاض كل ذلك طلبت من زوجي ان نعود لمنزلنا فأبي وقال انني لابد ان أحتمل اي شيء‏,‏ وجلس يتسامر مع زوجة أخيه فاتصلت بأخ لي وعدت لبيتي‏,‏ فاذا بالبراكين والحمم تصب علي رأسي عاما كاملا لأنني تجرأت وغادرت منزلهم بعد اهانتي بدون سبب وذنب ووصلت الي مرحلة المرض‏(‏ باضطراب الجهاز المناعي ومهاجمته لأعضائي‏)‏ وشمت زوجي في مرضي ولن أنسي وقوفه بباب حجرتي ليسألني عما أريد ان أكتبه في نعيي وبانه سيدفنني علي الرغم من انني أصغر منه‏..‏

فتحاملت وطلبت من والدي أن يحضر الي ويحضر مأذونا ليطلقني فقد طفح الكيل من سلسلة التطاول والاساءات وانتهي الصبر‏..‏ فأساء لوالدي حتي ان هاجمته آلام الذبحة الصدرية وأحضرت له علاجه في منزلي فلم يتحرك زوجي من مكانه وهو طبيب‏,‏ وقال ان هذا كله تمثيل فأصررت علي الطلاق وان يأخذ معه الأولاد فوجدته يتراجع ويرفض الطلاق ويعلن انه سيسافر بعيدا‏,‏ فاستفسر ابي عما اذا كان متزوجا أو‏..‏ فقال له كل شيء تعرفونه بوقته وانصرف‏...‏ صبرني أبي وقال لي ان استكمل حياتي مع أبنائي دونه وألا اصر علي الطلاق إلا بعد ان أهدأ من هذه المواقف‏.‏

سيدي لقد مرت أربع سنوات لم أر سوي التكدير علي الرغم من محاولاتي للاصلاح ولا أري إلا الإهمال لي ولأولادنا ومرارا طلبت منه ان تكون علاقته بالأولاد سوية وان يوثق صلته بهم وألا يكونوا بيننا‏,‏ ولكن هذا لايهم‏..‏ اذا قلت له في مكالمة مثلا ان ابني عنده مشكلة وهو في سن المراهقة فيجيبني واين خاله‏,‏ واذا طلبت منه شيئا لابنتي فيقول وأنا مالي‏..‏ وكان آخرها هذا العام فهو يحاول ان يوقع بين أبنائه فيفضل أحدهم علي الآخر ويتهمني بأنني انا الذي أفرق بينهم وعندما واجهته بذلك لم يرد قلت له‏:‏ تعبت من هذه السخافات واريد ان أحيا بشكل طبيعي‏,‏ وأنه أساء الي كثيرا فقال انه لايخطئ أبدا وإما انه لايتذكر هذه الاساءات أو انني لم أفهم وقتها‏..‏

لقد طفح الكيل ولا أريد أن أستمر معه لأنه لا أمل في الاصلاح واعاني من مشاكل مع الأولاد لبعده عنهم وعدم وجوده معهم في الاجازة ويرفض سفرهم اليه حتي في الاجازات ويرفض ان يغير أي شيء في نفسه‏..‏ أخاف علي اولادي واخاف ان يظلموني اذا كبروا ووجدوا انني تركت والدهم بحثا عن راحة بالي وحماية لصحتي واخاف ان يكايدني وهو ماهر في ذلك اذا ما تركته نهائيا ويؤذي أولادي بصورة أو بأخري‏,‏ انني أصلي وأقرأ القرآن ولكني لم أهتد بعد لما يجب دون أن أظلم أحدا‏,‏ فلقد تعودت ظلم نفسي ولكني لا أستطيع ان اظلم أي كائن آخر‏.‏

ولا يفوتني ان أذكر لك انه علي الرغم من كل ما أقول يتحمل المسئولية المادية للأولاد والمنزل كاملة في هذه السنوات عسي الله ان يوفقنا جميعا الي ما فيه الخير‏.

*‏ سيدتي‏..‏ لم تكن لحظة الضعف الوحيدة في حياتك هي تلك اللحظة التي اخترت فيها هذا الرجل زوجا لك‏,‏ وان كان كل ما انت فيه بسبب هذه اللحظة الانسانية فـمن يتزوج علي عجل يندم علي مهل‏,‏ فهذا الطريق الطويل من الندم‏,‏ سببه الاختيار الخاطئ‏,‏ فانت الآن في لحظة ضعف اخري‏,‏ فقد آمنت ان هذا الزوج لم ينصلح حاله‏,‏ واصبحت لاتريدين الاستمرار معه‏,‏ ولكنك تخشين من ظلم أبنائك لك‏,‏ وتميلين الي تحمل العذاب والمرض من أجلهم‏..‏ فهل عندما يكبرون لن يلوموك علي تحملك كل هذا الألم؟

سيدتي‏..‏ لم أعرف من رسالتك عدد أبنائك أو عمرهم‏,‏ ولكن ما فهمته ان أكبر هم لم يكمل عامه الخامس عشر‏,‏ أقصد انهم الأن في مرحلة وعي واستيعاب لكل ما يحدث حولهم‏,‏ فهل تعتقدين انهم لم ولن يتأثروا بمثل هذه العلاقة الشائكة المهينة‏,‏ التي يبدو فيها الاب غائبا أغلب الوقت‏,‏ وان وجد صار مصدرا للاهانات والتجريح واثارة التوتر؟

لا أقصد بتلك الكلمات‏,‏ ترجيح خيار الطلاق‏,‏ لاني أحس في كلماتك رغبة ما في الاستمرار‏,‏ واذا ما اختار زوجك الغياب الطويل‏,‏ خاصة انه يتحمل نفقات الابناء والبيت‏,‏ وهو ما يتنافي الي حد ما مع ما ذكرته عن بخله المادي‏.‏

هذا الاحساس الذي وصلني يجعلني أضع احتمالا ان السفينة لم تغرق بعد‏,‏ لاننا لا نقفز في البحر الا عند التأكد من غرق السفينة‏,‏ فاذا كان احساسي صحيحا‏,‏ فليس امامك الا التعامل مع كوارث الزواج علي انها مجرد حوادث لا العكس‏.‏ اما اذا أيقنت بأن الحياة صارت مستحيلة‏,‏ وان وجود هذا الرجل في حياتك سيشعرك بالمهانة وسيزيد من مرضك وآلامك‏,‏ فإني في هذه الحالة انحاز ودون تردد الي اختيار الانفصال‏,‏ ووقتها اعرضي الأمر علي أبنائك واشركيهم في التفكير معك مع الحرص علي عدم الاساءة لوالدهم‏.‏ لاننا لو تأملنا الآية الكريمة التي تقول‏:‏ ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة صدق الله العظيم‏.‏

لاكتشفنا المعني الحقيقي للزواج والذي يغيب عنا دائما‏.‏

ماذا يتبقي لنا اذا غابت المودة والرحمة‏,‏ ولم يصبح الزوج أو الزوجة سكنا للآخر؟ باختصار لم تعد هذه العلاقة آية من آيات الله‏,‏ اني أومن بان سلامة الفرد النفسية والبدنية هي التي تقود الي سلامة الأسرة‏,‏ وعندما يفقد أحد طرفي العلاقة مقومات الامان ومبررات السلامة‏,‏ ويصبح الطرف الآخر مصدرا للألم‏,‏ فأن الانفصال عندئذ يصبح هو الاختيار الافضل للجميع‏..‏ والي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

مــذاق الحــــب

06-10-2006
اسمح لي بأن أفتح قلبي وأتحدث اليكم‏,‏ أعود بالذاكرة الي خمسة وثلاثين عاما مضت‏..‏ حينها كنت شابا في الخامسة والعشرين‏,‏ أحمل مؤهلا جامعيا‏,‏ وأنتمي لأسرة مستقرة سعيدة‏..‏ وكنت أنا الابن الأثير المحبوب خاصة من الوالدة رحمها الله‏..‏ ألحت علي والدتي بالزواج‏..‏ ولم تكن مشاعري قد اتجهت لأي فتاة‏,‏ فتكفلت هي بالبحث عن زوجة لي‏,‏ فوافقتها علي الفتاة التي اختارتها شريكة لحياة ابنها‏,‏ وتم الزواج‏,‏ وانتقلت زوجتي الي شقتي‏..‏ ولم أحمل اليها سوي التقدير والمعاملة الطيبة‏..‏ لكن مفاتيح قلبي لم يستول عليها ولم تقتحم قلعته‏.‏

ولا أذكر سوي أن الأيام قد مرت علي متشابهة بحلوها ومرها‏..‏ ثم بفضل الله وفقت الي السفر لاحدي الدول العربية‏..‏ فسافرت ومعي زوجتي وبدأت رحلة شاقة من الكفاح والعمل الدائم المتواصل ولايساندني سوي دعوات الوالدة‏,‏ أما زوجتي فكانت كلما تحدثت الي لم تكف عن الطلبات التي لاتنتهي‏,‏ من سيارة الي شقة خاصة الي حساب بالبنك الي مجوهراتها الثمينة‏..‏ ولم أرفض لها طلبا حيث ان الله عز وجل قد من علي ورزقني من فضله‏,‏ وهكذا سارت حياتنا علي وتيرة واحدة‏,‏ أعمل ليل نهار وارتقي واتدرج في منصبي سريعا‏,‏ وننتقل من ثراء الي ثراء أكبر‏..‏

حتي شغلت منصبا مرموقا‏..‏ واستقرت أحوالنا المادية‏..‏ وأقر الله عيني بأربعة أبناء‏..‏ وزادت مسئولياتي تجاههم‏,‏ فصارت اجازاتنا الي مصر محدودة جدا في المناسبات فقط‏,‏ ونشأ أبنائي تحت عيني وسهرت علي راحتهم وراحة زوجتي‏,‏ وبذلت قصاري جهدي لأوفر لهم كل شيء‏,‏ وأغدقهم حبا وحنانا‏..‏ وصار وقتي مقسما بين العمل والمنزل ليس إلا‏.‏

ومرت السنون‏,‏ فطلب الأبناء مني أن يعودو الي مصر برفقة والدتهم لاستكمال الدراسة الجامعية والاستقرار هناك‏,‏ فلم أعترض‏,‏ وقدرت لهم موقفهم ورغبتهم في الاقتراب من الأهل بمصر وصعوبة استمرارهم معي خارج البلاد‏..‏ وصرت أنظم زيارة لأهلي كل ثلاثة أشهر تقريبا وأجد في استقبالي قائمة بالمتطلبات والمستلزمات‏,‏ وعلي رأس القائمة طلبات زوجتي الباهظة‏..‏ وبكل سعة الصدر وكل الحب‏,‏ ألبي طلباتهم وأسعد لإرضائهم‏.‏

واختار ابني الأكبر فتاة من أسرة مناسبة وتقدم لخطبتها وتم الزواج سريعا‏,‏ ثم تزوجت ابنتي من شاب فاضل‏..‏ قدمت له كل العون واعتبرته ابنا لي‏,‏ وتقدم ابني الأوسط لخطبة فتاة كانت زميلة دراسته وبفضل الله لم نكلف احدا فوق استطاعته مطلقا‏,‏ولم يتبق سوي ابني الاصغر الذي لايزال يستكمل دراسته‏.‏

ورزقني الله بالاحفاد وصرت أنهي عملي سريعا واسترق الاجازات لزيارة أهلي‏..‏ ورغم السعادة الا انني كنت أشعر انني حزين النفس‏..‏ أفتقد شيئا جوهريا أبحث عنه طوال الوقت‏,‏ صامت الفكر خالي البال وكلما خلوت بنفسي لم أجد ما أبحث عنه‏..‏

أين هو وأين أنا منه؟ علمت انه الحب الذي لم أشعر به ولم أتذوقه‏..‏ دعوت الله ان يرزقنيه ان كان لي فيه خير وحدثت المعجزة‏..‏ التقي قلبي في احدي الليالي بقلب ملائكي يشع نورا وحبا وحنانا‏,‏ ولم أتمالك نفسي فبكيت لأول مرة في حياتي بعد وفاة والدتي‏..‏ ما الذي جاء بهذا الحب في مثل هذا العمر؟ وأين كان؟

فتاة في العقد الثاني من العمر‏,‏ ذابت كل الحواجز بيني وبينها سريعا‏,‏ وصار منتهي الأمل والرجاء من الله ان يكلل هذا الحب بالزواج الشرعي‏.‏

وظل الفكر منشغلا لمدة أشهر‏..‏ كيف أتزوجها وهي ابنة العشرين؟ وأنا لست الا قبرا يتحرك علي الأرض؟ وعاهدت الله ان أؤمنها وأحافظ عليها وأقدم لها كل ما تتمناه عوضا عن فارق السن بيني وبينها‏,‏ ثم بدأت في عرض الأمر علي ابنتي‏..‏ فما كان منها الا أن قالت انت مجنون يابابا؟ انت متعرفش منصب زوجي ومركزه ايه؟ دي فضايح؟

فوقعت كلماتها علي سمعي كالصاعقة‏!‏ ماذا دهاكي ياابنتي؟

وما كان منها إلاان رفعت الأمر لاخوانها دون علم مني‏..‏ فتم التخطيط في سرية تامة وفوجئت بانه قد تم الحجر علي جميع أموالي وممتلكاتي‏,‏ وتم نقل الملكية باسم الزوجة والابن الأكبر‏.‏

وقام ابني بالاتصال بي وقال لو عايز فلوس يابابا احنا هنعطيك مبلغ أول كل شهر‏..‏ مصروفك يعني فلم أجبه سوي بكلمة واحدة‏:‏ سامحك الله‏,‏ وحمدت الله وقلت يكفيني دفء الحبيبة وهي فتاة قنوعة لاتعشق المال‏,‏ تكفيني هي من الدنيا‏..‏ وسامح الله ابنائي علي هذا الجفاء‏..‏ ولكن هيهات ان تهنأ عيني بذلك‏.‏

فقد تم فرض رقابة مشددة علي جميع تنقلاتي من قبل أبنائي وزوج ابنتي ومن قبل زوجتي ومعارفها‏..‏ واستأجروا من يقوم بمراقبة الشقة التي أقيم بها في الخارج ومراقبة مقر العمل ورقم الهاتف‏..‏ وفوجئت بزوجتي تأتي لزيارتي كل شهر تقريبا وهذا مالم تفعله منذ سنوات طوال‏..‏ وتتأكد تمام التأكد من أن مقر اقامتي يخلو مما يثير شكوكها‏.‏

فأخبرتها انني يحق لي الزواج وانني سأعدل بينها وبين حبيبتي‏..‏ ولكنها باغتتني قائلة وسيدات المجتمع يقولو عني ايه؟ واقسمت بالله ان تزوجت فتاتي لتقتلني وتقتلها‏..‏ هددتني بانني ان استطعت أن أوفر لها الحماية فبعد مماتي ستنقض عليها وتنتقم منها‏..‏ ولن ترث مني شيئا‏.‏

ولم تتوقف الاتصالات الهاتفية من قبل جميع أقارب زوجتي تحمل التهديد والوعيد‏.‏

ولم يقو قلبي علي الوقوف امام ابنائي في المحاكم وسجالات القضايا‏.‏

وأصبح ابني يستعرض أمامي قوته ونفوذه ويتفنن هو واخوته في تكبيلي بقيود لاحصر لها وصلت الي درجة التهديد بالقتل‏..‏ وقام برفع عدة شهادات وتقارير طبية غير سليمة الي رئيسي بالعمل يخبره فيها أن والده الذي هو انا يعاني ضعفا في قواه العقلية‏..‏ فقدمت استقالتي ولكنها لم تقبل وكان الرد من قبل صديقي المخلص ومدير العمل بأنني من المؤسسين القدامي وممن لايمكنهم الاستغناء عني‏..‏ فقبلت نزوة لا عن رغبته‏,‏ علي وعد منه بأن يتم قبول الاستقالة فور العثور علي من يتمكن ان يحل محلي‏.‏

وصارت ابنتي تتصل بي هاتفيا كل يوم وتسمعني أقبح الكلمات وأعنفها‏,‏ فأبكي وأنا أري أبنائي الذين أفنيت حياتي لأجلهم يتكاتفون ضدي ويلتفون حول والدتهم‏.‏

ولم أجد مفرا من إخبار حبيبتي بالحقيقة المرة المؤلمة‏,‏ أخبرتها أن القطة قد تأكل أبناءها وقت الخطر وحال خوفها عليهم‏..‏ ولم أحتمل الصدمة عليها وفوجئت بدموعي تنهمر وانا أخبرها‏,‏ واشتدت أزماتي الصحية ورقدت بالمستشفي قرابة الشهر لم يزرني فيها سوي اصدقائي في الخارج‏..‏ وفور تحسن حالتي توجهت الي بيت الله الحرام يضمني وقضيت أكثر من شهر ما بين مكة والمدينة‏.‏

سيدي أنا لا أخشي علي حبيبتي ألا تتمكن من تجاوز الأمر وطي صفحة حبي من كتابها‏,‏ وأخجل من موقفي أمام أهلها الذين كنت قد عقدت العزم علي التقدم لهم فور زيارتي لمصر‏.‏

أما انا أخي الكريم‏,‏ فأحيا حياة لا لون لها ولا طعم وأقضي ما تبقي لي من أيام بين عملي وبين بيت الله الحرام‏..‏ واعتزلت العالم بأكمله‏,‏ وعافت نفسي حتي المجيء الي مصر‏..‏ فطبقا لتنبيهات ابني‏,‏ فانه لايجوز لي بأي حق أن أدخل بيتي أو مكتبي الا بعد استئذانه‏!!‏

والان انا لاأملك سوي ان ارسل الي حبيبتي عبر بابكم علها تقرأ هذه الكلمات‏:‏ صدقيني ان الظروف جدا قهرية‏,‏ وادعو الله لك بالتوفيق في كل سجود وان يجمعني بك في مستقر رحمته وان يزوجني اياكي في جنات النعيم‏..‏

ولتكوني كما رأيتك دائما‏..‏ باسمة الوجه هادئة الحضور محبة للخير‏,‏ ولاتسمحي لأي نازلة ان تقهرك‏..‏ ولتكن آمالك معلقة بالله عز وجل وعندما يرزقك الله بابن‏,‏ فأرجو ان تسمينه باسمي‏..‏ والعمر قصير واللقاء قريب بإذن الله تذكريني دائما‏.‏

سيدي‏..‏ ما بين رفضي لضعفك في الزمان الخطأ‏,‏ وغضبي من سلوك أبنائك وزوجتك‏,‏ أجدني في زاوية رؤية أخري لحكايتك‏,‏ تطرح سؤالا كاشفا‏:‏ ما الذي حدث؟‏..‏ أسرة كانت تبدو هانئة‏,‏ رحلة طويلة من المشاركة‏,‏ أثمرت أبناء صالحين وأحفادا‏,‏ لم تشك منهم ولا من عقوقهم الا بعد قرارك الأخير‏,‏ نعم لم تتزوج عن حب‏,‏ ولكن تلك الزوجة شاركتك رحلة كفاحك حتي اعتليت أعلي المناصب واستقرت أحوالنا المادية‏,‏ وأقر الله عيني بأربعة أبناء لم يكن هناك ما يستوقفك سوي طلبات زوجتك الزائدة‏,‏ ومع ذلك كنت تلبيها بنفس راضية‏..‏ فكيف حدث التغيير؟

إنه القرار الخطأ ياسيدي في حياة الكثيرين‏,‏ نقطة التحول‏,‏ قرار تقسيم الأسرة فريقين‏,‏ الفريق الأكبر في أرض الوطن‏,‏ وقائد الفريق وحده بعيدا ليتحول الي رصيد في البنك‏,‏ شقق وسيارات‏,‏ بدلا من حضن واحتواء وأمان‏.‏ أبناء في عمر التمرد في مرحلة التكوين‏,‏ في مجتمع مختلف وحدهم‏,‏ بلا أب‏,‏ بلا احتواء‏,‏ بلا نموذج‏,‏ مع امرأة اعتادت علي الوحدة‏,‏ علي القيادة‏,‏ علي التأثير‏,‏ علي الإنفاق بلا حسابات لتعويض وحدتها‏,‏ وكأنها تعاقبك علي غيابك‏.‏

هكذا كان حالهم‏,‏ أما أنت‏,‏ فقد وجدت الفرصة لتستدعي مالم تعشه وما حلمت به كنت أشعر انني حزين النفس‏,‏ أفتقد شيئا جوهريا أبحث عنه طوال الوقت‏,‏ علمت انه الحب الذي لم أشعر به ولم اتذوقه

وبدلا من ان توقن بحكمتك وخبرتك‏,‏ ان ما لم نأخذه ونسع اليه في شرخ الشباب‏,‏ لايحق لنا ان نأخذه ونحن في خريف العمر‏,‏ لانه سيأتي حتما علي حساب آخرين‏,‏ لم يجبروك علي الزواج من امرأة لم تحبها‏,‏ بل دفعوا أثمانا باهظة لغيابك عنهم‏,‏ ولكنك أغلقت عمرك ولم تر مذاقا آخر للحب غير الاتجاه في الطريق الخطأ‏.‏

ولأن سطوة هوي النفس تباعد ما بين العبد وربه‏,‏ فتفقده البصيرة وتجعله أنانيا‏,‏ اندفعت نحو فتاة‏,‏ أصغر من بناتك‏,‏ لم تكمل عامها العشرين واعتقدت انها تحبك‏,‏ فيما كان عليك ان تحميها من جهل مشاعرها وضعفها‏,‏ بدلا من ان تحرمها من حقها في بداية طبيعية مع شاب في مثل عمرها‏.‏ وأعيدك الي قراءة كلماتك مرة أخري‏,‏ وانت تتحدث عمن اختارهم أبناؤك‏,‏ بنين وبنات‏,‏ وكيف تتحدث عن التكافؤ‏.‏

سامحني علي قسوتي ولكنك ـ سيدي ـ أخطأت‏,‏ وكلمات رسالتك الأخيرة تكشف عن حالة مراهقة متأخرة‏,‏ تستدعي منك ان تعيد التفكير في رؤيتك للحب ومذاقه‏,‏ وإن كان هذا لايعني قبول تصرف أبنائك وزوجتك معك‏,‏ ليتهم قالوا لك انهم فعلوا ذلك حبا وخوفا عليك‏,‏ بدلا من الخوف علي صورتهم أمام الآخرين‏..‏ لايوجد مبرر واحد يسمح لابن أو ابنة بالتطاول علي أحد الوالدين‏,‏ وإن لم يتوبوا ويستغفروا ربهم علي ما بدر منهم تجاهكم فبئس مصيرهم‏.‏

سيدي‏..‏ اني متألم لحالك ولوجع مشاعرك‏,‏ ولكني أدعوك في هذه الأيام المباركة ان توجه طاقة الحب في داخلك ـ وأنت تتردد علي بيت الله الحرام ـ الي الله سبحانه وتعالي‏,‏ وتدعوه ان يبرئ قلبك مما ألم به‏,‏ ويهدي أبناءك اليك‏,‏ فالقادر علي الانتقام قادر علي الهداية‏,‏ وليتك تحاول ان تتقرب اليهم وتقربهم منك مرة أخري‏,‏ فقد يلتئم الشمل مع الأحفاد‏,‏ ولا يبقي في داخلك حلم ومذاق الحب المستحيل‏,‏ وتذكر دائما ما جاء في بعض الأحاديث القدسية‏:‏ عبدي أنا أريد‏,‏ وأنت تريد‏..‏ وتتعب نفسك فيما تريد‏,‏ ولايكون إلا ما أريد‏,‏ فكن لي كما أريد‏,‏ أكن لك كما تريد‏...‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

الأســــــــــــتاذ

29-09-2006
*‏ أرسل إليك رسالتي بعدما قرأت رسالة‏(‏ الكنز‏)‏ عن السعادة وطريق الوصول إليها‏..‏ وكيف يستطيع كل منا أن يعثر علي كنزه من مجرد التأمل في الحياة من حوله والتفكير في غيره وليس العيش في تلك الدائرة الضيقة التعيسة من البحث المحموم عن المال والجري وراء المناصب والثروات وإحباك الخطط والمؤامرات ليسير كل شيء في النهاية في مصلحتنا الذاتية فنكون مثل‏(‏ سيزيف‏)‏ الذي غضبت عليه الآلهة فحكمت عليه ان يحمل فوق صدره صخرة كبيرة ويصعد بها الي قمة جبل‏,‏ وكلما وصل الي القمة حاملا إياها‏,‏ قذفت بها الآلهة مرة اخري الي سفح الجبل ليعاود الكرة‏!!‏ فنحن مثل سيزيف كل منا يحمل صخرته ويصعد بها لا احد يفكر في التحرر من صخرته والتأمل بعيدا‏,‏ انا ياسيدي احدي تلميذات ذلك الرجل العظيم الذي أرسل لك برسالته

وقد تخرجت في الكلية منذ اكثر من خمسة عشر عاما وكان هذا الرجل يدرس لنا مادة محاسبة التكاليف ولكنه في الحقيقة كان استاذا لنا في الحياة‏...‏ كانت تنقضي محاضرته باسلوب سهل ميسر وكان دائما يسألنا عن آرائنا فيما يجري من حولنا ويرجونا ان نذهب اليه مباشرة ـ اذا واجه احدنا صعوبة مافي الفهم والتحصيل في مكتبه بالكلية ولانتردد وكان يخصص في نهاية كل محاضرة ربع ساعة لمناقشة اي امر من الامور الحياتية نقترحه او يقترحه وكنا نسأل في تحفظ ويجيب في رحابة وود عن كل اسئلتنا واستفساراتنا وكان وسطيا في آرائه‏,‏ لايميل الي التطرف تعلمنا منه ـ ياسيدي ـ علي مدي جلساته معنا في مكتبه ونحن مجموعة كبيرة من الطلبة والطالبات كيف نتحاور مع الاخرين؟ كيف نحكم علي الاشياء والناس حكما موضوعيا؟

كيف نواجه مشاكلنا سواء علي المستوي الدراسي او العملي او حتي علي المستوي الشخصي‏!‏ وكان يقابلنا دائما في مكتبه عندما نتوجه اليه محرجين نتعثر خجلا بعضنا في بعض بكل الترحيب والسعادة تصافحنا ابتسامته الطيبة قبل يده ـ فشجعنا ذلك علي الاقتراب منه اكثر واكثر والالتصاق به حتي اصبح مكتبه قبلة لنا كل يوم تقريبا نستطيع ان ندخله في أي وقت حتي وان كان غير موجود فيه‏!!‏ طالبين مساعدته او بعض مراجعه او كتبه او حتي بعض الهدوء والسكينة والطاقة الروحية الكبيرة والتشجيع‏.‏

كان حريصا كل الحرص علي مدي سنوات دراستنا بالكلية علي ان يغرس فينا حب العمل وحب الناس وحب الحياة والصدق مع النفس ومع الاخرين وان يكون لدينا دائما في حياتنا هدف واضح وان نسعي في الحياة ونجاهد ونصبر في سبيل تحقيق اهدافنا‏..‏ وافضل شيء عودنا عليه ان نستمع الي الاخرين جيدا وان نفصح عن آرائنا وتعليقاتنا بكل صراحة ووضوح دون رهبة او خوف وان يكون العقل والمنطق هما ادواتنا في التفكير تعلمنا منه كيف نحلل مانري وكيف نتأمل ماحولنا وكيف نفكر بهدوء وكيف نتذوق الفنون وكيف نحافظ علي شعائر ديننا وكيف ان الايمان بالله هو مفتاح طاقات الانسان الحقيقية‏.‏

ومع اقترابنا من هذه الشخصية الثرية لمسنا كلنا مدي بساطة وتواضع هذا الرجل ومدي سماحته وعلمه وحكمته فكنا نلجأ اليه في كل صغيرة وكبيرة ملتمسين عنده الرأي الثاقب والنصيحة المخلصة‏..‏ وكنا اذا غاب احدنا لظروف ألمت به بحث عنه وعن عنوانه او تليفونه ليسأل عنه ويزوره‏,‏ وبالتالي فقد اقترب ايضا من أهلنا وأسرنا وأصبحوا يعرفونه جيدا وإذا كان احدنا في مأزق عائلي او عاطفي وقف بجانبه وحرصنا جميعا كمجموعة علي مراعاته والتحدث بمنتهي الحرية والأدب في الأمر اما امامنا جميعا او علي انفراد ان كان هناك شيء خاص جدا

وعند تخرجنا في الكلية جمعنا في مكتبه في آخر يوم من امتحانات البكالوريوس وبعد ان اطمأن علينا جميعا طلب من كل واحد منا طالب وطالبة أن يقول كلمة يعبر بها عما يجول بخاطره وهو علي مشارف الحياة العملية وترك الدراسة وتكلمنا جميعا وجاء دوره في النهاية ـ كما عودنا ـ ولم نر الا دموعه تودعنا وبعيون الاب الحانية يتمني لنا مستقبلا باهرا ويرجونا ان نظل علي اتصال به وبالكلية وكنا نحاول التخفيف عن انفسنا وعنه بقولنا له انه بمثابة‏(‏ أب روحي‏)‏ لنا جميعا واننا لن ننسي كلماته ودروسه‏..‏ كانت علاقة عميقة صادقة علمت في كل واحد فينا‏

علاقة غيرت فيه اشياء كثيرة الي الاحسن وترك بصمته الرائعة علي شخصية كل طالب وطالبة تعامل معه من بعيد او اقترب منه‏.‏

فكيف ننسي هذا الاستاذ العظيم‏.‏ وكيف ننسي دوره في اثراء شخصياتنا وقد ترك بصمة لاتتكرر ابدا بداخل كل واحد فينا ؟ومازال ياسيدي نهر عطائه متدفقا الي الان ومازالت صلتي به قوية وثيقة رغم مرور كل هذه السنوات‏,‏ فقد تزوجت وانجبت وما ان تواجهني ازمة او فرصة الا والجأ اليه دون تفكير طالبة الرأي والمشورة او مشاركة له في افراحي ونجاحي ونجاح اولادي واجده دائما رغم متاعبه الصحية وأعبائه يقابلني بنفس الترحاب والود القديم لم يتغير ابدا ولم تتغير حياته البسيطة الخشنة الزاهدة‏.‏

فهذا هو المعلم والاستاذ والمثل الاعلي كما يجب ان يكون دائما في كل الأزمان والعصور نبعا للحكمة شعاعا للصدق والاخلاص لاينضب ابدا وعطاء غزيرا رغم وعورة الطريق وكثرة الاشواك‏.‏

ورسالتي هنا موجهة الي كل من يعمل بهذه المهنة المقدسة مهنة التعليم من اساتذة الجامعات الي مدرسي رياض الاطفال فالتعليم في بلدنا ـ ياسيدي ـ لايحتاج الي خطط وبرامج وتجارب مقتبسة من الانظمة الغربية بقدر مايحتاج الي اثراء شخصية المعلم في كل المراحل التعليمية‏,‏ فالمعلم هو اساس العملية التعليمية الاول وبعده تجيء الادوات والمباني والمناهج‏..‏ فضمير المعلم هو كضمير النبي حيث هكذا قال الرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ العلماء ورثة الانبياء ودائما طريق الانبياء مليء بالأشواك ولكن ثمرة كفاحهم وعملهم عظيمة ومبهرة واجرهم الحقيقي هو عند الله وليس عند من علموهم‏,‏

فأهيب بالدولة ان تحاول الاهتمام بأحوال المعلمين خاصة في المناطق النائية البعيدة وتحاول النهوض بالمعلم قبل النهوض بالعملية التعليمية‏,‏ وأهيب بكل استاذ جامعي وكل معلم ان يقترب من الطلبة يمتزج بهم يحاول غرس القيم الاخلاقية والدينية فيهم‏,‏ هذا هو دورهم الاول تربية النفوس قبل تلقين العقول‏,‏ فقد نستطيع بذلك رأب الصدع وتحقيق بعض التوازن في مجتمعاتنا المختلة قد يكون في هذا علاج مبدئي لكل مشاكلنا مع الشباب من ادمان مخدرات الي الغش في الامتحانات والتطرف الديني وصولا الي الزواج العرفي والانهيار الاخلاقي لدي بعض الشباب فمهنة المعلم ليست كأي مهنة اخري إذ كيف نساوي بين مهنة صنع الانسان واي مهنة أخري مهما تكن‏..‏

*‏ اما عن سبب إرسالي لك برسالتي فقد ارسلتها لسببين‏:‏ـ

الاول‏:‏ـ ان أهيب بقرائك الكرام محبي الخير ان يساهموا في مشروع استاذي العظيم لبناء وحدة زرع نخاع لاطفال مرضي السرطان بمستشفي جامعة الزقازيق ـ شرقية فقد رق قلبي لاستاذي الكبير وانا اراه يحلم ـ مع اقتراب نهاية مشواره المهني ـ حلما عاما وليس حلما شخصيا لمنصب داخل الكلية او ترقية او حتي يحلم ان يزوج اولاده وهم علي مشارف الزواج‏,‏ ولكني وجدته يحلم حلما عاما لبعض البسطاء البؤساء من الاطفال ويسعي لتحقيقه ولمست بنفسي مدي لهفته وحرصه الشديد علي اتمام هذا العمل العظيم عن طريق قافلته المشعة بالخير دائما فلا اقل من ان اساهم بالدعوة الي اكمال هذا المشروع من اجل الاطفال المساكين ومن اجل استاذي العظيم لتحقيق حلم من احلامه المقدسة التي كرس من اجلها حياته ووقته وتفكيره وتكون عند تمامها ـ ان شاء الله وساما علي صدره هو ومجموعته الخيرة‏.‏

الثاني‏:‏ـ أعتبر رسالتي هذه انحناءة إجلال وتقدير ووفاء الي هذا الرجل العظيم بالنيابة عن كل تلاميذه الذين تتلمذوا علي يديه عبر سنوات تدريسه في الكلية فهو لم يحقق في حياته اي مكسب مادي ولكنه حقق ماهو اعظم واقدس‏,‏ حقق رسالته الحقيقية في الحياة وطبع علي قلوبنا جميعا بصمته الرائعة الباقية ابد العمر‏,‏ تعلمناها منه‏,‏ ونعلمها الان لاولادنا ـ ونذكره بكل الخير والعرفان فله كل الحب والاحترام

زينب الفضالي
إحدي خريجات كلية تجارة
جامعة الزقازيق دفعة‏1990‏

*‏ سيدتي‏..‏ جاءتني رسالتك وأنا أفتش في بريدي المتراكم بحثا عن رسالة تشيع الامل في النفوس المحبطة‏,‏ وتحرض القلوب المتكاسلة علي فعل الخير في شهر رمضان الكريم‏,‏ فوجدت في كلماتك ضالتي المنشودة‏,‏ خاصة اني قبلها بأيام قليلة‏,‏ كنت سعيد الحظ بلقائي مع رائد قافلة شعاع الخير وبعض من زهوره اليانعة‏,‏ في جريدة الأهرام‏,‏ وشاركنا في اللقاء اساتذة من كلية الطب بجامعة الزقازيق‏,‏ ونجم منتخب مصر رائع الخلق هادي خشبة‏,‏

وانضم الينا في الحوار الانساني الدافيء الكاتب الصحفي الكبير لبيب السباعي رئيس تحرير مجلة الشباب‏,‏ ولمست بأذني وبمشاعري الدور العظيم الذي قام ويقوم به الاستاذ الدكتور عادل حسن قاسم‏,‏ فقد نجح في تحويل شباب محبط يائس من انتشار الفساد والمحسوبية والبطالة الي زهور متفتحة وأشجار مثمرة تضرب بجذورها في أرض الوطن‏,‏ تنثر محبتها وعطاءها في كل الأرجاء‏.‏ وإذا كان الرسول الكريم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قال عن نفسه‏:‏ إنما بعثت معلما فإن الاستاذ عادل اختار ان يسير علي خطي الحبيب وكلما أتته كلمات الاطراء من حوله أكاد اسمعه يردد ماقاله العالم الكبير نيوتن‏:‏ إذا كنت استطعت ان اري ابعد من غيري‏

فلأنني وقفت علي اكتاف عدد كبير من العمالقة نعم كل الذين احاطوا بالاستاذ‏,‏ وذهبوا الي الايتام في ملاجئهم‏,‏ والمسنين في دورهم‏,‏ والمرضي في مستشفياتهم هؤلاء الذين اقتطعوا من نقودهم القليلة‏,‏ ووهبوا جل وقتهم من أجل اسعاد الاخرين‏,‏ عمالقة‏,‏ وأولئك هم الذين قال عنهم رسولنا محمد‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ إن لله خلقاخلقهم لحوائج الناس يفزع الناس اليهم في حوائجهم‏,‏ اولئك الآمنون من عذاب الله‏,‏ فهم فهموا وتعلموا ان الجبل لايحتاج الي جبل‏,‏ ولكن الانسان يحتاج الي انسان‏.‏

سيدتي‏..‏ لست في حاجة بعد كل ماقلته عن أهمية وضرورة الاهتمام بالمعلم الي التأكيد علي ان ثروة مصر الحقيقية في البشر‏,‏ وانه لن ينصلح لنا حال الا اذا اهتمت الدولة بالمعلم كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إثنان في الناس إذا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس‏:‏ العلماء والامراء صدق رسول الله‏,‏ فاذا لم يكن بيدنا الامر في الامراء فان الامل والرجاء يبقي في العلماء‏.‏

وعودة الي دعوتك الي تحقيق حلم الاستاذ في استكمال وحدة زرع النخاع في مستشفي جامعة الزقازيق‏,‏ فاني اضم صوتي الي صوتك‏,‏ من أجل الاطفال الذين ينتظرون هذا الامل‏,‏ وتضيق بهم مستشفيات مصر‏,‏ أدعو كل اهل الخير ورجال الاعمال في محافظة الشرقية وفي كل ربوع مصر‏,‏ الي التبرع لاستكمال بناء‏4‏ حجرات زرع نخاع تم اعداد مكانهم ويحتاجون الي بضعة ملايين ستنقذ حياة الاف الاطفال‏,‏ وتوفر للدولة عشرات الملايين تدفع في السفر الي الخارج علي الرغم من وجود العلماء في مصر الذين يستطيعون اجراء هذه الجراحة في مصر‏.‏ كلي امل في الاستجابة ونحن في هذا الشهر الكريم‏,‏ علي ان يكون التبرع الان من خلال السداد في خرينة الاهرام باسم وحدة زرع النخاع في جامعة الزقازيق‏,‏ او علي رقم الحساب الخاص ببريد الاهرام‏,‏ حتي يتم فتح حساب خاص بالجامعة‏.‏ وكل عام وانتم بخير‏,‏ والي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....