الأربعاء، ١ أغسطس ٢٠١٢

تقرير الجبرتي ‏2006

23-02-2007
مع الآلم والأمل‏..‏ مع الآي والرأي الآخر‏..‏ مع السلبيات والإيجابيات‏..‏ مع الأفكار الجديدة والحوارات المثمرة‏..‏ مع نبض القراء واتجاهات الرأي العام‏..‏ يسعدني أن أبعث لكم بحصاد عام‏2006‏ من خلال باب الخير والحب والجمـال‏'‏ بريد القراء‏'.‏

‏مسئولون ومواطنـون في قائمة الشرف‏:‏
ضمنت القائمة هذا العام ‏..‏ من الوزراء أ‏.‏د حاتم الجبلي وزير الصحة لإصراره علي الإصلاح والقضاء علي الفساد في وزارته ولصراحته وشجاعته بإعلانه أمام مجلس الشعب أنه لا يمكن تقديم خدمة طبية سليمة وكاملة بالميزانية المقررة بوزارة الصحة وأ‏.‏د‏/‏ أحمد المغربي وزير الإسكان لقراراته الجريئة بحصر الأراضي الفضاء وإعادة توزيعها بطريقة واضحة وبشفافية كاملة‏..‏ والمهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة لفتحه ملف الحديد والأسمنت ودراسة أسعاره ومنع الاحتكار وأتباعه مبدأ الشفافية في كل تعاملاته‏..‏ وأ‏.‏د فتحي سرور رئيس مجلس الشعب لشهادته القانونية والحاسمة لصالح المهندس الاستشاري المصري د‏.‏ ممدوح حمزة الذي كان يحاكم في انجلترا الأمر الذي كان له أثرا كبيرا في تبرئته من تهمة ظالمة لفقها لـه بعض شـياطين الأنـس‏:‏

واللواء محمد هاني محافظ جنوب سيناء لإيمانه بأهمية وفوائد الاستثمار في محافظته اقتصاديا واجتماعيا وامنيا واهتمامه بسرعة تلبية طلبات المستثمرين‏..‏ والسيد مجدي أيوب محافظ قنـا الذي كان يقوم بنفسه بتوزيع وجبات إفطار ساخنة في رمضان علي عمال النظافة ورجال المرور في محافظته‏..‏ والدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الذي يقدم آراءه الفقهية في سهولة ويسر ودون تعصب وفي أدب جم وتسامح عالم جليل‏..‏ فهو بحق القدوة الصالحة والمثل الذي يجب أن يحتذي به شبابنـا‏..‏ والسيد اللواء إسماعيل الشاعر مدير أمن القاهرة الذي أرسي قواعد الانضباط والالتزام سواء علي رجال الأمن أو المواطنين مع متابعة ونشاط متواصلين‏..‏

والسيدة عائشة عبد الهادي وزيرة القوي العاملة والهجرة التي لا تعرف المجاملة ولدفاعها المستميت عن عمال مصر وحقوقهم‏..‏ والمستشار جابر ريحان المدعي العام الاشتراكي لمجهوده الجبار في الحصول علي أقصي ما يمكن من شركة السلام للنقل البحري لصالح أسر شهداء العبارة المنكوبة‏..‏ والأستاذ محمد عبد الحميد قاسم سفير مصر بالسعودية لاهتمامه بالرد علي ما ينشره البريد حول العمالة المصرية بالسعودية‏..‏ والمهندس الاستشاري المصري د‏.‏ممدوح حمزة لصموده وإصراره علي مكافحة الظلم حتي حصل علي البراءة من القضية الملفقة الشهيرة التي كان يحاكم بسببها في انجلترا‏..‏

والفنان حسين فهمي لتخليه عن لقب‏'‏ سفير النوايا الحسنة‏'‏ لعجز وتخاذل مجلس الأمن تجاه مجازر إسرائيل الوحشية ضد لبنان وفلسطين والفنان السوري الرائع جمال سليمان لدوره المميز في مسلسل حدائق الشيطان ورد فعله الهادئ تجاه بعض من عارضوا تواجده علي الساحة الفنية المصرية‏!!‏ والسيد حسن نصر الله لصموده وتواضعه وهدوئه وثقته بنفسه بل واعترافه بمسئوليته عما حدث من دمار في لبنان وتعهده بإعادة الإعمار كما جاء في رسالة‏'‏ سر النصر‏'..‏ والسيد فؤاد السنيورة رئيس الوزراء اللبناني لصموده وحفاظه علي وحدة شعبه بجميع طوائفه ولمساندته للمقاومة حتي تحقيق النصر‏..‏

ومن الشخصيات العالمية البروفيسور محمد يونس قديس الفقراء كما يلقبه الشعب البنغالي لفوزه بجائزة نوبل للسلام هذا العام لتأسيسه بنكا للفقراء عام‏1976‏ يمنحهم قروضا صغيرة تساعدهم علي التخلص من الفقر‏..‏ وأ‏.‏د مجدي يعقوب الطبيب المصري العالمي الموهوب لقيامه بإعادة القلب القديم الأصلي الموجود لدي أحدي الفتيات بانجلترا إلي العمل بعد توقفه لمدة‏10‏ سنوات واعتمادها علي قلب آخر ثم نقله لها خلال تلك الفترة‏..‏ والملياردير العصامي الأمريكي‏'‏ وارن بافت‏'‏ الذي بدأ حياته ببيع زجاجات الكوكاكولا والآن أصبحت ثروته‏44‏ مليار دولار ومازال يسكن في منزله القديم المتواضع بعيدا عن حياة البذخ بل قرر مؤخرا التبرع بـ‏85%‏ من ثروته للجمعيات الخيرية‏..‏

فهل يتعلم أثرياؤنا الدرس كما جاء برسالة‏'‏ هل يتعلمون منه‏'..‏ ورئيس دولة فـنزويلا التي سحبت سفيرها في إسرائيل احتجاجا علي ممارستها في حربها ضد لبنان كما جاء برسالة‏'‏ هكذا فعلتها‏'..‏ والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي تأخرت عنه كثيرا جائزة مبارك كما جاء برسالة‏'‏ ومن حقه الترشيح للجائزة‏'..‏ والكاتب الكبير والأديب والمفكر د‏.‏ مصطفي محمود الذي أتم‏85‏ عاما لدوره وإسهاماته البارزة في الأدب والفن والحياة ومؤلفاته البديعة التي أقترب عددها من عدد سنوات عمره‏..‏ ويستحق مكانا في قاعة الشرف أيضا علماء المركز القومي للبحوث لحصادهم أكبر وأهم جوائز الدولة سواء جائزة مبارك أو الجوائز التقديرية والتشجيعية

وأيضا أ‏.‏د هاني الناظر رئيس المركز حيث حقق المركز في عهده طفرة جعلت له اسما ومكانا بارزا في المحافل العلمية‏..‏ وأيضا المسئولون عن إدارة صفقة الخط الثالث للمحمول وليت كل صفقات الخصخصة تتم بهذه الطريقة الاحترافية كما جاء برسالة‏'‏ الطريقة أعجبتني‏'..‏ وكل أعضاء الفريق القومي المصري لكرة القدم سواء اللاعبين أو الأجهزة الفنية والإدارية لفوز الفريق المصري بكأس الأمم الأفريقية وإدخال السعادة في قلوب‏72‏ مليون مصري‏..‏ وأيضا النادي الأهلي لتحقيقه لقب بطل أفريقيا وتمثيله للكرة المصرية الأفريقية في مونديال اليابان‏..‏ وتحية خاصة للنجم الكبير محمد أبو تريكة‏..‏

ومن المواطنين البسطاء‏..‏ السيدة عزة محمد أحمد بمديرية التأمين والمعاشات بسوهاج لنعاملها مع الجميع بوجه بشوش وابتسامة رقيقة وأدب جم وذوق رفيع ولا تؤجل طلبا كما جاء برسالة‏'‏ ولا تؤجل طلبا‏'..‏ والطفلة نوران ذات الأعوام التسعة التي رفضت‏100‏ ألف جنيه رصيدا بالمحمول أضيفت لها عن طريق الخطأ قائلة حرام أن أخذها‏..‏ كما جاء برسالة‏'‏ فليتعلموا منها‏'‏ حيث يوجه كاتب الرسالة كلامه لبعض رجال الأعمال الذين نهبوا أموال البلد‏..‏ والعالم المصري د‏.‏ زغلول النجار لفوزه بجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في دورتها العاشرة واختياره شخصية العام الإسلامية‏..‏

والدكتور طارق الغزالي حرب استشاري جماعة العظام وصديق البريد المشهور لقيامة منفردا ومتطوعا ومشكورا بعلاج الحالات التي يتبني علاجها البريد في تخصصه كما أكد أ‏.‏ أحمد البري‏..‏
المزيد ....

قصـــور وقبـــــور

16-02-2007
أكتب إليك وأنا لا أعرف كم تبقي لي من العمر‏,‏ فقد وهنت‏,‏ وهنت علي كل من حولي‏,‏ ولكني أستحق كل ما يحدث لي‏,‏ وأدعو الله أن يغفر لي‏,‏ ويحقق أمنيتي الأخيرة قبل أن أري وجهه الكريم‏,‏ وأتمني أن تصبح قصتي هذه صدقة جارية‏,‏ يستفيد منها كل إنسان يعيش الآن ما عشته سابقا‏,‏ فيتدبر حياته‏,‏ ويقفز من مركب الغفلة قبل فوات الوقت‏.‏

سيدي‏..‏ دعني أبدأ لك الحكاية‏,‏ منذ ما يزيد علي‏40‏ عاما‏..‏ كنت شابا يافعا‏,‏ من الأوائل علي كليتي العملية‏,‏ كل أسرتي تفخر بي‏,‏ ويراني والدي ثمرة كفاحه التي كافأه الله بها‏,‏ لذا فقد كان يدللني ويغدق علي بعطائه المادي والمعنوي‏,‏ عملت بوظيفة مرموقة‏,‏ وحققت نجاحا باهرا جعلني أترقي بسرعة شديدة في عملي‏,‏ مما جعلني مطمعا لأسر وفتيات عديدات‏.‏ وحتي لا أطيل ـ فمحطات حياتي طويلة ومتعددة ـ تزوجت من فتاة جميلة‏,‏ من أسرة طيبة‏,‏ وبدأت حياتي تسير نحو الإستقرار والسعادة‏.‏

منحتني الأقدار كل شيء جميل‏,‏ فازدادت ثقة بنفسي‏,‏ بل قل غرورا‏,‏ معتقدا أن كل ما أنا فيه بسبب ذكائي وقدراتي الفذة‏..‏ كنت أستمتع بنظرات الرضي والمباهات التي تطل من عيني زوجتي‏,‏ كلما إلتقينا مع أحد‏.‏

إتفقت مع زوجتي علي تأجيل الإنجاب‏,‏ حتي أتفرغ قليلا لعملي ودراساتي‏,‏ فاستجابت وتحملت لمدة عامين‏,‏ حتي وجدتها ذات يوم تبكي وحيدة في غرفتها‏,‏ وبعد ضغط مني وإلحاح‏,‏ عرفت أن سبب دموعها هو إشتياقها إلي الإنجاب‏,‏ فاحترمت رغبتها‏,‏ وتركنا أنفسنا للأقدار‏,‏ ولم يمض وقت طويل حتي رزقنا الله بطفل جميل‏,‏ وقبل مرور عامين جاءت أيضا إبنتي وقرة عيني‏.‏

هكذا كنت رجلا ناجحا مستقرا‏,‏ وكنا أسرة سعيدة هانئة لم يكن ينقصنا شيء حتي أقبل العرض الذي قدم لي‏..‏ شركة عالمية افتتحت فرعا لها في إحدي دول الخليج في بداية السبعينيات‏,‏ تطلبني للعمل هناك بمقابل مادي مبهر‏.‏ وافقت علي الفور‏,‏ علي الرغم من رفض زوجتي‏,‏ ومحاولاتها المتكررة لإثنائي عن ذلك‏,‏ حتي أنها لجأت إلي والدي‏,‏ الذي رجاني ألا أسافر‏,‏ وأحافظ علي نجاحي في بلدي‏,‏ ولكني أصررت علي موقفي‏,‏ وسافرت قبل أسرتي‏,‏ حيث أعددت الفيلا التي ستقيم فيها ثم حضروا وبدأنا حياة جديدة‏..‏ حياة أكثر هدوءا‏,‏ أكثر أموالا‏,‏ لكنها أيضا أكثر جفاء‏.‏

إزدادت ثروتي‏,‏ وبدأت في شراء أراض في مصر‏,‏ بنيت عمارة في أرقي ضواحي القاهرة‏,‏ وفيلا في ضاحية أخري‏,‏ ولم نكن نستمتع بأي منهما إلا في أيام قليلة‏,‏ هي أيام الاجازات المصيفية‏.‏

كبر الأبناء‏,‏ وحصل إبني علي الثانوية في نهاية الثمانينيات‏,‏ وإلتحق بكلية في القاهرة‏,‏ ولكن إبنتي الصغيرة مازالت في الصف الأول الثانوي‏,‏ فماذا نفعل؟

إقترحت زوجتي أن نكتفي بما حققناه ونعود إلي مصر‏,‏ ولكني كنت أدمنت نمط الحياة في هذه المدينة‏,‏ فأرسلنا الولد ليكمل دراسته ويقيم عند جده حتي نلحق به بعد أن تنتهي شقيقته من الحصول علي الثانوية العامة‏,‏ أصيب إبني بصدمة في البداية وتعرض لأزمات نفسية عديدة بسبب إختلاف السلوكيات‏,‏ حتي أنه كان يستغيث بي ويرجوني أن يعود إلينا‏.‏ ولكن بعد عام واحد‏,‏ بدأ جده هو الذي يشكو من غيابه المتكرر عن البيت‏,‏ فكنت أتصل به وأوبخه‏,‏ فيعدني بالإلتزام‏.‏

بعد عامين تكرر الموقف وكان علي ابنتي أن تعود إلي القاهرة لدخول الجامعة‏,‏ وبعد حوارات مطولة‏,‏ طلبت من زوجتي أن تنزل معها لتنظيم حياتهما‏,‏ ثم نحدد هل تتركهما وتعود لي‏,‏ أم أعود أنا في زيارات إليهم‏.‏

كانت فكرة عودتي مستبعدة تماما عن ذهني‏,‏ لقد أصبحت جزءا من هذا المجتمع‏,‏ أشعر بغربة شديدة في مصر‏..‏ في الأسابيع القليلة التي كنت أقضيها أجد نفسي عصبيا مستفزا من سلوكيات البشر‏,‏ ملامحهم أصبحت تغضبني‏,‏ حتي طعم الشاي والطعام أصبح غريبا علي‏.‏

بعد نزول زوجتي وابنتي‏,‏ شعرت بسعادة غريبة‏,‏ أحسست أني حر‏,‏ غيرت نمط حياتي‏,‏ وأصبحت أكثر إنطلاقا‏,‏ خاصة أن البلد الذي أقيم فيه أصبح أكثر إنفتاحا وبهجة‏,‏ فعدت أكثر شبابا وحيوية‏.‏ وقررت إقناع زوجتي بألا تعود علي أن أسافر إليهم كل‏6‏ أشهر وبمبررات مختلفة استجابت زوجتي‏.‏

إعتدت بعد شهور قليلة علي إستغاثات زوجتي‏,‏ إبنك تغير‏,‏ مصاحب أولاد فاسدين‏,‏ بدأ يشرب سجائر‏,‏ بنات كثيرة تتصل به‏,‏ تزوره في البيت‏,‏ خلاص تعبت معاه‏,‏ تعال اتصرف معاه كنت أكتفي بالاتصال به‏,‏ مهددا مرة‏,‏ وواعدا مرة أخري‏.‏ مهددا بسحب السيارة أو منع المصروف‏,‏ وواعدا بمزيد من الهدايا والمزايا إذا أراح أمه وجعلها لا تشكو‏.‏

الحقيقة التي لابد أن أعترف بها الآن أني كنت غارقا في أنانيتي‏,‏ في استمتاعي بمباهج لا تليق ولا تحق لي‏,‏ وكل ما أتمناه أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم‏.‏

في العام الأخير بالجامعة سقط ابني‏,‏ وأخبرتني والدته أنه يشرب المخدرات والخمور‏,‏ وعندما واجهته‏,‏ انفجر فيها وتجاوز في الكلام بل ـ كما قالت لي ـ كاد يمد يده عليها‏.‏ في هذه المرة شعرت بالخطر‏,‏ فحصلت علي اجازة من عملي وعدت مسرعا إلي مصر‏..‏

وجدت أبنتي مكتئبة‏,‏ منزوية‏,‏ صامتة‏,‏ لم أشعر بدفء حضنها‏,‏ وكذلك زوجتي أصبحت بعيدة عني‏,‏ روحها في واد آخر‏.‏ أما ابني فكأني لا أعرفه‏,‏ لغته غريبة‏,‏ نظراته زائفة مخيفة جلست أياما‏,‏ أضع ضوابطا لما هو قادم‏,‏ قلت لهم ـ كاذبا ـ إني أعيش هناك وحيدا متألما من أجلهم‏,‏ لأني أريد لهم حياة أفضل‏,‏ لا أحب أن يعانوا أو يتعذبوا في المستقبل‏.‏ ألقيت بنصائحي وهربت بجلدي إلي عالمي مرة أخري‏.‏ مالي أنا وهذا العذاب‏,‏ أيام مراهقة ستمر علي إبني وتنتهي‏.‏

ملت زوجتي من الكلام‏,‏ اعتادت علي غيابي‏,‏ واعتدت علي حالي تخرج الولد في الجامعة وأصبح أكثر غيابا وعنفا‏,‏ حتي إنه أصبح يبيت كثيرا خارج البيت‏,‏ ولم تعد أمه تحكي لي ولم أعد أسأل‏!‏

بعد عامين من تخرجه‏,‏ أفقت علي صراخ زوجتي في التليفون الحقني‏,‏ انزل فورا‏,‏ ابنك‏,‏ صحيت من النوم‏,‏ لقيت بنت معاه بايتة في حجرته‏,‏ ومعاهم حقن وسجائر‏,‏ أنا خلاص حسيب البيت وأطفش

صدمة هزتني‏,‏ شعرت بأن كل حياتي تنهار‏,‏ كان علي أن أتخذ قرارا سريعا‏,‏ كان قراري أن أحضر ابني ليعيش معي‏,‏ أوفر له عملا هنا ليبدأ حياته بعيدا عن تلك الأجواء‏.‏ أخبرت زوجتي بقراري‏,‏ ففرحت به‏,‏ لأنها هي الأخري ألفت الحياة بدوني‏,‏ ولم تعد تلح علي في العودة‏,‏ وهذا الأمر كان يسعدني كثيرا‏,‏ وأحمد الله علي عقلها‏.‏

خلال أيام أنهيت اجراءات التأشيرة‏,‏ وأرسلت التذكرة إلي ابني‏,‏ بعد أن اتفقت معه علي أن يأتي لفترة قصيرة يستريح ويجرب الحياة هنا‏.‏ فإما أن يستمر أو يعود‏,‏ حسب رغبته‏.‏

جاء ابني وبدأت في انهاء اجراءات الاقامة‏,‏ من ضمن هذه الاجراءات يا سيدي ـ بعض الكشوف والتحاليل الطبية‏,‏ من بينها تحليل الايدز‏.‏ أعتقد أنك تصورت ماذا حدث؟

ابني‏,‏ عمري‏,‏ مصاب بالايدز‏,‏ ليس مهما كيف ومتي‏,‏ المهم أن المصيبة وقعت‏,‏ استدعاءات‏,‏ وقرارات صارمة‏..‏ الترحيل الفوري‏.‏

لا أعرف ماذا حدث ولا كيف تصرفت‏,‏ كان علي أن أغادر مع ابني‏,‏ وحيدي الذي انهار‏,‏ وأصيب بحالة هيستيرية‏.‏

عدنا إلي القاهرة‏,‏ بمصيبة الموت أهون منها‏..‏ انهارت زوجتي‏,‏ انطفأت روحي‏,‏ وعاش ابني أياما سوداء في اجراءات واستدعاءات في مصر كان ينظر إلي‏,‏ كنت أخجل من النظر إليه‏.‏

تحولت الفيلا إلي قبر‏,‏ زوجتي أصبحت شبحا‏,‏ عيناها تتهماني‏,‏ تكرهني‏,‏ ابنتي خاصمتني‏,‏ أما ابني‏.‏ فقد حاولت أن أتحدث إليه لأطمئنه بأني سأظل معه وسنبحث عن علاج‏,‏ فهو حامل للفيرس وليس مصابا به‏,‏ فثار في وجهي وقال لي‏:‏ لا تتحدث معي‏.‏ عليك أن تصمت إلي الأبد صمت ولم أتحدث حتي الآن‏.‏ منذ‏5‏ سنوات يا سيدي استيقظت من النوم‏,‏ فلم أجد ابني‏,‏ وجدت رسالة في يد أمه الغارقة في دموعها‏,‏ قالت لي‏:‏ مبروك‏,‏ ارتح وأكمل حياتك‏,‏ ابنك ساب لك البلد وسافر‏.‏

سافر ابني إلي الخارج لا أعرف كيف‏,‏ اختار منفاه‏,‏ وتركني معذبا‏,‏ الأمراض لاحقت زوجتي‏,‏ وابنتي لم تتزوج حتي الآن‏,‏ تعمل طبيبة في احد المستشفيات تكاد تقاطعنا‏,‏ وإذا تحدثت كان كلامها صراخا في وجوهنا‏,‏ أما أنا فأعيش وحيدا‏,‏ مترددا علي المساجد‏,‏ أبكي وأنا ساجد أدعو الله أن يغفر لي ويرحم ابني وابنتي وزوجتي‏..‏ أخطأت في حقهم جميعا‏,‏ نادم علي كل ما فات‏..‏ قرار خاطيء في بداية حياتي أدي بنا إلي هذه الهاوية‏.‏

سيدي‏..‏ كل ما أدعو الله به‏,‏ وأتمني أن يستجيب لي‏,‏ أن يقرأ ابني كلماتي ـ إذا كان حيا ـ ويرحم شيخوختي ويطمئني عليه‏,‏ يكلمني مرة واحدة‏,‏ يقول لي إنه سامحني‏,‏ هذا هو كل حلمي الآن‏,‏ فهل يتحقق؟‏!‏

{‏سيدي‏..‏ أفهم جيدا كلماتك‏,‏ وأتمني أن يفهمها كل من يتعامل مع الحياة مثلما تعاملت معها‏.‏ عشت مثلك سنوات في الخليج ـ وإن كانت فترة محدودة ـ ورأيت الذين يكنزون الذهب والفضة‏,‏ ويعلنون أنهم لن يعودوا إلا بعد آخر نقطة بترول‏..‏ رأيتهم يبنون قصورا لم يدخلوها فتحولت إلي قبور من رخام بارد‏.‏

عشت بالقرب من رجال اعتادوا العيش بدون عائلاتهم‏,‏ معتقدين أنهم يوفرون لهم مستقبلا أفضل‏,‏ في حين أنهم يرسمون لهم النهايات الحزينة‏.‏ رأيتهم يعودون بعد سنوات غياب طويلة فلا يستطيعون العيش في القاهرة الساحرة‏,‏ معتقدين أن مفاتيح الذهب يمكن أن تفتح لهم أبواب تلك المدينة العريقة‏,‏ دون وعي منهم بأن جذورهم تآكلت‏,‏ وكما تمردت نفوسهم علي بلادهم‏,‏ تمردت هي الأخري عليهم فعاقبتهم بالجفاء وبالقسوة‏.‏

سيدي‏..‏ لا أعرف تحديدا هل علي أن أتحدث إليك‏.‏ وأنت تعرف الآن ـ بألمك ووحدتك ـ مقدار أخطائك في حق نفسك وحق أسرتك‏,‏ منذ قرارك بالسفر ولم تكن في حاجة إليه‏..‏ ومنذ استمتاعك بوحدتك‏,‏ وعدم عودتك مع أبنائك حتي ترعاهم وتحتضنهم في صدرك‏..‏ منذ طمعك في الدنيا‏.‏

هل أتحدث إليك‏,‏ أم أتحدث إلي هؤلاء‏,‏ الغارقين في الغفلة‏,‏ الناعمين في أموال الخليج‏,‏ دونما يدرون ما هو حال أبنائهم بعيدا عنهم؟‏..‏ هل أفزعهم بحكايتك؟‏..‏ هل أصدمهم بحكايات الانحراف التي تحاصر بريدي من الأبناء والزوجات وحكايات الاكتئاب والأمراض النفسية وتأخر زواج البنات بسبب صعوبة تكيفهم مع المجتمع؟

نعم من حق كل إنسان أن يسعي نحو رزقه‏,‏ أن يحسن وضعه المادي‏.‏ بشرط ألا ينسي الهدف الرئيسي من غربته‏,‏ ألا تغريه القصور فيطيل الغياب ويزيد الجفوة والقسوة بينه وبين عائلته‏.‏ فإما أن يبقي عليها معه في غربته تحت عينيه وفي قلبه‏,‏ وإما أن يكتفي بما حققه ويعود إلي حضن وطنه فهو أحن عليه مهما كانت قسوته‏.‏

سيدي‏..‏ مأساتك كاشفة‏..‏ ولكن دعني ألفت انتباهك إلي أن زوجتك وابنتك في حاجة إليك‏,‏ فأنت السبب فيما وصلا إليه‏,‏ وعليك أن تستعيد نفسك‏,‏ لتعيدهما إلي الحياة‏,‏ قد تفشل بمفردك وتحتاج الآن إلي مساعدة من طبيب نفسي وبعض أهل الخبرة‏,‏ فالبكاء علي اللبن المسكوب لن يجدي الآن‏,‏ أما ابنك فإني أدعو الله معك أن يقرأ رسالتك أو يخبره بها أحد قراء الأهرام‏,‏ فيرق قلبه‏,‏ ويتذكر أن الله أوصانا بالوالدين مهما كانت أخطاؤهما‏,‏ وهو الآن أحوج ما يكون إلي دعائك ورضاك‏,‏ ليته يتصل بك ليريح قلبك ويطمئنك عليه‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏
المزيد ....

نوافذ الاشتهاء

09-02-2007
استجابة لرغبة الكثيرين من أصدقاء بريد الجمعة سنواصل للأسبوع الثاني طرح الرؤي المختلفة حول التعدد ومفاهيمه‏,‏ خاصة بعد أن أيقنت من خلال مئات الرسائل التي وصلتني أن التعدد أزمة كبيرة‏,‏ أزمة لدي الرجال الذين يرون أنه حق‏,‏ هناك من يحاول انتزاعه منهم‏,‏ وأزمة لدي المرأة‏,‏ التي تري أن استقرارها وسعادتها وأمن أبنائها مهدد بالانهيار بسبب نزوة أو شهوة أو ملل ورغبة في التغيير‏.‏ وهناك طرف ثالث أغفلناه في حواراتنا وهم الأبناء‏,‏ ومعاناتهم وتشرد بعضهم بسبب زواج الأب من ثانية أو ثالثة‏.‏
وأجدني مضطرا مرة أخري لتأكيد أن التعدد ليس حراما‏,‏ وإنما هو مشروع ومباح في إطار ضوابط‏,‏ هذه الضوابط هي التي يدور حولها الخلاف‏.‏ ولذا أقدم هذا الأسبوع عددا من الرؤي المختلفة‏,‏ بعضها يبدو غير مألوف‏,‏ وبعضها سيمثل صدمة ويطرح العديد من الأسئلة‏.‏

*‏ إذا كان صاحب رسالة الأزمة ــ الكاشفة ــ قرر الزواج من أرملة صديقه بعد أن التقاها مرات عدة في مكتبه‏,‏ مما أتاح له اكتشاف جوانب جذابة في شخصيتها‏,‏ وأتاح لهما التقارب الذي انتهي إلي الزواج بدلا من الدخول في علاقات غيرشرعية‏,‏ فهل هذا يجيز للمرأة المتزوجة العاملة ــ كما جاء في إحدي الرسائل ــ إذا أتاحت لها الظروف أن تلتقي برجل آخر‏,‏ تجلس إليه‏,‏ ترصده وتعجب به‏,‏ أن تهدم بيتها وتطلب الطلاق حتي تتزوج ممن أحبته‏,‏ بدلا من الوقوع في المعصية؟ هل إذا فتحنا هذا الباب‏,‏ خاصة للرجل الذي بطبيعته يميل إلي التعدد‏,‏ يبقي رجل مع زوجة واحدة‏.‏

*‏ التعدد الذي شرعه الله سبحانه وتعالي‏,‏ قد يصلح ويصبح ضرورة في مجتمع وفي زمان محدد‏,‏ وقد يكون مفسدة في مجتمع ووقت آخرين‏,‏ والذين يستشهدون ــ دفاعا عن التعدد ــ بارتفاع عدد الذكور عن الإناث‏,‏ مارأيهم إذا عرفوا أن عدد الجنسين يكاد يكون متساويا في مصر‏,‏ وأن نسبة كبيرة من الشباب ــ ذكورا وإناثا ــ لم تتزوج بسبب الظروف الاقتصادية‏,‏ وانهيار العلاقات الاجتماعية‏,‏ كما ترتفع نسب الطلاق لنفس السببين‏,‏ إضافة إلي عدم الالتزام بالأساليب الصحيحة للزواج‏,‏ أقصد أن مجتمعاتنا في حاجة إلي مواجهة مشكلاتها لمساعدة من لم يتزوج حتي يكمل نصف دينه‏,‏ والحفاظ علي الزيجات القائمة‏,‏ لأن استقرار الأسرة هو استقرار للمجتمع بأسره‏.‏

*‏ الأصدقاء الذين يدعون إلي التعدد أو يسعون إليه‏,‏ هل يقومون بواجباتهم تجاه زوجاتهم وأولادهم؟ هل يجدون الوقت والصحة لذلك؟ إذا كانت الإجابة بنعم‏,‏ فهل يمكن لنا تفسير ازدياد نسب التفكك الأسري وانحراف الأبناء وارتفاع حالات الضعف الجنسي بدليل الإقبال الشديد علي الأدوية والمنشطات‏.‏

وإذا كانت الإجابة بلا‏,‏ فهل يمكن للرجال في مجتمعاتنا تحقيق شرط العدل المنصوص عليه في حالة التعدد؟‏!‏

اعتقد أنه ليس من حق أي رجل لايقيم العدل مع زوجته الأولي وأبنائه‏,‏ أن يتحدث عن التعدد أو يسعي للزواج بأخري‏,‏ لأن الهدف الأسمي للزواج هو إعمار الأرض بالسكن والمودة والرحمة‏,‏ لابالجري خلف الغرائز‏,‏ هذا الباب لن ينغلق أبدا‏,‏ لأن هناك دائما امرأة أخري أجمل غير التي تزوجتها‏,‏ ولو كان المعيار أوالمبرر هو الاشتهاء‏,‏ لما كفي الرجل ــ نفسيا ــ مائة امرأة‏,‏ في حين أنه عاجز عن إرضاء وإشباع امرأة واحدة‏!!‏

{‏ المحــــــــــرر
المزيد ....

ما طاب لكم‏!‏

02-02-2007
كشفت رسالة الأسبوع الماضي نوافذ الاستشهاد عن أزمة في المجتمع حول مفهوم التعدد ومبرراته‏,‏ فغضب كثير من الرجال ورأوا في تعليقي علي الرسالة ما يحرم ما شرعه الله بقولي إنه ليس من حق صاحب الرسالة أن يتزوج علي زوجته وإنما مباح له‏,‏ وأكرر بعد العودة مرة أخري إلي علمائنا إنه ليس حقا‏,‏ ولو كان كذلك لاعتبر من لم يقم به مقصرا في أحد الحقوق الشرعية‏.‏

ووصل الأمر ببعضهم إلي اعتبار أن الأصل في الزواج هو التعدد‏,‏ فيما الحقيقة أن الأصل هو الإفراد‏,‏ والدليل علي ذلك أن الله سبحانه وتعالي قال في كتابه الحكيم‏:‏ وأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع وهنا يخاطب المتزوجين بدليل أنه ـ سبحانه وتعالي ـ لم يذكر لفظة واحدة وحالات الزواج الشرعية اليها‏.‏

ولأن كثيرين من الرجال الذين أرسلوا لي يتحدثون عن التشبه بالرسول عليه الصلاة والسلام‏,‏ وعلي الرغم من اتفاقنا علي أن ما أحل للرسول‏,‏ ليس بالضرورة يحل لنا‏,‏ إلا أني أذكر نفسي وأذكركم‏,‏ بأن النبي صلي الله عليه وسلم‏,‏ رفض أن يتزوج سيدنا علي بن أبي طالب من ابنة أبي جهل علي السيدة فاطمة‏,‏ وقال علي المنبر‏:‏ أما إني لا أحل حراما ولا أحرم حلالا‏,‏ ولكن فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها‏,‏ فهل هناك أب لا يريبه أن يتزوج زوج ابنته بأخري؟‏!‏

هل هناك زوجة لن يريبها أن يتركها زوجها لأخري؟ ثم أين هؤلاء الرجال الذين يعاملون زوجاتهم مثلما كان يفعل رسولنا الكريم‏,‏ أم أننا نتشبث بالرسول فقط عندما نريد أن نعدد في الزواج؟‏!‏

أعود وأكرر إن للتعدد اسبابه‏,‏ ولا أحد يستطيع أن يمنع شرع الله‏,‏ ولكل حالة مبررات قبولها أو رفضها‏,‏ وصاحب رسالة الأسبوع الماضي‏,‏ لم يكن عادلا‏,‏ أو واضحا‏,‏ بل كان قاسيا وظالما لزوجته أم أولاده التي تحملت الكثير من أجله‏.‏

ولو أقررنا حق كل رجل استراح ماديا وأصبحت لديه المقدرة أن يسارع بالزواج من أخري‏,‏ لما وجدنا امرأة تقف بجوار زوجها وتعينه علي مصاعب الحياة‏,‏ خوفا من أن يتركها بعد ذلك ليتزوج بأخري‏.‏

والحد الانساني الأدني في مثل هذه الحالة ـ بدلا من أن يعذبها ويهجرها في الفراش عامين ـ أن يعرض عليها ما قرره ويترك لها حق الاختيار‏.‏ المشكلة شائكة‏,‏ وفيها آراء عديدة‏,‏ أطرح بعضها هذا الأسبوع ليكون حوارا مفتوحا بين أصدقاء بريد الجمعة وبين علمائنا‏.‏
المزيد ....