الثلاثاء، ١ فبراير ٢٠٠٠

الحلم الغريب‏!‏

22-02-2002
أنا سيدة متزوجة منذ خمسة عشر عاما ولم ينعم علي الله بالإنجاب‏,‏ ولقد عشت مع زوجي حياة هادئة وصبرنا معا علي أقدارنا التي حرمتنا من نعمة الأطفال‏..‏ إلي أن تزوج أخي منذ عام واحد فتاة عطوفا متدينة ونحيلة الجسم‏..‏ فأحبها أخي وسعد بها‏,‏ وأحببتها كذلك لطيبتها وحنانها‏,‏ وأحبها والدي أيضا ووجد فيها نعم الزوجة لابنه‏,‏ وبعد فترة قصيرة من الزواج حملت زوجة أخي‏..‏ وسعد الجميع بهذا النبأ‏,‏ وترقبت أنا بلهفة موعد ولادتها‏..‏ وأنا أتخيل شكل المولود القادم‏..‏ وكم سأحبه‏..‏ وكم سأدلله‏..‏ وكيف سأصبح‏.‏ أما ثانية له بعد أمه الطبيعية‏..‏ وأحدث زوجة أخي بذلك فتقول لي صادقة إن الله سبحانه وتعالي قد أنعم عليها بصحبتنا لها‏,‏ لأننا نعاملها بأفضل مما يعاملها به الأهل‏..‏ وفي الأسابيع الأخيرة من حملها روت لي أنها قد رأتني في الحلم أساعدها علي ارتداء الفستان الأبيض وطرحة الزفاف‏,‏ وأن هذا الحلم قد تكرر أكثر من مرة مع اقتراب موعد الولادة‏,‏ فضحكت لهذا الحلم الغريب‏.‏ وقلت لها أنه حلم مستحيل لأنها قد تزوجت أخي بالفعل وارتدت الثوب الأبيض وطرحة الزفاف‏,‏ لكنها كررت علي روايتها لهذا الحلم بعد ذلك عدة مرات وأكثرت من الحديث عنه بلا داع إلي أن شغلنا باقتراب موعد الولادة والاستعداد لاستقبال المولود السعيد‏,‏ إلي أن شعرت زوجة أخي بمقدمات الولادة وأسرعنا بها إلي المستشفي‏..‏ ودخلت غرفة الجراحة‏..‏ ووضعت مولودة جميلة تشبه أمها في كل ملامحها‏..‏ لكنها صغيرة الحجم عن المعتاد وفسرنا نحن ذلك بنحافة الأم الشديدة‏,‏ وقيل لنا إنها ستوضع في الحضانة لبضعة أيام قبل أن نستطيع اصطحابها معنا إلي البيت‏..‏ وخلال ذلك خرج إلينا الطبيب الذي أشرف علي ولادة زوجة أخي منفعلا‏,‏ وقال لنا إنها أشرفت علي الهلاك أكثر من مرة خلال العملية‏,‏ لأن قلبها ضعيف ورئتها ليست سليمة‏..‏ وأن هذه الزوجة لم تكن تحتمل الحمل والإنجاب من الأصل‏,‏ ونزل علينا كلامه كالصاعقة‏..‏وشعرنا بالأسف لهذه الشابة الرقيقة‏..‏ ورجعنا بها إلي البيت بعد يومين وتركنا الطفلة في الحضانة لتستوفي فترتها‏..‏ ودعونا لها من قلوبنا بأن تستعيد عافيتها سريعا لتستطيع رعاية مولودتها‏..‏ لكن حالتها تدهورت فجأة بعد أربعة أيام أخري‏..‏ واستدعي أخي سيارة الإسعاف لنقلها إلي المستشفي‏..‏ وصاحبناها فيها وأخي يحنو عليها‏..‏ وأبي يدعو لها بالشفاء‏..‏ وأنا أغالب دموعي‏..‏ وأقرأ لها آيات الذكر الحكيم في سري‏..‏ فلم تكد السيارة
تقترب من المستشفي حتي كانت قد غادرت الحياة‏..‏ يرحمها الله‏..‏ وانفطر قلبي من الحزن عليها وبكيت طويلا‏..‏ وتذكرت حلمها الغريب الذي طاردها خلال الأسابيع السابقة للولادة‏..‏ وفهمت مغزاه الحزين‏..‏
وودعنا الشابة الطيبة العطوف إلي مستقرها الأخير‏..‏

وذهبت في اليوم التالي إلي المستشفي وأخذت المولودة الصغيرة‏..‏ وغمرتها بدموعي وقبلاتي وحبي‏.‏
ومضت الأيام حزينة وثقيلة‏..‏ فلم يخفف عنا شيء من قتامتها إلا وجه هذه المولودة البرئ‏.‏

فلقد أصبحت نورا من السماء دخل حياتي فأضاء كل جوانبها ومضت بي الأيام وأنا أتردد بين حزني علي فراق أمها‏..‏ وفرحي بوجودها في حياتي‏..‏ وأسفي علي أخي الذي وئدت سعادته سريعا وقد عوض الله صبري وحرماني من الأطفال‏15‏ عاما‏..‏ بهذه الهدية الثمينة‏,‏ ووقع حبها في قلبي‏..‏ وفي قلب زوجي منذ اللحظة الأولي لدخولها حياتنا‏..‏ وإني لأرجو الله سبحانه وتعالي أن أحقق فيها حلم أمها القديم وأن يمد الله في عمري حتي يجئ اليوم الذي أضع فيه بيدي طرحة الزفاف علي رأسها وأساعدها علي ارتداء فستانها الأبيض الجميل بإذن الله‏..‏ فادع الله معي أن يمكنني من ذلك وأن يعينني علي إسعاد ابنتي وابنة أخي الوليدة هذه‏.‏
والسلام عليكم ورحمة الله‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
بعض البشر يستشعرون قرب الرحيل بطريقة غامضة ويتسمعون أجراسه في أعماقهم‏..‏ ويبدو أن زوجة شقيقك الراحلة كانت من هذا النوع من البشر المحكومين بأقدارهم‏,‏ والذين لاتطول غالبا رحلتهم مع الحياة ويخلفون وراءهم دائما أطيب الأثر‏,‏ وما كان حديثها المتكرر عن ذلك الحلم الغريب لك إلا تعبيرا عن مخاوفها الغامضة من دلالاته‏..‏ وإشاراته‏,‏ ولقد أكثرت من الحديث معك عنه كأنما كانت تشعر في أعماقها أنك من سوف تحدب علي وليدتها من بعدها‏.‏ وتكونين لها أما حقيقية بعد أمها الراحلة يرحمها الله‏.‏
وقديما قال بن عطاء الله السكندري‏:‏ قال أهل المعرفة‏:‏ من لم يدبر دبر له‏!‏

وقال أيضا في دعائه‏:‏ اللهم أشهدنا من حسن اختيارك لنا ما يجعل ما تقضيه فينا وتختاره لنا أحب إلينا من مختارنا لأنفسنا‏..‏
وهذه المولودة البريئة هي اختيار الله سبحانه وتعالي لك‏..‏ لكي يعوضك عن حرمانك من الإنجاب وصبرك علي أقدارك وتسليمك بمشيئته‏..‏ طوال خمسة عشر عاما وأنت في نفس الوقت اختياره لهذه الوليدة الذي يعوضها به عمن وهبتها الحياة‏..‏ ورحلت عنها قبل أن تحنو عليها‏.‏

ولسوف يحقق الله عز وجل لك كل ما ترجينه لها‏..‏ ولسوف تملأ حياتك وحياة زوجك بالبهجة والسرور‏..‏ والشواغل الحبيبة إلي أن يتحقق الجانب السعيد من حلم أمها القديم بإذن الله‏..‏
المزيد ....

النظرة الشاملة‏!‏

01-03-2002
وجدت نفسي خاليا لبعض الوقت خلال رحلتي القصيرة إلي إحدي الدول‏,‏ ففكرت في أن أكتب لك هذه الرسالة‏..‏ وهي رابع أو خامس مرة أهم فيها بالكتابة إليك وتشغلني الشواغل فأعدل عن التنفيذ‏..‏ وحين يختلي الإنسان بنفسه بعيدا عن وطنه وأهله قد يجد الوقت للتفكير في حياته‏..‏ لقد قال الله سبحانه وتعالي في كتابه الحكيم وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وأنا أعبد الله واجتهد في طاعته والالتزام بأوامره ونواهيه‏,‏ وأنتم أيها الأدباء والكتاب تقولون لنا إن غاية الحياة المثلي بعد عبادة الله سبحانه وتعالي هي السعادة‏,‏ أي أن يسعد الإنسان نفسه وأعزاءه ومن هم حوله ويحيا حياة فاضلة‏..‏ وأريدك أن تشاركني التفكير في حياتي‏..‏ والحكم عليها‏..‏ فأنا رجل في السابعة والأربعين من العمر‏,‏ بدأت حياتي العملية منذ‏26‏ عاما حين تخرجت في كليتي‏..‏ وسعي أبي لتعييني في نفس الهيئة الحكومية التي يعمل بها‏..‏ فبدأت بوظيفة مؤقتة بعقد‏,‏ وسعدت بأول مرتب تسلمته في حياتي‏..‏ واشتريت منه لأبي وأمي وأخي الأوسط وأختي الصغري‏..‏ هدايا صغيرة سعدوا بها كثيرا وسعدت بسعادتهم أكثر‏,‏ وبعد عام من عملي بهذه الهيئة عينت بها رسميا وزاد مرتبي عشرة جنيهات ثملت من النشوة والفرح بها‏,‏ وقررت أن تكون هذه الزيادة هي هديتي لأختي وأخي فقسمتها بينهما‏,‏ وأصبح كل منهما يتقاضي مني ستة جنيهات أول الشهر كمصروف له بجانب مصروفه من والدنا وهو عشرة جنيهات‏,‏ كما خصصت لأمي من مرتبي عشرة جنيهات بالرغم من اعتراضها الشديد ومطالبتها لي بادخار كل ما أستطيع ادخاره من مرتبي لكي أبني حياتي‏..‏ واستطيع الزواج بعد سنوات‏..‏ وشعرت بنفسي وبدوري في حياة أسرتي وأنا أفعل ذلك‏..‏ وبعد أسابيع قليلة من تحملي لهذه المساهمة الشهرية اتيحت لي فرصة عمل إضافي في أحد المكاتب المهنية لأربعة أيام في الاسبوع فتحمست لها وعملت فيه بإخلاص وجاء أول الشهر وترقبت المكافأة التي سيعطيها لي صاحب المكتب‏,‏ فإذا به يعطيني ثلاثين جنيها كاملة عوضت كل ما أعطيه لأسرتي وزادت عنه بعشرة جنيهات وواصلت العمل في وظيفتي الحكومية وعملي الاضافي وخلال ثلاثة أعوام كنت قد ادخرت من مرتبي ومكافآت عملي الاضافي بضع مئات من الجنيهات‏..‏ وأصبح صاحب المكتب الذي اعتبره أستاذي يعتمد علي اعتمادا كليا في ادارة أعماله‏..‏ وازدادت خبرتي المهنية وبدأت أفكر في تجربة حظي في عمل خاص بي‏..‏ ففوجئت بأستاذي يعرض علي أن أشاركه بنسبة الثلث في إحدي العمليات الصغيرة علي
أن أتحمل مسئوليتها الكاملة وحدي‏!‏ وكأنما قد قرأ أفكاري فتحمست للفكرة‏,‏ وحصلت علي اجازة بدون مرتب لمدة‏6‏ أشهر وتفرغت لهذه العملية تماما وأقمت في خيمة بموقعها البعيد‏,‏ لا وسائل فيها للراحة‏..‏ وسلمتها في الموعد المحدد‏,‏ ووجدت بين يدي بضعة آلاف من الجنيهات‏..‏
وكنت قد تجاوزت الخامسة والعشرين‏..‏ ولم أعرف فتاة من قبل ولم ارتبط بأية علاقة عاطفية سوي بالنظرات وتبادل التحيات مع الفتاة الصغيرة الطيبة التي تزور أختي من حين لآخر وتبدي اهتمامها بي‏..‏ فوجدت نفسي أفكر فيها لأول مرة‏..‏ وسألت أختي عنها‏..‏ فشجعتني علي الارتباط بها وأثنت علي أخلاقياتها كثيرا‏,‏ وقالت لي أكثر من ذلك إنها مهتمة بي منذ فترة طويلة‏,‏ وتحبني في صمت‏!‏ وطربت لذلك واستشرت أمي فرحبت بالفتاة واشادت بخلقها ونشأتها المتدينة وأبويها الطيبين اللذين يعملان بالتعليم‏..‏ وخلال شهور كنت قد استطعت الحصول علي شقة من غرفتين وصالة في نفس الحي‏,‏ وتزوجنا‏,‏ واستقرت حياتي من الناحية العاطفية‏..‏ ولاحظت بسعادة فرحة زوجتي الشابة بي‏..‏ وبالرفاهية النسبية التي وجدتها في الحياة معي بالمقارنة بحياتها البسيطة في أسرتها‏,‏ وكنت أبتهج كثيرا بفرحتها حين أدعوها للعشاء في فندق كبير وألاحظ بسرور خفي ارتباكها واحساسها بالفخر لوجودها في مكان من هذا النوع‏..‏ واطرب لشكرها لي علي هذا العز كما كانت تقول وكلما لمست ابتهاجها بمثل ذلك تماديت في إسعادها‏..‏ وادخال السرور إلي قلبها‏..‏ وشكرت ربي علي توفيقي في عملي وفي حياتي الخاصة‏,‏ وحين أنجبنا مولودنا الأول اكتملت سعادتنا‏..‏ ولم تخف زوجتي فخرها أمام عائلتها برعايتي لها وإصراري علي أن تلد في مستشفي استثماري كبير‏..‏ وكانت الفرحة تملأ وجهها وهي تنتقدني علي إسرافي والمبلغ الكبير الذي حصل عليه المستشفي‏..‏ وتتباهي بالشكوي من ذلك لأبيها وأمها‏..‏ واطرد نجاحي في عملي واستقلت من الهيئة الحكومية لاتفرغ له‏,‏ وأصبحت شريكا بالنصف في المكتب المهني وتحملت معظم العمل فيه وتنقلت بين المواقع المختلفة في الشمال والجنوب والشرق والغرب‏..‏ وتحسنت أحوالي المادية كثيرا‏..‏ فانتقلت من شقتي الصغيرة في الحي الذي نشأت فيه إلي شقة‏250‏ مترافي مدينة نصر‏..‏ وأنجبت بعد مولودي الأول بنتين‏..‏ وأحيل أبي إلي المعاش فألحقته بالعمل معي في حسابات المكتب‏,‏ وتزوجت اختي الصغري وتكفلت بكل نفقات زواجها وتزوج شقيقي الأوسط بمساعدتي كذلك وسافر إلي إحدي الدول العربية‏..‏ وضاق مسكن أبي وأمي بالأبناء وزوجاتهم والأحفاد حين يجتمعون فيه‏..‏ فنقلتهما إلي شقة جميلة وواسعة في نفس الشارع الذي أقيم فيه وأصبحنا نجتمع فيها يوم الجمعة كل اسبوع حين أكون في القاهرة‏.‏ وتواصل نجاحي واتساع أعمالي عاما بعد عام‏..‏ ورحل أستاذي عن الحياة يرحمه الله
وطلبت مني أرملته أن أشتري نصيبه في المكتب لعدم وجود من يحل محله فيه من أبنائه فاشتريته بزيادة عن أعلي عرض تلقته هي‏20%‏ اعترافا بفضل الرجل علي ومساعدته لي في بداية حياتي‏..‏ واتسع مجال العمل أمامي بلا حدود‏,‏ فبدلت مسكني للمرة الثالثة‏..‏ وانتقلت إلي شقة مساحتها‏400‏ متر في أرقي الأحياء‏,‏ وبدلت لزوجتي سيارتها بأحدث الموديلات‏..‏ ونقلت أبنائي إلي أحسن المدارس وأغلاها واشتريت شقة في الساحل الشمالي‏..‏ وأخري في الغردقة‏..‏ ورضيت عن نفسي وعن نجاحي وكل شيء فيما عدا شيئا واحدا فقط هو حياتي الخاصة‏!‏
فمنذ أن استقللت بالعمل في المكتب قبل سبع سنوات وازداد حجم عملي‏..‏ وعرفت حياتي العائلية الثراء والوفرة بدأ الفتور يتسرب إلي نفس زوجتي‏..‏ وبدأ الجفاء والصمت والتحفظ يسود علاقتها بي كما بدأت ألحظ عليها بعدها النفسي عني وفتور حماسها لكل الأشياء‏,‏ وعدم رضاها الدائم مهما قدمت لها ومهما فعلت‏,‏ وعدم تقديرها لأي عطاء أقدمه لها أو للأبناء أو البيت‏..‏ وانتقاصها المستمر لكل عطاء‏..‏ وخيبة أملها المستمرة لأن كل ما أفعله يجيء أقل مما كانت تتوقعه‏..‏ أو مما استطيع أن افعله‏..‏ وبعد أن كانت تفرح بأبسط الأشياء وتشكرني بحرارة عليها‏..‏ أصبحت إذا قدمت لها مثلا في عيد ميلادها حلية ماسية ببضعة آلاف لا تجود علي إلا بكلمة شكر مقتضبة‏..‏ وقد تخونها حتي الابتسامة المتكلفة في هذه المناسبة‏,‏ فتظل علي تجهمها وفتورها‏..‏ وكأن ما فعلت كان واجبا علي ولا شكر علي واجب‏!,‏ وإذا دعوتها للسفر مع الأبناء في اجازة استجابت بغير حماس وكأنها تتفضل علي بقبول الدعوة‏!‏ وإذا اشتريت لها خلال سفري للخارج حقيبة كاملة من الملابس والمشتريات‏..‏ استثارت اهتمامها بعض الوقت ثم رجعت إلي جمودها من جديد وليس بعيدا أن تلومني بعد قليل علي نسيان شيء كانت قد طلبته أو كانت تتوقعه مني ولم أحضره‏!‏ فهناك دائما شيء ناقص في كل ما أفعله أو أقدمه لها أو لأسرتي وأبنائي‏..‏ وهناك دائما من يفعل أكثر مما أفعل‏,‏ ويقدم لزوجته وأبنائه أكثر مما أقدم‏,‏ ومن يحسن معاملة الزوجة أحسن مما أفعل‏!‏ وعلي دائما أن أشقي وأكد‏..‏ وأجتهد لكي اتطلع إلي بلوغ هذا المثل الأعلي للزوج الذي لا أبلغه أبدا‏!‏ فإذا سألتني وهل بلغت هي في المقابل المثل الأعلي للزوجة؟ لقلت لك إنها كانت كذلك خلال حياتها البسيطة السابقة‏,‏ فهي طيبة ومتدينة وحريصة علي علاقاتي العائلية وخاصة مع أمي بعد رحيل أبي يرحمه الله وأختي وهي مازالت صديقتها الوحيدة حتي الآن وأخي‏,‏ أما الآن فلم أعد أجد منها سوي محافظتها علي علاقتها الطيبة بأهلي‏..‏ وفروضها الدينية‏..‏ والفتور العام تجاه كل ما يتعلق بي‏..‏ والاستعداد الدائم للومي وانتقاصي واتهامي بإساءة معاملتها وإشعاري المستمر بالتقصير في حقها وحق الأبناء وحق الجميع بلا استثناء‏..‏ فإذا كانت تأخذ علي انهماكي في العمل‏..‏ فإن هذا الانهماك نفسه هو الذي صنع لها هذه الحياة المرفهة التي تعيشها الآن‏..‏ ومهما بلغت من انشغالي بالعمل‏,‏ فإني أرجع إلي زوجتي وأبنائي في نهاية اليوم وأهتم بأمرهم
وأتابع شئونهم‏..‏ وأقضي كل العطلات معهم‏..‏ واصطحبهم للسفر من حين لآخر في اجازة قصيرة إلي الشواطيء والمشاتي‏..‏ وأتصل بهم بالتليفون عدة مرات كل يوم من أي مكان‏..‏ كما أنني فوق كل ذلك رجل ملتزم من الناحية الاخلاقية‏,‏ وكم صمدت من قبل ومازلت ـ أمام الإغراءات النسائية والمغريات‏..‏ ولست كغيري ممن يقبلون بالعبث أو يبحثون عن المغامرة‏..‏ أو يغريهم تحسن احوالهم المادية بممارسة لعبة الزواج والطلاق أكثر من مرة كما يفعل آخرون‏..‏ فماذا أستطيع أن أفعل لكي أنال رضا زوجتي السامي عني؟ وأعيش حياة خالية من الكدر والمنغصات؟ إنها ليست بلهاء وتعرف جيدا انني قد أكون هدفا سهلا لغيرها من النساء وأن إمكاناتي تسمح لي بالتجربة وتحمل النتائج‏..‏ لكن هذا ليس طريقي في الحياة‏,‏ وقد وعيت جيدا درس العبث ومغامرات الزواج والطلاق التي تورط فيها بعض الناجحين من قبل فجرتهم للهلاك والفشل‏,‏ كما أنني مشغول عن البحث عن مغامرة عاطفية بما هو أهم منه من مشاكل الحياة فكيف بالله عليك لا تعينني زوجتي علي الاكتفاء بها؟ علما بأنها ستنهار انهيارا تاما إذا طلقتها أو إذا تزوجت عليها؟ وستعود إلي حياتها البسيطة السابقة‏..‏ ومهما كنت كريما معها بعد الانفصال فلن تجد ما تجده معي الآن من رفاهية‏..‏ وحياة سهلة فلماذا تدفعني دفعا إلي الانفصال عنها بعد أن شارف الأبناء سن الشباب؟ إنني أستطيع أن أطلقها بسهولة وأتحمل كل الالتزامات المادية‏,‏ وأستطيع أن أجد من ترحب بي وتعتبرني هذا المثل الأعلي للزوج الذي تشعرني زوجتي ببعدي عنه بعد السماء عن الأرض‏,‏ لكني لن أفعل ذلك إلا إذا فقدت كل أمل في الإصلاح لاني أفضل الحياة العائلية الهادئة وأكره أن يعرف عني الطلاق والزواج أكثر من مرة وزوجتي لا تقدر لي حتي هذا التمسك بها بالرغم مما أشعر به من تعاسة شديدة معها طوال السنوات الأخيرة‏,‏ حيث كثرت خلالها مصادماتنا الصامتة‏..‏ أو الصارخة وخصامنا‏..‏ وتكبرها علي الاعتذار عن الخطأ أو الاعتراف به‏..‏ وإني لأتساءل متعجبا في كثير من الأحيان‏:‏ أين ذهبت الفتاة الطيبة التي أحببتها من أعماق قلبي سنوات طويلة بعد الزواج وكانت تسعد بأبسط الأشياء وتفرح بها‏..‏ وتحمد الله كل لحظة علي ارتباطها بي‏..‏ وما معني النجاح والثراء إذا شعر الإنسان بالتعاسة والوحدة النفسية والعاطفية علي الدوام في حياته الخاصة؟ وهل لديك حل‏..‏ أو تفسير؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
قد يكون لدي تفسير أو ما يشبه التفسير لبعض ما تشكو منه‏.‏ ذلك أن قليلين من البشر هم الذين لا يغفلون عن شكر ربهم علي نعمه الجليلة عليهم‏..‏ ويستكثرونها علي أنفسهم فيدفعهم ذلك إلي استعظامها‏..‏ وتقديرها حق قدرها والامتنان لخالقهم عليها‏.‏ وهؤلاء يجدون دائما أنه من كمال الشكر لله عنها أن يشكروا من أجري نعمته هذه علي أيديهم ويؤمنون بما جاء به مضمون الحديث الشريف الذي يقول من لم يشكر الناس لم يشكر الله‏.‏
فإن لم يتسلح المرء بهذا الاستعداد النفسي لشكر خالقه كل يوم وكل لحظة‏,‏ علي نعمه الجليلة أيا كان نصيبه منها فقد حماسه للأشياء‏..‏ وصغر في عينيه ما يبدو للآخرين عظيما‏,‏ وتطلع إلي المزيد بدلا من استكثار الموجود‏..‏ واتهم الحياة بالتقصير في حقه بدلا من الاعتراف لها بالسخاء عليه‏..‏

ولست أستطيع أن أحكم علي الأسباب الحقيقية لفتور روح زوجتك وفقدها حماسها القديم للأشياء إلا في إطار بعض القواسم المشتركة بين البشر‏..‏ ومنها أن يتعامل بعض شركاء الحياة مع الطرف الآخر بمنطق معلم المدرسة الذي يتوقع من تلميذه دائما نتيجة أفضل مما حققه مهما اجتهد التلميذ أو تفاني في الكد والاجتهاد‏..‏ وبدلا من تهنئته بما يعتبره هو اجتهادا يتطلع إلي تقديره والثناء عليه‏,‏ يفاجأ بمن يشعره بخيبة أمله فيه‏,‏ وتوقعه لما هو أفضل مما فعل‏..‏ ولقد يضن عليه بكلمة التشجيع والثناء اعتقادا منه أن في الابتهاج بما حقق قد يضعف همته‏,‏ ويقعده عن مواصلة الاجتهاد‏..‏ وهو اعتقاد خاطيء بكل تأكيد‏,‏ لأن بخس الناس أقدارهم خاصة من جانب شركاء الحياة لبعضهم البعض‏,‏ لا يدفعهم للاجتهاد للوصول إلي الغايات القصوي للأشياء أو لبلوغ المثل الأعلي المزعوم للشريك وإنما يحبطهم ويملأ نفوسهم بالمرارة‏.‏ ويقبض أيديهم عن مواصلة العطاء‏..‏ ويذكرهم بمعان كريهة كالجحود والنكران والميل الدائم لانتقاص أقدار الآخرين والاستهانة بعطائهم‏..‏ والضن عليهم بما يستحقون من تقدير وتكريم‏.‏ وليس من المنتظر أن تظل زوجتك بعد اعتيادها الحياة الناعمة علي نفس انبهارها القديم بالأشياء عند ممارستها لها للمرة الأولي في حياتها‏,‏ ذلك أن آفة كل شيء هي اعتياده واعتباره بعد حين من مألوف الحياة‏,‏ لكن ذلك لا يحجب عن أعين أصحاب النفوس الشاكرة حقائق النعم التي يرفلون فيها‏..‏ ولا يمنعهم من تقديرها حق قدرها‏..‏ وشكر خالقهم عليها وأحلها بكل تأكيد بالنسبة لزوجتك الآن نعمة الأبناء وسلامتهم ونجابتهم والحياة العائلية المستقرة‏,‏ والصحة والزوج المخلص لزوجته برغم المغريات والتمسك بها بالرغم من شكواه والحياة الكريمة والإمكانات السخية‏..‏ ولابد لها أن تعرف أن فشل الروح من أخطر ما يهدد سعادة الإنسان‏,‏ وهو الحال التي يفقد فيها الانسان قدرته علي الاستمتاع بالقدر المتاح له من السعادة والأشياء الجليلة والجميلة المحيطة به‏..‏

لأنه كما يقول الشاعر العربي‏:‏
من يك ذا فم مريض
يجد مرا به الماء الزلالا

ولهذا فإن واجبها تجاه نفسها قبل أن يكون تجاه زوجها وأبنائها أن تتوقف لكي تعيد النظر إلي حياتها وتسعد بها وترضي عنها وتستعين علي ذلك باسترجاع علامات الطريق الذي قطعته مع زوجها منذ البداية لكي تحسن تقدير الانجاز الذي حققته معك وترضي عنه ولا تغفل عن شكر خالقها عليه‏..‏ وتبذل كل الجهد لبعث الحرارة في نفسها وبالتالي في علاقتها بزوجها‏..‏ وتعديل سلوكها معه‏..‏ واستعادة حماسها للأشياء والحرص علي شريك الحياة‏..‏ والتجاوب العاطفي معه‏..‏ وحمايته من الإغراءات المحيطة‏..‏ وتحصينه ضدها‏..‏ والتفكر في الأخطار المتوقعة إذا ظلت سادرة في فتورها وتحفظها وجمودها وتكبرها غير المبرر وفي تعاملها مع زوجها وكأنه واقع غير قابل للتحول أو الانصراف عنها إذا تملكه اليأس منها‏,‏ لأن كل شيء قابل للتغير إلا قانون التغير كما قال الفيلسوف الإغريقي في الزمن القديم‏..‏ ومن حسن الفطن ألا يتمادي المرء في الاعتماد علي الثقة العمياء في عدم قدرة الآخرين علي التخلص منه إذا هو تمادي في الضغط عليهم‏..‏ والإساءة إلي مشاعرهم‏..‏ وإحباطهم إذ لا ينفع الندم بعد وقوع الكوارث ولا تجدي محاولات الإصلاح بعد فوات الأوان‏.‏
أما أنت فإني أحيي فيك استقامتك الخلقية ونأيك عن العبث والمغامرات وصمودك في وجه الإغراءات‏,‏ والتزامك الديني وتفضيلك للحياة العائلية المستقرة بعيدا عن تجارب الزواج والطلاق المتكررة‏..‏ وأطالبك ببذل الجهد للإصلاح حرصا علي سعادة الأبناء وتحقيقا لأهدافك في الحياة العائلية الفاضلة‏,‏ وبتخصيص الوقت الكافي لزوجتك وأبنائك وحياتك الأسرية‏,‏ لأن النجاح العملي في الحياة بغير السعادة الشخصية والعائلية يفقد الكثير والكثير من جدواه وقيمته‏,‏ واطالبك كذلك بأن تنظر الي حياتك وما حققته فيها نظرة شاملة‏,‏ لترضي عن كفاحك وبرك بوالديك واخوتك‏,‏ وتوفيقك في الحياة العملية‏..‏ وسعادتك بأبنائك‏..‏ وخلو حياتك من المآسي الإنسانية والمرضية والاختبارات المؤلمة‏..‏ والحمد لله‏..‏ بل وأيضا إلي اعترافك لزوجتك بفضائلها الأخري كتدينها وحرصها علي أبنائها وواجباتها تجاه أسرتك‏..‏ وحبذا لو استعنت بشقيقتك‏,‏ وهي صديقتها القديمة ـ علي حثها علي تفادي أسباب الشكوي والكدر حياتك معها‏,‏ فتكشف لك النظرة الشاملة عن كثير مما ترضي عنه وينبغي لك شكر خالقك عليه‏..‏ وتتجاوز عن بعض النواقص التي لا تخلو منها حياة‏,‏ لأن لكل إنسان من حياته ما يرضيه ويسعده وما يشقيه ويشكو منه في كل الأزمان‏,‏ ولا تكتمل اللوحة أبدا لأحد من بني البشر من كل الجوانب والتفاصيل الصغيرة‏..‏ وإنما لابد دائما من بعض النواقص فارض عن توفيقك في الحياة العملية‏,‏ واجتهد من جانبك في محاولة تجنب أسباب الخلاف معها‏,‏ وتفادي استثارة حساسياتها القديمة بعدم التركيز في حديث معها علي الجانب المادي من الحياة أو عن عطاياك لها لكيلا تسيء هي فهم ذلك وتعتبره منا عليها‏..‏ وقد لا يكون القصد من حديثك سوي تذكيرها بما أنعم الله عليكما به لكيلا تغفل عنه واقناعها باعتزازك بها وليس المن عليها‏..‏ وهي علي اية حال تعتبر نفسها شريكا مؤسسا لك فيما حققت من نجاح‏..‏ لكنها ربما لعارض نفسي أو بيولوجي عابر يتعلق بأزمة منتصف العمر لدي المرأة تغفل فقط عن بعض مالا ينبغي لامرأة ذات فطنة أن تغفل عنه في مثل ظروفها‏..‏ وظروفك‏.‏
المزيد ....

أغصان الشجرة‏!‏

08-03-2002
أنا طبيب شاب في التاسعة والعشرين من عمري نشأت في أسرة متعاطفة متدينة بين أب رحيم بمعني الكلمة ومثقف وأم حنون متعلمة‏,‏ وأخ يكبرني ويعمل مديرا بإحدي الشركات الكبري وأخت تصغرني ببضع سنوات‏,‏ وقد تمنيت منذ صغري أن أكون طبيبا فاهتممت بدراستي وأحببتها‏,‏ واخترت أن أكون إنسانا خدوما لا أتأخر عن تقديم أي خدمة استطيعها لمن يطلبها مني‏,‏ وأنهيت دراستي وبدأت سنة التدريب العملي وحصلت علي دبلومين دراسيين بعد التخرج‏,‏ وكم كانت فرحة أهلي حين عينت معيدا بالكلية وبالقسم الذي أحبه‏..‏ فبدأت الاستعداد لدراسة الماجستير واخترت موضوعا يفيد المرضي ووافقني عليه أساتذتي‏,‏ لكنه كان يتطلب تكاليف باهظة‏,‏ للبحث العلمي فتم التنسيق بين كليتي وبين مركز البحوث‏,‏ وأصبحت أعمل في الصباح بمستشفي الجامعة‏,‏ وأقضي بقية اليوم في أكاديمية البحث العلمي‏,‏ وكنت قد ارتبطت عاطفيا بزميلة لي وتمت خطبتنا فبدأ أهلي يطلبون مني التعجيل بالزواج‏..‏ خاصة وأنه قد تخرجت خطيبتي‏,‏ وحصلت أنا علي الماجستير‏..‏ وعملي في الكلية موضع رضا أساتذتي وكل شيء يدعو للابتهاج والتفاؤل واستجبت لرغبة الأهل وبدأت مع خطيبتي في انهاء عش الزوجية والاستعداد للزفاف فإذا بي اسقط مغشيا علي وأنا أقوم بفحص أحد المرضي وأفقت من غيبوبتي فوجدتني ممددا فوق أحد أسرة المستشفي الذي أعمل به‏..‏ وبجواري عدد من زملائي الأطباء‏..‏ وفوجئت بأقربهم إلي يبلغني بأن مستوي السكر لدي يبلغ خمسة أضعاف المعدل الطبيعي‏,‏ وأنه سبب هذه الغيبوبة المفاجئة‏!‏ وتساءلت متألما سكر في هذه السن؟ ثم سرعان ما استعدت توازني‏..‏ واعانني علي ذلك التفاف الأهل والأصدقاء حولي‏..‏ لكني فوجئت بعد ذلك بفتور خطيبتي تجاهي وفوجئت بها تكثر من الحديث المتشائم معي عن المشاكل الصحية المتوقعة في المستقبل بالنسبة لمرضي‏..‏ والمضاعفات‏..‏ والمحاذير الخ‏..‏ وكأنني مريض تفحصه ولا تربطها به صلة ولست خطيبها‏..‏ وأدركت الموقف المؤلم‏..‏ وأحسست بالمرارة‏..‏ وخلال فترة قصيرة كانت قد انسحبت من حياتي تاركة وراءها غصة في النفس والقلب‏,‏ وكمحاولة من جانب أبي لأن يخفف عني بدأ يلح علي في أن ارتبط بابنة أقرب أصدقائه إليه‏..‏ ولم أجد ما يمنعني من الاستجابة لرغبته خاصة وأنها فتاة مهذبة وزوجة صالحة لمن يرتبط بها‏.‏ وبدأنا نتحدث في الأمر مع والدها‏..‏ ووجدت من واجبي أن أصارحه بمرضي فأبلغته به‏..‏ فانفرد بي جانبا وأبلغني بطريقة مهذبة انني إذا أصدرت علي هذا الارتباط فلن يعارضه لكنه يفضل لو جاء التراجع أو الرفض من جانبي أنا‏..‏ وليس من ناحيته حرصا علي صداقته لأبي‏..‏ وأبت علي كرامتي أن استغل حرج والد الفتاة من أبي واستمر في مشروع الخطبة فعزفت عنها دون ابداء اية أسباب لأبي‏..‏ لكني تساءلت ممرورا وهل ضمنت خطيبتي الأولي أو الثانية ألا يصاب من ترتبط به برباط الزوجية بالمرض في المستقبل؟ وهل الزواج هو مجرد علاقة جسدية أو مادية فقط‏..‏ وسلمت أمري لخالقي وعرفت أن الله سبحانه وتعالي سوف يعوضني خيرا وأسدلت الستار علي موضوع الارتباط والزواج في حياتي‏..‏ وانخرطت في العمل باهتمام مضاعف‏..‏ وكرست كل وقتي له وزاد دخلي كثيرا والحمد لله‏..‏ وبدأت في التفكير في انشاء مركز صغير متخصص في مجالي‏..‏ وشجعني أبي أكرمه الله علي هذا المشروع وساعدني عليه ماديا‏..‏ واشركت معي أخلص أصدقائي‏..‏ وحصلنا علي المكان‏..‏ وتعاقدنا علي الأجهزة‏..‏ واحتاج الأمر إلي بعض عمليات الهدم والبناء الداخلية ورشح لنا الأصدقاء احدي الشركات المتخصصة في هذا المجال وطلبنا موعدا مع مسئول هذه الشركة وذهبنا إليه فإذا به مهندسة شابة جميلة ومريحة‏..‏ وتم الاتفاق وبدأ تنفيذ الأعمال‏..‏ ووجدتني أتردد علي المكان كثيرا‏..‏ واختلق الاعذار والأسباب لأتصل بالمهندسة المشرفة واتحدث إليها‏..‏ وسلمت داخليا أن ينبوع الحب المحبوس داخلي قد تفجر منذ رأيت هذه المهندسة وتعاملت معها‏..‏ وانتهت الأعمال‏..‏ وشعرت بأن الفرصة تضيع من بين يدي فتجرأت وسلمتها ورقة صغيرة أعبر لها فيها عن مشاعري الصادقة وأسألها عن رأيها في‏.‏ وفي المساء اتصلت بها متوجسا وحدثتها فبكت وصارحتني بأنها تبادلني مشاعري لكني استحق من هي أفضل منها لأنها مطلقة ولديها طفلة صغيرة‏,‏ وانهت المكالمة دون أن تدع لي أي مجال للمحاولة معها واتصلت بوالدها فوجدته يعرف بما حدث وروي لي عن سوء حظها في زواجها السابق وكيف تزوجت من اختاره هو لها وهو ابن أحد أصدقائه ولم يكن يعرف الكثير عن هذا الابن‏,‏ وكيف تبين بعد الزواج بثلاثة أسابيع فقط ولسوء الحظ أنه مدمن وكيف انتابته حالة هياج مدمرة ضربها خلالها بعنف شديد فكسر يدها واصابها اصابات متعددة فرجعت إلي بيت أبيها وطلبت الطلاق وحصلت عليه‏,‏ وبعد شهرين فقط من الطلاق مات زوجها السابق بجرعة زائدة لكنها كانت قد اكتشفت انها حامل‏,‏ ورفض هو أي محاولة لاجهاض ابنته‏..‏ واعتبر مولودتها حين جاءت إلي الحياة أختا صغري لها‏..‏ وتقدم لها بعد الطلاق كثيرون لكنها عزفت عن الزواج تأثرا بمرارة تجربتها الوحيدة معه‏.‏ وشعرت أنا بأن تمسكي بها قد ازداد عمقا بعد أن عرفت كل ذلك عنها وطلبت من والدها أن التقي بها في بيته وقابلتها عدة مرات واحببت طفلتها الصغيرة وتعلقت بها‏,‏ وعرضت الأمر كله علي شقيقي الأكبر فباركه وتعرف علي تلك السيدة الشابة واحبها واحترمها‏..‏ وعرفتها بأبي وأمي وأختي فأحبوها ورحبوا بها وتنبهت إلي انني لم اخبرها بعد بمرضي‏..‏ وربما لانني خشيت أن تتركني إذا عرفت؟ واستخرت الله سبحانه وتعالي وصارحتها فبكت وتساءلت‏..‏ وماذا لو كانت هي التي مرضت بهدا المرض‏..‏ أكنت سأتركها وأنصرف إلي غيرها؟‏..‏ ثم شاركتني الاهتمام بأسلوب الغذاء والرعاية والمتابعة لدي الطبيب المعالج بحب ومودة‏..‏ وأحسست بطعم السعادة الحقيقية معها وبمجرد رؤيتها وسماع صوتها‏,‏ وحانت اللحظة الحاسمة لابلاغ أبي وأمي وأختي بظروفها الاجتماعية كمطلقة وأم لطفلة صغيرة‏,‏ فلم تغير والدتي وأختي رأيهما فيها‏..‏ أما والدي الحبيب فلقد رفض ارتباطي بها بعنف شديد قائلا لي‏,‏ انني قد خنت الثقة ولم أصارحهم بظروفها منذ بداية التعارف وها هو ما أعترف به بالفعل لانني لو كنت قد صارحتهم بالتفاصيل في البداية لما سمحوا لي بتقديمها إليهم ولضيقوا علي الخناق حتي لا أعرفها‏,‏ وحاولت مع أبي مرارا وتكرارا أن يعدل عن موقفه ويبارك رغبتي في الارتباط بهذه السيدة وحاول أخوتي وأمي فأصر علي رفضه وهددني بمقاطعتي وقطع صلة رحمي إذا تزوجتها‏..‏ فأبلغته انني لا أستطيع الاقدام علي شيء دون موافقته ومباركته ودعائه لي كما أن والد فتاتي كذلك يأبي لها ذلك لأنها لا ينقصها أي اعتبار ولم تخطئ في شيء وليس بها عيب وإذا كان ثمة خطأ في الأمر كله فهو خطؤه هو في سوء اختيار ابن صديقه لها دون أن يتحري حقيقة شخصيته وظروفه ولقد كررت المحاولة مع أبي من جديد وسألته عما سيكون عليه الوضع لو كانت اختي هي التي واجهت نفس هذه الظروف‏,‏ فنهرني قائلا‏:‏ إنه سوف يحسن لها الاختيار بحيث لا تتعرض لمثل هذه الظروف إن شاء الله‏,‏ انني ارجوك أن تساعدني في اقناع أبي الحبيب بأن يدخل البهجة والسرور إلي قلبي وأن يبارك هذا الزواج لكي ننعم جميعا بالحب والرحمة والمودة التي زرعها الله في قلوبنا‏..‏ وهو من قرائك الدائمين ويحترم آراءك فهل تفعل ذلك من أجل شاب محب وسيدة شابة أمينة يرغبان في أن يقضيا أيام العمر معا؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
لا خلاف علي أنك قد أخطأت بتعمدك إخفاء حقائق الظروف الاجتماعية للسيدة الشابة التي ترغب في الارتباط بها عن أبيك منذ بداية تعرفه عليها‏.‏ ولا يشفع لك في ذلك تخوفك من أن يرفضها علي التو إذا عرف بظروفها في تبرير هذا الخطأ‏,‏ لهذا فهو محق تماما في احساسه بأنك قد حاولت استدراجه للقبول بارتباطك بها بغير أن تضع أمامه كل الحقائق الصحيحة عنها‏..‏ ومحق كذلك في استنكاره لهذا التصرف من جانبك لأنه يتعارض مع الثقة التي يمنحها الأب لابنه‏..‏ ومع أمانة هذا الابن في عرض الأمور عليه فالحقيقة خير دائما من أي زيف‏..‏ وفارق كبير بين أن يختلف الأب مع ابنه في تقديره لبعض الأمور اعتمادا علي الحقائق الصحيحة‏..‏ وبين أن يستدرجه هذا الابن لتأييد بعض المواقف أو الاختيارات بالتعمية علي بعض الحقائق أو اخفائها‏.‏ ففي الحالة الأولي يكون الأمر خلافا مشروعا في الرأي والرؤي بين الأب وولده أما في الحالة الثانية فإنه يكون خطأ أخلاقيا مؤسفا من جانب الابن في حق أبيه ولهذا كله فأنت مطالب أولا وقبل كل شيء بالاعتراف لأبيك بهذا الخطأ والاعتذار عنه‏..‏ ومن ثم يبدأ الحوار حول رؤية كل منكما لمن ترغب في الارتباط بها‏.‏
وفي كل الظروف والأحوال فلابد أن نسلم بأن دوافع أبيك للاعتراض علي هذا الاختيار هي في الأصل دوافع تتعلق بحدب هذا الأب عليك‏..‏ وحرصه علي سعادتك الشخصية من وجهة نظره ورغبته في سعادتك وفقا لمفاهيمه واستطرادا لأمنية كل أب لأن ينال ابنه دائما أفضل عطايا الحياة والحد الأقصي من الأشياء ومن زاوية الرؤية هذه فإنه يري أن هذا الزواج ليس الاختيار الأمثل لك لأنه يتضمن تنازلا عن الحد الاقصي للأشياء وقبولا بعبء عائلي لا يري أن ظروفك كشاب لم يسبق له الزواج تضطرك للقبول به وهو طفلتها الصغيرة غير أنه لا يغيب عن حكمة أبيك في الوقت نفسه أن السعادة مطلب عزيز المنال‏,‏ وأنه إذا استشعر الإنسان صدق الحب والرغبة في السعادة مع طرف آخر تتوافر فيه كل المزايا والفضائل الأخري ولم يكن هناك ما ينكره البعض عليه سوي مثل هذه الظروف الاجتماعية التي قد تتعرض لها أي فتاة كريمة رغما عنها‏..‏ فإن الحكمة تطالبه بالنزول عن بعض هذا الحد الاقصي من المطالب من الحياة وبالقبول بما يحقق له الأمل في الهناء بغير أن يتوقف كثيرا أمام هذا الاعتبار‏..‏ كما أن الانصاف أيضا يقتضي من أبيك الرحيم كذلك ألا يركز بصره فقط علي ما تنازل عنه ابنه في سبيل الفوز بالسعادة في هذا الارتباط‏,‏ وأن يمد بصيرته أيضا الي الطرف الآخر في هذه القصة ليعترف لهذه السيدة الشابة أنها هي الأخري لم تكن أقل استعدادا لتقديم القرابين في سبيل نيل الحب والسعادة والأمان‏..‏ فهي لم تتوقف علي سبيل المثال أمام ما سبق أن توقفت أمامه خطيبتك السابقة وحطمت من أجله مشروع الارتباط القديم‏..‏ وتوقف أمامه أيضا صديق والدك الحميم وأشفق علي ابنته منه وإذا كان والدك يشفق عليك من عبء الطفلة الصغيرة‏..‏ فإن حكمته لابد وأنها تدرك كذلك أن ما قد يراه من يحكم علي الأمور بالمنطق المجرد عبئا وهو هذه الطفلة الصغيرة قد يكون في رؤية المحب الراغب بشدة في السعادة مع أمها امتدادا لحبه لها وليست عبئا انسانيا كما يتصور‏,‏ والمفكر الفرنسي الكبير فولتير يقول إن من أحب الشجرة أحب أغصانها‏!‏ وهذه الطفلة الصغيرة هي الغصن الذهبي لشجرة هذه السيدة الشابة فإذا صدق حبك لها صدق بالضرورة حبك لابنتها‏..‏ وامتد إليها‏.‏
وبحسن المعاشرة تدوم المحبة كما يقول لنا المفكر الامريكي ايمرسون وليس بمثالية ظروف الطرفين ولا بخلوها من اية أعباء انسانية ولا بتوافقها مع الحدود القصوي للأشياء‏,‏ فإذا لم يكن لدي أبيك من الاعتبارات الأخري ما يعترض عليه سوي ظروف هذه السيدة الشابة كمطلقة وأم لطفلة‏..‏ وتوافرت فيها كل الشروط والمزايا الأخري وكان الحب متبادلا وصادقا‏..‏ والرغبة في أن يعوض كل منكما الآخر عما ينقصه ويشد أزره في الحياة ويعينه علي أمره‏,‏ حقيقية ومخلصة فلابد أن تنجح عشرتكما وتثمر ثمارها الطيبة بإذن الله‏..‏ غير أن كل ذلك لن يتحقق لك إلا إذا استكملت أسباب الأمل في السعادة الشخصية بنيل رضاء أبيك ومباركته لاختيارك وحياتك وثق من أنه لن يضن عليك بتأييده لك إذا كانت كل الاعتبارات الأخري متوافرة في شخصية فتاتك وإذا استشعر كذلك انك مستمسك بهذا الاختيار إلي النهاية‏..‏ ستظل صابرا ومتصبرا إلي أن يشفق عليك من أن يحرمك إلي ما لا نهاية في سعادتك ولاشك في أن والدك ممن يقدرون جيدا نعم ربهم الجليلة عليهم ويعرفون تماما أن من أجل هذه النعم أن يكون للمرء أبناء راشدون‏,‏ زمام أمورهم بأيديهم ويستطيعوا أن يفعلوا بحياتهم ما يشاءون لكنهم يقبضون علي قيمهم الدينية كما يقبض المرء علي الجمر ولا يجرؤون ـ حبا وكرامة ـ علي الخروج علي طاعة آبائهم وأمهاتهم ولا تهنأ لهم حياتهم إلا إذا استشعروا رضاء الأهل الأقربين عليهم‏..‏ ومباركتهم لاختياراتهم‏!‏
المزيد ....

الرجل الضعيف‏!‏

15-03-2002
أكتب إليك هذه الرسالة استكمالا لموضوع سبق لي أن استشرتك فيه‏..‏ وسوف أذكرك به‏..‏ فأنا ياسيدي زائر الليل الذي زارك في مكتبك منذ بضع سنوات بعد منتصف الليل‏,‏ وروي لك أنه نشأ في أسرة سعيدة لأبوين متحابين ومتعاطفين وبين أخ وأخت يصغرانني‏..‏ وكيف مضت بنا رحلة الحياة ونحن الأبناء حريصون علي رضا أبوينا‏..‏ وننفذ وصياهما لنا وأهمها هو أن نتحاب فيما بيننا ونتماسك ونحرص دائما علي علاقتنا الأخوية ببعضنا البعض‏,‏ حتي تخرجت وعملت وتزوجت‏,‏ وتخرجت أختي التي تليني في العمر وتزوجت‏..‏ وتخرج أخي الأصغر وأصر علي أن يتزوج بعد تخرجه علي الفور من زميلة له‏..‏ ولم يسمع نصيحة أبي وأمي ونصيحتي له أن يتروي قليلا ويصبر إلي أن يؤدي الخدمة العسكرية ويعمل عملا مستقرا‏..‏ فلم يقتنع بأي نصيحة‏..‏ وكانت حجته في ذلك أن زميلته هذه يلاحقها زميل آخر لها ويعرض عليها الزواج‏,‏ ولو لم يبادر هو بالزواج منهاعلي الفور فقد تقتنع بالآخر وتتزوجه‏!‏ وبالرغم من سذاجة السبب لأن من تريد إنسانا لاتعدل به أحدا إلا أنه أحال حياة الجميع إلي جحيم واتهم الجميع بعدم الاهتمام بسعادته‏..‏ حتي اضطر أبي راغما علي السير في خطوات الزواج‏,‏ وهو غير مقتنع بأسبابه‏..‏ وقال وهو يفعل ذلك أنه يعرف ابنه جيدا ويعلم عنه أنه يعتقد أن احتياجاته ومطالبه لابد أن تكون فوق كل الاعتبارات‏..‏ وتم عقد القران‏..‏ ومن اليوم الأول له بدأت مشاكل خطيبته مع أسرتي التي تصورت أن معارضة أبي لزواجه منها تتعلق بشخصها هي وليس بصغر سنه وظروفه‏,‏ فبادرت الجميع بالتحفظ والحساسية المرضية والتربص لأية كلمة أوإشارة تصدر عنهم‏..‏ وأصبح كل رأي يبديه أبي بشأن خطوات الزواج مرفوضا من جانبها دون تفكير‏..‏ حتي نفض أبي يده من الأمر كله وطلب من أخي أن يفعل بحياته ما يشاء دون الرجوع إليه‏..‏ وأيدته في ذلك حرصا علي العلاقات الأخوية والعائلية وأقنعت أمي وأختي بذلك لكيلا نتعرض جميعا للعداء من جانب خطيبة أخي ومن جانبه‏..‏ وتزوج أخي الأصغر بعد القران بشهور معتمدا في زواجه علي مرتب شهري من أبي وليس علي عمله كما فعلت أنا وبعد انتهاء خدمته العسكرية استقر في عمل مناسب وأنجب أول أطفاله‏,‏ وبعد بضعة أعوام رحل أبي عن الحياة وترك لنا ميراثا بسيطا يعيننا إلي جانب أعمالنا علي الحياة الكريمة‏,‏ وكان الميراث عبارة عن مساحتين صغيرتين من الأرض الزراعية في بلدة أبي بالوجه البحري‏,‏ إحداهما في الجهة الشرقية منها‏..‏ والأخري في الجهة الغربية وعقارفي بلدتنا تمت تعليته بدورين إلي جانب معاشه لأمي‏,‏ وبعد انتهاء العزاء بدأنا في إجراءات تقسيم الميراث وفوجئت بأخي الأصغر يخرج علينا بشيء يتعارض مع الشرع والقانون ويصر عليه إصرارا غريبا هو أن يأخذ نصيبه من الميراث كله في قطعة الأرض الشرقية‏.‏ بحيث يستقل بها دوننا‏..‏ ونقتسم نحن بقية الميراث كما يحلو لنا‏,‏ في حين يقضي العدل أن نتقاسم كلنا قطعة الأرض الشرقية وقطعة الأرض الغربية والعقار كل حسب نصيبه الشرعي‏,‏ وحاولت معه بكل السبل والطرق أن يقبل بما شرعه لنا الله‏,‏ وعرضت عليه أن نقسم الأرض حسب الشرع وأن أستبدل معه وحدي نصيبي في الأرض الغربية بنصيبه قي الأرض الشرقية‏,‏ برغم علمي وعلم الجميع أن قيمة الأرض الشرقية أكبر لأنها أكثر خصوبة وسعرها أعلي‏,‏ كما أنها ملاصقة لكردون البلدة ومرشحة لأن تدخل زمام المباني فيها ذات يوم علي عكس الأرض الغربية‏,‏ وبالرغم من هذا عرضت عليه ذلك لكي أرضي نفسه وأحافظ علي صلة رحمه‏..‏ خاصة أن الفارق في قيمة الأرض ليس كبيرا إلي الحد الذي يجعلني أخسر أخي من أجله‏..‏ لكنه رفض حتي هذا العرض وطالبني بما لا أملكه وهو أن أقنع أختي وزوجها بأن يفعلا ما فعلت وإلا فنحن لانريد له ما يحقق مصلحته‏!‏

وعقدنا جلسات عائلة عديدة‏..‏ وحكمنا بيننا الأهل دون جدوي‏,‏ ثم فوجئت ذات يوم بإنذار قضائي من محام مشبوه وسييء السمعة في بلدتنا يبلغني فيه بأن أخي سوف يطعن في قسمة الميراث أمام المحكمة ويتهمني بإخفاء مبلغ كبير من المال يزعم أن أبي تركه وراءه في البيت ولم ندخله نحن في الميراث لكي نحرمه من نصيبه فيه‏!‏
ولم أصدق عيني حين قرأت هذا الإنذار‏..‏ وبكيت حزنا علي أبي الذي كرس حياته لتربيتنا ورعايتنا وتعليمنا المبادئ الدينية والأخلاقية وكافح طوال حياته لكي يوفر لنا الحياة الكريمة‏,‏ وجمعت أمي وأختي وزوجها وأبلغتهم بالخبر وقلت لهم إن أخانا قد باع صلة رحمه بطمع الدنيا‏,‏ لكني لا أتصور أن أقف أمامه في المحكمة وأسيء إلي ذكري أبي الطيب في بلدتنا‏,‏ واقترحت في النهاية أن نقبل بما يريد مع أنه لا حق له فيه‏,‏ ووافقني الجميع علي أن أعمل علي رأب الصدع مع أخي بالرغم من تسليمنا جميعا بعدم أحقيته فيما يريد‏,‏ وإدراكنا أن زوجته هي التي تحرضه علي هذا الموقف العدائي منا‏.‏
ولم ينته الأمر عند هذا الحد كما كنت أتصور‏,‏ فلقد راح كل بضعة أسابيع يثير مشكلة جديدة ويطالبني بشئ ليس من حقه‏..‏ ويستعين بالمحامي المشبوه علي إرغامي علي الاستجابة له حتي أصبحت حياتنا سلسلة من الأزمات والتهديدات القضائية‏,‏ وكلما رأبت صدعا بالتنازل عما يقضي به العدل‏..‏ ازداد طلبا وافتعالا للمشاكل‏,‏ حتي انتهي به الأمر إلي مقاطعتي نهائيا ومقاطعة أختي وزوجها‏,‏ ولم يبق علي صلة له بأسرتنا سوي بأمي التي يزورها من حين لآخر في غيابنا‏,‏ وإذا فاتحته في قطيعته لأخوته ثار عليها وامتنع عن زيارتها حتي سلمت باليأس منه‏.‏

وفي هذه الفترة زرتك في مكتبك‏..‏ ورويت لك القصة كلها وقلت لك إن زوجتي وبالرغم من أنها سيدة فاضلة وطيبة ومتدينة ولم تعارضني في التنازل لأخي إذا لم يكن هناك حل آخر مع ما في ذلك من أضرار لمصلحتي ومصلحة أطفالي‏,‏ إلا أنها تتهمني في نفس الوقت بالضعف معه وبالعجز عن الوقوف أمام جبروته واجترائه علي الحق‏..‏ وتقول إنه يعرف في هذا الضعف ويضغط علي به كلما أراد شيئا ليس من حقه أو خططت له زوجته شيئا آخر‏,‏ كما تقول لي إنني فرطت في حقوق ابنائي ولسوف أندم علي ما فرطت فيه في المستقبل حين يرتع أبناء أخي في العز‏..‏ ويعاني أبناؤنا متاعب الحياة‏,‏ وأذكر أنك سألتني عن تقديري للقيمة المادية لما تنازلت عنه من حقي لأخي فأجبتك أنها قد لاتتجاوز بضعة آلاف من الجنيهات ومثلها من أمي وأخي لأن الميراث كله صغير في النهاية‏,‏ لكن المشكلة أن تنازلي وتنازل أمي وأختي لم يحقق الغرض منه وهو الحفاظ علي صلة الرحم مع هذا الأخ‏,‏ ولست حزينا علي ما تنازلت عنه وإنما علي الأسلوب العدائي الذي ينتهجه أخي منا‏..‏ واضطراري لتفادي النزاع إلي القبول مرغما بشيء فيه ظلم لي ولأختي وأمي‏..‏ وهذا هو ما تعتبره زوجتي ضعفا من جانبي‏,‏ فقلت لي إن الرجل الضعيف هو من لايقدر علي نفسه ولا علي كبح جماح شهواته وأطماعه‏..‏ وأن القوة الحقيقية هي في الصبر علي احتمال المكاره‏..‏ وفي الترفع عن الصغائر‏,‏ وبهذا المفهوم فإن الرجل الضعيف في هذه القصة كلها هو أخي وأنا القوي الذي تغلب علي شهوة الاستئثار وشهوات الغضب والانتقام وترفعت عن أن أنازع شقيقي أمام القضاء حول عرض زائل من أعراض الدنيا‏..‏ صدوعا بأمر ربي بالحرص علي صلة الرحم‏..‏ فإذا كانت تضحيتي لم تحقق غرضها‏..‏ فإن المسئول عن ذلك هو من باع رحمه وتعاليم دينه وربه بمتاع قليل ولست أنا‏,‏ وطلبت مني أيضا ألا أخشي من أن تؤثر تضحيتي علي مستقبل أبنائي‏,‏ لأن خير ما أورثه لهم هو مال مطهر من كل شبهة حرام فيبارك الله سبحانه وتعالي فيه ويضاعفه لهم أضعافا مضاعفة‏,‏ ورويت لي قصة العادل عمر بن عبدالعزيز مع أبنائه الذين تركهم فقراء من بعده فحفظهم ربهم وأجزل لهم العطاء‏,‏ وخرجت من عندك مطمئن النفس ورويت لزوجتي كل ما قلت لي وبشرتها بما بشرتني به‏,‏ وتعاهدنا علي ألا نرجع للحديث في هذا الأمر بعد ذلك أبدا‏,‏ وواصلت حياتي راضيا بما أتيح لي من أسباب الرزق من عملي ومن إيراد ميراثي القليل‏,‏ ولم أكف عن محاولة استعادة صلة رحمي بأخي برغم جفائه وتحفظه‏..‏ وعدم تجاوبه معي‏..‏ وسافر أخي للعمل في إحدي الدول العربية مع زوجته وأبنائه‏,‏ وترك توكيلا لصهره وللمحامي المشبوه لإدارة أرضه‏..‏ ولم يفكر في أن يأتمنني عليها ولم أغضب لذلك‏..‏ لكني تعجبت فقط‏....‏

ومضت سنوات وهو لا يزورني ولا يتصل بي ولا بأخته ويكتفي بالسؤال عن والدته تليفونيا كل شهرين أو ثلاثة‏..‏ وأصبحت ألتقط أخباره منها‏,‏ فعرفت أنه قد شارك بحصيلة الغربة شخصا جاء به إليه المحامي المشبوه في مشروع لإنشاء مصنع لتعليب وتعبئة وتصدير الخضر والفاكهة في الأرض التي يملكها‏..‏ وأن المحامي خاض معارك طويلة للحصول علي ترخيص بالبناء في الأرض الزراعية‏..‏ وبعد‏7‏ سنوات في الغربة رجع واستقر في مصر‏..‏ ثم فوجئت به ذات يوم يتصل بي من بلدتنا بعد فترة طويلة من الانقطاع‏..‏ ويصرخ ويبكي ويقول لي إن محاميه قد تواطأ مع شريكه علي سرقته وأنهما نهبا معا المبلغ الكبيرالذي شارك به في رأس مال المشروع إلي جانب الأرض‏,‏ ويطلب مني السفر إليه في بلدتنا للوقوف إلي جانبه في هذه الكارثة لأنني أخوه وهو يحتاج إلي‏..‏ مع ضرورة إحضار المحامي الذي أتعامل معه من القاهرة معي‏!‏
وسمعت زوجتي القصة كلها وتساءلت‏:‏ ولماذا لم يتذكر أنك أخوة سوي الآن‏..‏ ولماذا لم يلجأ إلي صهره الذي ائتمنه من قبل علي أرضه دونك‏!‏
وطالبتني بالاعتذار عن عدم السفر‏..‏ والاكتفاء بترشيح المحامي لصهر أخي لكي يتفاهم هو معه‏..‏ لكني لم أستطع أن أفعل ذلك برغم تسليمي بصحة كل ماقالت ورجوت المحامي أن يصطحبني في زيارة للبلدة للإطلاع علي الموقف وسافرنا معا‏..‏ وعقدنا اجتماعات وجلسات مع شريك أخي ومحاميه‏..‏ وتكشفت الحقيقة واضحة وهي أن الشريك قد استولي علي ثلاثة أرباع المبلغ الذي دفعه أخي في رأس المال وبرعم أنه قد انفقه كله في إنشاءات المصنع الذي لم يكتمل وهو يرفض الآن استكماله إلا إذا دفع أخي مبلغا جسيما آخر فإن لم يرض بذلك فإنه ينسحب من المشروع ويتركه لأخي ولكن بعد أن يحصل علي مايزعم أنه قد أنفقه من ماله علي الإنشاءات‏..‏ وإن لم يقبل بهذا ولا ذاك فأمامه المحاكم‏..‏ وليت الأمر اقتصر علي ذلك بل إن هناك أيضا ديونا للمشروع وشيكات موقعة من أخي ولابد من الوفاء بها وإلا كان السجن مصيره‏!‏ وقد أعد المحامي المشبوه للشريك اللص كل شيء ودعم كل مزاعمه بالفواتير والمستندات وليست هناك ثغرة واحدة يمكن استخلاص الحق منها‏!‏

وبعد مداولات ومحاولات للتوسط بين الطرفين استمرت بضعة شهور نصح صديقي المحامي وهو إنسان مستقيم أخي بألا يستمر في النزاع لأنه سيخسره وسيضاعف من خسائره وان يقبل العرض المقدم من شريكه ومحاميه بأن يشتريا نصيبه في المشروع والأرض المقام عليها مقابل مايزعمان أنهما قد تحملاه من تكاليفه وديونه‏!‏ بمعني أن يوقع علي بيع نصيبه بالمشروع والأرض المقام عليها مقابل الحصول علي مخالصة بالديون والأعباء والشيكات الموقعة فقط لاغير‏.‏
ولم يقبل أخي النصيحة بالرغم من إلحاحنا جميعا عليه بالقبول‏..‏ وراح كالمجنون يهذي ويصرخ ويبكي في هستريا ويتحدث عن اغتصاب الحقوق ويتهمني بالعجز عن مساعدته في استرداد ماله‏..‏ وآثر أن يخوض معركة القضاء فخسر أولي جولاتها‏..‏ والثانية‏..‏ واستسلم في النهاية وقبل بالعرض الأول بعد أن أنهكه المحامون واقترض مني بضعة آلاف من الجنيهات لم يردها حتي الآن‏.‏
وأعتلت صحته ومرض بارتفاع ضغط الدم والاكتئاب وانزوي في بيته لا يكاد يكلم أحدا‏..‏ وكل بضعة أسابيع يهجر زوجته ويقيم في شقة أمي غاضبا منها‏..‏ ونسعي نحن بالصلح بينهما رغم كل شيء‏.‏

وخلال إحدي فترات إقامته هذه في بيت أمي‏,‏ خرج علي بطلب جديد هو أن أبادله بقطعة من الأرض الغربية التي آلت لي بالميراث بما تبقي له من أرض في الحد الشرقي للبلدة لأنه كما يقول قد مرض بالاكتئاب‏..‏ ويزداد اكتئابه كلما ذهب لمباشرة أرضه هناك ورأي أرضه المغتصبة منه ومشروعه المنهوب وماله الضائع يتمتع به اللصوص الذين استولوا عليه ظلما وعدوانا‏..,‏ وحدثتني أمي في نفس الموضوع استجابة لضغطه الشديد عليها‏..‏ وقالت لي إنها لا تريد أن ترغمني علي ما لا أريده‏..‏ لكنها دعدته بالحديث معي ولم أعطها جوابا بالقبول أو الرفض‏,‏ لكن زوجتي ما ان علمت بذلك حتي ثارت ثورة طاغية لم أشهدها منها من قبل‏..‏ وهددتني ولأول مرة في حياتنا الزوجية التي دامت حتي الآن‏19‏ عاما بأن تهجرني وتطلب الطلاق إذا استجبت لهذا المطلب‏,‏ وضعفت مرة أخري مع أخي وفرطت في حقوق أبنائي وأكدت لي أنه هذا المطلب لا يمكن أن يكون لوجه الله‏..‏ ولا للأسباب التي يزعمها أخي‏..‏ وإنما هناك بالضرورة سر في الموضوع لا أعرفه‏.‏
وبالرغم من غضبي منها لتهديدها لي بطلب الطلاق إلا أنني تفهمت أسبابها ووعدتها بعدم إتخاذ أي إجراء في هذا الأمر بغير مشورتها كما وعدتها أيضا بتحري حقيقة الموضوع‏.‏
وفاتحت المحامي الصديق في الأمر فوعدني ببذل جهده لمعرفة الحقيقة وزرت بلدتي وتقابلت مع مستأجري الأرض وزرت المجلس الأعلي المحلي‏..‏ وذهبت إلي عاصمة الإقليم‏..‏ فإذا بي أعرف أن خريطة التوسع العمراني في بلدتي قد حددت إمكانية التوسع العمراني في البلدة بالاتجاه غربا وليس الي الشرق كما كان الشائع من قبل وذلك لخصوبة الأرض الزراعية في الشرق من ناحية ولتعذر نقل مقابر البلدة التي تعترض التوسع شرقا من ناحية أخري‏..‏ بل أكثر من ذلك فلقد علمت ان أخي قد عرف بهذا الأمر قبل أسابيع عن طريق المحامي الذي غدر به وخانه واغتصب ماله‏,‏ وان هذا المحامي قد اتصل بي وأوهمه أنه يريد تعويضه عما خسره في مشروعه بمساعدته علي شراء أرض في الناحية الأخري من البلدة‏,‏ تحسبا لارتفاع قيمتها خلال فترة قصيرة وأن شقيقي قد حاول بالفعل أن يبيع أرضه ويشتري غيرها في الحد الغربي‏,‏ لكنه لم يجد من يشتري أرضه‏..‏ ولا من يقبل أن يبيعه أرضا مرشحة لأن تدخل كردون المدينة خلال عام أو عامين‏!‏ فكتم الأمر كله عني‏..‏ وخرج علي بقصة الاكتئاب النفسي وأنه لا يطيق رؤية ماله المنهوب ليستدرجني استبدال أرضة دون أن أعرف أنها مرشحة لأن تكون أمتدادا عمرانيا للبلدة‏!‏
هل تصدق ذلك ياسيدي ؟

إنني لا أنكر عليه حتي رغبته في أن يستغل ضعفي معه أو مع ذوي الرحم‏,‏ لكي يشاركني قطعة الأرض التي نبذها عند تقسيم التركة واصر علي أن يستأثر بالأرض الأفضل منها‏..‏ لكني أنكر عليه ان يستخدم في ذلك أيضا الخداع معي ويوهمني بأن مايطلبه هو لأسباب صحية تساعده علي العلاج من الاكتئاب‏..‏ وليس لأسباب مادية حقيرة وأنا الذي تنازلت له عن الكثير وتجاوزت عن جفائه لي ولأختي وابتعاده عنا سنوات بعد سنوات‏.‏
لقد دمعت عيناي حزنا وأسفا حين اكتشفت الحقيقة المرة‏..‏ وصارحت زوجتي بها فشعرت بالانتصار لتحقق ظنها في أخي‏,‏ وحذرتني من الانخذاع بدموعه وتوسلاته واكتئابه المزعوم لأنه لا يستهدف إلا مصلحته وحده‏.‏
والحق أنني أؤيدها في كل ماقالت‏..‏ وأعرف أنه الحق‏..‏ لكني حائر بين توسلات هذا الأخ ودموعه‏..‏ واتصالاته المكثفة بي‏..‏ والضغط علي بذكريات طفولتنا وصبانا ووالدنا الراحل‏,‏ وضعف أمي معه‏..‏ وأمنيتها الصامتة ان استجيب له برغم علمها بأنني سأتعرض للظلم مرة أخري لو فعلت‏,‏ وبين إصرار زوجتي علي إلا استجيب لمطلبه وتذكيرها لي بمصالح ابنائي وحاجتهم في المستقبل لما يؤمن حياتهم‏..‏ واستنكارها لضعفي مع أخي وهو نفس موقف أختي وزوجها أيضا‏..‏ فبماذا تشير علي‏..‏ وبماذا تنصحني أن أفعل ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
هناك فارق كبير بين أن تتنازل لأخيك عن بعض حقك إرضاء له وحرصا علي صلة رحمه إذا لم يكن هناك من سبيل آخر لتجنب النزاع القانوني معه سوي ذلك‏,‏ وبين أن تخضع لابتزازه العاطفي لك فتواصل الاستجابة لرغباته التي لا سند لها من العدل والحق الي ما لا نهاية ومع مافي ذلك من ضرر مؤكد بك وبأبنائك‏..‏ والحق انك غير ملوم في إحساسك بالحزن لما تدهورت إليه قيمه الأخلاقية حتي إنه ليسعي جاهدا الي استدراجك لمبادلته بقطعة من أرضك الواعدة‏..‏ قطعة أقل قيمة منها‏..‏ مخفيا عنك دوافعه الحقيقية لهذا الخداع المؤسف‏..‏ ومستغلا فيك مشاعرك الأخوية نحوه بالرغم من سجله الشائن معكم لكي يكرر جريمته السابقة معكم ويحصل منكم علي ما لا حق له فيه‏..‏ وكأنما لم يتعلم شيئا مما تعرض له خلال الفترة الماضية حين اغتصب هو بعض حق أخوته بالإكراه المعنوي‏,‏ فسلطت عليه السماء من اغتصبوا منه أضعاف ما اغتصب هو من أخوته وأمه‏,‏ وشعر أمامهم بالعجز وقلة الحيلة‏..‏ بأضعاف ماشعر به أخوته أمامه وهم يقبلون راغبين أن يميزوه عنهم في ميراث أبيهم بلا سند من شرع أو قانون‏..‏ وبلا مبرر سوي ضعفه الأخلاقي المعيب أمام شر نفسه واستهانته بالروابط العائلية وإعلائه للقيم المادية علي كل ماعداها من اعتبارات‏.‏

إنه إنسان شديد الأثرة والذاتية ياصديقي‏,‏ ولا يري سوي نفسه ورغائبه وتطلعاته ولا يتورع في سبيل تحقيق أهدافه عن استخدام كل الوسائل‏..‏ ويقبل بالحرام ولو كان مغتصبا من أخوته وذوي رحمه مادام يزيده مالا‏..‏ ولابد ان يسلم أن ما ناله منكم من قبل لم يكن سوي مال حرام‏,‏ أخذه منكم بسيف الإكراه الأدبي وعلي غير طيب نفس من أحدكم‏,‏ ولهذا فانه لم يغنه شيئا‏..‏ ولم يجعل منه أكثر الاخوة ثراء كما أراد لنفسه‏..‏ وإنما تبدد في الفضاء‏..‏ آخذا معه حصيلة سنوات الغربة خلال زمن قصير‏..‏ فنحن نعرف من هدي رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه‏..‏ان ماأخذ بسيف الحياء فهو حرام‏,‏ وان مايأخذه المرء من آخر وهو يعلم جيدا أنه لم يكن ليعطيه له لولا استحياؤه منه‏..‏ إنما هو من قبيل الحرام سواء بسواء كالمال المسروق أو المغتصب بالحيلة والخداع‏..‏ فكيف يكون المال إذن بما حصل عليه هو من قبل بسيف الإكراه المعنوي والابتزاز العاطفي والتهديد بقطع الرحم ومنازعة الأم والأخوة في المحاكم والإساءة لذكري الأب الراحل‏..‏ ولسمعة الأسرة بأكملها‏..‏ هل يمكن أن يكون من الحلال البواح ؟
لقد استمرأ شقيقك أنانيته وذاتيته وإيثاره لنفسه وسعيه وراء مصالحه علي حساب حقوق أخوته ووالدته‏..‏ وبدلا من أن يعيده ماتعرض له من عدوان علي ماله علي طريقة قد ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما كما قال الإمام مالك بن أنس ـ إلي جادة الحق فيدرك وقد ذاق لسعة القهر وانتزاع الحق حقيقة ماذا فعل بإخوته ويعترف بظلمه السابق لهم‏..‏ ويستبريء ذمته منهم فإنه لم يتورع علي العكس من ذلك عن التخلي عن آخر القيم الأخلاقية ولم يتعفف عن محاولة الاحتيال علي شقيقه الذي تجاوز عن إساءته السابقة له وأعانه علي أمره في محنته ليفوز بشيء مما أضاعه هو من قبل علي نفسه بتطلعه الي مافي أيدي غيره ولو ارتكب في سبيل ذلك أحقر الجرائم الإنسانية وهي خداع الأخ وابتزازه عاطفيا بدعوي المرض النفسي‏,‏ ومثل هذا الشقيق لا تعنيه الاستجابة لمطالبه غير العادلة علي نفسه‏..‏ ولا تساهم في إصلاحه وإعادته إلي النهج القويم في الحياة‏..‏ لأنه إنسان ضعيف بكل معني الكلمة‏..‏ أمام تطلعاته وأهوائه‏..,‏ ولا عائد لمواصلة التنازل عن الحق له إلا أن يزداد جشعا وتطلعا للمزيد من حقوق أخوته وأهله‏,‏ لهذا فلابد من وضعه أمام الحقيقة ومطالبته بمواجهتها بجلاء وبلا زيف‏..‏ وأنصحك بأن تواجهه بأنك قد عرفت ماينتظر أرضك من مستقبل واعد وباستمساكك بعدم التفريط فيها لمصلحة أبنائك‏,‏ فإذا كانت قصة الاكتئاب هذه صحيحة ويشكو بالفعل من عجزه عن الإشراف علي أرضه للأسباب التي يدعيها فإنه يستطيع بيعها وشراء أرض بديلة لها في أي مكان آخر من الخريطة‏..,‏ وإذا لم تكن صحيحة وهو الأرجح‏..‏ فلا شأن له بأرضك ولا بأرض أخته وأمه التي سيرث جزءا منها بعد عمر طويل‏..‏

أما أنت فلست مطالبا بتعويضه عما ذهبت به رياح الجشع وسوء التقدير من ماله‏..‏ وإذا كنت من ذوي النفوس العظيمة الذين يعملون بوصية عمر بن الخطاب حين سئل لمن يكون الإحسان‏..‏ فأجاب‏:‏ لمن أساء إلينا فإنك تستيطع مبادلته بأرضه كما يريد‏,‏ ولكن بالقيمة الحقيقية لها وبالمقارنة بالقيمة المستقبلية لأرضك وفقا لأحكام السوق وقواعد العرض والطلب‏,‏ دون تفريط أو مغالاة‏..‏ وبهذا المعيار فقد تكون المساحة العادلة من أرضك التي تساوي القيمة الفعلية لأرضه كلها تعادل نصف مساحتها أو أكثر أو أقل وفقا لأسعار السوق وتوقعات المستقبل‏,‏ فإذا قبل بذلك فإنك تكون قد أرضيت طبيعتك المضحية‏..‏ التي تعلي الاعتبارات العائلية والدينية علي بقية الاعتبارات وإن لم يقبل به وأغلب الظن أنه لن يقبل‏..‏ فليفعل هو بأرضه وحياته مايشاء ولا لوم عليك في شيء‏,‏ ذلك لأن الابتزاز العاطفي لا يمكن ان يحقق أهدافه الي ما لا نهاية‏..‏ كما أن ذكريات الطفولة والصبا وغيرها لا تعطي لشقيقك رخصة أبدية بأن يتطلع دائما الي نيل ما لا حق له فيه من مال أخوته وذويه‏.‏ وليس مما يشرفه ألا يحفل بالروابط الأخوية والعائلية والذكريات المشتركة إلا حين يحتاج إلي الأهل والاخوة فيكون بذلك كما يقول المثل الأوروبي القديم كالنواتية الذين لا يعرفون الله إلا ساعة الغرق‏!‏
المزيد ....