الثلاثاء، ١ فبراير ٢٠٠٠

البحث عن السعادة

22-03-2002
أكتب إليك هذه الرسالة من المهجر‏,‏ ولا أرمي من ورائها إلي البحث عن حل لمشكلة‏,‏ ذلك أن مشكلتي عسيرة الحل‏,‏ وليس لها إلا حل واحد تحول دونه أسباب منها الأدبية والاجتماعية والمادية وغير ذلك‏,‏ ولذا سأدخل إلي الموضوع مباشرة‏:‏ تحتفل مصرنا الغالية وكثير من دول العالم بما يسمي عيد الأم المثالية سنويا‏,‏ ويدفعني ذلك إلي أن أتساءل‏:‏ هل هذه السيدة التي كافحت من أجل أولادها ألم تكن زوجة قبل أن تكون أما‏,‏ إذن فهل كانت هذه السيدة المثالية في الأمومة مثالية أيضا في حياتها الزوجية‏,‏ وهل يكفي لكي تحصل احدي السيدات علي لقب المثالية أن يقتصر ذلك علي دورها كأم فقط أم لابد أن تكون أيضا مثالية في الحياة الزوجية أو هل لابد أن تجمع بصدق وإخلاص بين المثالية في الحياة الزوجية والمثالية في الأمومة‏.‏ وإذا أردنا أن نجد هذه الزوجة المثالية فما هي الصفات التي يجب أن تكون عليها؟‏..‏ وهل تعتقد أننا سنجد الكثيرات ممن يمكن أن يقال عنهن انهن زوجات مثاليات؟‏..‏ وهل من الأصوب عمل نفس الاجراءات لانتخاب إحداهن لتحوز شرف حمل لقب المثالية حتي تحتذي بها غيرها ولعل ما ورد في هذا الشأن يثير موضوعا آخر علي علاقة وطيدة به وهو موضوع الحب في الحياة الزوجية وفي هذا المجال أري أن هناك عدة أسئلة تحتاج إلي الاجابة عليها‏:‏

أولا‏:‏ ما هو الحب في الحياة الزوجية ما هو معناه الحقيقي وما هي علاماته؟
ثانيا‏:‏ لتكون الحياة الزوجية سعيدة ومستقرة من بدايتها وحتي نهايتها هل يجب أن تتبلور عاطفة الحب بوضوح بين الزوج والزوجة علي قدر المساواة أم يكفي أن تكون من طرف واحد

ثالثا‏:‏ هل إذا بدأت الحياة الزوجية بالحب المتبادل يمكن أن تستمر كذلك مدي الحياة أم تنهار السعادة والاستقرار عند هبوب أول عاصفة أو مجرد متاعب عابرة لا يخلو منها منزل أو عائلة؟
رابعا‏:‏ يقال إن الحب يصنع المعجزات‏..‏ فهل هذا صحيح في الحياة الزوجية ؟‏..‏ إنني أرجو ألا تأخذك الدهشة إذا علمت أن كاتب هذه الرسالة قد جاوز التسعين من العمر وزوجته جاوزت الثمانين من عمرها وأن الحياة الزوجية بينهما قد تعدت نصف القرن‏,‏ ومع كل ذلك فمازلت أبحث واسأل عن مواصفات الزوجة المثالية وأفتقد الحب وأرجو في ختام هذه الرسالة أن يتسع صدرك وتسمح لكثير من الباحثين الاجتماعيين وخلافهم بأن يدلوا بدلوهم في هذا الشأن‏!‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
لا يدهشني تساؤلك عن الحب وافتقادك له في حياتك الزوجية وقد جاوزت التسعين من العمر وجاوزت زوجتك الثمانين‏.‏ فالعواطف الحارة لا تقاس بالسن‏.‏ ولا عمر لها‏,‏ كما أن الإنسان يحتاج إلي الدفء العاطفي في كل مراحل العمر ولقد يتزايد احتياجه إليه وإلي أنس الروح‏..‏ وركون القلب إلي من يحب لديه كلما تقدم به العمر‏,‏ والأمثلة عديدة علي ذلك في الماضي وفي الحاضر‏..‏ ومن أشهرها ما رواه الأديب الفرنسي فيكتور هوجو عن العاطفة القوية التي ربطت بين الأديب شاتوبريان‏..‏ والسيدة ريكامييه المحبة للثقافة والفنون في القرن التاسع عشر‏,‏ فلقد ربطت بينهما عاطفة قوية في شبابهما‏,‏ ثم مضت بهما السنون وأصبح الاثنان شيخين متهدمين‏,‏ وأصيبت السيدة ريكامييه بالعمي وأصيب شاتوبريان بالشلل‏,‏ ومع ذلك فلقد ظل يأمر خدمه بأن يحملوه عصر كل يوم إلي بيت حبيبته العمياء ليضعوه إلي جوارها وكان الأسي يملأ قلبي ـ كما قال هوجو ـ كلما رأيت يدها تبحث عن يد الشيخ الذي فقد الإحساس باللمس حتي إذا عثرت عليها ربتت عليها في حنان شديد

ومن أحب هذه الأمثلة إلي قلبي قصة الروائية الانجليزية كاترين كوكشن وزوجها اللذين عاشا معا متحابين متعاطفين يشد كل منهما أزر الآخر‏48‏ عاما‏,‏ فشهدت حياتهما العديد من المحن والخطوب وفقدت الزوجة في شبابها ثلاثة أطفال رضع أنجبتهم ولم يصمدوا لأنواء الحياة‏,‏ وأصيبت بالاكتئاب الشديد لمدة‏15‏ عاما ساندها خلالها زوجها المحب وأعانها علي مقاومته والشفاء منه‏..‏ وشجعها علي احتراف الكتابة الأدبية لكي تنجو من الانهيار العقلي الذي يهددها بالانتحار‏..‏ وراح يحثها كل يوم علي أن تكتب وتنشر حتي ذاع اسمها وأصبحت من أشهر الروائيين الانجليز‏,‏ ووقف إلي جوارها يمرضها ويرعاها في خمس أزمات قلبية شديدة أصيبت بها‏..‏ ثم رحلت عن الحياة وهي في الواحدة والتسعين من العمر في يونيو عام‏1998‏ وهو في السابعة والثمانين من العمر‏..‏ وفي كامل حيويته‏,‏ فما أن انتهت مراسم الوداع حتي تدهورت صحته فجأة ونقل إلي المستشفي ورحل عن الحياة بعد‏18‏ يوما فقط من رحيل محبوبته‏..‏ وقال الأطباء الذين أشرفوا علي علاجه إنه لم يمت باة زمة القلبية التي فاجأته‏..‏ وإنما بانكسار القلب حزنا علي رحيل شريكة الحياة‏..‏ وقال الأصدقاء المقربون إنه بعد غيابها عن الحياة لم يعد راغبا في شيء سوي في أن يكون معها حيث ذهبت‏!‏

ولا عجب في ذلك لأن الشيخوخة الحقيقية ليست في تقدم العمر واعتلال الصحة‏,‏ وإنما في الإحساس العميق بأن العمر قد أنتهي ومات الأمل وضاعت كل الغايات‏,‏ كما أنها أيضا في جفاف الحياة وخلوها من نبض المشاعر ودفء الصحبة‏,‏ والحق أنك تطرح في رسالتك هذه مفارقة مهمة بالفعل عن الاهتمام بالأم المثالية دون الزوجة المثالية‏..‏ مع أن كلا منهما تستحق الاهتمام والتكريم والإشادة‏,‏ ولقد أجتهد في الإجابة علي تساؤلك فأقول لك إن الزوجة المثالية تكون غالبا أما مثالية لأبنائها بالتبعية وإلا فقدت جانبا أساسيا من جوانب التميز كزوجة‏..‏ وعنصرا جوهريا من عناصر إعجاب زوجها بها وسعادته معها‏..‏ في حين قد لا تكون الأم المثالية زوجة مثالية بالضرورة لزوجها‏..‏ وربما كانت في بعض الأحيان مثالا سلبيا لها في علاقتها بزوجها‏,‏ ولقد تعوض تعاستها في الحياة الزوجية بتكريس كل عطائها لأبنائها دون زوجها‏..‏ ونفس الحال قد يصدق علي الأب المثالي لأبنائه‏,‏ والزوج السييء لعشيرته في نفس الوقت‏,‏ وفي كل الأحوال فإن العاطفة القوية ضرورية لتجميل الحياة‏..‏ وتيسيرها علي شركاء الحياة في كل مراحل العمر‏..‏ وما تقوله الكاتبة الامريكية دوروثي ديكس من أن سعادة الرجل في الزواج تتوقف علي مزاج زوجته النفسي والعاطفي أكثر من أي شيء آخر صادق إلي حد كبير‏,‏ فلقد تتمتع الزوجة كما تقول الكاتبة بكل فضيلة‏..‏ لكن كل فضائلها تصبح بلا قيمة إذا كانت سيئة الطبع حادة محبة للنقار جافة المشاعر

فإذا كنت تتساءل بعد ذلك عن المعجزات التي قد يصنعها الحب في الحياة الزوجية فإن أعظمها هي السعادة التي تطيل العمر وتؤخر الشيخوخة وتقاوم عوامل الزمن وتعين الإنسان علي احتمال آلام الحياة‏.‏
المزيد ....

الخطوة الأولي‏!‏

29-03-2002
أنتهز فرصة وجودي بمصر لكي أخبرك عن قصتي‏..‏ فأنا فتاة في العشرين من عمري ولدت بمصر وسافر أبي بنا إلي الولايات المتحدة وعمري‏7‏ سنوات‏,‏ ولم يهتم بنا بعد ذلك أبدا ونسي كل شيء عني وعن شقيقي‏..‏ وهما اثنان أحدهما يكبرني بعام واحد والآخر بعامين‏,‏ أما أمي فقد أصبح عملها وصديقاتها هي كل اهتماماتها‏.‏ لهذا اهتم بنا أخي الأكبر وأخذ يعلمنا الصلاة‏,‏ وكنا نصلي معا ونذهب للمركز الاسلامي ونحفظ القرآن الكريم‏,‏ وأصبحت لي صديقات متدينات كثيرات‏,‏ وعندما أصبحت‏(15‏ عاما‏)‏ بدأت تعلم اللغة العربية التي لم أكن أعرف عنها شيئا‏,‏ وكنت أكره أبي وأمي جدا لكن أخي الأكبر أخبرني أن هذا حرام ويجب أن أبرهما‏..‏ وفي الولاية التي أقيم فيها مسلمون كثيرون‏,‏ وهناك أيضا بعض الأمريكيين الذين حاولوا مضايقتي في المدرسة‏,‏ لكن أخي كان معي دائما فلم يجرؤ أحد علي التحرش بي‏..‏ وعندما ارتديت الحجاب أقامت لي صديقاتي حفلة لا أنساها أبدا في المركز الاسلامي‏..‏ وفي الأعياد كنا نصلي معا في المركز ونستمع إلي خطبة العيد الجميلة‏..‏ وكنت أعشق دائما منظر المسلمين وهم يتجمعون للصلاة‏,‏ أما أبي وأمي فكانوا يظلان في المنزل ولايصليان أبدا وكنت وأخواي دائما نسألهم أن يأتون للصلاة فكانا يرفضون كأنما نسألهم الذهاب إلي الجحيم‏.‏
وذات يوم رجعت مع الأخوين إلي البيت من صلاة الفجر فوجدت أبي وأمي يتصايحون بصوت عال وأشار لي أخي بألا ندخل‏..‏ وظللنا خارج البيت حتي انتهي الصياح وهممنا بأن ندخل فوجدنا أمي تدفع الباب بشدة وتخرج ثم تركب السيارة‏..‏ وحاولنا إيقافها لكنها لم ترد علينا وذهبت في طريقها ودخلنا البيت فوجدنا أبي يضع كفيه علي وجهه ويبكي في صمت وعانقناه متسائلين‏,‏ فقال لنا إن أمي علي علاقة غير شرعية مع زميلها في العمل‏..‏ وأحسسنا بصدمة‏,‏ وفقد أخي الأوسط وعيه‏,‏ وقضينا أياما حزينة في المنزل‏,‏ ولم نذهب أنا وأخي الأوسط إلي المدرسة‏,‏ ولم يذهب أخي الأكبر إلي كليته‏,‏ ولم يذهب أبي إلي المستشفي الذي يعمل به جراحا‏.‏
وبعد حوالي أسبوعين حاول أبي وأخي الأكبر الاتصال بأمي فلم ترد عليهما‏,‏ وبدلا من أن تعود إلي أسرتها طلبت الطلاق من أبي وقالت إنها سوف تذهب إلي القضاء إذا لم يعطها الطلاق‏,‏ فطلقها أبي وأحس بالانهيار وأصبح لون وجهه أبيض‏,‏ فنقص وزنه كثيرا وشعرت بالحزن من أجله فخففنا عنه‏,‏ وحصل هو علي اجازة للراحة النفسية‏,‏ ثم بدأ يذهب إلي المسجد وأصبح يستيقظ من النوم للذهاب لصلاة الفجر معنا‏.‏
وفي الأيام التي لا أصلي فيها شرعا‏,‏ كان يطرق علي باب غرفتي ويسألني إذا كنت سأصلي فأخبره بأنني لن أصلي‏..‏ وأحسست أنني أحبه كثيرا‏,‏ وكذلك أحس أخواي كما أحسسنا بأن حياتنا ستبدأ من جديد‏..‏ ثم التحقت بالجامعة وسط سعادة أبي والأخوين‏,‏ وسافرنا إلي مصر وقضينا فيها شهرا جميلا وقابلت أقاربنا الذين لم نراهم أبدا وأحبونا وأحبوا أبي‏.‏
وفي عيد من أعياد الفطر وأنا‏(19‏ سنة‏)‏ ذهبنا للصلاة‏..‏ وتوجهت أنا إلي قاعة النساء وأخبرني أخي الأوسط أنه متعب ولن ينتظر حتي يسمع الخطبة‏,‏ وأنه بعد الصلاة سيجلس في السيارة‏..‏ وعندما انتهت الصلاة فكرت في أن أذهب للسيارة وأسمع الخطبة من هناك حتي لايكون أخي وحيدا‏.‏
وعندما ذهبت إليه وجدته يقف خارج السيارة مع شاب أمريكي مسلم لا أعرفه لكني أعرف أن الشابات يحبونه جدا لأنه قوي الايمان وقوي الحياء ومتفوق دراسيا‏.‏
ورآني أخي أنظر اليهم فأشار لي ثم أعطاني مفتاح السيارة لأنتظر فيها‏,‏ وبعد قليل وجدت أبي وأخي الأكبر ووالد هذا الشاب الأمريكي يخرجون من المركز وودعوا بعض كأصدقاء قديمون‏,‏ ورجعنا إلي المنزل وأخبرني أبي أنه يجب ألا أخرج لأن والد هذا الشاب ووالدته قادمون لزيارتنا بعد وقت قصير‏,‏ ورأيت أخي الأكبر وأخي الأوسط ينظرون إلي أبي بطريقة غريبة ولم أفهم‏!‏
وبعد حوالي ساعتين جاءوا ونزلت لأستقبل أم الشاب واصطحبتها إلي غرفة الجلوس فأخذت تسألني عن حالي ودراستي‏..‏ وأخبرتني عن إبنها الوحيد وكيف دخلوا الاسلام منذ‏5‏ سنوات‏,‏ وكانت عندها روح مرحة وقالت لي إن ابنها رآني مرتين أو‏3‏ مرات ومعجب بي جدا ويريد أن يكمل نصف دينه‏!‏ فشعرت بإحساس غريب لأني كنت أنوي أن أتزوج عربيا أو مصريا‏..‏ وهذه أسرة أمريكية‏,‏ فأخذت أنظر للأرض وأنا لا أعرف ماذا أقول‏,‏ فقالت لي الأم ألا أقلق واصطحبتني إلي الخارج ليراني ابنها فلم ينظر لي سوي مرة واحدة وكان وسيما جدا ويتكلم بصوت هامس ووجهه يشع ضوءا وعمره‏23‏ سنة‏..‏ واصطحبني أبي إلي غرفة جانبية وسألني عن رأيي فظللت صامتة فترة ثم ابتسمت‏..‏ فعانقني أبي وقبلني وخرج وقضي الضيوف معنا‏30‏ دقيقة وراح والد الشاب وهو جراح زميل لأبي ورجل محترم يتكلم معي مثل إبنته ثم خرجوا وبدون أي كلمة عانقني أخواي بجنون‏!‏ وأخذوا يتحدثون عن الشاب وعن خلقه‏.‏
وبعد ذلك بيومين جاء الشاب ومعه خاتم الخطبة وقدمه لي وبدأ يتردد علي المنزل عندما يكون أخواي أو أبي فيه ويأتي بهدايا تسعدني دائما‏.‏
وفي الشهر قبل الماضي طلب الزواج واشتري لي بيتا جميلا في نفس الولاية واصطحبتني أمه لشراء فستان الزفاف الأبيض الجميل وأقامت لي صديقاتي حفلا جميلا‏.‏ وكان يوم الزفاف في المركز الاسلامي يوما جميلا وأعطاني أبي خاتما ماسيا كان لأمه وقال إنه غال عليه لأن أمه غالية عليه‏,‏ وبكي أخواي عند الفراق‏,‏ ثم ذهبت مع زوجي إلي المنزل فوجدت هدايا كثيرة من أبي وأخي وأخي وأقاربي في مصر وصديقاتي وأصدقاء زوجي‏,‏ وأخبرني زوجي أن أمامي ساعة لكي أعد حقيبة سفري‏,‏ لأننا سنقضي أسبوعين في إحدي الجزيرات المشهورة‏,‏ وأنه أخبر أبي بذلك‏,‏ ففعلت وسافرنا ووجدت زوجي حنونا رقيقا ويحبني جدا أكثر مما كنت أظن‏,‏ وبعد أن عدت من الاجازة الرائعة اهتم بي وبدراستي وأخذ يساعدني ويعينني أعانه الله علي الخير ويسأل عني الأساتذة دائما ويتذكر عيد ميلادي ويحضر لي الهدايا وأحضر له أنا هدايا من الكتب الاسلامية أوالعطور لأنه يحب ذلك‏..‏ وسألته هل هناك مشكلة في أنني‏(19‏ سنة‏)‏ فقط‏,‏ فقال لي إنه يحبني علي هذا الحال‏...‏ ولم يتزوجني إلا لأنه يحبني وإنني سرقت قلبه وجعلته لا ينام‏,‏ فضحكت علي ذلك‏,‏ لأن زوجي يبالغ كثيرا في تأثير سحري عليه‏,‏ ووجدته صديقا لأخوتي جدا وبارا بأبي ورقيقا في معاملاته‏,‏ ويوقظني كل يوم لصلاة الفجر‏,‏ ويعرف متي يداعبني ومتي يتوقف ومتي يمزح ومتي لا يمزح وأحببت أنا أبوه وأمه جدا‏.‏
ونحن الآن في مصر لأنه أراد أن يقابل أقاربي الذين أحبوه جدا‏,‏ إنني أعشقه بمرور الأيام وأجد كل يوم ما يقربني منه‏,‏ لقد كانت حياتي سيئة غريبة‏,‏ والآن هي حياة رائعة‏,‏ وأقول لكل من عاني من أي شيء في حياته إن المولي لاينسي أحدا أبدا‏,‏ وأرجو ألا تكون لغتي العربية السيئة قد أغضبتك وأتمني أن توجه كلمة لزوجي أترجمها له وجزاك الله خيرا‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
كلما ازداد استعدادنا للعطاء‏..‏ ازداد ما نحصل عليه من فرص السعادة والنجاح في الحياة‏.‏ هكذا قال صادقا ذات يوم الأديب البرازيلي الحكيم باولو كويلو‏..‏ وهكذا تثبت لنا تجربة الحياة في كثير من الأحيان‏.‏ وفي قصتك الجميلة هذه التي سعدت بها‏,‏ وأشكرك علي تجشمك عناء إخباري بها بالرغم من حداثة عهدك بتعلم اللغة العربية والأخطاء اللغوية العابرة التي يمحو أثرها طهر الاحاسيس وصدق المشاعر‏,‏ فلقد كان العطاء أيضا هو تميمة الحظ السعيد في حياتك‏..‏ والخطوة الأولي الموفقة في ارتباطك بهذا الشاب الوسيم الملتزم دينيا وأخلاقيا‏,‏ والذي تحبه الشابات‏,‏ كثيرا لإيمانه وحيائه وتفوقه الدراسي ــ كما تقولين عنه بصدق ــ فلقد أشفقت ياسيدتي الصغيرة علي شقيقك الأوسط من أن يبقي في سيارة الأسرة وحيدا خلال خطبة العيد في ذلك الصباح الغريب‏,‏ فغادرت المركز الاسلامي قبل سماعها لتنضمي إليه وتؤنسي وحدته‏..‏ فكان هذا العطاء الأخوي البسيط الذي لا يكلفك شيئا كثيرا‏..‏ ويعكس في نفس الوقت دفء مشاعرك العائلية‏,‏ هو بداية السعادة والتوفيق في حياتك الزوجية بإذن الله‏...‏ ورآك ذلك الشاب الأمين للمرة الثانية أو الثالثة وأسره جمال روحك واحتشام مظهرك‏..‏ وعمق التزامك الخلقي والديني‏..‏ وتأكد ربما في تلك اللحظة فقط من صدق رغبته فيك‏..‏ وحسن اختياره لك‏,‏ فحسم أمره بشأنك وفاتح أبويه بقراره‏.‏ وبدأت أول فصول هذه القصة السعيدة‏,‏ ولو لم تستجيبي لدفء مشاعرك الأخوية في ذلك الصباح وتخرجي للحاق بأخيك الأوسط أمام المركز لربما كانت السعادة التي ترصدتك بجوار سيارة الأسرة قد تأجلت إلي فرصة أخري‏..‏ أو لربما كانت أقدار هذا الشاب قد ساقته للاعجاب بشابة أخري من المترددات علي هذا المركز والارتباط بها‏.‏
لكن هكذا شاءت السماء أن تكافئك علي طهر مشاعرك الأخوية وصدق التزامك الخلقي وتعوضك عن أحزان السنوات الماضية وتزلزل كيان الأسرة بانسحاب الأم من حياة أبنائها وايثارها لسعادتها الشخصية علي سعادة هؤلاء الأبناء وأمانهم‏.‏
فإذا كان في قصتك ما يستحق الأسف له حقا إلي جوار تهدم بنيان الأسرة بالخيانة الزوجية والطلاق‏,‏ فهو أن تجري كل فصول تعرفك علي هذا الشاب الأمين وخطبتك له واستعدادك للزواج منه في غياب من كانت تفرض عليها أمومتها لك أن تكون إلي جوارك في هذا الموقف المصيري‏,‏ لترعي خطاك وتشير عليك بما فيه صلاح أمرك وأنت تبدئين حياتك الجديدة‏.‏
لكنه لا عجب في أن تغيب عنك أمك في مثل هذا الموقف‏,‏ وقد تخلت عن حياتها العائلية كلها اتباعا لهواها‏..‏ ولا عجب أيضا في أن تكون هذه المحنة الشخصية هي الشرارة التي فجرت المشاعر الأبوية الخامدة في قلب أبيك تجاهك وتجاه أخويك‏,‏ فرجع إلي احتضانكم جميعا من جديد وازداد اقترابا منكم بعد طول انشغال عنكم بأمور الحياة‏,‏ وعرف طريق الالتزام الديني‏,‏ وعوض بعودته للحضور المكثف في حياتكم غياب الأم وافتقاد دورها‏...‏
فإن كان هناك من يستحق التحية كذلك في هذه القصة فهو شقيقك الأكبر الذي قام بدور الأب الراعي والعطوف في حياتك وحياة أخيك الأوسط‏,‏ حين كان الأبوان مشغولين بدنياهما عن شئون دينهما وأبنائهما وعائلتهما‏..‏ فحماكما بذلك من كثير من الشرور وحفظ عليكما صوتيكما‏,‏ وقاد خطاكما إلي طريق الالتزام الخلقي‏,‏ مما رشحك في النهاية للسعادة الزوجية والأمان‏..‏ فأما زوجك الأمين فإني أقول له فقط‏:‏ إن الحياة الفاضلة الآمنة المعطرة بعطر الحب والوفاق والتراحم والوفاق التي اخترتها لنفسك هي الطريق حقا إلي السعادة في الأرض والسماء‏.‏
كما أن الزوجة الصالحة التي ترعي حدود ربها وتحفظ زوجها في السر والعلن‏,‏ هي خير جائزة تمنحها السماء للانسان في رحلة الحياة‏.‏
ولابد أن يرشحك كل ذلك ويطلق كل قدراتك للنجاح وتحقيق كل ما تصبو إليه من أهداف الحياة بإذن الله‏.‏
المزيد ....

الأوقات الجميلة‏!‏

05-04-2002
تراودني نفسي أن أكتب إليك منذ زمن طويل لأروي لك قصتي‏.‏ ولقد جاءت الفرصة أخيرا فلم أتردد‏.‏ فأنا رجل خضت بحر الحياة العملية منذ تخرجي في كليتي العملية وأنا في الحادي والعشرين من عمري‏..‏ فعملت في احدي الهيئات‏..‏ وبدأت اتطلع للحياة‏..‏ وبعد عامين من تخرجي رجعت من عملي ذات يوم فوجدت في بيتنا ضيوفا‏..‏ من أقاربنا المقيمين في الأقاليم ولم أكن قد التقيت بهم من قبل لاني ولدت في القاهرة‏..‏ ودخلت إلي الصالون للترحيب بهم فلفتت نظري علي الفور فتاة صغيرة آية في الجمال الأخاذ بالرغم من بعض الشحوب في وجهها فوقفت ذاهلا أمامها وصافحتها وقدمتها لي أمي فقالت لي انها ابنة خالتي الطالبة بإحدي الكليات الاقليمية‏,‏ ولم أكن أعرف من الأهل أن لي خالة في تلك المدينة‏..‏ ثم فهمت من سياق الحديث أن والدتها ابنة خالة أمي‏,‏ وبالتالي فهي في منزلة أختها وابنتها في منزلة ابنة الخالة بالنسبة لي‏..‏ وجلست مسحورا استرق النظر إلي الفتاة الجميلة فألاحظ أنها خجولة‏..‏ وحيية‏..‏ ولا تشعر بجمالها‏..‏ وراودني احساس غامض بأنها منكسرة لسبب لا أعرفه بالرغم من أن مظهرها ومظهر أبويها يوحي بأنهم من أوساط الناس‏..‏
وعرفت أن الأسرة قد جاءت إلي القاهرة لكي تستشير طبيبا كبيرا من أطباء العاصمة وستمكث معنا حتي يجيء موعد الطبيب ثم تسافر إلي بلدتها في المساء‏..‏ وألح أبي وأمي عليهم بالمبيت لدينا وتأجيل السفر للصباح وشاركتهم الالحاح حتي استجابوا‏..‏
وشعرت بتيار من الابتهاج الخفي يسري داخلي‏,‏ وزارت الأسرة الطبيب ورجعت محملة بالأدوية‏,‏ وأمضينا سهرة عائلية جميلة‏..‏ لم تتكلم خلالها ابنة خالتي كثيرا لكنها كانت كلما تكلمت احاطتها العيون بالحب والحنان‏.‏
وسافرت الأسرة في اليوم التالي‏,‏ ووجدتني أصارح أختي التي تصغرني بعامين باعجابي بهذه الفتاة وتفكيري في التقدم لخطبتها وسألتها عن رأيها فيها وقد قضت الليل معها في غرفة واحدة‏,‏ فنظرت لي أختي في عطف وقالت لي إنها كالملاك في رقتها وأخلاقها لكنها للأسف مريضة‏!‏ وصدمت حين سمعت ذلك وعرفت أنها قد مرضت وهي في الرابعة عشرة من عمرها بحمي روماتيزمية أثرت علي قلبها وتعالج منذ ذلك الحين بانتظام وبعد شهر رجعت الأسرة لزيارتنا لنفس الغرض‏..‏ ووجدتني متلهفا علي رؤية الفتاة والحديث إليها‏..‏ وشعرت بأنها تبادلني الاهتمام والاعجاب ثم تكررت الزيارة بعد ذلك عدة مرات وصارحت أمي وأبي برغبتي في الارتباط بها‏..‏ وشاركتني أمي تقديري لأخلاقها ومميزاتها لكنها ترددت أمام مرضها‏..‏ وتفكر أبي في الأمر طويلا وحذرني من المتاعب الصحية التي قد تتعرض لها الفتاة بعد الحمل والانجاب‏.‏ لكنه لم يخف اعجابه بأخلاقها وجمالها وطيبة أهلها‏..‏ ثم لم يلبث أن تخلي عن تحفظاته راجيا لي السعادة وفي موعد الزيارة التالية انتهز أبي فرصة وجود الأسرة كلها في الصالون وأشار إلي رغبتي في خطبة ابنة خالتي‏..‏ فتضرج وجهها بالاحمرار بالرغم من شحوبه واغرورقت عينا الأب بالدمع‏..‏ وتمتم قائلا‏:‏ وهل يعرف؟ فأجابه أبي بالايجاب‏,‏ أما أمها فلم تتمالك نفسها وانهمرت دموعها كالمطر وأطلقت وهي تبكي زغرودة طويلة‏!‏ وطلب الأب من زوجته وابنته أن ينتقلا مع أمي إلي الغرفة الأخري ليختلي بي وبأبي‏.‏ وبعد مغادرتهن قال لي إن واجبه يفرض عليه أن يضعني في الصورة بالنسبة لظروف ابنته الصحية‏..‏ وروي لي كل شيء عنها واطلعني علي تقاريرها الطبية‏..‏ ومنها شهادة تفيد أن حالتها الصحية لا تمنعها من الزواج ولا من الحمل والانجاب ولكن لمرة واحدة أو مرتين علي الأكثر وتحت الاشراف الطبي‏..‏ وأنها قد تحتاج إلي جراحة لاستبدال صمام في القلب في المستقبل ربما بعد عشر سنوات أو عشرين أو أكثر حسبما تتطور الحالة‏,‏ وسألني هل أنت مستعد لتحمل كل ذلك‏..‏ وأجبته بالإيجاب‏,‏ فأمسك بيدي بقوة وقال لي وصوته يتحشرج‏:‏ إذن علي بركة الله‏..‏ وتأكد من أنني لا أريد منك شيئا سوي أن تسعد ابنتي وأن تقف إلي جوارها في ظروفها‏..‏ لأنها طيبة‏..‏ وتحب الناس وتتوقع الخير دائما فأقسمت له أنني سأكون لها نعم الزوج والرفيق‏.‏ وتمت خطبتي لابنة خالتي هذه‏..‏ وتورد وجهها الجميل الفاتن بحمرة الفرح والسعادة ووجدتني مع الاقتراب منها أسيرا لحبها واغدقت هي علي طوفانا من الحب والحنان وتمسك والدها بألا يكلفني من أمري رهقا فحدد لي قيمة المهر والشبكة وفوجئت بتواضع المبلغ الذي حدده والذي يقل كثيرا عما تفرضه التقاليد في أوساطنا العائلية وتزوجنا وقام الرجل بإعداد جهاز ابنته بسخاء شديد وكرم زائد لأنها ابنته الوحيدة‏..‏ ولعطفه الكبير عليها بسبب ظروفها وزادتني العشرة حبا لزوجتي وتقديرا لسجاياها‏..‏ فلقد وجدتها تحمل قلب طفل لا يزيد عمره علي‏5‏ سنوات‏..‏ وروحها جميلة‏..‏ وودودة‏..‏ وترغب دائما في كسب مودة كل من يتعامل معها‏..‏ ولا تبخل بشيء لاسعاد شريكها‏..‏ ولا تتأخر عن مساعدة أي محتاج‏..‏ وشهمة شهامة حقيقية في كل مواقف الحياة‏..‏ فأحبها أبي وأمي وأختي وكل أقاربنا حبا شديدا‏..‏ واخلصت هي لهم الحب والمودة وغرقت أنا في حبها حتي الثمالة حتي لم تعد تطيب لي أوقات الحياة إلا وهي إلي جواري وحتي أصبح مجرد النظر إلي وجهها الفاتن يسعدني‏..‏ ولو لم أقترب منها‏.‏ وحملت زوجتي‏..‏ وبدأت معاناتها الصحية‏..‏ لكني وقفت إلي جوارها‏..‏ وشددت أزرها إلي أن مرت محنة الحمل والانجاب بسلام ورزقني الله منها بطفلة صورة مكررة من جمال أمها وسحرها‏.‏ ونصحني الطبيب بعد ميلاد طفلتي بعدم تكرار الحمل والانجاب مرة أخري لكيلا أعرض صحة زوجتي للخطر لأنها قد انهكت في التجربة الأولي‏..‏ وارتضيت بذلك عن طيب خاطر‏,‏ كما ارتضيت كذلك بالصبر علي رغبتي المشروعة في زوجتي في أوقات كثيرة حرصا علي عدم ارهاقها وتجاوزت عن بعض مطالبي المنزلية كزوج تجنبا لاجهادها‏..‏ ودربت نفسي علي القيام بكل الأعمال الشاقة التي تعجز هي عن القيام بها دون مساعدة‏,‏ فإذا دعوت أبي وأمي وأختي للغداء مثلا أو لحفل عيد ميلاد طفلتي مثلا قمت عن زوجتي بمعظم أعمال المطبخ أو اشتريت طعاما من الخارج‏,‏ وهكذا‏..‏ فمضت حياتنا هادئة وجميلة ومعطرة بعطر الحب والحنان‏..‏ ولم نختلف حتي علي أتفه الأشياء‏..‏ فإذا تعارضت ارادتي مع ارادتها في شيء كانت هي أسرع مني في التنازل عن رغبتها ارضاء لي‏..‏ ولم نبت ليلة واحدة متخاصمين‏..‏ بل ولم نبت ليلة واحدة إذا لم أكن مسافرا إلا ونحن متعانقين كالعشاق وكل منا يتطلع إلي وجه الآخر في حب ولقد اطلت في الحديث عن مقدمات تعرفي بزوجتي وحياتي معها واحسبك الآن تتخيل أن هذه السعادة قد دامت أربع أو خمس سنوات ثم اشتد المرض علي زوجتي ورحلت عن الحياة تاركة لي طفلتنا الصغيرة لكن الحقيقة غير ذلك تماما فلقد طالت سعادتي مع زوجتي الجميلة سنوات وسنوات‏..‏ تخللتها فترات من اشتداد المرض لازمت فيها الفراش في بعض الأوقات وقمت أنا وابنتي برعايتها وتخللتها فترة ساءت فيها حالتها كثيرا قبل اجراء العملية الجراحية لها‏..‏ وبعدها‏..‏ ثم استردت صحتها بعد الجراحة ببضعة أشهر ورجعت أنهل من نبع الحب الذي حرمت منه طوال اشتداد المرض‏..‏ ورجعنا بعد ذلك إلي حياتنا الطبيعية واستمتعنا بكل لحظة فيها‏..‏ وزرنا كل مصايف مصر ومشاتيها‏..‏ وسجلنا أوقاتنا الحلوة معا بالصور‏..‏ وبكاميرا الفيديو وعلي شرائط الكاسيت‏..‏ وسعدنا بصداقات‏..‏ وسهرات عائلية جميلة‏..‏ وانتشيت بملاحظة حب كل من يقترب منا من زوجات الأصدقاء لزوجتي‏..‏ واهتمامهن بها وحرصهن علي مودتها‏,‏ وسمعت من أكثر من واحدة منهن قولها عنها إنها نعم الأخت لكل من تعرفها‏..‏ وتعاوننا نحن الاثنين علي رعاية ابنتنا وتربيتها وغرس القيم والمباديء في وجدانها‏..‏ وقلت لابنتي دائما إنني أريدها أن تتمثل بأمها في طيبة قلبها وصفاء نفسها وبراءتها وتدينها وحرصها علي فروض دينها وحبها لأهلها وزوجها وأسرتها وللناس أجمعين‏.‏
ودارت دورة الأيام فبلغت ابنتي سن الشباب وأصبحت فتنة للناظرين كأمها‏..‏ واستشعرت زوجتي ميلها لشاب من أقاربنا وهي في عامها الجامعي الثاني‏..‏ فطلبت مني أن أفعل معه مثلما فعل والدها معي‏..‏ وأن اطمئنه إلي أن ضعف امكاناته المادية لن يحول بينه وبين السعادة‏,‏ ودفعتني بقوة في هذا الاتجاه لكي نعصم ابنتنا ونحميها من الأخطار وضحكت بيني وبين نفسي حين وجدتني أكرر علي الشاب نفس العبارات التي قالها لي والد زوجتي قبل أكثر من عشرين سنة‏..‏ وخطبت ابنتي له‏..‏ ورفرفت السعادة بجناحيها علي بيتنا الجميل‏..‏ وبعد عام آخر تم عقد القران‏..‏ وحددنا موعد الزفاف بعد عشرة أشهر‏.‏
ثم فجأة تدهورت صحة زوجتي واشتدت عليها العلة‏..‏ واكتشفنا للأسف أن علتها ليست في قلبها هذه المرة وإنما في مرض آخر قاس ولعين‏..‏ ودخلنا دوامة العلاج والتحاليل والجراحات والمستشفيات‏..‏ لأكثر من ثلاثة أعوام ثم رحلت حبيبة القلب عن الحياة ويدها في يدي‏..‏ وهي تدعو لي ربها أن يبارك لي في نفسي وصحتي ومالي وابنتي وتشكرني‏..‏ هل تصدق ذلك؟ تشكرني علي ما منحته لها من سعادة طوال سنوات زواجنا وتشكرني علي مساعدتي لها في أوقات مرضها‏..‏ وصبري علي نفسي في فترات محنتها‏..‏ وعدم تطلعي لغيرها من النساء برغم فترات الحرمان الطويلة معها خاصة في الأعوام الثلاثة الأخيرة‏..‏ وتقول لي إنها سوف تتزوجني في الجنة كما تزوجتني في الأرض ولن تدعني لغيرها أبدا ولو كن من الحور العين‏..‏ وسيستجيب ربها لرغبتها لأنها لم تقترف حراما طوال عمرها‏..‏ وتطلب مني ألا أبكيها بعد رحيلها‏..‏ وأن أتمالك نفسي بعد الرحيل‏..‏ وأفكر في نفسي لأنني مازلت في رأيها في طور الشباب‏,‏ ورحلت شريكة القلب في هدوء كما عاشت طوال حياتها معي في هدوء‏..‏ وخلا علي البيت وغرقت في الحزن والاكتئاب لأكثر من عام رفضت خلاله بإصرار أن أسمح لابنتي وزوجها بالاقامة معي لبعض الوقت للتخفيف عني‏..‏ ورفضت مبيتهما لدي في المناسبات وقلت لهما انني لست وحيدا كما يتصوران لانني أري وجه زوجتي الجميل الذي مازلت مغرما بالنظر إليه في كل مكان من الشقة‏..‏ وأبيت في فراشي وهي إلي جواري تنظر إلي نظرتها الباسمة الطيبة وأقبلها كل ليلة قبل النوم كما اعتدت أن أفعل طوال‏26‏ عاما‏..‏ وأراها وهي تغسل لي شعري بالشامبو كل بضعة أيام وتدلكه بأصابعها الحانية‏..‏ وأراها وهي تكوي لي قميصي في الصباح وتصر علي ذلك مهما تكن مرهقة أو مريضة‏..‏ وأراها تنفث في وجهي وملابسي عطر الكولونيا وراء باب الشقة كل صباح قبل الخروج وأراها في الأصائل تجلس في غرفة المعيشة تستمع إلي أغنية أنا لك علي طول لتدمع عيناها وهي تطرز مفرشا صغيرا‏..‏ أو تطرز الحروف الأولي من اسمي علي منديل أبيض بل اني أصحو من نومي فأراها تسير في غلالة النوم الرقيقة حافية لكيلا توقظني وعائدة إلي الفراش من غرفة ابنتنا بعد أن اطلت عليها واحكمت الغطاء حولها كما أشعر بشفتيها كل صباح فوق وجنتي وهي تنبهني بحنان لأذهب إلي عملي ولست في حاجة لمن يشوش علي بوجوده معي هذه الأوقات الجميلة لكن ابنتي وزوجها واختي ألحوا علي جميعا في استشارة الطبيب النفسي وقالوا لي إنني لابد لي من علاج للاكتئاب لأنني أصمت كثيرا‏..‏ وأكثر من طلب الاجازات من العمل‏..‏ وفقدت الحماس واستجبت لرغبتهم علي غير اقتناع وترددت علي الطبيب عدة مرات ووصف لي بعض المطمئنات النفسية والمهدئات‏..‏ وطالبني بألا أخلو بنفسي كثيرا في بيتي‏..‏ وأن أشارك ابنتي وزوجها وأختي اهتماماتهم وأزورهم كثيرا‏..‏ وأسافر في اجازات الخ
والآن يا سيدي فقد مر عامان علي رحيل زوجتي عن الحياة‏..‏ وبدأت أشعر بالضيق من نفسي بسبب أخجل من الاشارة إليه‏..‏ وهو أن وطأة الحرمان قد اشتدت علي‏..‏ بالرغم مني وأصبحت تقض مضجعي وتشعرني بالقرف من نفسي فلقد وجدتني اختلس في بعض الأحيان النظرات غير البريئة إلي أجساد بعض زميلات العمل فأشعر بالدماء الحارة تتدفق في عروقي‏..‏ وأشعر بالضيق والندم علي ذلك واعتبره خيانة لذكري زوجتي الجميلة‏..‏ وأتساءل كيف يتفق ذلك مع كل هذا الحب الذي حملته ومازلت أحمله لها‏,‏ ثم أضعف في أوقات أخري فأبرر ذلك لنفسي بأنني مازلت دون الخمسين من العمر وقد كابدت الحرمان لما يقرب خمس سنوات خلال اشتداد المرض علي زوجتي وبعد رحيلها‏..‏ كما أن سنوات زواجنا رغم روعتها وبهجتها كانت تفرض علي الصبر علي نفسي في أوقات كثيرة وطويلة‏..‏ فألتمس لنفسي بعض العذر وبين هذا وذاك تمضي أيامي فلا يضيئا إلي جانب الذكريات سوي زيارات ابنتي وزوجها وطفلها لي ولا أكاد أعرف الابتسام إلا حين أري وجه حفيدي الذي يبلغ من العمر عامين الآن‏..‏ ولقد عدت من جديد لملازمة المنزل كل مساء رافضا زيارة أحد أو استقبال أحد‏..‏ وأشعر بالقرف من نفسي تدب قرب الدماء الحارة في عروقي وتذكرني باحتياجاتي المخجلة‏..‏ فما رأيك في ذلك‏..‏ وبماذا تشير علي‏..‏ وهل تري أنني في حاجة إلي العودة لزيارة الطبيب النفسي من جديد؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أسعد الناس حظا من حظي خلال رحلة العمر بحياة زوجية موفقة ومعطرة بعطر الحب والتراحم والفهم والوفاء والرغبة المشتركة في السعادة‏.‏
ومن رصيد السعادة وذكريات الحب والأوقات الجميلة في الحياة يستمد الإنسان بعض قدرته علي مواجهة الأنواء والعواصف‏,‏ إلي جانب تسليمه بقضاء الله وقدره وتقبله الحكيم بكل ما تحمله إليه رياح الحياة‏.‏
والمؤكد هو أن زوجتك الراحلة هذه كانت من هؤلاء الأشخاص الأبرار الذين وصفهم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فقال‏:‏ هم القوم لا يشقي بهم جليسهم‏!‏
ومن هؤلاء الأشخاص أيضا الذين قال عنهم الامام جعفر الصادق إنه إذا أحب الله عبدا رزقه حسن الخلق‏,‏ ورأي في ذلك جماع أسباب السعادة والتوافق مع الحياة والامتثال لأقدار الإنسان فيها عن صبر وإيمان‏.‏ فلا عجب ألا يشقي بزوجتك الراحلة أحد تعرف عليها أو اقترب منها ولا عجب أيضا في أن يشقي من بعدها عشيرها ويحتفظ لها بأجمل الذكري وأعمق الوفاء‏..‏
غير أن الحياة ميلاد جديد علي الدوام يا صديقي كما يقول لنا عالم النفس الأمريكي إيريك فروم‏,‏ وليس من تمام الصحة النفسية للإنسان أن ينكر غرائزه واحتياجاته الإنسانية أو أن يشعر بالتأثم لمجرد استشعاره نداءها الحار يسري في دمائه مادام يسيطر علي اهوائه في النهاية ولا يسعي للتفريج عنها بطريق غير مشروع كما أنه ليس في ذلك أبدا ما يدعو للخجل منه‏..‏ أو يتناقض مع حبك لزوجتك الراحلة ووفائك لها فأنت رجل في قمة رجولتك الآن‏..‏ ووراءك تاريخ ليس بالقصير من الحرمان وعدم الارتواء‏,‏ وتكابد الوحدة‏..‏ والفراغ العاطفي بعد رحيل الزوجة وزواج الابنة‏,‏ فلماذا لا تعصم نفسك بالزواج مرة أخري لكيلا تسقط فريسة للاكتئاب أو تعرض نفسك للضعف البشري ذات يوم؟
لقد روي عن الامام أبي حنيفة النعمان أنه رجع من تشييع زوجته الراحلة فطلب من أصحابه أن يبحثوا له عن زوجة فتعجبوا لتعجله الزواج وهو الذي لم يكد يواري جسد زوجته ولم يكن ذات يوم من الباحثين عن متع الحياة الحسية‏,‏ وسألوه عن ذلك فقال لهم‏:‏ إن شرار الناس عزابهم‏..‏ ولست أحب أن ألقي الله عزبا‏!‏ يقصد بذلك أن شرار الناس هم من يحتاجون إلي الزواج ويقدرون عليه لكنهم يعزفون عنه تهربا من أعبائه النفسية والعائلية فيعرضون أنفسهم للفتنة والوقوع في الإثم‏.‏ وأنت يا صديقي كل ظروفك الآن مشجعة علي تكرار تجربة الزواج في حياتك بغير أن يتأذي بها أحد من أعزائك‏..‏ وإنما علي العكس من ذلك سيسعدون به‏..‏ ويطمئنون معه علي انك قد رجعت إلي التواصل الطبيعي مع الحياة من جديد‏,‏ فأنت تحيا في وحدة تامة‏..‏ وابنتك الوحيدة متزوجة‏..‏ وليس لديك أطفال صغار قد تساورك الشكوك في حسن معاملة زوجة المستقبل لهم كما انك قد قدمت للحياة من قبل كل أوراق اعتمادك التي ترشحك للوفاق والسعادة مع زوجة أخري بإذن الله فلقد أحسنت عشرة زوجتك الراحلة‏,‏ وأخلصت لها الود والوفاء‏,‏ وصبرت علي نفسك واهوائك معها لكيلا تكلفها من أمرها رهقا وكابدت الحرمان سنين عددا بلا شكوي ولا تذمر ووقفت إلي جوارها في أزماتها الصحية بإخلاص وحب وأنت إنسان قادر علي العطاء‏,‏ وملتزم بالفضائل والقيم الدينية في حياتك‏..‏ والإنسان الراغب بصدق في السعادة يستطيع أن يهبها لمن تشاركه حياته وأن يستشعر قدرا كبيرا منها معها‏..‏ وحتي ولو لم تكن تربطه بها في البداية عاطفة حارة كتلك التي جمعت بينك وبين زوجتك الراحلة من الوهلة الأولي‏,‏ وبحسن المعاشرة تدوم المحبة كما يقول لنا الكاتب الأمريكي ايمرسون‏..‏ تنسج خيوطها خيطا بعد خيط حتي تصنع رباطا متينا يجمع بين الطرفين فلماذا إذن تضن علي امرأة أخري بأن تجد معك الأمان والاطمئنان والصحبة الطيبة‏.‏ انك لا تحتاج إلي زيارة الطبيب النفسي وإنما إلي أن تجري مع نفسك حوارا عقلانيا هادئا‏..‏ تتأمل خلاله حياتك وظروفك الحالية‏..‏ وتناقش مع نفسك بصدق هل تستطيع أن تحتمل الحياة علي هذا النحو إلي ما لا نهاية أم انك في حاجة ملحة الآن إلي من تشاركك حياتك وتؤنس وحدتك وتشبع احتياجاتك العاطفية والإنسانية؟ وحين تتوصل في نهاية الحوار إلي الاعتراف بأن حاجتك المشروعة الي وجود امرأة أخري في حياتك الآن اعط الاشارة لابنتك المحببة وزوجها واختك ولسوف يرشحون لك من تستحقها وتستحقك‏..‏ وتقضي إلي جوارها بقية الرحلة في أمان ووفاق بإذن الله‏.‏
المزيد ....

كشف القناع‏!‏

12-04-2002
أنا شاب من أبناء إحدي محافظات الوجه البحري‏,‏ عمري‏32‏ عاما وحاصل علي مؤهل عالي وأعمل بوظيفة ممتازة بإحدي الشركات الاستثمارية بمحافظتي‏,‏ وقد نشأت في أسرة طيبة ينعم أفرادها بالحب والتعاطف والتدين‏,‏ فوالدي من رجال التعليم وأمي ربة بيت‏,‏ لم تحصل علي شهادة‏,‏ لكنها تحب أبي بالفطرة‏,‏ وكانت خير سند له في رحلة العمر وإخوتي جميعا حصلوا علي شهاداتهم العالية وشقوا طريقهم في الحياة‏,‏ وسعداء بما حقققوا خلال الرحلة‏,‏ ومنذ سنوات قليلة كنت أبحث عن فتاة تشاركني الحياة فدلني البعض علي فتاة من بلدة مجاورة لمدينتي‏,‏ ولم أتحر أي معلومات عن هذه الفتاة وإنما اتجهت إلي أسرتها مباشرة ومعي وسطاء الخير لأطلب يدها‏,‏ فعلمت أن والدتها منفصلة عن والدها منذ ولادتها وأن أمها قد تزوجت من آخر ورزقت منه بطفلة وطلقت لثاني مرة‏..‏ أما والدها فيقيم في مكان بعيد عنهم وتزوج ثلاث مرات وله من زيجاته عشرة أبناء‏,‏ ومع أن هذا التفكك الأسري كان مؤشرا كافيا لتنبيهي إلي ما أنا مقدم عليه‏,‏ إلا أنني كنت في غيبة عن الوعي‏,‏ وتزوجت الفتاة خلال أربعة أشهر وقبل زفافنا بأيام قلائل فاجأتني‏,‏ وبعد أن عقدت قراني عليها‏,‏ بأنها كانت علي علاقة بشاب من مدينة قريبة وتقابلت معه منذ أيام في أحد الأماكن ــ أي ونحن مخطوبان وتم عقد قراننا ونستعد للزفاف بعد أيام ــ وصدمت وأردت أن أخبر جدتها التي قامت علي تربيتها بعد طلاق أمها وزواجها مرة أخري‏..‏ ولكن فتاتي توسلت لي ألا أخبر أحدا‏,‏ وسامحتها وقلت لنفسي لعلها كانت تودع العبث وسوف تحفظني بعد الزواج‏..‏ وفي إحدي الليالي كنت في زيارة لهم لترتيب الفرح وكان الوقت قد تأخر فأصروا علي أن أبيت لديهم هذه الليلة‏,‏ وففعلت وأخطأت مع فتاتي وأصابني الذعر‏,‏ ولكيلا يعلم أحد بما حدث عجلنا بالزفاف علي الفور‏,‏ وقالت لي فتاتي بعد الزواج لن أنسي لك هذا الموقف طيلة حياتي‏,‏ لأنك كنت تستطيع التخلي عني‏..‏ فقلت لها ادعو الله عز وجل أن يغفر لنا‏..‏ وكل ما أطلبه منك هو الحب والحرص علي والأمانة في التعامل معي‏,‏ ولم يمض علي الزواج أكثر من أسابيع حتي سقط القناع من وجهها‏,‏ وتكشفت الطباع السيئة لزوجتي من سلاطة اللسان وجلافة الأسلوب‏,‏ فكنت أطلب منها التحدث بأسلوب هادئ ومهذب بدلا من ارتفاع صوتها الذي يخترق الجدران حتي لا تصل بذاءاتها وألفاظها النابية إلي أسماع الجيران ونحن المعروفون لهم أنا وأسرتي بالخلق الكريم‏,‏ ولكن نصائحي كانت تذهب سدي‏,‏ فشكوت
لجدتها التي قامت علي تربيتها وأخوالها وأقاربها فكانوا جميعا سلبيين وكل منهم مشغول بحياته‏,‏ بل لقد كانت جدتها تفسدها أكثر بتدليلها لها‏,‏ فاستعملت معها قوله تعالي فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا خفيفا‏..‏ ولكن لا حياة لمن تنادي‏..‏ أصبت بالمرض من جراء تصرفاتها معي‏..‏ ومع أهلي‏..‏ فعندما كانوا يزورونني للاطمئنان علينا فلا يجدون منها سوي المقابلة السيئة والفتور والجفاء في التعامل والكلمات البذيئة لوالدتي لكيلا ترجع لزيارتي‏.‏ وكنا نغفر لها وقاحتها لتسير بنا الحياة حيث إنها كانت حاملا ولكنها تمادت في غيها وكذبها ولم تدع شيئا من خصوصياتنا إلا ونشرته كالغسيل القذر‏,‏ ثم وضعت زوجتي طفلا جميلا‏,‏ وبعد ولادته بشهرين فوجئنا قضعف صحته ونصحنا الأطباء بضرور إدخاله مستشفي الأطفال بأبو الريش بالقاهرة لأنه مريض بعيب خلقي في القلب‏,‏ فذهبنا لعلاجه هناك ومكثنا به ثلاثة أشهر‏,‏ خلال هذه الفترة لم تتخل أسرتي عن واجبها نحو زوجتي وهي ترافق ابني بالمستشفي من تقديم الطعام وغسل وكي الملابس لزوجتي وتلبية جميع مطالبها‏..‏ إلي أن جاء يوم أخذت فيه اجازة من عملي للاطمئنان علي ابني وزوجتي بالمستشفي‏,‏ وإذا بي وأنا أسير بالممر في المستشفي في طريقي لغرفة إبني أسمعه يبكي وأسمع زوجتي تنهره وهو الذي يبلغ من العمر خمسة أشهر وبين الحياة والموت وتقول له اسكت ربنا ياخدك لكي أستريح منك فنهرتها وحملت ابني علي صدري وقبلته وأنا أنزف دما من داخلي حزنا عليه‏,‏ وبعد قليل طلبت مني بلا اكتراث أن تحضر أمي لمرافقة ابننا في المستشفي لمدة يوم لكي تذهب هي معي إلي شقة أسرتها لأنها كما قالت قد اشتاقت إلي كزوجة‏!‏

فصدمت وقلت لها إن أعظم غريزة خلقها الله في أي امرأة هي غريزة الأمومة فكيف تفكرين في نفسك وابننا في مثل هذه الحال‏..‏ لكنها صممت ونفذت لها مطلبها لكي تراعي ابننا في مرضه‏,‏ وفي ظهر أحد الأيام وبعد معاناة ابني من قسوة أمه ومرضه فارق الحياة واختاره الله إلي جواره ليريحه من أم قاسية نزعت الرحمة من قلبها وتوقعت بعد وفاة ابني بأن تتعظ زوجتي وتحل عليها السكينة والطمأنينة ولكن هيهات‏,‏ فلقد اكتشفت أن زوجتي علي علاقة بشخص عن طريق التليفون وكانت تتصل به من المستشفي حتي في شدة مرض ابني‏,‏ وكشفت أمامها الحقائق فندمت وبكت وسامحتها وقلت لنفسي لعلها نزوة وانتهت إلي أن جاء يوم وتوجهت لعملي مودعا إياها‏..‏ وبعد انتهاء عملي وعودتي طرقت علي باب بيتي فلم يجب أحد فتصورت أن زوجتي قد أصابها مكروه واستعنت ببعض أقاربي علي كسر باب الشقة‏,‏ فإذا بالشقة خاوية علي البلاط فحتي ملابسي الشخصية وأحذيتي لم أجدها‏..‏ خرجت مسرعا لأبحث عن زوجتي‏..‏ وذهبت إلي منزل جدتها فوجدت زوجتي وأمها وزوجة خالها وجدتها وأشخاصا لا أعرفهم‏,‏ والجميع متحفزون لي وقاموا بسبي وشتمي وخيروني بين أن أنقل إقامتي إلي شقة قريبة من بيت جدتها وأترك مدينتي وبين الطلاق‏,‏ فتركتهم ورجعت مكسور الخاطر ورفعت يدي إلي السماء أشكو إليه ضعفي وقلة حيلتي مع إنسانة مات ضميرها هي وأهلها ونسوا ما قدمته لهم من خير‏..‏ حتي أمها المطلقة مرتين ساعدتها في الحصول علي قرض من أحد البنوك بضمانتي‏,‏ وفي هذه الأثناء أغمي علي‏,‏ وبعد أن رجعت إلي الوعي مرة أخري‏,‏ وجدت نفسي في بيت أحد الرجال الصالحين‏,‏ ورويت له قصتي وأنا أبكي بكاء شديدا فواساني ونصحني بالانفصال‏.‏ إنني أكتب لك هذه الرسالة من فراش المرض بسبب هذه الزوجة‏..‏

وبعد خروجي من المستشفي سأرسل لها ورقة طلاقها لأإنني أشعر بغصة شديدة في حلقي وبحجر ثقيل فوق صدري وإحساس بالقهر والمرارة‏,‏ فهل يصل الجحود والنكران وكتمان الشكر والتدني إلي هذا الحد‏..‏ وهل سأستطيع أن أبدأ حياتي مرة أخري؟‏!..‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أي قناع هذا الذي سقط عن وجه هذه الفتاة العابثة بعد زواجك منها‏!‏
لقد كان القناع مكشوفا منذ البداية ولم تخدعك ولم تتجمل أمامك‏,‏ وإنما طالعتك بوجهها الحقيقي من قبل أن ترتبط بها‏,‏ لكنك لم تكن تري هذا الوجه أو لا ترغب علي الأحري في أن تراه في غمرة اشتهائك لها كأنثي ورغبتك في الزواج منها والارتباط بها وتجاهل الحقائق لا يغير منها شيئا‏.‏

وانكارنا لها كذلك لايساعدنا أبدا علي التعامل السليم معها‏,‏ فلقد كانت المؤشرات كلها تنذر منذ البداية بالشكوك والمخاوف وعدم الاطمئنان إلي أخلاقياتها‏,‏ لكنك مضيت بالرغم من ذلك في طريق الارتباط بها كأنك تنفذ حكما أصدرته الأقدار عليك ولا تملك له دفعا‏,‏ ولست أقصد بهذه المؤشرات نشأتها فقط بين أبوين ممزقين انصرف كل منهما إلي حياته الخاصة وتركا رعايتها لجدة مسنة أفسدتها بتدليلها لها أكثر مما أصلحتها أو قومتها‏.‏ وإنما أقصد كذلك ما هو أخطر من ذلك وهو اعترافها لك بأنها قد قابلت شابا كانت ترتبط معه بعلاقة عاطفية قبل زفافها إليك بأيام وهي مخطوبة لك ومعقود قرانها عليك‏..‏ فإذا بك بدلا من أن تنزعج بشدة لهذا الاعتراف وتتخوف مما قد يحمله لك المستقبل معها‏..‏ تتجاوز ببساطة شديدة عنه بلا أي لوم لها‏,‏ وتعلله لنفسك بأنها قد تكون قد أرادت أن تودع العبث قبل أن تبدأ حياتها الزوجية معك‏,‏ وأنها لابد سوف تحفظ نفسها وتحفظك بعد الزواج بعد أن يكسبها وقر المسئولية الرشد والنصح والحكمة‏!‏
فأي تفريط هذا يا صاحبي‏..‏ وكيف لم يزعجك كذلك إغواؤها لك قبيل الزفاف بأيام حتي نلت وطرك منها خلافا لما تقضي به الأصول والأعراف‏,‏ حتي ولو كنت قد عقدت قرانك عليها‏..‏ وألم ينبهك كل ذلك إلي ضعفها مع نفسها وتساهلها فيما لاتتساهل فيه الفتاة الملتزمة بالفضائل والقيم الدينية والأخلاقية؟ بل وكيف تتجاوز بعد كل هذه الأصول عن عبثها بكرامتك وعلاقتها بأحد الشباب وهي زوجة لك ومقيمة مع طفلها الذي يصارع الموت في المستشفي‏..‏ وماذا تنتظر منها أن تفعل بك ومعك بعد كل هذا الهوان؟

هل كنت تتوقع منها أن تحسن عشرتك وتحفظ لك قدرك وترعي حدود ربها في التعامل مع أهلك؟
إنها فتاة جامحة لم تعتد القيود والحدود في حياتها ولا في زواجها‏,‏ وليس هناك أي مبرر لهذا الحزن الشديد الذي أصابك حتي أسلمك إلي فراش المرض لمجرد أنها قد هجرتك واستردت أثاثها وخيرتك بين الانتقال إلي بلدتها أو طلاقها‏.‏

فمثل هذه الفتاة الرعناء لايحزن أحد علي فراقها‏..‏ وإنما يسعد بتحرره من غريزته التي تربطه بها‏..‏ ومن خنوعه معها وهوانه عليها‏..‏ فطلقها بلا تردد ولا ندم‏..‏ ودعها لنفسها وحياتها تحياها كيف تشاء‏..‏ ومع من تتوافق قيمه الأخلاقية مع قيمها المهترئة‏..‏ ولا تحزن علي أية خسارة مادية تترتب علي انفصالك عنها‏..‏ لأنك الفائز في النهاية بكرامتك وسلامك النفسي ورجولتك‏,‏ وبعد فترة مناسبة من النقاهة النفسية اجمع شتات نفسك واستعد لبدء حياة جديدة مع فتاة أخري تعيد إليك ثقتك بنفسك وبالفضائل‏,‏ وبكل شئ جميل في الحياة‏,‏ وتكفيك من الفضيحة النجاة من هذه المحنة‏,‏ بغير أن يكابد طفل برئ مرارة الانفصال بين أبويه‏..‏ أو يدفع ثمنا أبديا لجموح أمه‏..‏ وتساهل أبيه المعيب‏..‏
المزيد ....