الأربعاء، ١ أغسطس ٢٠١٢

نوافذ الاستشهاد

26-01-2007
أنا رجل أعمال‏,‏ عمري‏45‏ عاما‏,‏ لدي شركة تجارية كونتها بعد عناء شديد‏,‏ فقد كنت موظفا لسنوات طويلة‏,‏ إلي أن تمكنت من تحويل مسار حياتي‏..‏ وعشت سنوات هنيئة إلي أن حدث ما عكر صفو أيامي‏,‏ وجعلني لا أشعر بالراحة‏,‏ علي الرغم من أني أمتلك كل مبررات السعادة‏,‏ وأريد أن أريح ضميري وأتأكد أن ما أفعله ليس خطأ أو حراما‏.‏

تزوجت ـ يا سيدي ـ منذ سنوات قليلة‏,‏ بعد قصة حب مع فتاة متدينة‏,‏ ومن أسرة طيبة‏,‏ ورغما عن أنها تصغرني بأكثر من عشر سنوات‏,‏ ووضع عائلتها المادي أفضل من عائلتي‏,‏ إلا أنها وقفت بجابني في وجه معارضة أهلها وأصرت علي الزواج بي‏,‏ ومشاركتي رحلة الكفاح‏.‏ وهذه حقائق لا استطيع انكارها أو تجاهلها‏,‏ فأنا أعرف الله وأخشاه وأراعيه في كل تصرفاتي‏.‏

بعد زواجنا بقليل‏,‏ وبعد حوار طويل بيني وبين زوجتي‏,‏ قررت أن استقيل من وظيفتي الحكومية‏,‏ وببعض المال الذي كان معي وبمساعدة زوجتي‏,‏ افتتحت مشروعا صغيرا بدأ يكبر مع الأيام‏,‏ فكنت أسجد لربي الذي وهبني زوجة متدينة‏,‏ رائعة الجمال‏,‏ وأفاض علي من رزقه‏,‏ ولم يكن يؤلمنا أو يهدد سعادتنا سوي تأخر الانجاب‏,‏ وبعد تردد طويل علي الأطباء لم يكن أمامنا إلا اللجوء إلي الحقن المجهري‏,‏ اختصارا للوقت‏,‏ لأن الطبيب كشف لي أن لدي مشكلة تجعل احتمالات الحمل الطبيعي محدودة‏,.‏ وشاء الله العلي القدير أن تنجب زوجتي ثلاثة توائم‏.‏

طرنا من السعادة‏,‏ واعتبرت أن هؤلاء الأطفال رسالة من الله سبحانه وتعالي تؤكد رضاءه عني‏,‏ واصلت عملي ليلا ونهارا‏,‏ وانشغلت زوجتي بأطفالنا‏,‏ وكنت أشفق عليها من العناء الذي تلاقيه‏,‏فتربية ثلاثة توائم شيء مؤلم ومرهق‏,‏ لاتنام إلا نادرا‏,‏ أهملت في نفسها حتي زاد وزنها‏,‏ وتواري جمالها‏,‏ وانقطع الحوار بيننا لمدة تقترب من العامين‏,‏ كما انقطعت هي الأخري عن العالم‏,‏ وأوقفت دراستها العليا‏,‏ وأصبحت أكثر عصبية‏,‏ ولكني تفهمت كل ذلك‏,‏ وتحملت انقطاعها عني‏,‏ لأني كنت أعذرها‏,‏ فلم أكن أتحمل بكاء الأطفال الثلاثة في وقت واحد‏,‏ بل كنت أفر من البيت‏,‏ وأقضي أغلب الوقت في شركتي‏,‏ تخفيفا عنها ولإراحة أعصابي‏.‏

حدث في هذا الوقت أن توفي أحد أصدقائي‏,‏ وترك أرملة وطفلين‏,‏ صدمني الفراق‏,‏ وعاهدت الله أن أرعي أسرته‏,‏ وطلبت من زوجتي أن تهتم بأرملة صديقي‏,‏ ففعلت بكل الحب‏,‏ بل صارتا صديقتين‏,‏ وأصبحت تلك الأرملة واحدة من العائلة‏,‏ تقضي أغلب يومها معنا في البيت‏,‏ بل كانت أحيانا تمر علي في الشركة وتجلس معي‏,‏ إلي أن فاجأتني ذات يوم‏,‏ وطلبت مني أن تشاركني بما ورثته من زوجها الراحل‏,‏ حتي تؤمن مستقبل ابنيها‏,‏ فعرضت الأمر علي زوجتي‏,‏ فرحبت علي الفور‏,‏ بل بادرت بالاتصال بها وأخبرتها بموافقتنا علي اقتراحها‏.‏

سيدي‏..‏ كان كل شيء يسير طبيعيا إلي أن حدث ما لم أكن أتوقعه أو مستعدا له‏..‏ لقد شعرت بميل تجاه تلك المرأة‏,‏ نعم كنت أفكر فيها‏,‏ وأفتقدها‏,‏ بل كنت أتمناها‏,‏ والحقيقة كنت أحس نفس الشيء من نظرات عينيها‏,‏ خاصة أن شراكتنا جعلتها تتردد علي في الشركة كثيرا‏,‏ مما سمح بحوار مختلف افتقدته كثيرا مع زوجتي التي تختفي خلف نقاب فرضته عليها منذ بداية زواجنا حتي أخفي جمالها عن العيون‏.‏

وحتي لا أطيل عليك في التفاصيل‏,‏ تزوجت هذه المرأة عرفيا‏,‏ ولا أقصد بالزواج العرفي هو الاكتفاء بشاهدين‏,‏ بل عرف أهل زوجتي الثانية بالأمر‏,‏ ولكني أثرت اخفاء الأمر علي زوجتي الأولي وأهلها حتي لا أوذي مشاعرها أو أهدم البيت‏.‏

كنت عادلا بين الاثنتين قدر استطاعتي‏,‏ خاصة بعد أن استعادت أم أولادي رشاقتها‏,‏ وبدأت تهتم بمظهرها وبي مرة أخري‏,‏ وإن كان اهتمامها بالأولاد أكثر‏.‏

لم أشعر أني ارتكبت جريمة‏,‏ فقد تزوجت وحصنت نفسي وحميت امرأة أخري‏,‏ وكان كل شيء في حياتنا يسير طبيعيا‏,‏ إلي أن زارتني أم أولادي في مكتبي فجأة‏,‏ وشاهدتني أنا وزوجتي في وضع لا تسمح به العلاقة كما تعرفها‏,‏ فثارت وغضبت وانفجرت في وجهي‏,‏ وسبت صديقتها واتهمتها بالخيانة وانصرفت‏.‏

في المساء عدت إلي البيت‏,‏ وتحدثت إليها برفق ولين‏,‏ وقلت لها إني أخشي الله وأريد أن أتزوج هذه المرأة لأني أميل إليها‏,‏ فانفعلت واتهمتني بالخيانة‏,‏ وبأني خدعتها‏,‏ ونسيت معاناتها‏,‏ واستغللت انشغالها بالأبناء‏,‏ وأقمت علاقة مع أرملة صديقي‏,‏ التي دخلت بيتها‏,‏ ولم تراع الصداقة‏.‏

ثم قالت لي في حسم‏:‏ عليك الاختيار‏,‏ إما أنا والأطفال الثلاثة‏,‏ وإما هذه المرأة‏..‏ بدون تفكير قلت لها‏:‏ طبعا انتم‏,‏ فطلبت مني أن أنهي الشركة مع هذه المرأة وأن نقطع علاقتنا بها‏.‏

نفذت ـ يا سيدي ـ ما طلبته زوجتي‏,‏ حتي لا أهدم البيت‏,‏ فأنا لا استطيع الاستغناء عن أطفالي‏,‏ كما لا أنسي لها مواقفها معي‏,‏ وقلت لنفسي‏,‏ لقد استمرت حياتي مع زوجتي الثانية ثلاث سنوات بدون أن تعرف الأولي‏,‏ فلماذا لا أحافظ علي هذه الصياغة‏,‏ أبقي علي الاثنتين‏,‏ وتسير حياتنا كما كانت‏.‏

انهيت شراكتي مع زوجتي الثانية بعد أن أفهمتها ما حدث‏,‏ وفتحت لها شركة منفصلة بنفس اسمها‏,‏ وقررنا ألا نلتقي في أماكن قد يرانا فيها أحد من أهل أم أولادي‏.‏

أحس بغضب شديد من أم أولادي لأنها حرمتني مما حلله الله‏,‏ ولم تأتمر بأمري‏,‏ ولم تستجب لقول الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه لو أمر أحدا بالسجود لغير الله لأمر المرأة بالسجود لزوجها‏.‏

عافتها نفسي‏,‏ فلم أقربها منذ هذا اليوم‏,‏ ما يقرب من عامين لا توجد بيننا أي علاقة‏,‏ قلت إن هذا تأديب لها‏,‏ ربما ترتدع وتواقفني علي إعلان زواجي ـ الذي لا تعرفه ـ ولكنها صامدة صمودا يستفزني‏.‏

فكرت في تطليقها‏,‏ ولكني لن أقبل أن تدخل علي أبنائي رجلا آخر‏,‏ كما إني باق علي ذكريات جميلة بيننا‏.‏

سيدي‏..‏ أناشدك أن تخاطب كل امرأة‏,‏ لا تعرف مصلحتها مثل زوجتي‏,‏ ألا تحرم ما أحله الله‏,‏ ولا تمنع زوجها من الزواج بأخري‏,‏ إذا وجد في نفسه هوي‏,‏ فما شاع في مجتمعاتنا من خيانات وخطايا سببه ثقافة مستوردة تجعل الزواج الثاني وكأنه رجس من عمل الشيطان‏,‏ وبدلا من أن يساهمن في إقامة شرع الله‏,‏ يساهمن بجهلهن في هدم بيوت قائمة مستقرة‏.‏

{‏ سيدي‏..‏ لتسمح لي أن أناشدك أنت‏,‏ وأناشد كل رجل يفكر بنفس طريقة تفكيرك‏,‏ ألا يمتهن الشرع ويطوعه وفق أهوائه‏,‏ فيختار منه ما يبرر به أخطاءه‏,‏ ويتجاهل ما يلزمه بحقوق تجاه الآخر‏.‏

لقد أبحت لنفسك كل شئ‏,‏ ولم تمنح أم أولادك أي حق إنساني‏,‏ وتذكرت فقط حقوقك المشروعة‏,‏ أما هي‏,‏ فامرأة ضعيفة‏,‏ عليها أن تحمد الله لأنه رزقها زوجا مثلك‏,‏ بل لو كان جائزا لطالبتها بالسجود لك‏,‏ ولكن لأنها خيرتك بين البقاء معها أو الذهاب لأخري‏.‏ وافقت ظاهريا علي شروطها وأمعنت في إيذائها بالتمنع عليها وكأنك تحرمها من منحة وليس من فرض عليك مادمت قادرا‏.‏

قرأت رسالتك مرتين‏,‏ لعلي أجد في سطورها ما يدين زوجتك‏,‏ فوجدتها امرأة صغيرة السن‏,‏ جميلة‏,‏ متدينة‏,‏ متعلمة‏,‏ تحدت أهلها لتتزوج بك‏,‏ متحملة فقرك‏,‏ وفارق العمر الكبير بينكما‏,‏ بل شاركتك أيضا بمالها لتقيم مشروعك الخاص‏.‏ ارتدت النقاب بناء علي رغبتك‏,‏ عاملتك بما يرضي الله‏,‏ وحملت بالحقن المجهري‏,‏ وفقدت بعض جمالها وأهملت نفسها‏,‏ وزاد وزنها‏,‏ لأنها تفرغت لرعاية ثلاثة أطفال في عمر واحد‏,‏ ولو تعرف معاناة المرأة في رعاية طفل واحد‏,‏ خاصة عندما المولود الأول‏,‏ لجلست تحت قدميها‏,‏ ولكنك اكتفيت بالتأسي علي حالها‏,‏ دون أي محاولة لمساعدتها أو التخفيف عنها‏.‏

سيدي‏..‏ بدلا من مكافأة زوجتك علي أنها تفرغت لأبنائك‏,‏ وتركتك تواصل نجاحك‏,‏ كنت تحوم حول أرملة صديقك‏,‏ أدخلتها بيتك‏,‏ وجعلتها صديقة لزوجتك الطيبة‏,‏ بينما تركت نوافذ الاشتهاء مشرعة في قلبك وعينيك‏,‏ لم تفكر للحظة لماذا تظلم زوجتك‏,‏ كل ما فكرت فيه هو أن تتزوج هذه المرأة عرفيا‏,‏ ولن أتحدث معك في مشروعية هذا النوع من الزواج‏,‏ ولكني سأستعين بما وقر في قلب زوجتك‏,‏ عندما شاهدتها معك في المكتب‏,‏ ألم تكونا معرضين لمثل هذا الظن ممن لايعرف أنكما متزوجان؟‏!‏

وبدلا من مراجعة نفسك ومحاولة إرضاء زوجتك‏,‏ وصل بك التجبر إلي الامتناع عنها‏.‏ عامان يارجل لاتقرب زوجتك‏,‏ أي ظلم هذا‏:‏

وظلم ذوي القربي أشد مضاضة
علي النفس من وقع الحسام المهند
هكذا تحدث الشاعر طرفة بن العبد وكأنه يصف احساس زوجتك‏,‏ تتحدث عن العدل وأنت غارق في الظلم‏.‏ لاتعاني أي حرمان‏,‏ تستمتع بحقوقك مع زوجتك الثانية‏,‏ أما تلك المرأة‏,‏ الأم‏,‏ الحبيبة فليس لها أي حقوق‏.‏

سيدي‏,‏ ليس من حقك أن تتزوج بأخري‏,‏ فتعدد الزوجات ليس حقا وإنما مباح ــ كما شرح لي العالم الأزهري الدكتور مبروك عطية ــ والإباحة لاتقتضي الوجوب‏.‏ أيضا ليس من حقك أن تصادر حق زوجتك في الاستمرار معك أو الانفصال‏,‏ فلو أحست بضرر نفسي أو بدني لها أن تطلب الطلاق‏,‏ وإقرأ معي تلك الآيات القرآنية‏:‏ ولاتمسكوهن ضرارا لتعتدوا‏,‏ ولاتضيقوا عليهن‏,‏ وعاشروهن بالمعروف‏.‏

ثم أنت تستشهد بالرسول الكريم صلي الله عليه وسلم في وجوب طاعة المرأة لزوجها‏,‏ ألم تقرأ وصاياه الأخري‏:‏ استوصوا بالنساء خيرا‏,‏ رفقا بالقوارير اللهم إني أحرج حق الضعيفين‏:‏ اليتيم والمرأة أي يلحق الحرج والإثم بمن ضيع حقهما‏,‏ وأحذر من ذلك وأزجر عنه‏.‏

سيدي‏..‏ لن تستطيع أن ترد علي زوجتك إذا سألتك عما لايعجبك فيها‏,‏ عن تقصيرها في حقك‏,‏ فهي تعرف واجباتها ومصلحتها‏,‏ لذلك لن أستطيع مناشدتها بالسماح لك بالزواج بأخري‏,‏ لأن في نفسك هوي‏,‏ فالزواج الصحيح لايقوم فقط علي الهوي‏,‏ وهدم البيوت لايكون استسلاما لأوامر الهوي‏.‏

لن أناشد زوجتك‏,‏ بل أناشدك أنت أن تتخلص من تلك النظرة الذكورية السائدة‏,‏ وأن تكون رجلا في المواجهة‏,‏ اذهب إلي أم أولادك واحك لها كل ما حدث‏,‏ وأكد لها حرصك علي وجودها في حياتك فإذا قبلت فهذا فضل وكرم منها‏,‏ أما إذا رفضت وأصرت علي موقفها فعليك أن تختار قرارك بحسم‏,‏ وكن عادلا في قرارك لأن من طلب عزا بباطل أورثه الله ذلا بحق‏..‏ وقاك الله ووقانا شر الذل‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

قبــل الرحـــيل

19-01-2007
أكتب إليك من علي فراش المرض‏,‏ لا أعرف ماذا تبقي لي من أيام‏,‏ أشعر بأن الأجل قد دنا‏,‏ وأن ما فات لن يعود‏,‏ لكني أحس بمرارة في نفسي‏,‏ ورغبة عارمة في الانتقام علي الرغم من أن جسدي الضعيف يخذلني حتي عن التحرك نحو دورة المياه‏,‏ فأبكي علي الصحة التي أهدرتها‏,‏ وعلي العمر الذي فات‏.‏ إنها الحكمة التي نتعلمها بعد فوات الأوان‏,‏ ولا نؤمن بها عندما نراها تفيض من الآخرين‏,‏ اعتقادا منا بأن ما أصاب الآخرين يستحيل عليه أن يقترب منا‏,‏ وعندما نتعلم الدرس نكون قد فقدنا قدرتنا علي التنفيذ‏.‏

سيدي‏.‏ اغفر لي استرسالي‏,‏ واضطراب أفكاري‏,‏ لأنني ظللت طوال اليوم أستجمع مالدي من قوة‏,‏ منتظرا أن ينصرف أبنائي من المستشفي‏,‏ حتي أزيح عن نفسي بعض الهم الذي أخجل من البوح به أمام أحد‏,‏ وربما تكون هذه آخر كلماتي‏,‏ فالطعنة التي تلقيتها‏,‏ آلامها أكثر إيلاما من عذاب المرض وحتي لا أطيل عليك سأبدأ حكايتي‏.‏

أنا رجل عمري الآن يقترب من الستين‏,‏ لدي من الأبناء ثلاثة‏,‏ أعمل في وظيفة جيدة‏,‏ كانت تدر علي دخلا محدودا‏,‏ وأرجو أن تغفر لي تغيير بعض المعلومات عني أو إخفائها حتي لا أوذي أبنائي‏.‏

تزوجت منذ ثلاثين عاما‏,‏ من فتاة اختارتها لي والدتي‏,‏ وقالت لي إنها من أسرة طيبة‏,‏ وقد كنت ابنا بارا بوالدي‏,‏ لا أعصي لهما أمرا وأثق في رأيهما‏,‏ كما كنت الابن المدلل لأني الأكثر تفوقا‏,‏ والأكثر طاعة لهما‏.‏

لذلك كنت حريصا علي السكن بجوار أسرتي‏,‏ حتي أحافظ علي المودة والتواصل‏.‏ لاحظت زوجتي مدي ارتباطي بعائلتي‏,‏ فلم تبد تذمرا أو اعتراضا في البداية‏,‏ ولكني لمست غيرتها من تلك العلاقة‏,‏ وعدم رغبتها مصاحبتي أثناء زيارتهم‏,‏ بمبررات مختلفة‏.‏ ولم أتوقف طويلا أمام هذا الأمر‏,‏ وإن لفت نظر أمي‏,‏ فكانت توصيني بالاهتمام بها وعدم إغضابها‏,‏ بل كانت تعتقد أحيانا أني أغضبها فتحذرني من ذلك‏.‏

لم تعلن زوجتي غضبها أو رفضها لعلاقتي بأسرتي‏,‏ إلا بعد إنجابها ابننا الأول‏,‏ وتعلقي الشديد به‏,‏ وكذلك تعلق والدي بحفيدهما‏.‏ فبدأت في مخططها‏,‏ الشكوي المتكررة من ضيق الشقة‏,‏ ومن غيابي‏,‏ من تدليل الجدة والجد لحفيدهما والذي حتما سيفسده ويهدم خطتها في التربية السليمة‏.‏

المهم استجبت لـ زن زوحتي‏,‏ وانتقلت إلي شقة أخري‏,‏ تبعد كثيرا عن بيت العائلة‏,‏ ومن هذه اللحظة‏,‏ اكتشفت وجها آخر في زوجتي‏,‏ امرأة قوية‏,‏ قيادية‏,‏ حاسمة‏.‏ بدأت ترسم لي طريق حياتنا‏,‏ الحياة لا تعرف الضعفاء‏,‏ لا وقت للمشاعر‏,‏ القوة الحقيقية في الثروة‏,‏ فالناس لا تحترم إلا الأغنياء هكذا كانت تري زوجتي‏,‏ ولا أدري كيف قبلت فكرتها عن الحياة‏,‏ فارتبطت بعمل آخر‏,‏ أخرج من الصباح‏,‏ لا أعود إلا في المساء‏

ستسألني عن أهلي‏,‏ عن أمي وأبي وإخوتي‏,‏ انقطعت عنهم ياسيدي‏,‏ أصبحت لا أزورهم إلا نادرا‏,‏ مكتفيا بالمكالمات التليفونية والتي أخذت هي الأخري في التضاؤل‏.‏ كانت تذبحني كلمات أمي الباكية وهي ترجوني أن أذهب إليها لتراني وحفيديا‏,‏ فكنت أعدها بذلك‏,‏ ثم تصدمني نظرات زوجتي فأتراجع حتي المرات القليلة التي كان يزورني فيها أبي وأمي أو اشقائي وزوجاتهم تعاملهم زوجتي بجفاء شديد حتي يفكروا ألف مرة قبل تكرار الزيارة‏.‏

وعندما كنت أعاتبها‏,‏ تقول لي‏:‏ داري علي شمعتك‏,‏ أنت الآن في وضع أفضل من إخوتك‏,‏ سيغارون منك ويطمعون فيك‏.‏ لا تسلني كيف كنت أقبل هذا الرأي‏,‏ قبلته وعملت به حتي إنقطعت صلة الجميع بي‏.‏

أنجبت زوجتي مرتين‏,‏ ولم أعد أري إلا أسرتي الصغيرة‏,‏ هي كل شيء في حياتي‏,‏ وحتي أكون دقيقا في اللفظ‏,‏ لم أعد أري أسرتي‏,‏ فأنا أعمل‏,15‏ ساعة يوميا‏.‏ نعم جمعت أموالا كثيرة‏,‏ كانت زوجتي تشتري بها أرضا وعقارات باسمها‏,‏ وتقول لي إنها ستديرها لي لأني مشغول أغلب الوقت وكله لمين يعني ماهو لأولادنا‏.‏

مرت سنوات طويلة لم يتغير شيء‏,‏ سوي رحيل والدتي بعد مرض قصير‏,‏ ولم أكن بجوارها قبل وفاتها‏,‏ وقال لي أشقائي إنها كانت تتمتم باسمي قبل رحيلها‏,‏ بينما قاطعني والدي وقال إنه غاضب علي إلي يوم الدين‏,‏ حاولت قدر استطاعتي استرضاءه دون جدوي‏,‏ والحقيقة أني لم أبذل جهدا كافيا لإرضائه بسبب عملي المتواصل‏,‏ وانشغالي بزوجتي وأبنائي‏.‏

سيدي‏..‏ لن أصف لك مدي كراهيتي لنفسي وأنا أتذكر كل هذا الآن‏,‏ من أين أتيت بكل هذا الجفاء‏,‏ وكل هذه القسوة؟

سامحني يا أبي‏,‏ سامحيني يا أمي‏,‏ قد ألقاكما قريبا‏..‏ ليتكما كنتما أحياء لأقبل قدميكما‏,‏ أقبل التراب الذي تسيران عليه‏..‏ ولكن لم يعد يجدي ذلك الآن؟ لقد انتقم لكما الله مني وبنفس السلاح الذي أدميتكما به‏!‏

ظللت مثل الثور في الساقية معصوب العينين‏,‏ تقذفني الحياة يمنة ويسرة‏,‏ لا أعرف معني للسعادة‏,‏ أولادي يتفوقون في دراستهم‏,‏ يعيشون حياتهم الخاصة‏,‏ لا أراهم إلا نادرا‏.‏ أما زوجتي فقد ظلت مشغولة بهم وبالثروة التي تتزايد إلي أن جاء هذا اليوم العصيب الذي سقطت فيه في العمل‏.‏

نقلني زملائي إلي المستشفي‏.‏ لم يكن هناك سبب ظاهر لإغمائي‏.‏ فطلب الطبيب عمل بعض الأشعات والتحاليل‏,‏ وكانت المفاجأة‏,‏ إصابتي بورم خبيث في صدري‏.‏ لا أعتقد أني في حاجة إلي ذكر التفاصيل‏.‏

دوامة من التشخيصات‏,‏ ثم لا مفر‏,‏ لابد من جراحة‏,‏ والجراحة محفوفة بالمخاطر‏,‏ لذلك نصحني بعض الأطباء بالسفر إلي فرنسا لإجرائها هناك‏,‏ خاصة أن الورم في بدايته‏.‏

طرحت الأمر علي زوجتي‏,‏ ففوجئت بها تسألني‏:‏ من أين تكاليف العملية؟ عملي سيتكفل بجزء من التكاليف‏,‏ ويمكن الحصول علي مبلغ من وزارة الصحة‏,‏ والباقي من ممتلكاتنا‏,‏ من ثروتنا التي أفنيت عمري في جمعها؟
تعتقد ماذا كان ردها؟‏..‏ ممتلكاتنا‏,‏ ثروتنا‏,‏ لا‏,‏ انس‏,‏ هذه أموال للأولاد مستقبلهم‏,‏ احتمالات نجاح العملية محدودة‏,‏ فهل نغامر ونضحي بمستقبل أولادك من أجل إحتمال‏..‏ رب هنا رب هناك‏..‏ لم أصدق أذني وأنا أسمع تلك الكلمات‏..‏ انهمرت الدموع من عيني‏,‏ وبكيت كما لم أبك من قبل‏,‏ فاستدارت وتركتني غارقا في ألمي‏.‏

الكارثة الأكبر‏,‏ أن أبنائي‏,‏ الذين أفنيت عمري من أجلهم‏,‏ لم يفكر أحدهم في إثنائها عن تفكيرها‏,‏ لم يحاول أن يواسيني أو يكشف لي عن غضبه أو رفضه لمنطقها‏.‏

سيدي‏..‏ أجلس الآن في مستشفي خاص‏,‏ بعد أن ساءت حالتي‏,‏ أتلقي علاجا كيماويا منتظما‏..‏ أعود إلي بيتي أياما قليلة‏,‏ ثم تنتكس صحتي فأعود مرة أخري‏,‏ هربا من الجفاء الذي أعانيه مع أسرتي‏.‏

تزورني زوجتي مرة في الأسبوع ـ تأدية واجب ـ ويتردد علي الأولاد كلما سمحت لهم الظروف‏.‏ ظروف العمل والأصدقاء ومواعيد السينما‏,‏ يجلسون معي لحظات‏,‏ ثم يعتذرون لارتباطهم بمواعيد مهمة‏.‏

أستعيد صوت أمي وهي تبكي في التليفون‏,‏ صوت أبي وهو يعلن غضبه علي‏,‏ لا أجد إلا أشقائي حولي وفي عيونهم نظرات عتاب وعطف‏.‏

لا أعرف ماذا أفعل كي أستريح قبل الرحيل‏..‏ الندم يقتلني كل لحظة‏,‏ والغضب والرغبة في الإنتقام يعجز جسدي النحيل عن تحملهما‏,‏ فأسأل الله أن يريحني من هذا العذاب‏..‏ وأسألك أنت وقرائك أن تدعوا لي بالرحمة والمغفرة‏.‏

*‏ سيدي‏..‏ قبل حديثي إليك أدعو الله الرحمن الرحيم‏,‏ القادر الكريم أن يعفو عنك ويشفيك ويرينا معجزته فيك‏,‏ وأدعو كل الأصدقاء أن يدعوا لك في كل صلاة‏.‏ كما أرجو ألا تفهم أن عنوان قصتك خاص بك‏,‏ بل هو معني حاصرني‏,‏ لأن كثيرا منا تشغله الحياة ببهارجها‏,‏ غافلا أنها رحلة بين بابين متواجهين أحدهما للدخول والآخر للخروج‏.‏

دعني ـ عزيزي ـ أعترف لك بأني لأول مرة أشعر بالعجز عن مواجهة صاحب رسالة بأخطائه أو لومه علي ما ارتكب من آثام وخطايا‏,‏ خاصة إذا كانت بالوالدين‏,‏ ولكن ضعفي وعجزي أمام كلماتك سببهما إحساس بمقدار ألمك ووحدتك وصدمتك فيمن ضحيت بعمرك وبأهلك من أجلهم‏.‏ وكذلك ندمك علي جفائك وتقصيرك تجاه والديك‏.‏ فلست في حاجة مني إلي كشف أخطائك‏,‏ فسطور خطابك تعري كل شيء وتعلمنا الكثير‏.‏

أنت يا سيدي الآن في مواجهة مع نفسك‏,‏ هذه المواجهة تستدعي منك أولا أن تتخلص من رغبتك في الانتقام‏,‏ فالدم لا يغسل بالدم ولكن بالماء‏,‏ وعليك أن تغفر أولا لأولادك لأنهم ضحايا لك ولأمهم‏,‏ وكما قال الشاعر الفيلسوف المؤمل الكوفي‏:‏

ينشأ الصغير علي ما كان والده
إن العروق عليها ينبت الشجر
ظلمت نفسك‏,‏ بعقوقك لوالديك‏,‏ فعاقك أبناؤك‏:‏ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين صدق الله العظيم‏,‏ عليك التسليم بذلك حتي تستريح‏,‏ وتستعيد الرغبة في الحياة‏,‏ فأحاسيسك التي تحاصرك كل لحظة تنهك جهاز مناعتك وتعين المرض عليك‏,‏ بينما إرادة الشفاء نصف الشفاء‏,‏ عليك أن تثق في رحمة الله‏:‏ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما‏,‏ وتثق أيضا بأن الوالدين مهما غضبا لا يخرجان الأبناء من دائرة عطفهما وحبهما‏,‏ حتي لو جاهرا بغير ذلك‏.‏ وعليك أن تري في مرضك رحمة من الله سبحانه وتعالي‏,‏ وتأمل معي قول رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم‏:‏ ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذي ولا غم‏,‏ حتي الشوكة يشاكها‏,‏ إلا كفر الله بها من خطاياه‏.‏

كما أريد أن أطمئنك بوجود أساتذة عظام في مجال علاج السرطان في مصر‏,‏ وأرجو أن تتصل بي أو تحدد لي المستشفي الذي تعالج به‏,‏ فإذا قرر الأطباء إجراء الجراحة لك‏,‏ فأقدم ولا تخف‏,‏ فلكل أجل كتاب‏.‏

أما أبناؤك فإني أدعوهم إلي تأمل ما حدث معك‏,‏ يتدبرونه‏,‏ ويفهمون أنهم سيشربون من الكأس نفسها‏,‏ فمن أكرم والديه سر بأولاده‏,‏ وليتهم يعرفون أن أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين‏,‏ فيفرون إليك يقبلون قدميك ويطلبون رضاءك قبل فوات الأوان‏.‏ نعم لقد أخطأ والداكم في تربيتكم‏,‏ وغرسوا فيكم الجفاء وحب الذات‏,‏ ولكن العاقل من يعتبر بغيره‏.‏

وتبقي الزوجة‏,‏ وبعض الزوجات داء بعضهن دواء‏,‏ وزوجتك من النوع الأول‏,‏ باعدت بينك وبين أسرتك‏,‏ وملأت قلبك بالقسوة تجاه والديك‏,‏ وأدخلت في روعك أن المال يغنيك عمن تحبهم ويحبونك‏,‏ متناسية أو جاهلة أن المال خادم جيد ولكنه سيد فاسد‏,‏ وأنه كالسماد لايفيد إذا لم ينثر‏.‏

لذلك أدعوها إلي تأمل قول الله سبحانه وتعالي‏:‏ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن وأسألها هل كنت لباسا لزوجك؟ هل تعرفين أن الملائكة تلعنك إذا بات زوجك غاضبا عليك عن حق؟‏..‏ هل تفهمين أنك ستحصدين المر من ثمار كراهيتك وأنانيتك وطمعك؟

سيدتي‏..‏ غرتك الدنيا‏,‏ فلا تغتري بكذبها‏,‏ وانزعي من صدر أبنائك تلك الكراهية والأنانية لأنك أقرب من سيحصد ثمارها‏,‏ واطلبي الصفح من زوجك‏,‏ وأعيدي إليه ما جمعه من عرقه وسهره ودفع ثمنه غاليا‏,‏ فما ستفقدينه لن تعوضك عنه أموال الدنيا‏.‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

سيدة المجتمع

12-01-2007
أنا سيدة عمري‏41‏ عاما‏,‏ مطلقة‏,‏ لدي ابن عمره‏13‏ عاما‏,‏ أعمل في وظيفة مرموقة تدر علي دخلا كبيرا‏.‏

انفصلت عن زوجي منذ‏7‏ سنوات بأسلوب راق بعد أن اكتشفنا أننا شخصان مختلفان‏.‏ انطلقت بعدها في مجال عملي‏,‏ حتي أصبحت كما يطلقون علي سيدة مجتمع‏,‏ وأخذني النجاح علي جناحيه إلي نجاحات أخري‏,‏ فنسيت طويلا أني امرأة‏.‏ لم أتذكر هذا إلا مرات قليلة‏,‏ عندما أخلو إلي نفسي في بيتي‏,‏ ينام ابني‏,‏ وأجدني وجها لوجه مع وحدتي‏,‏ وإحساسي بأن عمري يتسرب من بين يدي‏,‏ فتطل علي فكرة الزواج مرة أخري‏,‏ فأتذكر ابني‏,‏ ومخاوف فشل جديد‏,‏ فأغلق رأسي وأنام‏.‏

لا أعتقد أنك في حاجة إلي استعراض ما أتعرض له من مضايقات وعروض بعضها أخلاقي ومشروع وبعضها غير ذلك‏,‏ ولكني تعلمت كيف أتصرف في مثل هذه المواقف وأصد أي شخص يتجاوز في حديثه دون إثارة جلبة‏.‏

لم أخدع نفسي يوما بأن ما أتعرض له بسبب جمالي ـ كما يصفني به الآخرون ـ فأنا أري نفسي امرأة عادية‏.‏ وأبرر ما يحدث‏,‏ بأن كل امرأة مطلقة‏,‏ وثرية ومعروفة تتعرض لما أتعرض له‏,‏ وحتي غير المطلقات وغير الجميلات يتعرضن له‏.‏ قد تسألني‏:‏ إذا كنت تشعرين بالوحدة وآلامها‏,‏ فلماذا لم تتزوجي‏,‏ خاصة أني أتلقي عروضا من أشخاص مناسبين؟

أجيبك بأني بعد تجربة زواجي الفاشلة‏,‏ قررت ألا أرتبط مرة أخري الا اذا أحببت‏,‏ نعم قال لي كثيرون إنهم يحبونني ولكني لم أشعر بأحد منهم‏.‏

كما أن مخاوف الفشل الثاني كانت تسيطر علي‏,‏ وتخيفني‏,‏ خاصة أني متعلقة بابني جدا‏,‏ ولا أحب أن أؤذي مشاعره‏,‏ أو أدخل عليه رجلا في بيتي‏.‏

شاع عني بين الأهل والأصدقاء والزملاء أني لا أفكر في الزواج مرة ثانية‏,‏ بل كان الكثيرون يتعاملون معي علي أني رجل يعتمد عليه ويحكون لي مشاكلهم العائلية والعاطفية دون خجل‏,‏ واسترحت كثيرا لهذا الانطباع العام عني‏.‏

كان هذا حالي وإحساسي حتي ستة أشهر مضت‏,‏ ولكن حدث ما لم أكن أتوقعه‏,‏ ولا يتوقعه أحد ممن حولي‏,‏ فقد فكرت في الزواج‏,‏ الزواج بشاب أصغر مني‏.‏

هو شاب يعمل في مجال قريب من عملي‏,‏ موهوب‏,‏ مكافح‏,‏ من أسرة متوسطة‏,‏ أري عقله ناضجا ـ الي حد كبير ـ مع أن عمره لم يصل الي‏25‏ عاما‏.‏ نعم هذا عمره وآثرت أن أسرد لك كل شيء في هذا الموضوع بدون رتوش أو تجميل‏,‏ لأني أشعر بضعف شديد وأبحث عن نصيحة صادقة‏.‏

هذا الشاب عندما عرفته‏,‏ اهتممت به‏,‏ ليس حبا ولكن إعجابا بطريقة تفكيره وطموحه‏,‏ فقررت أن أساعده في عمله‏,‏ وهذا لم يكن غريبا علي‏,‏ فأنا أفعل ذلك مع كثيرين‏.‏ لم أنظر له كرجل مرة واحدة وحتي الآن‏.‏ لن أقول إني عاملته كابني‏,‏ ففارق العمر لا يتيح لي ذلك‏,‏ ولكن كانت لدي عاطفة ما تجاهه تشبه عاطفة الأخت الكبري‏.‏

وذات يوم فوجئت بنظرة غريبة في عينيه‏,‏ فسرتها في البداية بأنها نظرة امتنان‏,‏ ولكن مع تكرارها أيقنت أنها نظرة حب عميقة‏.‏ لن أقول إني غضبت‏,‏ ولكني توقفت طويلا أمامها‏,‏ والحقيقة أن شيئا ما بداخلي كان سعيدا بهذا التفسير‏.‏

سمحت لهذا الشاب بالاقتراب أكثر‏,‏ بالوجود في حياتي وقتا أطول‏,‏ بل هيأت له الظروف النفسية التي تشجعه علي الاعتراف بحبه لي‏,‏ وقتها فقط واجهته برفضي لمثل هذا التفكير‏,‏ وأني لا أراه الا صديقا أو شقيقا أصغر‏,‏ وكنت في قمة استمتاعي الانساني‏,‏ وهو يؤكد لي أن فارق العمر لا يعنيه‏,‏ وأنه يراني أجمل امرأة في الوجود‏,‏ فيما لا تعجبه البنات الصغيرات بتفكيرهن السطحي‏.‏

وعلي الرغم من سعادتي الكبيرة بكلماته فإني لم أعبر له عن ذلك‏,‏ بل واجهته بعدم حبي له‏,‏ وعدم نظري له كرجل‏.‏ فطلب مني ألا ألفظه من حياتي وأن أسمح له بالوجود كصديق فقط‏.‏ ومع معرفتي بخطأ هذا الحل النصفي الا أني وافقت‏.‏ بدأت أرصد خططه الرجالية وهو يدفعني الي التعود عليه‏,‏ مكالمات في كل وقت‏,‏ تحقيق كل ما أفكر فيه‏,‏ والقيام بأي عمل خاص أحتاجه‏,‏ وبرغم رصدي وفهمي واستيعابي لمخططه الا أني وقعت فيه وتعودت عليه‏,‏ بل أصبحت أأنس لوجوده‏,‏ وأنزعج لغيابه‏.‏

حتي جاء اليوم الذي فاجأني فيه بطلبه الزواج مني‏,‏ رأيت عرضه جنونا ومراهقة‏,‏ بل قلت له إني أقترب من عمر أمه‏,‏ ولكن كلماتي كانت تزيده إصرارا‏,‏ وتزيدني سعادة وهو يغدق علي بالكلمات الجميلة التي أشعرتني بأني فتاة صغيرة في مثل عمره‏.‏ أنهيت حواري معه برفضي التام لهذه الفكرة‏,‏ بل هددته اذا أعاد طرحها بخروجه الكامل من حياتي‏,‏ فوعدني ألا يفعل‏.‏

ولكن عندما عدت إلي بيتي‏,‏ واستفردت بي وحدتي‏,‏ سألت نفسي‏:‏ ولماذا لا؟‏..‏ نعم أنا لا أحبه ولا أراه رجلا مناسبا‏,‏ ولكن ألا يكفي حبه لي؟‏..‏ احتمالات الفشل كبيرة؟‏..‏ ومتي كانت احتمالات النجاح في الزواج المتكافيء صادقة تماما؟‏..‏ أنا لا أشغل بالي بالناس وكلامهم كثيرا‏,‏ فأنا لا أفعل شيئا خطأ‏,‏ ولا أراعي إلا الله في تصرفاتي؟ لماذا أضيع فرصة للسعادة من يدي‏,‏ حتي لو عشتها شهورا قليلة؟ هل فارق العمر يكفي لرفض الزواج‏,‏ ألم يتزوج الرسول عليه الصلاة والسلام بالسيدة خديجة رضي الله عنها والتي كانت تكبره بربع قرن‏,‏ مع احترامي الكامل للفارق في التشبيه‏,‏ وحفظ المقامات؟ ولكن أليس لنا في رسول الله قدوة حسنة؟ لماذا نتبعه في كل شيء‏,‏ وعند هذه النقطة نرفض التشبه به صلوات الله وسلامه عليه؟‏!‏

سيدي‏..‏ كل هذا دار في رأسي‏,‏ مع تأكدي من عدم حبي له‏,‏ وشكي في اندفاعه ومراهقته‏,‏ ويقيني بأني لو تزوجته فلن يطول زواجنا‏,‏ ولكن ضعفا ما في نفسي يطرح الفكرة علي رأسي‏,‏ هذا الضعف هو الذي دفعني إلي الكتابة إليك‏,‏ لعلك تفكر معي بصوت عال‏,‏ أو تعيدني إلي رشدي الذي أشعر أنه يتسرب من بين يدي‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ لم يقل أحد أن زواج المرأة برجل أصغر منها حرام‏,‏ نعم هي زيجة يرفضها المجتمع ـ وله عذره في ذلك‏.‏ ـ وتخل بشروط التكافؤ في الزواج‏,‏ ولكنها مباحة شرعا‏.‏ وإن كنت أتحفظ في الموافقة علي مثل هذه الزيجة استنادا أو تشبها بزواج الرسول صلوات الله عليه وسلامه بالسيدة خديجة رضي الله عنها‏,‏ لأنه نبي ملهم‏,‏ لا ينطق عن الهوي‏,‏ يسر وسخر له الله ما لم ييسره للبشر‏,‏ وليس بعيدا عن معلوماتك دور هذه الزيجة في دعم النبي محمد صلي الله عليه وسلم مع بداية الدعوة إلي الإسلام‏.‏

ولكن هذه ليست النقطة التي يمكن الاستناد إليها في التفكير‏,‏ لأننا استبعدنا جزئية عدم شرعية مثل هذه الزيجة‏.‏ ولن أقول لك لماذا لم تفكري هذه المرة في ابنك‏,‏ وما سيشعر به في مجتمعه عندما تتزوج أمه بشاب لا يكبره بكثير‏,‏ في حين أنك رفضت الارتباط بمن يماثلك في العمر والتكافؤ الاجتماعي حرصا علي ابنك؟

ولن أقول لك أيضا كيف سيراك مجتمعك‏,‏ من أنك اشتريت شابا بأموالك‏,‏ وأنه تزوجك طمعا فيك؟

ننحي كل هذا جانبا‏,‏ ونؤثر عليه سعادتك الشخصية والتي قد تكون وقتية كما اعترفت بنفسك‏.‏ ولكن قبل ذلك تعالي نفكر معا بكل صراحة‏,‏ لماذا يريد هذا الشاب الزواج منك؟‏..‏ ولماذا سيطرت عليك تلك الفكرة مع اعترافك الواضح والصريح والمحدد بأنك لا تشعرين تجاهه بأي عاطفة من تلك التي تجتاح امرأة تجاه رجل ما؟

سيدتي‏..‏ الشاب في مثل هذا العمر لا يكتمل نموه العاطفي‏,‏ ويميل دائما الي المبالغة في عمره‏,‏ والإتيان بتصرفات من هم أكبر منه‏,‏ فإذا أضفنا الي ذلك أن قربه من سيدة مجتمع ثرية مرغوبة‏,‏ يشعره بقوة خاصة‏,‏ هذه القوة هي التي تدفعه نحوك‏,‏ فوجودك يشعره برجولته التي لم تكتمل‏,‏ بتميزه‏,‏ خاصة وهو يري ويعرف من يحومون حولك ويبحثون عن رضائك‏.‏

لن أقول لك انه كاذب أو مخادع‏,‏ عندما ايقن أنك لا تحبينه فرض عليك قانون التعود‏,‏ وهو أخطر بكثير من تأثير الحب‏.‏

أقول لك دعيني اقر معك بأنه يحبك كما يتصور‏,‏ وأنه راغب فعلا في الزواج بك لذاتك‏,‏ فهل سألت نفسك وماذا سيفعل معك هذا الشاب عندما ينتهي الحب أو يخبو ويخفت؟

هذا الشاب سيشعر بعد فترة قصيرة أنك ظلمته وسرقت شبابه مقابل مركزك وأموالك‏,‏ وحرمته من حقه في الزواج بفتاة في مثل عمره‏,‏ وقتها فقط سيعذبك وسينتقم منك‏,‏ وكل لحظة سعادة راهنت عليها ستتحول إلي ساعات من جحيم‏,‏ ولا أعرف وقتها أين سيكون ابنك منك ومن كل ما حدث‏.‏

وماذا عنك ــ سيدتي الناضجة ــ أنت بتفكيرك المضطرب لا تبحثين عن الزواج بمعناه الذي شرعه الله‏,‏ لا تبحثين عن السكينة أو المودة والرحمة‏,‏ بل تبحثين عن مغامرة‏,‏ سعادة زائفة‏,‏ نجح شاب صغير في تصديرها لك بمغازلة أذنيك‏,‏ فأردت أن تعيشي عمرا مضي سبق أن عشته مرة‏,‏ وما فات لن يعود‏,‏ أنت تعلمين جيدا أن المرأة بعد الأربعين تمر بمرحلة حرجة‏,‏ العاقلة الملتزمة تستطيع تجاوزها بقليل من الفهم والإيمان‏.‏

لقد ذهبت بنفسك إلي الحيرة والعذاب‏,‏ وكنت في غني عن ذلك‏ أثبت لنفسك أنك مرغوبة حتي من الشاب الصغير فهل هذا يكفي مبررا للزواج بأحدهم؟‏...‏ دعيني اسألك سؤالا آخر‏:‏ هل ستجرئين علي تأبط ذراعه وأنت تسيرين في الشارع؟‏....‏ وسؤال ثالث‏:‏ ألن تغاري من البنات الصغيرات إذا شاهدته يقف مع إحداهن؟ أعتقد أنك تعرفين الإجابة‏.‏

سيدتي‏...‏ أنت في مرحلة عمرية رائعة‏,‏ إنها سنوات النضج والفهم والعطاء‏,‏ فلا تصادري علي حقك في الارتباط بشخص مناسب لك يكمل معك ما تبقي من العمر ــ وهو طويل إن شاء الله ـ فالمغامرات قد تناسب الصغار ولكنها لا تليق بالكبار‏.‏
المزيد ....

الشـاطئ الآخـر

05-01-2007
أنا سيدة لم أكمل بعد عامي الثامن والعشرين‏,‏ معيدة بإحدي كليات القمة وفي طريقي لمناقشة رسالة الماجستير‏.‏ قصتي يا سيدي بدأت منذ نحو ست سنوات‏,‏ فأنا من أسرة مصرية عادية ليس لنا رصيد بالبنوك أو عقارات سوي أرض صغيرة لأمي ومنزل بقريتنا يخص أبي وأخوته‏.‏ إلي أن انتدب أبي وأنا في السنة النهائية لمدة سنتين بإحدي سفاراتنا بالوطن العربي‏,‏ وقضي أبي السنة الأولي بالخارج خلالها كنت أنا رب الأسرة فأنا الكبري بين اخوتي وعاد إلينا في الاجازة الصيفية وفي أثناء زيارته لعمله الأساسي قابله أحد العمال الذين كانوا يتمنون أن يرد أبي عليهم السلام‏,‏ وطلب منه أن يتعرف إلينا لأن ابنه الأكبر الذي يعمل في وظيفة جيدة يريد أن يتزوج‏,‏ فلم يعارض أبي بطيبته المعتادة مع الفارق الاجتماعي بيننا وبينهم‏,‏ وعندما سافر أبي جاء هذا الخطيب ووالده وقال‏:‏ إنه لن يستطيع تقديم شبكة غالية أو تأثيث المنزل ولن يشارك سوي بمبلغ قليل‏,‏ فلم أوافق علي ذلك فاتصل بي والدي وقال‏:‏ إنه سوف يعوضني عن أي ماديات‏,‏ ولكن المهم أن أنظر إلي الشخص نفسه فوافقت وبالفعل تكررت زياراته لنا دون وجود والدي‏,‏ ولا أخفي عليك لا أعرف ماذا حدث لي فلقد أحببت هذا الرجل حبا لا يو
صف وتعلقت به لدرجة أنني كنت أري من في الأرض جميعا مجرد مخلوقات وهذا هو الرجل الوحيد وكنت مستعدة لأن أتزوجه دون أي أثاث أو ماديات‏,‏ المهم هو أن أعيش معه فقط‏.‏ وبالفعل تمت الخطبة وأرسل لي والدي مبلغا حتي اشتري الشبكة التي أريدها حتي بدلة الخطبة فقد أهدتها له أمي وطوال فترة الخطبة وهو مقيم لدينا‏,‏ فهو كان يعيش بمفرده لمدة‏7‏ سنوات في الشقة التي سنقيم بها بعد الزواج لأنه ليس علي وفاق مع أهله وكان دائم الشكوي منهم‏,‏ ولكنني كنت أتحامل عليه وأحاول أن أقرب بينهم وصارحني خطيبي أنه قد فعل كل المحرمات من زنا وخمر ومخدرات ولكنه تاب من كل ذلك قبل أن يتقدم لي وبكي كثيرا وقال‏:‏ إنني سبب عفافه وأنه متأكد أن الله قبل توبته لارتباطه بي فنزلت في قلبي مرارة ولكنني تغاضيت عن ذلك طالما أنه تاب‏,‏ فالله يقبل التوبة فهل لا أقبلها أنا‏,‏ وكان يطلب مني أن أوقظه في الفجر ليصلي بالمسجد وأقلع عن التدخين وقبل الزواج بقليل صارحني أيضا أن له أخا سجن ظلما لمدة سنة بتهمة السرقة وأنه ليس مسئولا عنه فهذا جناه أخي من صحبة السوء فلم أصارح أحدا بذلك خوفا من أن تفشل الخطبة‏,‏ وعاد أبي نهائيا وانتقلنا للإقامة بمنزل آخر علي مستوي راق وأصبح لنا ر
صيد بالبنك وجهزني أبي جهازا فخما حتي فستان زفافي اشتراه لي ولم يبخل علي أو عليه بأي شيء‏,‏ ولكنه لفت نظري لبخله وكنت أعلل ذلك بضيق ذات اليد وأنه يعيش بمفرده ويتكفل بمصروفات معيشته‏,‏ وفعلا تم الزواج بشقته الصغيرة التي اكتشفت أنها مؤجرة باسم والدته إلي جانب التليفون والغاز والكهرباء وكل شيء باسمها‏,‏ ولم أعترض ولم أبال بالبلاط وطاقم الحمام والمطبخ القديم علي أمل أننا مازلنا في بداية حياتنا‏,‏ لن أقول إنني اكتشفت زوجي علي حقيقته فأنا كنت معتادة منه علي العصبية والصوت المرتفع والخصام والعناد وتعايشت مع كل ذلك إلي أن مرت ثمانية أشهر كان يسافر لعمله مدة تصل أحيانا إلي الشهر ويعود لمدة أسبوع أو أكثر قليلا‏,‏ وكنت أقضي مدة سفره عند والدي انتظره علي أحر من الجمر وعند عودته لا أحمله أية أعباء‏.‏ كنت له خادمة وزوجة وصديقة وأما وابنة‏,‏ حتي أنني لم أكن أعلم كم يتقاضي فكنت أنفق مرتبي كاملا بالمنزل‏,‏ وإذا كنا بحاجة لشيء أكمل هو القليل‏,‏ وهكذا مرت حياتنا إلي أن حملت في طفلي الذي فرحت به كثيرا فظروف سفره لم تمكني من الحمل قبل الأشهر الثمانية وبعدها بشهر واحد اكتشفنا مرض والدي بورم كبير بالمخ فانهرت نفسيا وضعفت صحتي خاصة م
ع الحمل وأقام أبي بالمستشفي أسبوعا واحدا بعد أن أجري الجراحة التي كانت ستودي بحياته وخرج منها دون أن يحرك أصبعا وكان يحتاج إلي بجانبه لأن مرضه يحتاج لتخصصي وفي هذه الفترة ظهر زوجي الذي لم أكن أعرفه وبدأ يتخلي عني ويسهر كل ليلة خارج المنزل حتي الصباح ليعاقبني علي زيارتي لوالدي بالمستشفي وتشاجرت معي أمه وضيقوا علي الخناق حتي خرج والدي إلي المنزل وكنت أكمل أنا علاجه بالبيت‏,‏ ولكن تحت ضوابط من زوجي‏,‏ وعندما استرد أبي شيئا من صحته اتصل به وطلب منه أن ترجع حياتنا إلي ما كانت ولكنه رفض بداية ثم تحت إلحاح والدي جاء وأخذني‏,‏ وليتني لم أرجع فقد ظل يعاقبني حتي بعد أن أكمل طفلي عامه الأول بالسهر خارج المنزل وببخله الشديد لدرجة أنني قبلت قدمه مرات ليرحمني‏,‏ المهم أنني حافظت علي البيت بكل ما أملك فقد كنت أعاني كثيرا وأسهر الليالي باكية من غلظته وقسوته علي وعلي طفله حتي أنني كنت أؤجل دراساتي العليا لأتفرغ له وللمنزل ولتربية طفلي لأنهم أهم ما في حياتي‏,‏ ولا أصف لك الأعباء التي كنت أتحملها خلال وجوده وعدم وجوده وأعباء انتقالي لمنزل والدي أنا والطفل فهو غير متحمل لأي مسئولية‏.‏ إلي أن جاءت فترة كانت هي فرصتي الأخيرة لكي أ
ؤدي الامتحانات‏,‏ فاستأذنت منه أن أقضيها في منزل أهلي علي أن أتي إليه ثلاث مرات أسبوعيا ولا مانع من أن يأتي هو إلينا ليقضي معنا يوما أو يومين‏,‏ وبالفعل كانت الأمور سهلة لمدة وجيزة إلي أن جاء يوم تشاجرت معي أمه لأني تأخرت في الاتصال بها وصعقتني بكلمات جارحة‏,‏ فبررت لها انشغالي ومرض طفلي ولم أرد أكثر من ذلك‏,‏ وزاد هو بأن هجرني إرضاء لأمه وطلب مني أن أترك المنزل أنا والطفل‏,‏ تحايلت عليه بكل الطرق واستعطفته لأني فعلا لا أعرف ماذا فعلت لكل هذا حاولت مرارا وتكرارا أن أرجع المنزل وأرضيه ولكنه رفض وأخبرني أنه سوف يظل علي هذه الحالة طيلة العمر‏,‏ فطلب مني والدي نسيان ذلك الأمر حتي اجتاز الامتحانات وبالفعل رجعت منزلي بعدها فانهال علي زوجي بالضرب الذي كنت أفقد الوعي وأفيق ومازال يضربني وأسمعني سبابا لم أكن أتخيل أن اسمعه وبصق في وجهي لا أعرف لماذا كل ذلك‏,‏ واتصلت بوالدي ليأتي ويأخذني فقد انكسر كل شيء أحمله له ومرت الأيام واعتذر لي زوجي وأقسم بألا يكررها‏,‏ ولم تمر أسابيع قليلة وعاد كما كان طلب مني أن أحضر له قائمة المنقولات من والدي وألا أقيم بمنزل أسرتي طوال فترة سفره وألا أزورهم إلا بأمره‏,‏ لم أوافق خاصة عندما ع
اد إلي أفعاله الكريهة معي‏,‏ فطلب أبي من أحد أصدقائه التدخل حتي ننفصل بالمعروف كما أمر الله وسنتنازل له عن الكثير كما تنازلنا من قبل الزواج‏,‏ ولكنه رفض فما كان سبيل لدينا سوي اللجوء للقضاء الذي عرفت عن طريقه أن مرتب زوجي أضعاف ما كنت أتخيل وبلاشك لديه أرصدة بالبنك لا أعرفها‏,‏ سيدي أنا لا أعرف لماذا حدث لي كل هذا ولماذا غدر بي زوجي مع أنني اخترته من بين العشرات الذين تقدموا لي ممن هم أكفأ منه بكثير‏.‏

لم أقصر تجاهه في أي من الاتجاهات‏,‏ ليس لديه مبرر لما فعل‏.‏ لقد انهار بيتي وأصبح طفلي عنيفا تأثرا بما رأي‏,‏ فهو لم يبلغ بعد عامه الثاني ولكنه الزهرة الوحيدة التي أعيش لأرويها ولكنني أتساءل‏:‏

هل ستمضي بي الحياة بهذه القسوة‏,‏ أم أن يوما سيأتي ويعوضني الله عما عانيت؟‏!‏ هل سأتزوج مرة أخري‏,‏ وأكمل الحياة التي تتمناها أي امرأة طبيعية؟‏!‏ وإذا تزوجت من يضمن لي ألا يكون هو الآخر مثل زوجي السابق؟‏!‏ ومن سيتحمل تربية طفل ليس منه؟‏!‏ كل هذه أسئلة لا أعرف لها إجابة‏,‏ فالغيب عند الله‏.‏ ولكني أسألك وأسأل قراء بابك الكرام أن تدعوا لي أن يبارك الله لي في ولدي ويعوضني خيرا‏,‏ فهو الآن يتيم بالرغم من وجود والده علي قيد الحياة‏,‏ والذي مر عليه أكثر من ثمانية أشهر لم يحاول السؤال عنه‏.‏

*‏ سيدتي‏:‏ مثل رسالتك وما بها من تفاصيل‏,‏ يدفعني إلي الشاطئ الآخر‏,‏ إلي النصف الآخر من الحكاية الذي لم يأت في سطور مأساتك‏,‏ نعم يوجد في الحياة أشرار‏,‏ ويوجد أشخاص مثاليون‏,‏ ولكن هل يمكن تصور طرفي علاقة‏,‏ أحدهما شرير حتي النهاية‏,‏ والآخر مثالي حتي النهاية؟ قبل التسليم بهذه الفرضية ومحاولة تفهم مبرراتها‏,‏ دعيني أسألك‏:‏ ما الذي يجعل أسرة طيبة‏,‏ لديها ابنة معيدة في الجامعة وينتظرها مستقبل باهر‏,‏ ترحب بشاب من أسرة فقيرة عائلها أحد العمال الذين كانوا يتمنون أن يرد أبي عليهم السلام‏,‏ بينكما فارق اجتماعي واضح‏,‏ ولا توجد علاقة عاطفية تبرر تقديم تنازلات‏,‏ ولم تصلي إلي سن تخيف من شبح العنوسة‏,‏ ومع ذلك تبالغون في تقديم تسهيلات ومنح وعطايا‏,‏ وكأنها الفرصة الأخيرة لك في الزواج‏!.‏

واذا كانت أسئلتي المشروعة لن تجد إجابة لديك‏,‏ وعدت إلي الفرضية الأولي‏,‏ وسلمت بأنك من أسرة طيبة ومثالية وأردتم شراء رجل حتي يحفظك ويراعي الله فيك‏,‏ لن يكون أمامي إلا التسليم أيضا بأن طليقك وأسرته من الأشرار‏,‏ ولم يكونوا يستحقون فتاة مثلك‏,‏ وهنا يمكن التوقف أمام الأخطاء التي وقعتم فيها‏,‏ فليس معني التسهيل‏,‏ أن نتساهل ونتجاهل مبدأ التكافؤ بين الزوجين‏,‏ التكافؤ الاجتماعي والثقافي والمادي والديني‏,‏ فبعض الأئمة جعل من التكافؤ أحد شروط الزواج الصحيح والذي من أجله يحق لولي الأمر أن يفسخ عقد النكاح‏.‏ أيضا كان عليك التأكد من سلوك هذا الشخص الذي ستربطين حياتك به‏,‏ وكذلك سلوك عائلته‏,‏ فالزواج ليس مغامرة ندخلها مغمضي الأعين‏,‏ فكثيرا ما نضع الضوابط الصحيحة للزواج ومع ذلك نفشل‏,‏ فما بالنا بعلاقة غابت عنها كل الضوابط‏.‏

سيدتي‏..‏ لا أعتقد أنك في حاجة الآن لأن أرصد أخطاءكم المتتالية‏,‏ منذ أن بدأ هذا الرجل في تجاوزاته‏,‏ تلك الأخطاء التي جعلته يتمادي في إيذائه ونذالته وتخليه عن كل مسئولياته‏.‏ ولكن الأهم الآن هو ما جاء في السطور الأخيرة لرسالتك‏,‏ والتي تكشف عن اندفاعك‏,‏ فبدلا من أن تتوقفي قليلا بعد لهاث ومعاناة‏,‏ تطل عليك مبكرا فكرة الزواج‏,‏ متسائلة عمن سيقدم تنازلات ليتزوجك ويتحمل مسئولية طفلك ويعوضك عما عانيته‏.‏

سيدتي‏:‏ التقطي أنفاسك‏,‏ انتقلي إلي مربع آخر‏,‏ حتي تستوعبي ما حدث‏,‏ حتي تعرفي أخطاءك ونقاط ضعفك‏,‏ حتي تبرأ جراحك‏.‏

فالحياة ليست رجلا أو زواجا فقط‏,‏ فكري مؤقتا في إكمال دراستك‏,‏ والاهتمام بطفلك‏,‏ وثقي بأن عدل الله ـ حتي لو تأخر لا يغيب‏,‏ وأن طليقك سيدفع ثمن جرائمه في حقك وحق أسرتك‏.‏

لا تفكري ـ يا عزيزتي ـ الآن في الزواج‏,‏ وعندما ينضج وعيك‏,‏ وتكتمل شخصيتك بمزيد من التجارب في الحياة‏,‏ متكئة علي إيمان راسخ بالله سبحانه وتعالي‏,‏ ستجدين من هو ملائم وكفؤ لك ليعوضك عما عانيته‏,‏ لتمنحيه من نفسك كل محبة ورحمة‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....