الثلاثاء، ١ فبراير ٢٠٠٠

البحـــــر الهــائــــج

06-12-2002
أنا شاب في الثالثة والثلاثين من عمري‏,‏ نشأت في أسرة مكونة من أب وأم وثلاث شقيقات يكبرنني في السن‏,‏ أما أمي فهي سيدة قروية غاية في الطيبة والتدين وحسن الخلق‏,‏ وأما أبي فهو شخصية مثقفة اكتسب خبرته وثقافته من أسفاره العديدة‏,‏ حيث كان يعمل فنيا علي البواخر التجارية التي ترسو كل يوم في ميناء من موانئ العالم‏,‏ ومنها المدينة الساحلية التي نشأت فيها‏,‏ وقد تفتح وعيي للحياة وانا في العاشرة من عمري فوجدت أبي يسافر كثيرا ويجوب العالم علي السفن التي يعمل عليها‏,‏ فيمكث في كل رحلة عدة شهور ثم يعود حاملا من خيرات الدنيا ما يستطيع ان يحمله من أجهزة كهربائية وملابس وهدايا ولعب وخلافه‏,‏ فتعم الفرحة ارجاء البيت كله بل وتمتد ايضا الي بيوت الجيران الذين اعتادوا ان يأتوا الينا لتهنئة أبي بالوصول وأخذ ما يعطيه لهم من هدايا‏.‏
ويبقي أبي معنا شهرا أو أكثر قليلا يكون قد انفق فيه كل ما معه من نقود وباع ما باع من الاشياء التي احضرها معه من الخارج كالأجهزة الكهربائية مثلا‏,‏ وما ان يفعل ذلك حتي يستعد مرة اخري للذهاب في رحلة اخري علي سفينته التجارية ونستعد مرة اخري لكي نحيا انا وشقيقاتي وامي دون والدنا وتستعد امي لتحمل عبء تربيتنا بمفردها من جديد ومتابعة دراستنا في مراحل التعليم المختلفة
وبالرغم من انني كنت الابن الوحيد بين ثلاث بنات وانا اصغرهن فلم أكن طفلا مدللا ابدا وكنت علي العكس من ذلك ـ طفلا مهذبا هادئ الطباع مجتهدا في دروسي‏.‏

وبعد عدة أشهر رجع ابي كعادته محملا بالهدايا وحاملا الينا مفاجأة رائعة هي أنه قد قرر البقاء نهائيا معنا في مصر دون سفر‏,‏ وفرحنا انا وشقيقاتي كثيرا بذلك لكن والدتي لم تشاركنا الفرحة‏,‏ لأنه بذلك قد انقطع مورد رزقنا ورحنا انا وشقيقاتي نرسم صورة مشرقة لحياتنا بعد بقاء والدنا معنا‏,‏ وتصورنا وضعنا الجديد بعد لم شمل الأسرة ولم نفكر مطلقا في المستقبل وما قد يحمله لنا من مفاجآت‏.‏
بقي أبي في المنزل دون عمل لمرضه وبحثت شقيقتي الكبري عن عمل فوجدته بأحد النوادي العائلية علي كورنيش مدينتنا الساحلية واثرت شقيقتاي الوسطي والصغري تكملة تعليمهما واسرعت انا ابحث عن عمل ـ وانا ابن العاشرة ـ فوجدت لي شقيقتي الكبري ـ التي كانت قد حصلت علي دبلوم التجارة ـ عملا لدي احد محلات بيع الثلج والذي يقوم بتوريد الثلج الي النادي الذي تعمل به‏,‏ وقد اضطررنا لذلك لأن والدي لم يدخر قرشا واحدا لمثل هذا اليوم الذي ستتقدم به السن ويعجز عن تحمل عمله علي السفن وهكذا اضطررت انا للخروج الي ميدان العمل وانا في العاشرة من عمري وعملت لدي بائع الثلج ورحت أحمل علي يدي وصدري ألواح الثلج طوال اشهر الصيف بدلا من ان العب مع أبناء الجيران لأبدد عناء المذاكرة طوال العام بالاستمتاع بأجازة الصيف مثل قرنائي‏,‏ وكنت احمل الجنيهات الخمسة التي اتسلمها كأجر اسبوعي‏,‏ واجري لاشتري ما استطيع شراءه من طلبات المنزل‏,‏ واضع ما يتبقي منها في يدي والدتي لتشتري ادوية لوالدي وتصرف علي المنزل مستعينة براتب شقيقتي الكبري‏.‏
ولم يتنازل أبي ـ للأسف ابدا عن مستوي المعيشة الذي اعتاد عليه خلال سنوات سفره وكسبه بغير حساب‏.‏ وكان ذلك يمثل وحده عبئا كبيرا علينا‏.‏ وعلي مصروف المنزل‏,‏ كما كان ايضا سببا اساسيا في المشكلات التي تفجرت بين والدي ووالدتي التي رأت انه يجب ان نغير من عادات انفاقنا ليتفق مع وضعنا المادي الجديد‏,‏ ودخلنا البسيط للغاية‏.‏
انقضت أشهر الصيف‏,‏ وبدأت المدارس تفتح أبوابها‏,‏ وبدأت اعاني كحة غريبة تستمر معي طوال اليوم ولا تغيب عني إلا ساعات قليلة بسبب الثلج الذي كنت احمله علي صدري طوال اشهر الصيف‏,‏ وذهبت الي الاطباء وسمعت تشخيصات مختلفة منهم‏,‏ كل منها يصيبني بالرعب ولكن فضل الله كان عظيما فما هي إلا اسابيع قليلة حتي شفاني الله عـز وجل من هذه الكحة الغريبة التي كادت تقتلني وحمدت الله تبارك وتعالي علي ذلك ومضي العام الدراسي بسلام وكنت فيه مثالا للتلميذ المجتهد الذي يعجب به كل مدرسيه‏,‏ وبدأت شقيقتي الكبري تبحث لي عن عمل جديد بعيدا عن بائع الثلج‏,‏ فوجدت لي هذ ه المرة عملا لدي احد تجار المواد الغذائية بالجملة‏.‏
وبدأت عملي لدي هذا التاجر‏,‏ وكان عملي منحصرا في كنس ومسح المحل وغسل سيارة صاحب العمل وتوصيل الطلبات للعملاء بعربة يد أدفعها امامي واديت عملي بجد وإخلاص رغم صغر سني‏,‏ وادي اجتهادي في عملي الي كسب حب صاحب العمل‏,‏ فزاد مرتبي الاسبوعي وقربني منه بعد ان عرف قصتي بالتفصيل وراح يعاملني وكأنني ابن من ابنائه‏.‏
ورحت اعمل وابذل كل ما في وسعي لنيل رضا صاحب العمل اكثر واكثر‏,‏ واخذت الأظافر الناعمة تخشن يوما بعد يوم‏,‏ ويمر العام الدراسي بسرعة البرق‏,‏ وتأتي الاجازة الصيفية واذهب مجددا الي عملي الذي احببته برغم عنائه ومشقته‏,‏ وطول ساعاته التي تمتد الي خمس عشرة ساعة في اليوم‏,‏ لم يكن يهونها علي سوي عطف صاحب العمل واشفاقه علي وعلي أحوالي واعطائي ما تجود به نفسه بخلاف راتبي الاسبوعي تقديرا منه لظروفي العائلية‏,‏ بل كان يصطحبني ايضا مع ابنائه في عطلة نهاية الاسبوع لأروح عن نفسي عناء العمل طوال الاسبوع‏.‏

ومرت السنون هكذا‏,‏ وتخرجت شقيقتي الوسطي في احد المعاهد الفنية‏,‏ وعملت في مدينة تبعد عن مدينتنا‏,‏ واستقلت بحياتها هناك براتبها البسيط الذي يكفيها بالكاد وواصلت شقيقتي الصغري دراستها في احد المعاهد الفنية ايضا‏,‏ وكنت وقتها قد بلغت السنة الثالثة من التعليم الثانوي‏.‏
وازدادت ظروف الحياة قسوة مع تقدمنا في العمر واستمرار مرض والدي وزيادة مصاريف الحياة اليومية واصبحت المسئولية علي اكبر بعد ان تزوجت شقيقتي الكبري وتفرغت لبيتها وزوجها دون عمل وانقطع بذلك مورد اساسي من موارد حياتنا‏.‏
وحين حدث ذلك قررت ان اعمل طوال العام وليس في الاجازة الصيفية فقط حتي استطيع ان اتحمل المسئولية الكبيرة الملقاة علي عاتقي‏,‏ وفعلت ذلك وكنت انظر الي زملائي في المدرسة الذين يهربون من المدرسة ويذهبون الي السينما في الحفلات الصباحية واري نفسي ذاهبا الي العمل وليس الي السينما واحمد الله ان جعلني رجلا اتحمل مسئولية اسرة بكاملها برغم صغر سني‏.‏
وزاد راتبي خلال هذه السنوات ولله الحمد عدة مرات بفضل الله ثم بفضل صاحب العمل الذي كان يعطف علي كثيرا‏,‏ وكنت ارد له الجميل بالعمل الجاد والمخلص والامانة المتناهية في العمل حتي راح يعتمد علي في الكثير من اعمال المحلات التي يمتلكها خلال السنوات التي قضيتها معه‏.‏
واقترب موعد امتحانات الثانوية العامة فجلست في المنزل قبلها بشهر واحد حتي اتمكن من استذكار دروسي التي لم اتمكن من تحصيلها طوال العام‏,‏ وكان صاحب العمل ـ أكرمه الله ـ يرسل لي طوال هذا الشهر راتبي الاسبوعي الي المنزل مع احد زملائي في العمل وكأنني اعمل معه بالضبط‏,‏ لكنني لم اتمكن للأسف من النجاح لقلة تحصيلي خلال الفترة القصيرة التي ذاكرت فيها‏,‏ ورسبت لأول مرة في حياتي الدراسية بعد ان كنت مجتهدا طوال السنوات السابقة‏,‏ واعتزمت ان ابذل كل جهدي في العام التالي لأنجح بل ولأحقق ايضا مجموعا كبيرا يؤهلني للالتحاق بكلية الهندسة التي كانت تمثل لي حلم حياتي‏.‏

وبالفعل عملت طوال العام وجلست في المنزل هذه المرة قبل شهرين من الامتحان وذاكرت بكل ما اوتيت من قوة ونجحت وحصلت علي مجموع كبير ولله الحمد واصبح حلم كلية الهندسة قاب قوسين أو أدني مني لكني فوجئت بأن مجموعي تنقصه ثلاث درجات فقط لكي يمكنني ان ادخل كلية الهندسة‏!!‏
وحمدت ربي علي كل حال بالرغم من حزني لتبدد حلم حياتي‏.‏
والتحقت بإحدي الكليات النظرية التي كنت اكرهها قبل ان ادخلها وقبل ان اري مبانيها او اطلع علي مناهجها‏..‏ ولكنه ما باليد حيلة‏..‏
وشاء الله سبحانه وتعالي أن يهون علي ما أنا فيه من حالة نفسية سيئة وتحضر اختي الوسطي من المدينة التي تعمل فيها وتبشرني بأنها قد حصلت علي عقد عمل بإحدي الدول العربية براتب كبير ودفعني ذلك لأن اتقبل الامر الواقع الخاص بكليتي وان اهتم بدروسي ومذكراتي‏,‏ خاصة ان شقيقتي الوسطي ستتحمل المسئولية عني علي الاقل لحين انهائي الجامعة ثم آخذ الراية منها من جديد وسافرت شقيقتي بالفعل وتحملت المسئولية وحدها طوال عام كامل‏,‏ ورجعت بعده فتعرفت علي احد الشباب ورغبت في الزواج منه وسألت عنه فوجدته غير مناسب لها بالمرة ولكنها اصرت عليه وعارضتني بشدة وانهت اجراءات العقد‏,‏ وأجلت الزواج لحين سفرها لعملها ومحاولة احضار عقد عمل لزوجها ليلتحق بها وفعلت ذلك بالفعل وتوقفت منذ بداية سفر زوجها عن ارسال أي نقود لنا بإيعاز من شريكها‏,‏ فاضطررت الي العودة إلي العمل مرة اخري لدي صاحب المحلات طوال العام واهملت دروسي وبالتالي رسبت لعدم تفرغي للكلية وعدم حضوري المحاضرات‏.‏
وتحملت مسئولية الاسرة مرة اخري بعد ان تخلت شقيقتي الوسطي عنها بسبب زواجها وكانت مفاجأة زوجها لها علي زواجها منه وتسفيره الي البلد الذي تعمل فيه بل وشراء اثاث المنزل كله علي حسابها وشراء سيارة له فور سفره اليها مباشرة‏,‏ هي ان ضربها وأهانها وظهر علي حقيقته التي حذرتها منها واكثر من ذلك انه كان يجلس في المنزل وتعمل هي بمفردها وتتحمل مسئولية البيت والاولاد الذين انجبتهم منه برغم الضرب والشتم وسوء المعاملة‏.‏
اما في بيتنا فقد ساءت العلاقة بين والدي ووالدتي كثيرا‏,‏ وازدادت المشكلات بينهما واصبحت شبه يومية‏,‏ ووجدت شقيقتي الوسطي ذات يوم ترسل الي طالبة مني ان اوافق علي سفر والدتي اليها لأنها تعمل ولا تجد من يرعي اولادها خلال ساعات عملها‏,‏ فتحفظت في البداية علي هذا الطلب لمعرفتي بطباع زوجها وسلوكياته‏,‏ ثم وافقت لكي اضع حدا للمشكلات شبه اليومية بين أبي وأمي وعسي ان يتحسن وضع زوج شقيقتي علي يد امي‏.‏
سافرت والدتي الي شقيقتي الوسطي وتحولت مشكلات والدي الي شقيقتي الصغري‏,‏ واسفرت ذات مرة عن طرد ابي لي‏,‏ ولشقيقتي من المنزل ولم نجد حلا سوي ان ارحل مع شقيقتي الصغري لنقيم في غرفة متهالكة وفرها لي احد زملائي بالجامعة في منزل شبه منهار بإيجار زهيد‏.‏وكانت شقيقتي الصغري مخطوبة في هذه الاثناء فلم اجد بدا من الاسراع في زواجها لكي نتخلص من الوضع الذي نواجهه‏,‏ ولكن كيف لها بالزواج وظروفنا المادية لا تخفي علي احد‏.‏
لقد عرضت علي شقيقتي الوسطي ان اسافر للعمل في البلد الذي تعمل به لعدة سنوات اعتذر خلالها عن عدم دخولي الامتحانات بالجامعة علي ان اكمل دراستي بعد زواج شقيقتي فقبلت علي الفور هذه الفكرة برغم انني كنت في المرحلة الثالثة في الجامعة ولم تبق امامي سوي سنة واحدة لانهاء الدراسة‏.‏

وعلي الرغم من بعدي عن منزل والدي فإني لم انساه وكنت ازوره واحمل له الطعام والشراب والدواء وانظف له منزله مرة كل اسبوع علي الاقل‏,‏ واحمل ملابسه المتسخة واغسلها وارجعها له نظيفة مرتبة وكان يقدر لي ذلك جدا برغم ما بيننا من خلاف في حين انقطعت عنه شقيقاتي بسبب طردنا من المنزل‏.‏
وفكرت في إرجاع والدتي مرة اخري الي مصر قبل سفري لكني خشيت ان تحدث مشكلات بينها وبين والدي خلال غيابي‏,‏ ففضلت بقاءها مع شقيقتي الوسطي‏,‏ وأصلحت بين شقيقتي الكبري والصغري وأرجعت الاخيرة الي منزل اختها لتستقر معها لحين زواجها‏.‏
وسافرت بالفعل وما هي إلا ايام قليلة مكثتها في منزل شقيقتي الوسطي حتي اكرمني الله عز وجل علي يد شقيقتي بعمل باحدي المؤسسات الصغيرة رحبت به‏,‏ وطلبت من صاحب العمل تدبير مسكن لي مع الموظفين الآخرين ايضا لأهرب من اقامتي مع شقيقتي وزوجها‏,‏ وازدادت المشكلات كثيرا بين شقيقتي وزوجها حتي اضطررت ذات مرة الي ان ارحل بوالدتي بعيدا عنهما بعد ان اتهم زوج شقيقتي والدتي بأنها السبب فيما يحدث من مشكلات بينه وبين زوجته‏,‏ واعدت والدتي الي مصر واكملت عاما في الغربة بصعوبة ورجعت لمصر لأزوج شقيقتي الصغري بعد ان ساعدتها شقيقتي الوسطي بمبلغ من المال دون علم زوجها‏,‏ وتزوجت شقيقتي الصغري بعد ان تحملت الكثير من الديون علي عاتقي واستعددت لسدادها من عائد عملي وقبل ان ارجع لعملي بأيام رشحت شقيقتي الكبري ابنة الجيران لكي ارتبط بها قبل سفري فتقدمت لخطبتها ووجدتها فتاة غاية في الجمال والأدب والكمال والاحترام والالتزام وعقدت النية علي الارتباط بها برغم قسوة أحوالي المادية وبعد سفري مباشرة علمت بوفاة والدي الذي اشتد به المرض في الفترة الاخيرة وحزنت كثيرا عليه وتألمت لفراقه وكان عزائي الوحيد هو انني قد وقفت بجانبه طوال حياته وحتي مماته‏.‏
واقامت والدتي لدي شقيقتي الكبري بعد وفاة والدي وتحملت انا نفقاتها ونفقات شقيقتي الكبري ورحت اسدد الديون التي تراكمت علي بسبب زواج شقيقتي الصغري‏..‏ ومرت اربع سنوات وانا اعمل بكل جهد واخلاص واتنقل من عمل الي عمل آخر بحثا عن الافضل وعن الراتب الاعلي حتي أتمكن من الالتزام بما علي من مصاريف تجاه أسرتي وتجاه زواجي الذي طالت مدة الاعداد له كثيرا‏,‏ ونجحت بعد هذه السنوات الاربع في ان اتزوج بما استطعت ان اشتريه من اثاث واجهزة وشقة متواضعة وارسلت بعد زواجي مباشرة الي زوجتي فلحقت بي فكانت بشير السعد بالنسبة لي وانتقلت الي عمل جديد افضل وازداد راتبي ولم تمض إلا اشهر قليلة حتي بشرتني زوجتي بأنها تنتظر مولودنا الاول‏,‏ وبعد ايام جاءت البشري أيضا بأنني اصبحت مديرا في عملي متجاوزا بعملي واخلاصي وامانتي من هم ايضا اقدم مني بكثير في العمل واستقبلت اول مولودة لنا وكانت اجمل طفلة رأتها عيناي ولم اجد اصدق من اسم جهاد لكي اطلقه عليها لأنه يعكس ظروف حياتي‏..‏ وشعرت بالسعادة والرضا‏..‏ لكن الكدر لم يلبث ان تسرب الي مع خبر طلاق شقيقتي الكبري‏,‏ فقد احتدمت المشكلات بينها وبين زوجها وانتهي الامر بطلاقها وتقدم اليها آخر رغبت هي في الزواج منه واعترضت عليه فلم تأبه لمعارضتي برغم وقوفي معها وبجوارها هي واولادها طوال خمسة عشر عاما منذ بداية زواجها وحتي طلاقها وكانت هذه نقطة فاصلة بيني وبينها وما هي إلا سنة اخري وجاءني خبر طلاق شقيقتي الصغري التي ضحيت بكل شئ من اجل زواجها وقد فرطت هي فيه بكل سهولة وطلبت الطلاق من زوجها بعد ثلاث سنوات فقط من زواجهما لاختلاف الطباع‏.‏
لقد كان حلم حياتي ان ادخل بيت كل شقيقة من شقيقاتي فأقابل فيه بالترحاب والفرحة فإذا بي احرم من دخول بيت شقيقتي الوسطي لسنوات اظنها ستطول واحرم من دخول بيت شقيقتي الصغري بسبب طلاقها وتتزوج شقيقتي الكبري علي غير ارادتي‏,‏ وترفض ان تنقطع لأبنائها بعد طلاقها‏,‏ كما كنت اريد‏,‏ لقد خيبت كل شقيقاتي املي فيهن جميعا ووالدتي لا حول ولا قوة لها ولا تستطيع ان تؤثر علي اي واحدة منهن بل انني اجدها في كثير من الاحيان متعاطفة معهن بسبب أو وبدون سبب بدعوي انهن فتيات لا احد لهن‏.‏
وفي وسط هذه الاحزان لاحت نقطة ضوء جديدة حين اخبرتني زوجتي انها حامل في طفلنا الثاني وطرت من الفرحة بالخبر السعيد‏..‏ وجاءت اللحظة الموعودة فإذا بطفلنا يجئ الي الحياة بثقب في القلب ولا يعيش سوي يوم واحد ويتوفاه الله ثالث ايام عيد الفطر المبارك واخفيت علي زوجتي الخبر خلال فترة وجودها بالمستشفي بعد العملية القيصرية التي اجريت لها وتحملت مرارة الصدمة بمفردي‏,‏ وخرجت زوجتي من المستشفي واخبرتها بالخبر الحزين وكان ما كان منها وازدادت الاحزان بالمنزل حتي اصبحت الضغوط علي وكأنها جبال فأصبت بحالة نفسية سيئة للغاية شعرت معها بالاكتئاب والحزن العميق وخضعت للعلاج النفسي ـ ومازلت ـ حتي كتابة هذه السطور‏.‏ لقد اطلت عليك كثيرا‏,‏ ولكن هذه الكلمات التي سطرتها لك مجرد سطور من حياتي التي تحتاج الي مجلدات لكي اكتبها مفصلة دون اختصار‏,‏ فكل سطر فيها اظن انه يحمل من مشاعر الحزن والعناء والمشقة بل والمرارة الكثير‏.‏
ان الكلمات ستظل عاجزة عن التعبير عما يجيش في الصدر من مشاعر واحاسيس‏,‏ فمشواري الآن مع الحياة الذي امتد ـ حتي الآن ثلاثة وثلاثين عاما كانت منه ثلاثة عشر عاما اظنها كلها عناء ومشقة ومرارة ولم يتخللها سوي لحظات سعادة وهناء قليلة‏.‏
انني اشعر انني اضعت حياتي كلها دون فائدة فأسرتي لا أجد فيها ما كنت احلم به من لم الشمل وحسن علاقة شقيقاتي بي وحسن تذكرهن لما ضحيت من اجلهن‏.‏
والحالة النفسية التي امر بها حاليا لا توصف فقد اصبحت الدنيا مظلمة في وجهي الي ابعد الحدود‏,‏ ولا اعرف ما إذا كنت محقا في كل هذا أم انني قد ضخمت الامر كثيرا‏,‏ انني في أمس الحاجة الي ردك لعلي اجد فيه البلسم الشافي لحالتي ولحالة كثيرين اظنهم عاشوا نفس ظروفي‏.

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
لو استرجع كل انسان احزانه القديمة‏,‏ وكل ما شهدته رحلة حياته من عناء وآلام وغدر وجحود وفشل وهزائم وانكسارات وتجمد عند موقف الرثاء للنفس هذا وحده دون ان يتجاوزه للاحساس بالرضا عن صلابته التي مكنته من اجتياز كل تلك الأهوال والصعوبات حتي بلغ لحظة التأمل هذه لرشح الانسان نفسه علي الفور للاكتئاب المرضي‏..‏ ولضعفت استجابته لمؤثرات الحياة الإيجابية وأفسد علي نفسه الأوقات الثمينة التي يحق له فيها ان يستشعر الأمان بعد طول العناء بل وتعذر ايضا علي الكثيرين ان يرددوا كلمة شاعر شيلي الكبير بابلو نيرودا حين كتب مذكراته وروي ماشهدته حياته من لحظات السعادة والألم والانتصارات والهزائم فاختتمها بقوله‏:‏ اشهد انني قد عشت‏!‏
يقصد انه قد عاش حياة حافلة هو راض عنها وبكل ماحملته اليه الرياح خلالها ولما استطاع كثيرون كذلك ان يقولوا ماقاله الفيلسوف الألماني كانت حين استرجع وهو في مرض الموت رحلة حياته بكل ماشهدته من احداث واحزان وانتصارات وصراعات ثم تمتم‏.‏ قائلا‏:‏ هذا حسن‏!‏
ذلك ان الحياة لم تكن ابدا ترنيمة بهيجة من بدايتها حتي نهايتها وانما كانت وسوف تظل مزيجا متعادلا السعادة والشقاء‏,‏ فاذا كان هناك من قد لايتعادل مزيج الحياة لديهم فتكون احزانهم طويلة وافراحهم قليلة‏..‏ فهؤلاء هم من نطلق عليهم تعبير ابطال الحياة لانهم يقودون غالبا سفينة العمر وسط بحر هائج مضطرب بالصعاب والعقبات‏,‏ ويغالبون اقدارهم ويكافحون كفاحا مريرا من أجل البقاء غير ان هؤلاء ايضا هم أحق البشر بأن يعتزوا بصلابتهم وصمودهم امام اعتي التحديات دون ان يفقدوا تفاؤلهم بالغد الأفضل‏..‏ وايمانهم بانفسهم وبحقهم العادل في ان ينالوا ذات يوم السعادة وكل طيبات الحياة‏..‏ وانت ياصديقي واحد من هؤلاء بغير جدال‏,‏ فلقد ابليت بلاء حسنا في صراعك المرير مع الحياة‏,‏ وبدأت ملاحتك الصعبة في بحر الحياة وسط اصعب الظـروف حتي لتنطبق عليك كلمة أمير القصة انطون تشكيوف حين قال عن نفسه‏:‏ في طفولتي‏..‏ لم تكن لي طفولة‏!‏
وكل مافي الأمر هو أنك تمر الآن بحالة ضعف نفسي طارئة بسبب حزنك علي وفاة وليدك وحداد زوجتك عليه والجو الثقيل الذي يخيم علي حياتك العائلية حاليا والجسم البشري اذا ضعف سهل غزوه بالأمراض‏,‏وكذلك النفس فانها حين تضعف يسهل غزوها بالاكتئاب والاحزان والشعور بالاحجاف وافتقاد التقدير‏.‏
والحزن علي فراق الأعزاء امر طبيعي ولكل حزن من احزان الحياة فترة حضانة يرعي خلالها الانسان حزنه‏,‏ ويتحمل لهيبه صابرا الي ان يهدأ ويخمد‏..‏ ويستقر لكنه اذا طالت فترة الحزن هذه عن المعدل الطبيعي وبغير ان تخف حدته او يستعيد الانسان تفاعله مع الحياة‏..‏ فانه يتحول الي اكتئاب مرضي يتطلب علاجا نفسيا متخصصا‏..‏ واحسب ان هذا هو ماتواجهه الآن‏..‏ ولو انك حاولت ان تنظر إلي الجانب الآخر من الصورة لرأيت انك قد خضت معركة بطولية من أجل البقاء والصمود انت وأسرتك وبلغت سفينتك في النهاية مرفأ الأمان‏,‏ واستقرت احوالك المادية بعد طول العناء واستقلت كل شقيقة من شقيقاتك بحياتها‏..‏ وتزوجت انت ونعمت بالسعادة والوفاق مع شريكة حياتك وبانجاب طفلة جميلة ستكون رحلتها في الحياة اقل عناء من رحلتك معها باذن الله ورحل والدك عن الدنيا وهو عنك راض‏.‏
كما ان شقيقاتك جميعا وعلي خلاف مايبدو لك في الظاهر لابد انهن يقدرن لك صراعك مع الحياة منذ الصغر لحماية اسرتهن من الضياع ويحملن لك بالضرورة انبل المشاعر‏,‏ لكن عرفانهن لك بما قدمت لهن ولاسرتك لايقتضي منهن ابدا كما تتصور ان يتنازلن لك انت عن حقهن في اختيار حياتهن وهن الراشدات القادرات علي اتخاذ قراراتهن المصيرية لانفسهن‏,‏ كما انهن جميعا يكبرنك في السن فاذا اعترضت علي اختيار احداهن لشريك حياتها ولم تقتنع برأيك ومضت الي الارتباط به‏,‏ فليس في ذلك جحود لك او تمرد عليك حتي ولو اثبتت تجربتها معه فيما بعد بعد نظرك لانه مجرد اختلاف في وجهات النظر وزاوية الرؤية لا ينبغي له ان يفسد للود بينكما قضية‏,‏ ولا شأن له بانكار سابق عطائك لها وإذا ارادت أخري الزواج مرة ثانية بعد انهيار زواجها الأول ورغبت انت في ان تعزف عن الزواج لكي تتفرع لابنائها من زواجها السابق فلا يعني ذلك أيضا أن تستشعر المرارة تجاهها والجحود من جانبها‏,‏ لأنها أعلم باحتياجها الإنساني للزواج‏,‏ وأقدر علي تقدير احتمالها للصبر علي الوحدة منك‏.‏
ولست في النهاية تملك لهن إلا النصيحة والمشورة المخلصة‏,‏ عملن بها أم لم يعملن‏..‏ ومن واجبك أن تستمر في أداء دور الأخ الأكبر لهن حتي ولو كن يكبرنك جميعا لأنك رجل الأسرة من بعد أبيك‏,‏ فتجاوز عما تعتبره جحودا من جانبهن لكفاحك المرير من أجل الأسرة وتضحياتك لها‏,‏ وتقبل ما تسمح به طبيعة كل منهن وثق بأنك حين تفصل بين وفائهن لك وما تتصوره أنت أن من واجبهن أن تكون لك الكلمة العليا في مصائرهن‏,‏ سوف تتفتح لك قلوب شقيقاتك علي مصاريعها‏,‏ وسوف تلقي في بيوتهن كل الترحيب والاحتفاء والعرفان‏,‏ فلا تفسد علي نفسك أوقاتك باجترار الأحزان القديمة‏,‏ وتوهم جحود الشقيقات‏..‏ وأعلم دائما أن جنة الأرض هي في اطمئنان القلب والنفس وراحة البال واستشعار الرضا عما قدمه الإنسان للحياة حتي ولو كان ما ناله منها مازال قليلا‏..‏ أو أقل من القليل‏..‏ وشكرا‏.‏
المزيد ....

القلوب المغلقة‏!‏

13-12-2002
أكتب إليك وكلي أمل في الله سبحانه وتعالي أن تجد مشكلتي حلا لها علي يديك‏,‏ فأنا سيدة في الثامنة والثلاثين من عمري نشأت في أسرة متوسطة بين أب يعمل بالتعليم‏,‏ وأم ربة بيت وشقيق وشقيقة يكبرانني‏.‏ ولقد ربانا أبي تربية صارمة‏..‏ واعتاد منذ صغرنا علي تطبيق مبدأ الثواب والعقاب في التعامل معنا‏..‏ فكان يطالبنا دائما بالتفوق في الدراسة‏..‏ وبالالتزام الصارم بالآداب والتقاليد‏..‏ وإذا أخطأ أحدنا حاسبه علي الخطأ حسابا مريرا‏,‏ ويعقد مجلس العائلة علي هيئة محاكمة له ثم يصدر حكمه عليه بالعقاب المناسب‏..‏ وكان يتراوح بين الضرب القاسي بالمسطرة والحبس يوم الإجازة في البيت في غرفة الأبناء من الصباح حتي اليوم التالي‏,‏ والحرمان من اللعب والخروج أو الحرمان من المصروف والحلوي للفترة التي يحددها‏..‏ والويل بعد ذلك لمن يتعاطف مع المذنب أو يساعده علي التهرب من تنفيذ العقاب‏..‏
فنشأنا جميعا ونحن نتحسب لغضب أبي تحسبا شديدا ونحرص علي الالتزام بكل ما يطلبه منا‏..‏ وكانت لنا بالرغم من ذلك أوقاتنا السعيدة‏..‏ وإن كنا قد افتقدنا أن يكون لنا أصدقاء من نفس أعمارنا‏,‏ لأن أبي كان يحذرنا دائما من أصدقاء السوء‏,‏ ويتشكك في صداقات أبنائه‏,‏ ومضت بنا الأيام علي هذا الحال حتي تخرجنا جميعا وتزوجت أختي ورحل أبي عن الحياة‏..‏ وحمل أخي الأكبر الراية من بعده في التشدد وإدارة شئون حياتنا بصرامة وبتشجيع من أمي‏..‏ وأنهيت أنا سنوات دراستي الجامعية دون أن أحيد عن الطريق الذي حدده لنا أبي ومن بعده أخي‏,‏ ولم أستجب لمحاولات أحد من الزملاء للاقتراب مني‏..‏ حتي أشاعوا عني أنني مضطربة نفسيا ومعقدة من كل الشباب‏,‏ وعملت بإحدي الجهات بعد تخرجي‏..‏ وكان أخي قد تزوج وأنجب وخفت قبضته قليلا عني‏..‏ وفي هذه الأثناء رجع إلي العمل زميل كان في إجازة سنوية بسبب وفاة أمه وتقدمت الزميلات والزملاء لتعزيته‏,‏ ولم أدر أنا ماذا أفعل لأنني كنت أرتبك إذا تحدثت لأي شاب في غير أمور العمل‏..‏ فلم أتقدم إليه بالعزاء‏..‏ ولاحظت ذلك زميلة لي فحثتني علي القيام بهذا الواجب لأن الإنسان يكون في هذه الظروف في حالة ضعف ويجرحه أن يتجاهل القر
يبون منه مواساته‏..‏ فاستجمعت شجاعتي‏,‏ وقلت له بصوت لا يكاد يسمع‏:‏ البقية في حياتك‏..‏ ورجعت إلي البيت ووجهه الحزين يحتل تفكيري ومخيلتي‏.‏ ويوما بعد يوم أصبح هذا الزميل محور تفكيري ليلا ونهارا وعرفت من الزميلات أنه شاب مستقيم ومسالم وعلاقته بزملائه طيبة‏..‏ إلي أن لفتت زميلة لي انتباهي إلي أنه يطيل النظر إلي ويهتم بأمري‏,‏ وسعدت بذلك كثيرا ثم فوجئت به يقترب مني ويسألني بأدب‏:‏ هل أنت مخطوبة يا آنسة؟‏..‏ فوجدتني أجيبه بالإيجاب مع أني لم أكن مخطوبة ولا مرتبطة بأحد‏,‏ وفي الليل كدت أنفجر من الضيق والندم علي ما فعلت بنفسي‏..‏ وعقدت العزم علي أن أصارحه بالحقيقة في اليوم التالي‏..‏ فمضي النهار دون أن أجرؤ علي الاقتراب منه أو النظر تجاهه‏,‏ وقبيل انصرافنا من العمل فوجئت به يقترب مني ويسألني‏:‏ لماذا لا أرتدي أية دبلة إذا كنت حقا مخطوبة‏..‏ فوجدتني أقول له إنني لست مخطوبة لأحد ولا مرتبطة‏,‏ لكني اعتدت أن أجيب علي هذا السؤال بالإيجاب لكي أرد عني العابثين‏..‏ فابتسم عاتبا وقال لي إنه ليس عابثا وإنما هو مهتم بأمري ويريد أن يتقدم لي إذا قبلت به‏.‏
وهكذا بدأت علاقتي بأول إنسان من الجنس الآخر يتفتح له قلبي‏..‏ وخلال أسابيع كنت قد عرفت عنه كل شيء‏..‏ وصارحني بأنه أراد أن يتقدم إلي قبل شهور‏,‏ لكنه تراجع خشية رفضه لأن أحواله المادية سيئة‏,‏ ولا يمتلك إلا مرتبه الصغير وقد انقطع معاش أبيه برحيل أمه عن الحياة وبلوغه السادسة والعشرين من العمر‏..‏ ولن يستطيع أن يوفر لي إمكانات الزواج اللائقة‏,‏ فأكدت له أنني سأسانده بكل ما أملك وجاء يطلبني من أخي‏,‏ وبعد مداولات قصيرة بين أخي وأمي وأختي انتهوا إلي رفضه لأنه لا يملك شيئا‏.‏

وحاولت مع أمي وأختي كثيرا أن تتفهما عمق محبتي لهذا الشاب واحتياجي إليه‏..‏ فلم تتزحزحا عن موقفهما قيد أنملة‏,‏ فتولتني ثورة عارمة لأول مرة في حياتي وهددت أمي بأنني سأتزوجه في كل الأحوال‏..‏ فأسرعت تستدعي أخي وجاء مضطربا ليحاول أن يعرف مني لماذا الإصرار علي هذا الشاب وهل أخطأت معه أم لا؟ فطمأنته إلي أنني نفس الفتاة الملتزمة التي نشأت علي مبدأ الثواب والعقاب وترعي حدود ربها‏..‏ ولا يمكن أن تفرط في نفسها لأحد إلا بشرع الله سبحانه وتعالي‏,‏ فحاول إقناعي بأن هذا الشاب لا يناسبني لأنه معدم‏..‏ وأهله وإن كانوا طيبين إلا أنهم جميعا بسطاء ومسكنه الذي ورثه عن أمه شقة متواضعة بالإيجار في حي شعبي مزدحم‏,‏ وأنني إذا تزوجته فلسوف أبدد ميراثي عن أبي كله في تأثيث مسكن الزوجية وسأعجز عن مواجهة الحياة بمرتبه ومرتبي‏..‏ فلم أزدد إلا استمساكا بمن اختاره قلبي‏..‏ وعشت شهورا عصيبة وأمي تقاطعني وأختي تخاصمني وأخي لا يتحدث معي إلا مهددا ومنذرا‏..‏ فإذا تجرأت علي مخالفته في الرأي انهال علي ضربا وكأنني مازلت الطفلة الصغيرة التي تحاكمها الأسرة وتوقع عليها العقاب‏,‏ واستمر الحال علي هذا النحو عامين‏..‏ وفتاي يتعجلني ويشكو إلي من وحدته بعد وفاة أمه ويحرم نفسه من القوت الضروري لكي يوفر كل قرش للزواج‏..‏ وبعد مشاجرة عنيفة بيني وبين أخي أدماني خلالها ضربا وإيذاء بسبب رفضي خطيبا أحضرته لي أختي‏,‏ أعلن يأسه مني‏,‏ وترك لي حرية الزواج بمن أريد‏,‏ ولكن بدون أية مساعدة منه أو من أمي ودون حصولي علي نصيبي من ميراث أبي‏,‏ وبشرط أن يحوله إلي شهادات استثمار يحتفظ هو بها لديه لكيلا يستفيد بها زوجي‏.‏ وإلي أن يطمئن إلي أمانته معي ووافقت علي ذلك‏..‏ فأضاف شرطا آخر هو أن يوقع خطيبي شيكا بمبلغ عشرين ألف جنيه كضمان له مقابل المهر الذي سيعجز عن دفعه والشبكة التي لن يشتري منها إلا شيئا رمزيا‏..‏ ورفضت أنا هذا الشرط الجائر‏..‏ وقبل به فتاي رغما عني‏..‏ وتمت الخطبة والزفاف في أضيق الحدود وانتقلت إلي سكن زوجي في الحي الشعبي‏..‏ وتحملت شظف العيش وجفاء أمي وأخي وأختي معي‏..‏ وحرصت علي زيارتهم جميعا وخطب مودتهم في كل حين‏,‏ وحملت وأنجبت طفلي الأول‏.‏ وبعد عامين أنجبت طفلي الثاني‏..‏ وازدادت أعباء الحياة علي‏..‏ فطلبت من أخي أن يعطيني فوائد الشهادات الخاصة بي لألبي بها مطالب الأبناء بدلا من أن يشتري بها شهادات جديدة باسمي كما كان يفعل منذ زواجي‏,‏ وبعد رجاء وتوسلات است
مرت شهورا وافق علي أن يعطيني ربعها ويشتري بالباقي شهادات‏..‏ وحمدت الله علي ذلك‏,‏ لكني أنجبت طفلة أخري وازدادت مطالب الأبناء فرجوت أخي أن يفرج عن فوائد الشهادات فقط لأشعر بالحياة وأعيش كما يعيش هو وأمي وأختي‏,‏ فثارت مشكلة جديدة لم تحل إلا بعد أن قبلت قدم أخي في بيته وأمام زوجته وأبنائه الذين بكوا من أجلي وغضبوا منه واشتركوا في الإلحاح عليه بأن يلبي طلبي‏.‏
وبعد ست سنوات من زواجي تحملت فيها ظروف الشقة القديمة غير الصحية‏,‏ راودني الأمل في أن أغير مسكني وأحصل علي شقة تدخلها الشمس والهواء وينمو فيها أطفالي في جو صحي‏..‏ وتوصل زوجي إلي اتفاق مع صاحب البيت الذي نقيم فيه علي إخلاء الشقة مقابل‏20‏ ألف جنيه‏..‏ ووافق أخوته علي إقراضه مبلغا آخر‏..‏ فطلبت من أخي أن يسلمني الشهادات لأبيعها وأكمل بقيمتها ثمن شقة ملائمة عثر عليها زوجي‏..‏ فهاج وماج أخي‏..‏ واتهم زوجي بالاستغلال واتهمني بالضعف‏..‏ وأقسم ليدخلن زوجي السجن بالشيك الذي يمسكه عليه‏.‏

ولجأت إلي أمي فلم تساندني وإلي أختي فخذلتني وإلي كل من أعرفهم فلم يقدر عليه أحد‏,‏ وفي لحظة جنون ذهبت إلي أخي في العمل‏.‏ وطالبته بتسليمي الشهادات والشيك وهددته إن لم يستجب لي أن أشكوه إلي رؤسائه وزملائه في العمل‏..‏ بل وإلي الشرطة كذلك إذا تطلب الأمر ذلك‏..‏ فكانت هذه هي خطيئتي الكبري التي لاتغتفر ونظر إلي أخي مذهولا ثم سحبني من يدي وعاد بي إلي البيت وروي لأمي ما حدث فانفجرت براكينها ضدي‏,‏ وانهالت علي صفعا وركلا وسبتني وبصقت علي وجاءت أختي مهرولة بعد أن استدعاها أخي وانهالت هي الأخري علي سبا وشتما حتي صرخت من القهر والظلم وأخي ينظر إلي متشفيا‏,‏ ثم نهض في النهاية فأحضر الشهادات والشيك وسلمها لي ودفعني دفعا خارج البيت وهو يبلغني بقراره الذي لا رجعة فيه وهو أنني لم أعد أختا له أو لشقيقتي ولا ابنة لأمي‏,‏ وحذرني من العودة إلي هذا البيت أو الاتصال بأحد من أسرتي وخرجت وقهر الدنيا كله في قلبي‏..‏
ورويت لزوجي ما حدث‏.‏ فتألم من أجلي وأصر علي إرجاع الشهادات والشيك إلي أخي‏..‏ وأخذها وتوجه إلي بيت أخي وطرق الباب فخرج إليه شقيقي ورفض دعوته إلي الدخول‏,‏ ورفض تسلم الشهادات والشيك منه وطلب منه الانصراف ونسيان كل شيء هو وزوجته عن أهلها‏..‏

وانقطعت منذ تلك اللحظة كل صلة لي بأهلي وذوي رحمي‏..‏ وانتقلت بأسرتي إلي الشقة الجديدة فلم أشعر بالفرحة التي حلمت بها لإحساسي باليتم والقهر والنبذ من أقرب الناس إلي‏,‏ وأملت أن تذيب الأيام المرارات وأن أرجع إلي حضن أمي وأختي وأخي‏..‏ وصبرت عدة شهور ثم بدأت محاولاتي لطلب العفو والمغفرة وبدأت بأمي فوجدت قلبها كالحجر الأصم‏..‏ وحاولت مع أختي فلم أجد منها إلا القسوة والصرامة‏..‏ وحاولت مع أخي فقال لي إنه ليس له سوي أخت واحدة وأنه لا يعرفني‏.‏
ورجعت حزينة ومريضة‏..‏ فرقدت في فراشي أسبوعا وانتظرت علي مضض عدة شهور أخري وكررت المحاولات‏,‏ فإذا بالقلوب مازالت كالحجر أو أشد قسوة‏,‏ ومرضت من جديد ولازمت الفراش عشرة أيام‏,‏ وبعد أن تمالكت قواي بعض الشيء عدت للعمل‏..‏ فإذا بي أشعر بألم شديد في صدري فذهبت إلي طبيب العمل‏..‏ وفحصني ثم أحالني إلي المستشفي وهناك فوجئت بالطبيب يحتجزني ويطلب مني الاتصال بزوجي علي وجه السرعة‏,‏ وجاء زوجي منزعجا‏..‏ فصارحه الطبيب بأنني مريضة بالمرض اللعين وفي مرحلة متأخرة‏,‏ ولابد من جراحة عاجلة لاستئصال الثدي اليمني قبل فوات الأوان‏..‏

وطفر الدمع من عيني زوجي وتمالكت أنا نفسي فلم أبك بل رحت أخفف عنه وأرفع من روحه المعنوية‏..‏
ودخلت غرفة العمليات بعد يومين وتمت الجراحة بسلام‏..‏ ووجد زوجي من واجبه أن يبلغ أخي بوجودي في المستشفي فذهب إليه في العمل وأبلغه فلم يجبه بكلمة واحدة‏..‏

وجاء زملائي و زميلاتي جميعا وسعاة المكتب لزيارتي والاطمئنان علي ورفع معنوياتي‏,‏ وجاء كل أهل زوجي الذين أخذوا أطفالي لديهم‏,‏ وأحاطوا جميعا بفراشي ورفعوا أيديهم بالدعاء من أجلي‏..‏ وكلما انفتح الباب توقعت أن أري أمي وأختي وأخي‏.‏
فانقضي أسبوعان وأنا في المستشفي دون أن يحضر أحد منهم لزيارتي أو للسؤال عني‏.‏

وجاءني زوجي يبشرني بالخروج من المستشفي‏..‏ وراح يجمع حاجياتي ويساعدني علي ارتداء ملابسي‏,‏ ثم حمل عني حقيبتي وأمسك بذراعي ليعينني علي المشي‏,‏ فما أن تحركت في اتجاه الباب حتي انهارت مقاومتي فجأة وانفجرت في بكاء مرير وعويل كعويل الثكالي‏,‏ ولأول مرة منذ علمت بمرضي أري زوجي يبكي لبكائي ويحتضنني ويقبل رأسي ويدي ويقول لي إنه أخي وأمي وأبي وأختي ولم أبك يا سيدي للمرض وإنما لهواني علي أهلي وقسوتهم علي ورفضهم لي‏..‏ وحرماني من عطفهم وأنا في أشد الحاجة إليه‏..‏ وعدت إلي بيتي وحياتي وأولادي‏..‏ وامتثلت لأقداري وبدأت العلاج بالكوبالت‏..‏ وتساقط شعري‏..‏ ومضت الشهور ومازلت تحت العلاج‏..‏ والطبيب يقول لي إن نتائج العلاج جيدة‏,‏ لكن روحي المعنوية منخفضة وأن هذا يؤثر علي استقرار الحالة ويهدد بالخطر‏..‏
وأنا لا أريد من أمي وأختي وأخي شيئا‏..‏ ولقد أقررت بذنبي وخطئي في حق أخي حين هددته باللسان فقط ومن وراء القلب والله علي ما أقول شهيد‏,‏ ولم أكن لأفعل شيئا مما قلت أو أجرؤ عليه وحياتي مع زوجي مستقرة وهو يعاملني أفضل معاملة ووقف إلي جواري في شدتي ووقف أهله بجانبي وقدموا لي كل الرعاية والخدمة‏..‏ لكني منبوذة من أهلي‏..‏ وقلوبهم مغلقة في وجهي‏..‏ ولم ترق لي حتي في مرضي وضعفي‏..‏ وقد أعيتني الحيل في استرضائهم‏..‏ وطلب عفوهم عن حماقتي التي لم تتكرر‏..‏ وأبنائي يسألونني عن أهلي ولماذا لا يزورون أهل أمهم‏.‏ ولا يعرفونهم ولا أدري بماذا أجيبهم‏,‏ فهل تكتب لأمي وأختي وأخي الذين يتابعون هذا الباب بانتظام وتطالبهم بالعفو عما جري‏..‏ وفتح أبوابهم المغلقة في وجهي‏..‏ لقد عفوت أنا عن عدم سؤالهم عني في مرضي وشدتي‏..‏ فلماذا لا يعفون هم كذلك عن فعل واحد اضطررت إليه وندمت عليه‏,‏ والله يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك به؟ وإلي متي سوف يستمر عقابهم القاسي لي؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
أيعلم شقيقك وأمك وأختك أنه قد أجريت لك جراحة خطيرة وأنك ترقدين بالمستشفي في طور النقاهة من المرض الخطير‏,‏ فلا تفارقهم قسوة قلوبهم حتي في هذه اللحظات العصيبة ولا يهرعون إليك باكين خائفين لرعايتك والاطمئنان عليك وشد أزرك في محنتك؟
يا إلهي‏..‏ إنها ساعة تنسي فيها العداوات وتذوب الأحقاد‏..‏ ولا تبقي إلا عاطفة ذوي الأرحام تجاه أرحامهم‏..‏ فكيف تحجرت قلوب الأهل تجاهك إلي هذا الحد يا سيدتي؟ وماذا جنيت حتي استحققت منهم هذا النبذ المؤلم والطرد القاسي من جنتهم ورحمتهم؟

إن كل ما فعلت هو أنك قد اخترت حياتك ولم تشقي عصا الطاعة علي الأهل ولم تتزوجي في غيابهم وإنما صبرت حتي قبلوا بمن اختاره قلبك كارهين وقبلت بشروطهم القاسية لإتمام زواجك‏..‏ ووافقت علي الزواج منه بلا أية امكانات مادية لكي يطمئنوا إلي أنه لم يستفد بمالك الموروث‏,‏ ورضيت بالحرمان وشظف العيش سنين عددا لتبرئي زوجك لديهم من كل شبهة استغلال لك‏,‏ وحين اشتدت عليك وطأة مطالب الحياة تطلعت إلي استرداد حقك المحتجز لدي أخيك لترفعي به مستوي حياتك وتؤمني لأطفالك مسكنا صحيا‏,‏ فما هي الجريمة في ذلك وكل إنسان رشيد في النهاية أحق بماله‏..‏ ومن حقه أن يتصرف فيه كيف يشاء‏,‏ وليس لأهله عليه في هذا الصدد سوي حق النصيحة والإرشاد وله أن يعمل بمشورتهم في ماله‏..‏ أو يري الخير في غيرها فيشكرهم علي حرصهم علي أمره‏..‏ ويعتذر لهم عن قبول النصيحة لأسباب يراها مادام كامل الأهلية وليس مطعونا في قدرته علي حسن التصرف في ماله‏,‏ فإذا كنت قد اضطررت لأن تتظاهري بتهديد أخيك لكي يسلم إليك مالك بعد أن أعيتك كل الحيل والطرق الودية لإقناعه بذلك فإن الخطأ الأكبر هو خطأ من احتجز مالك لديه رغما عن إرادتك وغل يدك عن التصرف فيه بما ترينه خيرا لك ولأسرتك‏..‏ ورفض كل حيلة لإقناعه بتسليمه لك حتي ولو كان قد فعل ذلك بدافع الحرص علي هذا المال من الضياع‏..‏ بل حتي ولو كانت نيته صادقة في الحفاظ عليه من أجلك‏..‏ لأنه أمانة لديه ترد لصاحبها عند الطلب وليس من حقه أن يمتنع عن ردها بأي مبرر يراه هو في صالح صاحبها‏,‏ وإلا كان محتجزا لهذا الحق علي غير رغبة مالكه الشرعي‏,‏ ومغتصبا له منه‏,‏ والناس لا يساقون إلي الجنة بالعصا‏,‏ كما قال ذات يوم الزعيم السوفيتي الأسبق خروشوف‏,‏ فإذا كنت قد أخطأت بتهديده بفضحه لدي رؤسائه أو شكواه إلي الشرطة‏..‏ فلقد حرضك هو علي ارتكاب هذا الخطأ العابر في حقه‏,‏ بارتكابه هو خطأه الأفدح معك ورفضه تسليمك ما لك لديه بمجرد الطلب منه وبغير الحاجة إلي الإلحاح والرجاء والاستجداء‏.‏

وهو علي أية حال خطأ هين ولا يعبر أبدا عن حقيقة مشاعرك الأخوية‏,‏ وكان يكفي الاعتذار عنه لكي يمحوه وترجع علاقتك به إلي طبيعتها بعد حين‏..‏ لكن شقيقك فيما يبدو قد ورث عن أبيكم نظريته في العقاب المدرسي‏..‏ ولم يرث عنه علي الأرجح حكمته في تقدير العقاب الملائم للخطأ‏..‏ ولو كان قد ورثها عنه حقا لاكتفي لحظة ذهابك إليه في العمل بمعاتبتك علي تهديدك له وقبل اعتذارك عنه ثم رد عليك مالك بلا ضغينة وحافظ علي صلته الأخوية بك‏..‏ وراقب عن قرب تصرفك في مالك ليتدخل في الوقت المناسب ويشير عليك بما يراه في صالحك‏,‏ أو يردك عما يراه ضارا بك‏,‏ إذ هكذا يفعل الآباء الرحماء مع أبنائهم حتي ولو تورطوا في خطأ عابر في حقهم واعتذروا عنه‏..‏ مادام شقيقك قد أراد أن يقوم بدور الأب في حياتك وحياة الأسرة‏,‏ فالأبوة هي في الرعاية والعطف والعطاء والتسامح والحكمة والفهم‏..‏ وليس فقط في الرياسة والسيطرة والتحكم في مقادير الأبناء كما يراها شقيقك من وجهة نظره القاصرة‏.‏
ومع ذلك فلعلي أستطيع أن أفهم بعض أسباب غضبه الأعمي منك وإحساسه بالإهانة حين قمت بتهديده وهو الذي اعتاد ألا ترد له كلمة في أسرته بعد وفاة أبيه‏,‏ حتي ولو أنكرت عليه هذا الغضب الضاري‏..‏ لكن ما لا أستطيع فهمه حقا هو كيف تحجر قلب والدتك تجاهك علي هذا النحو‏..‏ وكيف استطاعت أن تباعدك وتقاطعك حتي وبعد أن علمت أنك تصارعين المرض القاسي وفي أشد الحاجة إلي عطف الأمهات وحنانهن في مثل هذه الظروف العصيبة‏..‏ وماذا جري لبعض القلوب حتي صارت كالحجر أو أشد قسوة‏..‏ وأين عطف الأم والشقيقة وذوي الأرحام في الشدائد؟‏!‏

وهل كان من الضروري أن تشقي بحياتك الزوجية لكي تثبت والدتك وشقيقك وأختك بعد نظرهم فيفتحوا لك مغاليق قلوبهم القاسية؟
وماذا ينكرون علي زوجك سوي ضعف امكانياته‏,‏ وقد كان ومازال نعم الزوج المحب العطوف لك‏..‏ في حين جفت ينابيع الرحمة في قلوبهم هم‏,‏ فلم يترفقوا بك حتي وأنت في محنة المرض؟

إن الناس لا يسعدون بحياتهم والأهل الأقربون يباعدونهم وينكرونهم وينبذونهم وكأنهم قد ارتكبوا أبشع الجرائم‏.‏
ولقد كان الشاعر الفرنسي بول ايلوار يقول‏:‏ إن وحدة الإنسان بغير أهله جريمة‏..‏ وإننا نحتاج إلي رفقة في الحياة لكي نري الحياة ونتذوقها‏..‏ ونشعر بكل أحاسيسها‏.‏

وأيا كانت سعادة المرء أو تعاسته الزوجية فإنه في حاجة كإنسان إلي الأهل الأقربين الذين أشار إليهم التنزيل الحكيم بقوله‏:‏ وأولو الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله‏.(‏ الانفال‏75)‏
فكيف يتفق ذلك مع هذه القلوب الصخرية التي تباعدك وتقطع رحمك ولا ترق لك حتي وأنت في محنة المرض‏,‏ وألا يوجد في أسرتكم شخص رشيد يرد هؤلاء الجبابرة إلي صوابهم أو يذكرهم بعقاب رب السماوات والأرض لقاطعي الأرحام وغلاظ القلوب ومعذبي البشر بغير ذنب جنوه؟‏!‏
المزيد ....

الرقم الناقص

20-12-2002
كثيرا ما فكرت في الكتابة إليك ثم أؤجل ذلك إلي فترة أخري‏,‏ إلي أن غلبتني مشاعري أخيرا فكتبت لك‏..‏ فأنا فتاة نشأت بين أبوين متشاحنين وأخ واحد يكبرني بعشر سنوات‏..‏ وعلي الرغم من كثرة ما شهدت في طفولتي من عراك ومشاحنات بين أبي وأمي فإنني كنت ممتلئة دائما بالأمل في غد أفضل خاصة أنني متفوقة في دراستي وأعتبر ذلك طريق الخلاص بالنسبة لي‏..‏ ولقد أدركت منذ صغر سني أن سبب العراك الدائم بين أبي وأمي هو عصبية كل منهما الشديدة وقدرتهما الفذة علي العراك واختلاق أسبابه‏,‏ وهي مقدرة قد لا تتوافر لكثيرين‏.‏ فلقد كان كل منهما لا يحتمل كلمة واحدة من الآخر‏,‏ فضلا عن صوت أبي العالي الذي يبز أعلي مكبر للصوت‏,‏ ومع ذلك فلقد كانت الحياة تمضي بنا بخيرها وشرها إلي أن حدث منذ سبع سنوات وعلي أثر عراك حول شيء تافه كالعادة أن تهور أبي فنطق بكلمة الطلاق‏..‏ وما أن فعل ذلك حتي حل الصمت الثقيل علي المكان‏,‏ وسكتت أمي وكفت عن الكلام ووجم أبي وتوقف عن الصياح‏!‏ ولم تكن الكارثة في وقوع الطلاق في حد ذاته‏..‏ وإنما كانت في أنه الطلاق الثالث الذي لا رجعة فيه لهما‏!‏ وتوالت الأحداث سريعة بعد ذلك فهجر أبي البيت وتركنا مع أمي‏..‏ وعرف بيتنا الهدوء لأول مرة منذ تفتحت عيناي للدنيا‏,‏ فلا صراخ ولا بكاء ولا عويل كل يوم‏,‏ وران علي أمي الوجوم الدائم وأصبحت لا تكاد تتكلم إلا للضرورة القصوي‏..‏ كما أصبح أبي يحضر إلينا مرة واحدة كل شهر يمضي معنا نصف ساعة يسلم خلالها لأخي مظروفا به نقود ومعه ورقة توقعها أمي بتسلمها المبلغ ثم ينصرف إلي حال سبيله‏.‏

وبعد أقل من عام علمنا أنه سيتزوج‏..‏ واستعدادا لهذا التغيير الجديد في حياته جاء إلينا في موعده وسلمنا مصروف ثلاثة أشهر مقدما وحصل علي توقيعات أمي علي ثلاثة إيصالات‏,‏ لأنه سينشغل بأموره بعد ذلك وقد لا يجد الوقت اللازم للحضور إلينا كل شهر‏,‏ وتباعدت بالفعل زياراته لنا بعد الزواج وأصبحت كل ثلاثة أشهر‏,‏ وانتهي أخي من دراسته وسعي للعمل في الخارج إلي أن وفق في السفر إلي خالته التي تقيم في بلد زوجها‏.‏ وعلي الرغم من تعاسة أمي لسفره فإنها لم تقف في طريقه وودعته بالأمنيات الطيبة وازدادت بعد سفره وجوما وصمتا وانغلاقا علي نفسها‏,‏ وخلال الزيارة التالية لأبي علمت أنه قد أنجب طفلة من زوجته الجديدة‏,‏ وذات يوم عدت من مدرستي فوجدت أمي مريضة وفي حالة شديدة من الإعياء وانزعجت بشدة لمرضها واستعنت بالجيران الطيبين علي نقلها إلي المستشفي‏,‏ فمكثت فيه فترة وأقمت معها‏,‏ ثم صحوت ذات ليلة علي صراخها المتواصل‏..‏ وقبل أن أفعل أي شيء سكتت وسكنت حركتها ورحلت عن الحياة يرحمها الله‏.‏
وكان امتحاني بعد اسبوع واحد من رحيلها فلم أستطع دخوله‏..‏ ولم يحضر أبي إلينا إلا بعد يومين من الرحيل معتذرا بأن زوجته كانت تضع مولودتها الثانية‏,‏ وأمضي معنا أسبوعا ثم تركني ليرجع إلي حياته وأعماله‏..‏ وبقي معي أخي الذي رجع لحضور العزاء وأمضي معي أسبوعين‏,‏ وحين جاء موعد سفره قال لي إنه سينهي متعلقاته في البلد الذي يعيش فيه ويرجع للحياة معي بعد أن أصبحت وحيدة‏,‏ وودعته بالدموع وسافر ولم أجد حولي أحدا سوي جارة مسنة عطوف وزوجها الحنون‏,‏ وهما وحيدان مثلي بعد زواج أبنائهما‏..‏ وحنت علي هذه الجارة الطيبة وحثتني علي الاستذكار ودخول الامتحان التالي لتعويض السنة الضائعة من عمري حرصا علي مستقبلي وإرضاء لروح أمي‏..‏ واستجبت لتشجيعها الحنون وركزت جهدي في الدراسة‏,‏ خاصة أن أخي قد أرسل إلي من الدولة التي يعمل بها ينبئني بأنه لن يستطيع العودة للحياة معي كما وعدني لأنه لا عمل له في مصر‏..‏ لكنه سيحاول أن يدبر الأمر بحيث يستطيع أن يدعوني للحاق به والحياة معه‏,‏ حيث يقيم وامتثلت لأقداري وتمنيت له التوفيق والسعادة في حياته‏.‏

ثم بدأ أبي يحدثني عن رغبته في اقتطاع حجرتين من الشقة التي أعيش فيها وحيدة لكي يحولهما إلي محلين تجاريين يؤجرهما للآخرين‏..‏ لأن البيت ـ كما قال ـ واسع علي‏,‏ ولأنه قد أنجب بنتا ثالثة وازدادت أعباء الحياة عليه‏,‏ وحدثني طويلا عن مسئولياته كأب لثلاث بنات مسئوليتهن كبيرة‏..‏ وأفاض في هذا الحديث‏,‏ فوجدتني أشعر بوخزة ألم شديدة في صدري‏,‏ وعقل الخجل لساني فلم أستطع أن ألفت نظره إلي أن هناك خطأ في عدد بناته يجعل رقمهن ناقصا ابنة رابعة هي‏,‏ أنا كما خجلت أيضا من أن أشكو إليه من خوفي من الظلام وأنا وحدي في المسكن أو أن أقول له أنني أضيء كل حجرات المسكن طوال الليل وأفتح التليفزيون حتي الفجر لكي أشعر بالأمان‏,‏ وانتهي الأمر بتسليمي له بما أراده ولملمت أثاث البيت في المساحة الباقية منه وهي حجرة وصالة والمرافق‏,‏ وزاد أبي مصروفي الشهري عقب ذلك‏20‏ جنيها‏!‏ ولم يفكر في دعوتي للاقامة معه بحجة أن زوجته صعبة المراس‏,‏ ولن أستريح للحياة معها ولم يدعني للاقامة لديه سوي خال لي‏,‏ لكن المشكلة أنه يعيش في الجنوب ويتعذر علي تغيير دراستي‏.‏ وتقبلت حياتي كما هي‏,‏ وخفف عني وجود جارتي الطيبة وزوجها الحنون إلي جواري‏,‏ ومضت بي الحياة‏..‏ إلي أن شهدت حياتي زلزالا آخر لا يقل شدة عن زلزال رحيل أمي‏,‏ فلقد رحلت جارتي المسنة عن الحياة منذ شهرين‏,‏ وأغلق زوجها المسكن وانتقل للإقامة عند أبنائه ولم يعد إلي جواري أي جيران آخرين‏,‏ حيث أصبحت الساكنة الوحيدة في الدور كله‏..‏ وبكيت هذه الجارة الطيبة بالدمع السخين وتجددت أحزاني علي أمي الراحلة‏..‏ وعرفت ذل الوحدة المطلقة‏,‏ وشعرت بأنه لا أحد يريدني أو يشعر بوجودي في الحياة ولولا المصروف الشهري لما رأيت أبي خلال زيارته الشهرية القصيرة لي‏..‏ كما أصبحت حياتي كئيبة وأبكي بالساعات حتي تتورم عيناي وأشعر بصداع شبه دائم‏..‏ ولا أحد يسأل عني أو يهتم بأمري‏,‏ ولا أحد يسعد بنجاحي حين أنجح أو يحزن لفشلي إذا فشلت‏.‏ وفي المدرسة أجد زميلاتي يشكين من تضييق آبائهن عليهن وإلحاحهم عليهن بالاستذكار فأخجل من أن أقول لهن أنني لا أجد من يحثني علي المذاكرة وإنني أغبطهن حين نخرج من الامتحان فيجدن الأهل في اأنتظارهن ليطمئنوا عليهن‏,‏ ولا أجد أنا أحدا ينتظرني وإنني حين كافأني مدرس الرياضيات ومنحني خمسة جنيهات موقعة منه مكافأة لي علي حلي لمسألة صعبة كنت الوحيدة التي استطاعت حلها‏..‏ أخذت الورقة النقدية وأنا سعيدة لكني لم أجد من أطلعه عليها وأحكي له حكايتها‏!‏

أما ما دفعني لأن أكتب إليك أخيرا فهو أنني قد بدأت في الفترة الأخيرة أشعر بالقلق علي نفسي لأنني نفسي في أوقات كثيرة وأنا في وحدتي أتخيل حياة زوجية بين زوجين لهما أبناء في المدرسة‏,‏ فأتقمص شخصية الزوج بعض الوقت وأتحاور باسمه بصوت مسموع مع زوجتي‏..‏ ثم أتقمص شخصية الزوجة وأجيبه علي كلامه بصوت مسموع كذلك وأبحث ـ بصوت كل منهما ـ شئون البيت والأولاد والمصروف وأصعد الأمور بينهما حتي تكاد تصل إلي حافة المشاجرة والخلاف ثم أهديء الأحوال بينهما‏.‏ فيتصافيان ويتبادلان الاعتذار والكلمات الرقيقة‏..‏ واللقاءات العاطفية‏,‏ ويقول كل منهما للآخر إنه لا يستطيع الحياة بدونه وأظل في هذه الحياة عدة ساعات‏.‏ وبعد أن أفعل ذلك أشعر بالارتياح لأني قد تكلمت وسمعت صوتي وحكيت وتسليت‏..‏ كما أتخيل أيضا أن أكبر أبنائهما في سني ومرحلتي الدراسية وأذاكر معه في بعض الأحيان‏..‏ فهل هذا جنون يا سيدي إنني لا أشكو من مشكلة معينة لكن الوحدة والفراغ والإهمال يقتلني كل لحظة‏..‏ فالوحدة قاسية وإحساسي بأنه لا أحد يريدني يعذبني‏,‏ وأتساءل ألا يخاف علي أحد من الانحراف أو من أن أتعرف علي شاب وأخطيء معه‏,‏ إن تديني وخلقي يمنعاني من ذلك‏,‏ والحمد لله ولكن لماذا لا يخاف علي أحد من ذلك يا سيدي وماذا أفعل لكيلا أصل إلي حافة الجنون؟‏!..‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
حين يضيق الإنسان بواقعه قد يهرب منه أحيانا إلي الخيال‏..‏ وأنت يا ابنتي تضيقين بوحدتك المطلقة في الحياة ويؤلمك إلي أقصي حد الإحساس بافتقاد دفء الحياة العائلية‏..‏ ووجود من يفي بأمرك‏..‏ ويشغله شأنك ويسعد لسعادتك ويحزن لحزنك‏,‏ فتهربين من هذا الواقع الأليم بعض الوقت إلي العالم الذي ترجينه لنفسك‏..‏ وهو الحياة بين بشر يتراحمون ويتعاطفون ويتجادلون ويختلفون ويتفقون‏,‏ وهو نوع من أحلام اليقظة يلجأ إليه العقل حين تشتد ضغوط الحياة عليه‏.‏ وأهميته بالنسبة لك هو أنك تحققين فيه ما تحول بينك وبين تحقيقه ظروفك المؤلمة‏..‏ وهو الإيناس والعيش بين بشر يهتمون بأمرك‏..‏ والاحساس بعز الأهل ودورهم في حياة الإنسان لكنه ليس نوعا من الجنون لأنك لا تفقدين خلاله قدرتك علي التمييز بين الواقع والخيال‏,‏ ولأنك تدركين جيدا خلال استغراقك فيه أنك تتخيلين عالما وهميا لا وجود له حتي ولو غاليت في الاستغراق في هذا الخيال إلي حد تقمص الشخصيات التي ترغبين بشدة في وجودها في حياتك‏,‏ وحتي أيضا لو نطق اللسان بما يلح علي العقل من أفكار في بعض الأحيان‏,‏ فالإنسان في وحدته أقرب ما يكون إلي الجنون‏,‏ كما قال ذات يوم الأديب الروسي مكسيم جوركي‏.‏
وإذا كان ثمة خطر في الأمر كله فهو أن يعوق استغراقك في هذا الخيال المريح‏,‏ لساعات متزايدة كل يوم‏,‏ تواصلك مع الحياة‏..‏ أو أن ينهكك ذهنيا ونفسيا وعصبيا‏..‏ لهذا فإن الاعتدال في الاستسلام لأحلام اليقظة أمر مرغوب دائما‏..‏ والتشاغل عنها وعن الأحزان والآلام والأفكار الضاغطة مطلوب بشدة عن طريق شغل العقل بالأعمال المرهقة جسديا والنشاطات الاجتماعية والزيارات الآمنة للأهل البعيدين والصديقات المقربات‏..‏ وأداء الواجبات المنزلية والدراسية وممارسة الهوايات المفيدة‏..‏ والقراءة والصلاة‏..‏ والاستماع إلي آي الذكر الحكيم في مواعيد يومية‏..‏ وقراءة القرآن ولو بضع دقائق كل يوم‏,‏ وأيضا بالانتظام في حضور درس ديني بأحد المساجد القريبة مرتين أسبوعيا علي سبيل المثال‏..‏ فكل ذلك يشغل العقل عما يضغط عليه من أفكار سلبية وأحزان‏..‏ ويفرغ طاقتك النفسية بطريقة آمنة‏..‏

ففي مسرحية الخادمات للكاتب المسرحي الفرنسي جان جينيه‏,‏ كانت شقيقتان تعملان في خدمة أرملة ثرية‏..‏ فاعتادتا بعد خروج سيدتهما أن تتقمص إحداهما شخصية السيدة وترتدي ملابسها وتضع حليها وتنام في فراشها‏..‏ وتتكلم بلهجتها الارستقراطية وتقوم الأخري بدور الخادمة‏,‏ فتتولي خدمتها وتلبي أوامرها‏..‏ وتخاطبها بلهجتها المستكينة وتمضي الساعات وهما مستغرقتان في هذا الخيال إلي أن يقترب موعد عودة الأرملة في المساء فترجعان إلي شخصيتهما الحقيقتين في الحياة بعد أن تكونا قد حققتا في أحلام اليقظة ما ترجوانه لنفسيهما في الحياة‏..‏ وفي اليوم التالي تتبادلان الأدوار فتتقمص من أدت دور الخادمة في اللية السابقة دور السيدة وتقوم الأخري بخدمتها‏,‏ وبعد تطورات معقدة انتهي بهما الأمر إلي أن قررتا قتل سيدتهما بدس الأقراص المنومة لها في فنجان الشاي الذي اعتادت أن تحتسيه في فراشها عقب استيقاظها من نوم القيلولة‏..‏ وأعدتا لها الشاي القاتل بالفعل غير أن الأرملة تلقت اتصالا طارئا فأسرعت بارتداء ملابسها والخروج من البيت قبل أن تقدما إليها الشاي‏..‏ ووجدت الخادمتان نفسيهما وحيدتين بعد خروجها فبدأتا حلم اليقظة المعتاد‏,‏ وتقمصت احداهما شخصية السيدة‏..‏ واستلقت وتظاهرت بالنهوض من نوم القيلولة فدقت الجرس ودخلت إليها خادمتها فقالت لها بلهجة آمرة‏:‏ الشاي‏!‏
وعبثا حاولت شقيقتها أن تنبهها إلي أن الشاي هذه المرة مسموم وفقا للخطة التي كانتا قد أعدتاها لسيدتهما‏,‏ لكنها تمادت في تقمص شخصية السيدة إلي النهاية وصاحت بصوت غاضب‏:‏ الشاي‏..‏ ففزغت الخادمة التي اعتادت ألا تخالف أوامر سيدتها ولم تشعر بنفسها إلا وهي تمتثل لإرادة السيدة وتقدم لها الشاي القاتل فتحتسيه الأخري ببطء وتلذذ حتي الثمالة‏..‏ وترحل عن الحياة‏..!‏

وبالرغم من المبالغة الدرامية المفهومة في المسرحية فإن المغزي واضح وهو أن الاستغراق في الخيال إلي الحد الذي يشوش العقل ويعجزه عن التمييز بينه وبين الواقع قد يؤدي إلي الهلاك‏..‏ ولست علي أية حال أريد أن أثير مخاوفك‏..‏ وإنما فقط أن ألفت انتباهك إلي أهمية عدم الاستغراق في هذا الخيال والاستسلام له إلي ما لا نهاية‏..‏ كما لعلي أريد أيضا أن أذكر والدك المشغول بأعماله وأسرته وبناته الصغيرات إلي أنه مسئول عن رعاية ابنته الكبري بنفس القدر الذي يرعي به بناته الأخريات‏..‏ وأنه إذا كان خائر الإرادة ولا يستطيع أن يضمها إلي أسرته ويؤمن لها حياة كريمة تحت مظلته وبين أخواتها الصغيرات كما تفرض عليه أبوته ذلك‏,‏ فليس أقل إذن من أن يورها كل يوم ويطمئن علي أحوالها ويشعرها بوجوده في حياتها وأهميتها بالنسبة إليه‏,‏ وليس أقل كذلك من أن يستضيفها في بيته في عطلة نهاية الاسبوع وفي الإجازات وأن ينشيء العلاقة الإنسانية الضرورية بينها وبين أخواتها‏..‏ وأن يعرف أن مسئوليته عنها لا تقتصر علي الزيارة الشهرية القصيرة التي يقوم بها إليها لدفع نفقتها‏,‏ وإنما تشمل كل شئون حياتها ودراستها وهواجسها ومخاوفها ووحدتها وكل ما يتعلق بها‏.‏
فالحق أن وحدتك المطلقة في الحياة جريمة يتحمل وزرها والدك وكل من تقاعس عن أداء حقك عليه‏,‏ غير أن الله سبحانه وتعالي سوف يتولاك برحمته ويسدد خطاك في الحياة دائما بإذن الله‏..‏ ولسوف يحميك من كل المخاطر جزاء وفاقا لتدينك واستمساكك بتعاليم دينك‏;‏ وقيمك الأخلاقية‏,‏ فاطمئني يا ابنتي ألا بذكر الله تطمئن القلوب‏,‏ دائما وأبدا ولعلي أستطيع أن أصل بينك وبين بعض الأسر الفاضلة التي ترعي حدود الله في حياتها ويسعدها أن تتقرب إليه‏,‏ بتبادل العطف والاهتمام والزيارات معك إن شاء الله‏..‏ فاكتبي إلي بعنوانك أو تفضلي بزيارتي مساء الاثنين المقبل ولسوف يغير الله من حال إلي حال قريبا بإذن الله‏.‏
المزيد ....

حقــــل الألغـــــام‏!‏

27-12-2002
في البداية أرجو المعذرة لتشوش أفكاري واضطرابها‏,‏ فالحق أنه لم يكن يخطر لي علي بال من قبل أن أضطر ذات يوم لأن أبوح بأسراري وأطلب المشورة فيها‏,‏ فأنا شاب في السابعة والثلاثين من العمر‏,‏ أحمل مؤهلا مرموقا وأعمل عملا محترما‏,‏ وقد نشأت في ظل تفكك أسري‏,‏ حيث لم تكن لي أسرة‏,‏ وانفصل أبي عن أمي وعمرها‏21‏ سنة فقط‏,‏ وعمري أنا‏4‏ سنوات‏,‏ وحتي الآن لم أعرف سببا لهذا الانفصال سوي ماتقوله أمي عن أنانية أبي وضعف شخصيته‏,‏ وبعد الانفصال خاضت أمي معركة شديدة من أجل الاحتفاظ بي واستماتت في ذلك‏,‏ وتنازلت عن النفقة بل وعن أثاث منزل الزوجية أيضا مقابل ألا يطالب بي أبي‏,‏ وبعد سبع سنوات رحل أبي عن الحياة بعد أن كان قد تزوج زوجة أخري وأنجب منها ابنتين‏,‏ واشتبكت أمي من جديد في مشكلات أخري مع أهل أبي بسبب الميراث وهددوها بانتزاعي منها وجعل الوصاية علي لهم‏,‏ واضطرت أمي للتنازل عن بعض الحقوق لكي تحتفظ بي علي شرط ألا يكون لهم شأن بي‏,‏ وكأنهم ليسوا من أقاربي‏.‏
وحدث ذلك بالفعل ولم أعرف أهل أبي ولم أرهم منذ ذلك اليوم في أية مناسبة‏,‏ وعشت حياتي وحيدا مع أمي ووالديها وأقاربها‏,‏ وعندما تقدمت في العمر بعض الشئ وبدأت أتساءل عنهم‏,‏ كانت تمنعني من الاشارة إليهم ببكائها بحرقة كلما تحدثت عنهم وروايتها لي عما لاقته منهم طيلة زواجها وبعد طلاقها‏,‏ فألجأ إلي استرضائها بالكف عن السؤال عنهم وعدم الإشارة إلي هذا الموضوع مرة أخري‏.‏

وكافحت أمي كثيرا لتربيتي واضطرت لأن تبيع كل ما تملك وأن تفعل المستحيل لكي تعلمني أفضل تعليم‏,‏ وتلبي لي كل احتياجاتي‏,‏ فلم أشك من شئ سوي من وحدتي شبه المطلقة في الحياة وافتقادي لقرناء من سني‏,‏ فجدي وجدتي كبيران في السن وقليلا الكلام بطبعهما‏,‏ وأمي تضيق بأن يكون لي أصدقاء‏,‏ وتقول لي إنهم يعطلونني عن الدراسة‏,‏ وإذا أردت الخروج وأنا في فترة المراهقة للترفيه عن نفسي مع بعض الأصدقاء اتهمتني بأني أتركها للوحدة وأفضل عليها أصدقائي‏..‏ ثم تبدأ من جديد في سرد تضحياتها الجسيمة من أجلي ومأساتها مع أبي وأهله‏..‏ وكيف أن الحياة لم تترفق بها‏,‏ فلم يكن لها حظ التوفيق مع زوج أو ابن‏,‏ وتبدأ في البكاء فيؤرقني الإحساس بتأنيب الضمير وأشعر بالاشفاق عليها وأستعيد أحاديثها الدائمة عن عظم حق الأم من الناحية الدينية علي الابن وكيف ذكره الله بعد أمره للمؤمنين ألا يشركوا بالله شيئا‏,‏ فأرجع عن الخروج إلي الأصدقاء في معظم الأحيان‏,‏ وأمضي أيامي وحيدا أو أصر في حالات قليلة علي الترويح عن نفسي فتكون مأساة تسيل فيها الدموع أنهارا‏.‏
وهكذا أنهيت دراستي الجامعية العملية بغير أن أتعامل عن قرب مع أية فتاة‏,‏ وبغير أن تكون لي صداقات عميقة مع أحد‏,‏ وبعد التخرج عملت عملا مناسبا وبدأت أوفر بعض دخلي من العمل وأعمل في أعمال إضافية وخاصة‏.‏

ومضت بي الأيام حتي وجدتني علي مشارف الثلاثين دون أن أتعرف علي أية فتاة بسبب ظروفي التي أشرت إليها وتربيتي المغلقة وتديني الشديد منذ الصغر‏..‏ وبدأت أشعر باحتياجي إلي الزواج والمشاعر العاطفية‏,‏ فاستجمعت ذات يوم شجاعتي وفاتحت أمي برغبتي في الزواج‏,‏ فلاحظت علي الفور تغير ملامحها‏..‏ وصمتها الطويل قبل أن تنصحني بعدم الاستعجال‏,‏ وتلفت أنا حولي فوجدت في دائرتي العائلية فتاة في سن الزواج هي ابنة خالتي التي فوجئت بأنها قد كبرت حتي كادت تنهي دراستها الجامعية‏,‏ وبعد إيحاءات من جانب خالتي لي بأنه قد آن الأوان لأن أفكر في الزواج‏,‏ فاتحتها برغبتي في ابنتها ورحبت بي‏,‏ وعرضت ذلك علي أمي فغضبت غضبا شديدا بدعوي أنني قد تخطيتها وقمت بما كان ينبغي لها أن تقوم هي به‏,‏ وبعد ضغوط عديدة مني قبلت أمي قراءة الفاتحة‏,‏ لكنها اتخذت من مسألة مفاتحتي لخالتي بالموضوع قبل إبلاغها سوطا تجلدني به كل يوم‏,‏ وازدادت المشكلات حين وجدتني أبحث عن شقة للزواج‏,‏ وبكت طويلا لأن خطيبتي ستأخذني منها بعد كل ما فعلت من أجلي وماقدمت لي‏,‏ حتي اضطررت للعدول عن فكرة الاستقلال بمسكن الزوجية واعتزمت علي الإقامة معها وقبلت بذلك خطيبتي‏,‏ غير أن ذلك لم يمنع أمي من افتعال مشكلة أخري مع شقيقتها وتصعيدها حتي انتهي الأمر بفسخ الخطبة‏!‏

وتكررت القصة نفسها بكل فصولها‏..‏ وتفاصيلها الرتيبة‏4‏ مرات علي مدي‏5‏ سنوات‏,‏ وفي كل مرة كانت أمي تقبل أن أتقدم إلي فتاة مناسبة عائليا واجتماعيا وأخلاقيا‏,‏ وتتم الخطبة‏..‏ وتقبل الفتاة وأهلها أن نقيم مع أمي بعد الزواج ثم لايلبثون بعد قليل وخلال المعاملات الاجتماعية مع أمي أن يلمسوا مدي صعوبتها فيطالبون بمسكن مستقل عند الزواج وتنفجر المشكلات وينتهي الأمر بفسخ الخطبة‏.‏
وأرجو ألا تظن بي الضعف‏..‏ وأن هذا هو السبب في فشل كل هذه الارتباطات‏,‏ فالحق أنني لست كذلك‏,‏ وإنما هي فقط أمي ولا أملك أن أتخلي عنها أو أن أتركها تواجه المرض والوحدة في بيتها‏..‏ كما أني لن أشعر بالراحة في هذه الحالة‏,‏ وهكذا فقد وجدت منذ عامين وفي العمارة نفسها التي نقيم بها شقة لا يفصلها عن مسكن أمي سوي جدار وترغب صاحبتها في تأجيرها بعقد محدد المدة‏5‏ سنوات‏,‏ فوجدت فيها الحل المنشود‏..‏ فها هي شقة زوجية مستقلة عن أمي ترضي من سوف أتزوجها‏,‏ وملاصقة في الوقت نفسه لمسكن أمي فأكون قريبا منها وأؤدي واجبي تجاهها‏..‏ فاستأجرت الشقة وصمدت لكل المشكلات التي أثارتها أمي بهذا الشأن‏.‏

وبعد ذلك بقليل تعرفت خلال رجوعي من رحلة العمرة‏..‏ بسيدة وقور وطيبة وعرفت أن لها ابنة في سن الزواج‏,‏ فحدثتها عن أمي وكيف تبدو في الظاهر صعبة المراس‏,‏ لكنها في حقيقة الأمر سيدة طيبة وعانت في حياتها كثيرا‏,‏ وتقدمت بعد ضغوط شديدة من جانبي علي أمي‏,‏ لخطبة ابنة هذه السيدة‏,‏ وشعرت معها بالحب الحقيقي ووجدت في سماحة وجهها والنور الذي يشع من عينيها مايشعرني بالرضا والفرح‏,‏ ورجوتها كثيرا أن تصمد لأية محاولات لتحطيم ارتباطنا وتتجاوز عنها‏..‏ فاستجابت للنداء وتحملت محاولات أمي المستمرة لتطفيشها وكانت صبورا وحنونا علي الدوام وساعدتها طبيعتها الهادئة المتسامحة علي ذلك‏.‏
وبدا لي أن القصة سوف تكتمل فصولها هذه المرة‏..‏ وشجعني علي هذا الأمل أنني كنت قد اتفقت مع خطيبتي علي أن نتجنب الزيارات العائلية بين أهلها وأمي‏,‏ لكيلا يلمسوا جفاءها لي أو لخطيبتي أو لهم وتتعقد الأمور‏,‏ وخيل إلي أن أمي قد سلمت باليأس من إفساد هذا الزواج‏.‏ خاصة مع صبر خطيبتي ورعايتها لربها في تعاملها معي‏,‏ فوصفتها أمي ساخطة بأنها باردة‏,‏ وأسعدني ذلك كثيرا‏.‏ وأنهت أسرة خطيبتي اعداد الجهاز وشراء الآثاث‏,‏ وتم فرشه في مسكن الزوجية وقررنا أن نعقد القران بعد أسبوعين وأن يتم الزفاف بعده بـ‏10‏ أيام‏.‏ وسافرت في مهمة عمل إلي إحدي المحافظات التي أرجع منها في اليوم نفسه متأخرا‏,‏ ووجدت أمي نفسها وحيدة في المسكن فاتصلت بخطيبتي وأبلغتها أنها تشكو التعب الشديد وتحتاج لأن تكون إلي جوارها حتي أعود أنا من سفري‏,‏ خوفا من أن يشتد عليها التعب وتضطر للجوء إلي الطبيب‏.‏

فأسرعت إليها خطيبتي ومعها أمها ــ واستقبلتهما أمي شاكرة اهتمامهما ــ وجلسن جميعا يتبادلن الأحاديث الودية‏,‏ فإذا بأمي تتهم خطيبتي وأهلها فجأة بأنهم قد استغلوا طيبتي وأرهقوني ماديا بمتطلبات فوق طاقتي‏,‏ مع أن كل شيء كان قد تم بالفعل ولم يبق علي الزواج إلا‏24‏ يوما‏,‏ ولم تتحمل أم خطيبتي هذا الاتهام ودافعت عن موقف أسرتها‏..‏ فصعدت أمي المشكلة في حين لم تنطق خطيبتي بكلمة سوي محاولتها تهدئة أمها من ناحية وأمي من ناحية أخري‏..‏ ويبدو أن صبر خطيبتي‏,‏ أو ما تعتبره أمي برودا‏,‏ قد آثار حفيظتها فأرادت أن تضع له نهاية فماذا تظنها قد فعلت؟ فكر ياسيدي في أي شئ‏,‏ ولن يهديك فكرك إلي الحل المثالي الذي توصلت إليه أمي لإنهاء صبر خطيبتي وإصرارها علي إتمام الزواج‏..‏ فلقد صفعتها علي وجهها أمام أمها‏..‏ والاثنتان ضيفتان عليها وسوف تصبح زوجتي بعد‏24‏ يوما فقط‏!‏
ولست في حاجة لأن أروي لك ما حدث بعد ذلك‏,‏ فلقد تطورالأمر علي نحو يتعذر معه أي إصلاح‏..‏ وحتي حين أرهقت والد فتاتي الطيب بإلحاحي وقبل مشفقا علي الصلح بشرط أن تحضر والدتي اليهم وتعتذر لهم عما حدث‏,‏ وقبلت خطيبتي بذلك فلقد رفضته والدتها بإصرار من ناحية‏,‏ ورفضته كذلك أمي من ناحية أخري حتي ولو قبلوا هم باتمام الزواج دون اعتذار‏,‏ وإلا فلسوف تغضب علي إلي يوم الدين‏,‏ وبالتالي فعلي أن أختار بينها وبين هذه الفتاة‏!‏

ولن تتخيل عمق الألم الذي شعرت به حين جاءت سيارة النقل بعد أيام وتم إنزال أثاث الزوجية من الشقة‏,‏ ولن أخجل من أن أقول لك إنني قد بكيت في غرفتي كالطفل‏..‏ ونزف قلبي دما وأنا أتذكر كيف كنا نحلم بأيامنا المقبلة معا ونتحدث عن حلمنا في إنجاب أبناء يعوضونني عن وحدتي في الحياة بلا أهل ولا أصدقاء‏..‏ وعدت من جديد إلي حياتي الكئيبة قبل ارتباطي بهذه الفتاة وليس حولي سوي أمي وأحاديثها المحفوظة عن تضحياتها العديدة من أجلي ومأساة حياتها الشخصية‏,‏ وكيف أنه لاتوجد فتاة تستحقني وتستحق أن تفوز بثمرة شقائها وتضحياتها من أجلي‏,‏ ومع ذلك فالأفضل أن أترك لها الاختيار إلي أن تجد لي عروسا تليق بي‏.‏
وبعد عام من فسخ الخطبة الأخيرة تزوجت فتاتي الطيبة الصبور وتمنيت لها كل السعادة بالرغم من حسرتي الدامية عليها‏,‏ وذهبت إلي النادي الذي احتفلوا فيه بزفافها ورأيتها وهي خارجة منه إلي السيارة بالفستان الأبيض ودموعي تسيل في صمت‏,‏ ومشكلتي هي أنني شاب نشأ في طاعة الله وأخشي المعصية‏,‏ فهل ستظل حياتي علي هذا النحو إلي ما لا نهاية‏,‏ وماذا أفعل مع أمي؟ إنني لاأريد أن أكون عاقا لها ولا فظا معها‏,‏ حتي لايغضب الله علي‏,‏ وليغفر الله لي ما أجده في قلبي من مشاعر غير إيجابية تجاهها‏,‏ فقد أصبحت أختنق ببكائها وشكواها الدائمة من حظها العاثر ودعائها علي نفسها إذا رأتني حزينا أو متجهما منذ فسخ الخطبة الأخيرة‏,‏ وحديثها الأبدي عن تضحياتها من أجلي‏,‏ وأتساءل لماذا إذن تريد أن تكرر هذا الحظ العاثر وتحرمني من أن تكون لي حياة زوجية وعائلية وأبناء؟ وأريد أيضا أن أعترف لك بأمر يخجلني‏..‏ هو أنني قبل أن أشعر بالحب تجاه آخر خطيباتي‏,‏ كنت أضعف عاطفيا مع كل فتاة خطبتها ويخيل إلي أنني أبحث عن الحب‏,‏ أما الآن فإني لم أعد أبحث عن الحب وإنما عن الزواج فقط لكي أحمي نفسي من الزلل وأتجنب المعصية وغضب ربي علي‏.‏ فجسدي في حالة غليان وأنا أتماسك وأحاول الصيام حتي لا أقترف الحرام‏,‏ وأعمل كثيرا وبطريقة مجهدة لكيلا أفكر في الخطيئة‏,‏ لكني بشر في النهاية وحولي فتيات وسيدات في كل مكان‏,‏ فهل يمكن لي أن أتزوج ذات يوم‏..‏ وماذا أفعل مع أمي لكي يمكن إتمام مثل هذا الزواج؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أعانك الله علي تحمل أقدارك وعلي التعامل معها بحكمة تخرجك من هذا النفق المظلم الذي تجد نفسك فيه موزعا بين تطلعك المحروم للحياة الطبيعية‏,‏ وبين الاتهامات الظالمة لك بالتنكر لتضحيات أمك الجسيمة من أجلك‏!‏
فالحق أن والدتك تكرر معك ذلك النموذج النفسي النادر للأم الوحيدة التي تكرس حياتها لابنها الوحيد‏,‏ وتضحي من أجله باعتباراتها كامرأة‏,‏ فتعتمد عليه لا إراديا في تعويض كل ما عانته من وحدة وحرمان وعناء‏..‏ وترغب في امتلاكه والاستئثار به دون الجميع‏..‏ وتشعر بالهلع الشديد حين يتطلع بمشاعره وغرائزه إلي أنثي أخري‏,‏ فتقاوم كل علاقة عاطفية له وكل مشروع ارتباط يعرض له‏,‏ وتتفنن في ابتكار شتي الحيل لكي تدمره باعتباره خطرا داهما عليها يهددها بفقدان الابن المحبوب‏!‏

ولقد قال عالم النفس الأمريكي كولز في تشخيصه لهذا النموذج الذي أطلق عليه وصف الأم المتوحشة أنها لاتتورع في بعض الحالات عن الانحدار إلي مستوي التفكير الإجرامي في إبعاد الأخريات عن ابنها‏,‏ وقد يصل بها الحال إلي ارتكاب الأفعال اللا أخلاقية لتحقيق أغراضها‏,‏ كالكذب والافتراء والخديعة‏..‏ والإيهام بغير الحقيقة وإثارة الشكوك في إخلاص الفتاة التي تتجه إليها مشاعرالابن‏..‏ والحط من قدرها والتشكيك في جدارتها به‏,‏ ونياتها تجاهه‏..‏ وتحريضه عليها وتحريضها هي نفسها عليه‏,‏ إلي غير ذلك من الحيل والوسائل‏..‏ فإنه لم يفلح كل ذلك في تحقيق الهدف المنشود‏,‏ فقد تمرض بالفعل بتأثير القلق النفسي والخوف القاتل من فقد الابن‏..‏ أو تتمارض لاستثارة عطفه وإعادة نفسها إلي بؤرة اهتمامه وإشعاره بالذنب تجاهها علي أمل صرفه عما يمضي إليه‏,‏ ومن واجب الإنصاف أن نقول إن معظم هذه التصرفات والأفعال تحدث من جانبها علي مستوي العقل الباطن وليس الواعي‏,‏ وفيما يشبه النزعة الجبرية لفعله وارتكابه‏,‏ وليس بكامل الارادة الحرة والتدبير الواعي‏.‏
فإذا كان علماء النفس الغربيون لايتسامحون مع مثل هذا النموذج ولا يتعاملون معه إلا باعتباره حالة مرضية تعكس انحرافا أو شذوذا نفسيا لا شفاء له إلا بالعلاج النفسي المتخصص وإبعاد الأم في بعض الأحيان عن حياة الابن بالقوة الجبرية أو بقوة القانون‏,‏ فإن عظم حق الأم علينا وقيمنا الدينية والأخلاقية ونفورنا من التعامل الواقعي البحت مع أمهاتنا وآبائنا وذوي رحمنا‏,‏ يفرض علينا أن نتسامح نحن مع من لا يتسامحون معه‏,‏ وأن نتعامل مع مثل هذه الأم بالرفق الذي لايحول بين الابن وبين ممارسة حياته الطبيعية وتحقيق رغباته المشروعة في الحياة‏,‏ ولايقسو في الوقت نفسه عليها أو يضاعف من آلامها‏.‏
ذلك أن الأم والأب والأخوة والأبناء هم أحق البشر بألا نتعامل معهم بالمثل وإنما بالمبدأ الرحيم الذي يعبر عنه الشاعر العربي بقوله‏:‏

إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم لنعتذر
واستهداء بهذا المبدأ الراقي‏..‏ فلابد لك أن تتفهم أولا دوافع والدتك لما فعلت معك في خطباتك الخمس‏,‏ وأن تسلم بأنها قد فعلته انطلاقا من حبها لك ورغبتها في الاستئثار بك‏,‏ حتي ولو كانت قد تجاوزت بهذا الحب حد الحكمة والاعتدال إلي دائرة الحب الأناني الذي يضر بالمحبوب بأكثر مما يسعده‏,‏ وأن تحاول دائما إشعارها بأنك سوف تقدر لها علي الدوام تكريسها لحياتها من أجلك‏,‏ وعطاءها الدافق لك‏..‏ ولسوف تظل هي علي الدوام حبة القلب وبؤرة الاهتمام الأولي في حياتك مهما اتسعت دائرتها فضمت إلي جوارها الزوجة والأبناء والصحاب‏,‏ ومن الضروري كذلك أن تتحفظ دائما في إظهار مشاعرك تجاه أية أنثي أخري أمامها‏..‏ وأن تتعامل مع العراقيل المتوقعة من جانبها لأي مشروع ارتباط جديد لك بمهارة من يسير في حقل للألغام‏..‏ فيعرف لقدمه قبل الخطو موضعها‏..‏ ويبطل ألغام الطريق واحدا بعد الآخر أو يتفاداها بحذر إلي أن يصل إلي بر الأمان‏.‏
وخير ما يعينك علي ذلك هو الحب الصادق الذي يجمعك بفتاة متفهمة ومحبة ومتدينة ومحاربة ومتسامحة في الوقت نفسه‏.‏ وعلي استعداد لأن تواصل الطريق معك حتي منتهاه‏,‏ فإذا وفقت إلي مثل هذه الفتاة فتقدم لأهلها علي الفور‏,‏ وأكد لهم أنك رجل رشيد ومسئول عن نفسه وعن حياته‏,‏ وتفضل أن تكون العلاقة بينك وبينهم مباشرة في المراحل الأولي من الارتباط دون تدخل أي طرف ثالث ولو كان والدتك‏,‏ وأمض إلي الاعداد للزواج‏,‏ واعقد قرانك علي فتاتك ثم صارح والدتك بما فعلت وتحمل لومها لك وعتابها عليك وحديثها المطول عن تضحياتها من أجلك إلي أن تهدأ نفسها وتسلم بالأمر الواقع‏,‏ وتحاول تقبله أو التواؤم معه‏,‏ مؤكدا لها في كل حين حبك الطاغي لها واهتمامك بأمرها وعطفك عليها وتقديرك لتضحياتها‏..‏ وحرصك علي عدم تعريضها للمتاعب بإبعادها عن مراحل الارتباط الأولية‏,‏ ووجودك الدائم في حياتها قبل الزواج وبعده‏,‏ حيث لن يفصل بينك وبينها سوي جدار واحد لن يحول أبدا دون رعايتك لها وعنايتك بها‏..‏ وأصبر علي كل ما تلاقيه منها إلي أن يرزقك الله سبحانه وتعالي بأول حفيد لها فيحطم بلا جهد منه كل السدود والحواجز‏..‏ ويملأ وجدانها ويشعرها بتواصلها مع الحياة ومعك إلي الأبد‏,‏ فأما الاحساس بالذنب تجاهها وخوفك من غضب ربك عليك فلا مجال له في كل ذلك‏,‏ مادمت ترعي ربك في التعامل معها وتؤدي كل حقوقها عليك‏,‏ وليس من بينها أبدا أن تقضي علي نفسك بالحرمان من الزواج والحياة الطبيعية من أجلها‏,‏ حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏,‏ ولا خوف عليك حتي من دعائها بلسانها عليك‏,‏ لأنه لا يعبر في الواقع عما في قلبها‏..‏ ولأنه أيضا إنما يتقبل الله من المتقين صدق الله العظيم‏,‏ وليس ممن يكلفون الأبناء رهقا لا تحتمله طبيعتهم البشرية ولا يقره الله سبحانه وتعالي أعدل العادلين‏.‏

وأما التضحيات الجسام من أجلك‏,‏ فلقد كانت من أجلك نعم ولكن من أجلها أيضا وبنفس القدر إن لم يكن أكبر‏,‏ فالأم التي تقاتل لتحتفظ لنفسها بابنها تفعل ذلك حبا لهذا الابن‏,‏ وإرضاء في الوقت نفسه لأمومتها ورغبتها العارمة في الاستئثار بإبنها لنفسها‏,‏ وبقدر ما تحقق مصلحته بهذه التضحية وتفضلها علي اعتباراتها الشخصية بقدر ما تشبع بها‏,‏ كذلك غريزتها الأمومية ورغباتها الانسانية‏,‏ فليقدر لها الابن هذه التضحيات بالفعل‏,‏ ولكن بغير أن تتحول إلي سياط تجلده بها أمه علي الدوام‏.‏
والإفراط علي أية حال في حديث المرء عن تضحياته لمن أحب ينقص من قدر هذه التضحيات في نفس من قدمت له‏,‏ ويشعره بالضيق بها ولقد يحضه علي أن يجحدها أو أن ينفي عن نفسه أنه سعي إليها‏,‏ حيث كانت بالفعل اختيارا إراديا للمضحي وليس لأحد سواه‏.‏
ولهذا قال الأديب الإسباني العظيم سرفانتس‏:‏ من أعطي فليصمت ومن أخذ فليتكلم‏!‏

وقال الشاعر العربي القديم‏:‏
أفسدت بالمن ما أسديت من نعم
ليس الكريم إذا ما أعطي بمنان

كما انك في النهاية لم تكن مسئولا عن حظها العاثر في الزواج‏..‏ ولم تكن أنت الذي اخترت لها الزواج وهي طفلة في السادسة عشرة من عمرها لا تحسن فهم الحياة‏,‏ فجنحت سفينتها سريعا وهي في الحادية والعشرين من العمر‏!‏
ولايعني ذلك أبدا التهوين من حجم عطائها لك‏..‏ وإنما يعني فقط أن تتحرر نفسيا من الاحساس بالذنب تجاه ما لا ذنب لك فيه‏..‏ وأن ترعي والدتك وتكرمها حبا لها ووفاء بحقها عليك ورعاية لحدود ربك في التعامل معها‏,‏ وحسن مصاحبتها في الدنيا وليس سدادا لديون لم تقترضها‏..‏ أو تكفيراعن ذنوب لم تقترفها‏..‏ والسلام‏.‏
المزيد ....