الأربعاء، ١ مارس ٢٠٠٠

جائــزة الأمــان‏!‏

21-03-2003
رأيت أن أعرض عليك أمري وأنا في منعطف رئيسي من حياتي لأستعين برأيك علي اختيار الطريق‏,‏ فأنا رجل متوسط العمر نشأت في أسرة صالحة متوسطة المستوي‏,‏ كنت أصغر أبنائها وتفوقت في دراستي بإحدي الكليات العملية‏..‏ ووقعت خلال دراستي بالكلية في غرام جارة لي كانت طالبة بالثانوية العامة وقتها وأحببتها حبا صادقا وعفيفا‏,‏ ولم ألتق بها مباشرة أبدا بسبب القيود العائلية المفروضة عليها‏..‏ وإنما نجحت فقط في مكالمتها تليفونيا مرات قلائل‏,‏ ونما الحب بيننا بالنظرات أكثر من أي شيء آخر‏..‏ وقبل أن أتخرج في كليتي وأستطيع مفاتحة أبي في التقدم لخطبتها علمت بالمصادفة أن أباها قد وافق علي خطبتها لقريب لها‏..‏ فسلمت أمري لله‏..‏ وتنازلت عن هذا الحلم وواصلت حياتي فتخرجت وعملت بإحدي شركات القطاع العام في بداية السبعينيات وتزوجت من فتاة جميلة من أسرة طيبة وغاية في الرقة والأدب‏,‏ فكانت لي مثال الزوجة المخلصة الصالحة‏..‏ وأنجبنا ولدين وسعدنا بحياتنا ومعيشتنا‏,‏ إلا أنني بدأت أشعر بأن مطالب الحياة أكبر من إمكاناتي ولابد لي من دخل آخر يوفر لي ولزوجتي ما هو أكثر من الضروريات‏,‏ فأخذت المخاطرة واستقلت من وظيفتي واتجهت إلي العمل في القطاع الخاص‏..‏ وشاركت في بعض المشروعات الصغيرة‏..‏ وكرست وقتي وجهدي لها‏,‏ فأصبحت أخرج من البيت في الصباح الباكر ولا أرجع إليه إلا في وقت متأخر من الليل‏,‏ وسرعان ما وفقني الله إلي انشاء شركة خاصة لي نجحت وازدهرت‏,‏ وحققت من ورائها الخير الكثير وتحسنت أحوالي المالية كثيرا وأصبح لدي أموال كافية والحمد لله‏.‏

وخلال ذلك كله عشت مع زوجتي حياة هانئة راضية نستمتع بخيرات الله التي أفاض بها علينا ونحمده كثيرا‏..‏ غير أن زوجتي قد مرضت بعدة أمراض ودخلت دوامة العلاج والأطباء والعمليات الجراحية لفترة ليست قصيرة ثم تحسنت صحتها والحمد لله‏..‏ وإن كانت قد عانت من تبعات المرض والعلاج‏,‏ وكبر الابنان وتخرجا في كليتهما‏,‏ وعملا في وظائف ملائمة وتزوج ابني الأكبر وأثثت له شقته وأعطيته ما يوفر له دخلا كريما مستمرا‏,‏ وخطب ابني الأصغر فتاة مناسبة وأعطيته هو الآخر مثلما أعطيت لأخيه‏,‏ ونتيجة لظروف السوق الحالية فقد تضاءل حجم أعمال شركتي وانكمشت نشاطاتي التجارية‏..‏ فخفضت وتيرة العمل‏.‏ ولجأت إلي العمل الهاديء بعد سنوات الكفاح والشقاء الطويلة‏..‏ وقنعت بما لدي وهو يكفيني ويكفي زوجتي وأبنائي من بعدي والحمد لله‏,‏ وأصبحت أجد وقتا أكبر لبيتي وأصدقائي ومعارفي وللنادي‏..‏ وللتمتع بمباهج الحياة‏,‏ وهي أمور رأيتها كلها مفيدة لمن كان في مثل عمري أي في منتصف الخمسينيات‏..‏ لكنه مع اتساع الوقت لزوجتي وبيتي عن ذي قبل ظهرت لي عيوب واختلافات بيني وبين زوجتي في فهمنا للحياة‏,‏ وحدث تضارب في وجهات النظر تحول في بعض الأحيان إلي شجار كنت أسارع إلي انهائه من جانبي مراعاة لظروف مرضها مع تبرمي في داخلي مما يحدث‏..‏ وكان من هذه الأمور عزوفها إلا قليلا عن العلاقة الحميمة معي خلال السنوات الأخيرة‏,‏ وأنا رجل ملتزم دينيا‏,‏ ومنذ شهور وفي ظروف قدرية غريبة التقيت بفتاتي الأولي التي خفق قلبي لها لأول مرة في سن الشباب بعد‏30‏ عاما من انتهاء القصة‏,‏ وعرفت أن زوجها قد رحل عن الحياة في حادث أليم وأنها لم تتزوج من بعده ولم تنجب منه ولم تكن رحلتها معه سعيدة‏,‏ فآثرت أن تستكمل مشوار الحياة مستقلة بنفسها وكرست وقتها لعملها في مصر وفي بلد عربي‏,‏ واكتفت بما قسمه الله لها من حياة‏,‏ ووجدنا نفسينا نندفع إلي مشاعر حب جارف وطاهر ومبرأ من كل غرض مادي أو رغبة حسية‏,‏ فحديثنا لا ينتهي ومقابلاتنا كثيرة وناعمة وتغمرها المودة والأئتناس والتعاطف‏,‏ وهي تتقبلني كما أنا أبا وزوجا لأخري ولا تكف عن السؤال عن زوجتي وأبنائي للاطمئنان عليهم‏,‏ وخلال وقت قصير وجدت نفسي بين أحاسيس متباينة‏:‏ حياة روتينية متحفظة في أسرتي‏..‏ التي أرعاها وأؤدي جميع التزاماتي نحوها‏..‏ ورومانسية منطلقة أعيشها بسعادة بالغة لسويعات أقضيها مع فتاة القلب في أماكن عامة محترمة حافلة بأحاديث الذكريات وطرائف السنين‏.‏

فهل أنا في حالة خيانة لزوجتي ولسنوات عشرتي الطويلة معها‏,‏ والله وحده يعلم كم أحبها وأحترمها فهي أم أبنائي وزوجتي الوفية المخلصة‏,‏ كما أن مقابلاتي لفتاتي الأولي لاتتجاوز الأحاديث والتسامر واللقاءات في الأماكن العامة؟
وهل تفكيري في الارتباط بمحبوبتي تجنبا لوساوس الشيطان ودون إخلال بواجباتي واحترامي لأسرتي وأبنائي‏,‏ فيه جحود لعشرتي الطويلة مع زوجتي الطيبة الصالحة حتي مع ماذكرته لك من روتينية الحياة بيننا؟

وهل تصدقني إذا قلت لك إنني ومنذ التقيت بفتاتي الأولي‏..‏ أصبحت أعيش أكثر سلاما وتسامحا مع زوجتي وأعاملها برقة أكثر ولطف أشد‏,‏ وأغفر لها كثيرا من عصبيتها وأتحمل منها بعض الجفاء الذي صار سمة لها‏.‏
وهل هي أنانية مني في أن أعيش لنفسي بعض أيامي وأنا راضي الضمير ولم أسلب أحدا من أسرتي حقا من حقوقه أو أن أحيا أواخر أيامي في حب أقبلت عليه بكل جوارحي بعد سنوات طويلة من الكد والكدح والكفاح الشاق؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
مع أن هموم الحياة كثيرة إلا أنه لا بأس كذلك بتناول هذه المشكلة لأن لها أصداء مماثلة في حياة البعض‏..‏ ولقد تهدد بالفعل استقرار بعض الأسر‏..‏ وتعرض بعض الأزواج المشهود لهم بالاستقامة الشخصية لاضطرابات عائلية ما كان أغناهم عنها‏,‏ وبداية فإني أقول لك إن السبب الأهم لظهور هذه المشكلة في هذه المرحلة من حياتك هو أن الوقت قد اتسع أمامك لكي تتلفت حولك بعد هدوء وتيرة العمل وانكماش نشاطاتك‏,‏ وتفكر فيما تعتبره عيوبا جديدة في زوجتك واختلافات في رؤية كل منكما للحياة وتناقضات في وجهات النظر‏,‏ مما لم يكن له من قبل أدني أثر علي حياتكما معا وأنتما في مرحلة الكفاح والنشاط والانغماس في العمل‏,‏ ولا عجب في ذلك فعلماء الطبيعة يقولون لنا إن الطبيعة ضد الفراغ‏..‏ وانك إذا ثقبت زجاج المصباح الكهربائي المفرغ من الهواء تسلل إليه علي الفور الهواء الخارجي وملأه عن آخره‏..‏ وكذلك العقل البشري إذا خلا من الشواغل الأخري تسللت إليه علي الفور الهموم والأحزان والأفكار السلبية والسخط والتذمر‏.‏
ولقد التقيت بفتاة القلب الأولي وأنت في حالة من الضعف النفسي‏,‏ بسبب الفراغ وانكماش الأعمال‏,‏ فتحركت مشاعرك القديمة تجاهها‏,‏ أو هكذا خيل إليك‏,‏ وألقي ظهورها بعد‏30‏ عاما حجرا في مياه حياتك الهادئة‏..‏ وتاقت نفسك لأن تعيش قصة غرامية متأخرة تحرك الملل الراكد وتبعث نوعا من الحرارة والدفء في حياتك‏.‏

وأغلب الظن أنك لا تعيش قصة حب حقيقية مع هذه السيدة بدليل حبك لزوجتك الذي يعلم الله وحده ما هو مداه وعمقه كما تقول‏,‏ وإنما أنت تعيش غالبا قصة حنين إلي الصبا والشباب المبكر والمشاعر الغضة البريئة‏..‏ والقصة التي لم تكد تبدأ حتي انطوت صفحتها‏..‏ ذلك أن الحب الحقيقي الذي يظل كامنا تحت السطح ثلاثين عاما وفجأة يكسر القشرة الأرضية من فوقه ويبرز كالبركان الهادر لاتصنعه ـ كما هو الحال في قصتك ـ بضع نظرات متبادلة ولا بضعة اتصالات هاتفية قبل ثلاثة عقود ودون أن يكون له أي أثر في حياة طرفيه قبل أن يلتقيا من جديد‏..‏ لهذا كله فإني أرجح الظن بأنك لاتعيش الحب الحقيقي كما تتخيله‏,‏ وإنما تعيش مرحلة الحاجة إلي الحب‏..‏ وتجديد الحياة‏..‏ والرغبة في معايشة المشاعر العاطفية التي لم تسمح لك رحلة العمر بمعايشتها في حينها‏..‏ وأكبر دليل علي ذلك هو أنك لست الشاب نفسه الذي كان حين أحببت جارتك طالبة الثانوية العامة‏,‏ وهي أيضا ليست طالبة الثانوية العامة التي تبادلت معك النظرات والإشارات‏,‏ وكل منكما الآن إنسان مختلف تماما في أفكاره ومشاعره وسماته الشخصية‏,‏ ولا غرابة في ذلك فشاعر الهند العظيم طاغور يقول لنا إنه إذا انكسر حجر إلي نصفين فإن من السهل أن تعيد التحامه باستخدام مادة لاصقة‏,‏ أما إذا انفصل شخصان لفترة طويلة من السنين فإنه يتعذر عليك أن تعيد التحامهما من جديد لأن كلا منهما قد أختلف كثيرا عما كان عليه قبل الانفصال‏,‏ وأصبح الآن انسانا مختلفا غير قابل للالتحام بسهولة بنصفه القديم‏,‏ وأيا كان الأمر فإن سؤالك عما إذا كان ما تفعله الآن يعد خيانة للزوجة الوفية المخلصة وسنوات العشرة الطويلة معها‏,‏ جوابه معلوم وهو نعم لأن الوفاء ينبغي له ألا يقابل إلا بوفاء مماثل‏..‏ ولو لم يكن الأمر كذلك لما حاك هذا التساؤل في صدرك ولما شغلت به مصداقا لمضمون الحديث الشريف الذي يقول لنا الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ولاشك في أنه لايسعدك أبدا أن تطلع زوجتك وأبناؤك علي ما تفعل الآن‏!‏ وحتي ولو لم يكن في علاقتك بهذه السيدة الآن ما لا تستطيع الدفاع عنه‏..‏ فإن استمرار العلاقة وتعمقها لابد أن يؤدي بكما ذات يوم إلي ما لا تستطيع تبريره أو الدفاع عنه‏..‏ ولا يخفف من الأمر شيئا ما تقوله من أنك منذ تجددت صلتك بهذه السيدة قد أصبحت أكثر سلاما وتسامحا مع زوجتك‏,‏ وأكثر رقة ولطفا‏,‏ فهذا التحسن في علاقتك بزوجتك لا يرجع كما يحلو لبعض من يبررون لأنفسهم مثل هذا النشاط الخارجي إلي أنك قد أصبحت أكثر سعادة فانعكس ذلك بالخير علي علاقتك بزوجتك‏,‏ وإنما يرجع أساسا إلي إحساسك بالذنب تجاهها ومحاولتك نفسيا ولا اراديا تعويضها عن خيانتك لها‏,‏ فإن تسامحت معها في شيء فكأنما تقول لنفسك إنه يكفيها ما يترصدها من تعاسة وحزن حين تعلم بحقيقة الأمر‏,‏ وليس للسعادة الخارجية هنا أي دور في ذلك‏.‏

فإذا كنت تسأل بعد ذلك أليس من حقك أن تعيش أواخر أيامك في حب بعد سنوات الشقاء والكفاح؟ فإن الإجابة المنطقية دائما هي ولماذا لا يكون هذا الحب إلا خارج اطار الزواج؟ ولماذا لا يكون مع شريكة العمر التي شاركتك رحلة الكفاح والشقاء‏,‏ ومن حقها هي أيضا أن تجني ثمار هذا الكفاح مع زوجها في حياة هادئة ومشاعر عميقة متبادلة بين الزوجين بعيدا عن المغامرات الخارجية والقلاقل‏..‏ وهل يحق لها بهذا المنطق نفسه أن تبحث هي كذلك عن الحب والدفء خارج إطار الزواج‏,‏ وقد كافحت مثلك في الحياة‏..‏ وآن لها أن تهدأ وتستريح وتستمتع بأطايب الحياة؟ أما سؤالك عما إذا كان من الأنانية أن تعيش بعض أيامك راضي الضمير بعد أن أمنت حياة أسرتك وأبنائك‏,‏ فجوابه هو أن مغريات الحياة حولنا كثيرة دائما ياصديقي وليس هناك امرأة ولا رجل أيا كان وضعه يعجز إذا أراد عن ممارسة المغامرة العاطفية في أي مرحلة من العمر‏,‏ لكننا لا ننال جوائزنا بكثرة عدد مغامراتنا ولا بإتباعنا لأهوائنا واستسلامنا لضعفنا البشري ورغباتنا دون مقاومة‏,‏ وإنما ننالها بكبح جماح أهوائنا ورغائبنا والتحكم في ضعفنا البشري والتعفف عن الانتصارات الرخيصة في ميادين الحب والمغامرة العاطفية والعبث‏,‏ وبالقبول ببعض نواقص حياتنا تقديرا لعطاء الآخرين لنا واعلاء لقيم عائلية وانسانية أسمي كثيرا من السعادة الوقتية والمتعة الزائلة‏.‏

والتعفف شرط الولاية كما يقول لنا أهل الصلاح‏..‏و كما في قصة الصياد الفقير والقطب الزاهد بشر بن الحارث الذي عرف باسم بشر الحافي لأنه كان يمضي إلي طلب العلم في شبابه حافيا إجلالا له‏,‏ فلقد شكا له ذات يوم صياد فقير من سوء حاله وعدم توفيقه في الحصول علي قوت أبنائه‏,‏ فطلب منه بشر أن يحمل شبكته ويذهب معه إلي النهر‏,‏ وهناك أمره الزاهد الكبير أن يتوضأ ويصلي ركعتين ففعل فأمره أن يذكر اسم الله ثم يرمي بشبكته في النهر‏..‏ وغادره عائدا إلي بيته فلم يمض وقت طويل حتي خرجت الشبكة بسمكة كبيرة لم ير لها الصياد مثيلا من قبل‏,‏ فحملها إلي السوق وباعها بثمن طيب واشتري لعياله طعاما كثيرا ورجع إليهم فأكلوا حتي شبعوا‏,‏ ثم تذكر الشيخ الطيب فنهض حاملا بعض الطعام والحلوي وتوجه إلي بيت بشر وروي له ما كان من أمره ثم قدم له الطعام راجيا منه قبوله شكرا وامتنانا‏,‏ فابتسم بشر وقال له‏:‏ يا فلان‏..‏ لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة‏..‏ فاذهب وكله أنت وعيالك‏!‏
بمعني أنه لو كان ممن يقبلون مكافأة أو أجرا علي عمل الخير لما استجاب الله سبحانه وتعالي لدعائه لهذا الصياد بالرزق الوفير‏.‏

وهذا هو حالنا نحن البشر أيضا يا صديقي‏.‏ لو لم نتعفف عن بعض المتع العابرة والزائلة‏..‏ حتي ولو خيل إلينا أننا في أشد الحاجة إليها في بعض الأحيان لما نلنا سمكة احترام الأبناء وشركاء الحياة والأهل المقربين لنا ولا حبهم لنا وأعتزازهم بنا‏..,‏ ولما نلنا كذلك جوائز الاستقرار العائلي والهدوء والأمان في سن الجلال والاحترام‏,‏ بل ولما حق لنا أن نتطلع إلي رحمة الله ونهتف داعين من أعماق قلوبنا‏:‏
‏..‏ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين اماما صدق الله العظيم

فارجع إلي زوجتك يا سيدي وناقش معها بلا حرج كل ما تنكره عليها‏..‏ واشعرها بجدية الأمر لكي تستجيب لكل ما تطلب منها‏..‏ وتلبي كل احتياجاتك العاطفية والإنسانية وتحميك وتحمي نفسها من مثل هذه الاضطرابات العائلية التي لا تحتملها طبيعة المرحلة‏..‏ وأطو تلك الصفحة القديمة مكتفيا بما بعثته في نفسك من ذكريات وأحاسيس الزمن الماضي‏..‏ واعرف متي تتوقف قبل فوات الآوان‏..‏ وقبل أن تبدأ الخسائر الحقيقية والسلام‏!‏
المزيد ....

كومـــة النـــدم‏!‏

28-03-2003
منذ قرأت رسالة الفصل الأخير للزوج الذي رحلت زوجته الطيبة المؤمنة بقضاء الله عن الحياة بعد معاناة أليمة مع المرض‏,‏ وأنا أريد أن اكتب إليك لأسمع منك ما يريح صدري‏,‏ فأنا شاب عمري ثلاثون عاما‏,‏ نشأت نشأة صالحة بين أب يرعي الله في أمور حياته وأم تستهدي بفطرتها السليمة في كل شئ‏,‏ وحرصت علي تعليمنا جميعا حتي تخرجنا‏,‏ وفي عامي الجامعي الأخير كان أحد أخوتي يعمل في دولة عربية‏,‏ وكنت اتردد علي شقته القريبة منا لمتابعة تشطيبها في غيابه‏,‏ وخلال ترددي علي هذه الشقة لاحظت أن فتاة صغيرة وجميلة تسكن في العمارة المقابلة للشقة تنظر إلي باهتمام ملحوظ‏,‏ فأسعدني ذلك لكني لم أحاول الحديث معها مراعاة لحيائها وصغر سنها‏,‏ وتكرر ذهابي إلي الشقة ورؤيتي لهذه الفتاة الصغيرة‏,‏ إلي أن تشجعت ذات مرة وألقيت عليها تحية الصباح‏,‏ فابتهجت بذلك كثيرا‏,‏ وردت علي التحية بحرارة‏..‏ فازددت إعجابا بجمالها الطفولي وبراءتها وأكثرت من ترددي علي الشقة‏,‏ وبدأت اتجاذب معها أطراف الحديث‏,‏ واستمر الحال علي هذا النحو ستة أشهر‏,‏ إلي أن ذهبت إلي شقة أخي ذات يوم ونظرت في اتجاه شقة الفتاة فوجدتها مغلقة‏,‏ ولا أثر فيها للحياة‏..‏ وسألت عن سكانها فعلمت أن الأسرة التي تشغلها قد رحلت إلي بلدتها بالصعيد وتم إغلاق الشقة ولا أحد يعرف عنوانها‏..‏ واكتأبت لذلك لكنني لم أجد بدا من الاستسلام للأمر الواقع‏,‏ فركزت جهدي في إنهاء دراستي وتوقفت عن زيارة شقة أخي المغترب نهائيا وأديت امتحاني وتخرجت وعملت لفترة في مصر‏,‏ ثم سافرت للعمل في الدولة العربية التي يقيم بها أخي‏,‏ وهذه الفتاة لاتغيب عن خاطري أبدا‏..‏ ورجعت في أول إجازة بعد عامين مدخرا ما يكفي لبدء مشروع ارتباط وكان أخي قد أوصاني قبل السفر بالاطمئنان علي شقته‏,‏ فتوجهت إليها فإذا بي أجد شقة فتاة القلب الصغيرة مفتوحة‏..‏ وبعض الملابس منشورة في شرفتها فخفق قلبي بشدة وترقبت ظهورها إلي أن ظهرت وابتهجت كثيرا برؤيتي‏..‏ وفاتحتها برغبتي في الارتباط بها‏..‏ فطلبت مني التقدم لوالدها‏,‏ لكنها حذرتني من أنه سوف يرفض طلبي غالبا لأنه يفضل أن تتزوج بناته من ابناء الجنوب‏,‏ فترددت في الاقدام علي هذه الخطوة وطالبتها بأن تؤمن هي لي أولا موافقته قبل التقدم إليه‏..‏ وانتهت اجازتي دون اتخاذ أية خطوة في هذا الشأن‏.‏

فرجعت إلي عملي وأمضيت عاما آخر وعدت لمصر فوجدت شقة فتاة القلب مغلقة من جديد‏..‏ وقدرت أنها لابد قد تزوجت وفقا لشروط والدها وانتقلت إلي الجنوب‏..‏ فحاولت أن أصرف تفكيري عنها‏.‏ وبدأت أفكر في الارتباط بأي فتاة تضعها الاقدار في طريقي‏,‏ بعد أن تزوج كل أخوتي وراحت والدتي تلح علي في الزواج‏,‏ وخطبت بالفعل فتاة رشحها لي بعض الأقارب‏,‏ وعدت إلي عملي وأنا لا أشعر بأية رغبة في إتمام هذا الارتباط معها‏,‏ وانقطعت عن مراسلتها حتي شعر أهلها بعدم رغبتي في استكمال المشوار‏,‏ وطلبوا فسخ الخطبة‏..‏ وشغلت بحياتي وعملي في الغربة عامين آخرين ثم رجعت إلي مصر لإجراء جراحة بسيطة‏..‏ فوجدت والدي الحبيب قد أصيب بالمرض الخطير ويتلقي العلاج القاسي في المعهد المتخصص في علاجه‏..‏ وحزنت لذلك كثيرا وساءت حالتي النفسية‏..‏ وخيم الاكتئاب علي‏,‏ وفي غمرة ضيقي ذهبت لزيارة أخي الذي كان يعمل في الدولة العربية‏,‏ وعاد للاستقرار في مصر منذ فترة‏,‏ فإذا بي أجد نفسي أمام فتاة القلب القديمة بعد كل هذه السنوات الطويلة‏,‏ وقد نضجت وأصبحت كالبدر في تمامه‏,‏ فشعرت بسعادة بالغة‏,‏ ولم اتوقف أمام مالاحظته علي مشيتها التي بدت معها وكأنها تعاني التواء في القدم أو ما شابه ذلك‏..‏ ورأيت ألا أضيع الفرصة هذه المرة بعد أن جمعتنا الأقدار علي غير موعد من جديد‏,‏ فلقد أصبحت هي في الرابعة والعشرين من عمرها ولم تتزوج‏,‏ وأصبحت أنا في الثامنة والعشرين ولم أتمن فتاة سواها‏,‏ وقد ادخرت كل ما يكفي للزواج‏..‏ فماذا إذن يحول بيننا الآن‏..‏ وفاتحتها علي الفور برغبتي في لقائها لكي نرتب معا كل شئ قبل التقدم لأسرتها ففوجئت بها ترفض مقابلتي أو الحديث معي في مشروع الزواج‏,‏ وصدمت لذلك صدمة كبيرة‏,‏ وسألتها عن السبب وهي لم تتزوج بعد وليس هناك مايحول بيني وبينها‏..‏ فلم تجبني سوي بالصمت الحزين ـ فسألتها ألم تعد تري في فتي احلامها القديمة‏,‏ فأجابتني صادقة بأنها لم تتعلق بإنسان ولم تحب احدا سواي منذ رأتني أول مرة وحتي الآن‏..‏ لكنها بالرغم من ذلك لاتريد ان نلتقي مرة أخري أو نتحدث في أمر الزواج‏.‏

وزادني ذلك حيرة‏,‏ وحاولت جاهدا ان اعرف منها سبب ابتعادها عني دون جدوي‏,‏ إلي ان ذهبت ذات يوم مع والدي إلي المعهد الشهير لحضور احدي جلسات العلاج‏,‏ فإذا بي أراها هناك مع أختها الصغري ودهشت لرؤيتها في هذا المكان وسألتها عما جاء بها إليه‏..‏ فلم تجبني سوي بدمعة صامتة ترقرقت في عينيها‏.‏
وعرفت الحقيقة القاسية التي عجزت طوال الأسابيع السابقة عن مصارحتي بها‏.‏

لقد اصيبت بالمرض الخطير منذ عامين‏,‏ وهي في هذا المكان لتلقي نفس العلاج الذي يتلقاه أبي‏..‏ وقد بدأ المرض في العظام أعلي الركبة وتمت زراعة عظام لها في جراحة كبيرة وتحسنت حالتها لفترة‏,‏ ثم عاود المرض الظهور من جديد وهذا هو سبب مشيتها‏..‏ وروت لي كل التفاصيل‏..‏ فهدأت خواطرها وطمأنتها إلي ارتفاع نسبة الشفاء من هذا المرض وازددت اقترابا منها فوجدتها انسانة بكل ما تحمله الكلمة من معان‏,‏ ولديها من الصفات الطيبة الكثير والكثير وأهمها عفة النفس واللسان الذي لاينطق إلا خيرا أو يصمت‏.‏
واستمر اقترابي منها طوال فترة وجودي في مصر‏,‏ وأحببت كل شيء فيها ثم شعرت فتاتي بالألم مرة أخري ودخلت غرفة العمليات من جديد مصحوبة بدعائي الحار لها بالشفاء‏,‏ وأجريت لها جراحة خطيرة استغرقت سبع ساعات‏,‏ ونقلت إلي العناية المركزة في حالة خطيرة‏,‏ وقال الطبيب إن اليومين التاليين للعملية حاسمان بالنسبة لها‏,‏ فبذلت المستحيل لكي ادخل إليها العناية المركزة واطمئن عليها‏..‏ ودخلت إليها ونظرت إليها باكيا‏,‏ ودعوت الله لها بالنجاة ورأتني والدتها ولم تكن تعرفني من قبل فقدمت إليها نفسي‏,‏ ورحبت بي السيدة الفاضلة وسمحت لي بزيارة ابنتها في أي وقت أشاء‏,‏ فشكرتها علي ذلك‏,‏ لكنه لم يكن هناك مجال للحديث عن أي شيء آخر‏,‏ فواظبت علي زيارتها كل يوم إلي ان حل موعد سفري لعملي وهي لم تغادر المعهد بعد‏,‏ فما ان مضي شهر علي رجوعي لعملي حتي نعي لي الناعي أبي رحمه الله‏..‏ فأديت عنه العمرة وكنت قد أديت عنه فريضة الحج من قبل ودعوت له بالرحمة الواسعة‏..‏ وارسلت لي فتاة القلب رسالة تعزية جميلة‏,‏ فقررت ان أؤدي عنها هي أيضا فريضة الحج‏,‏ لان ظروفها الصحية لن تسمح لها باداء الفريضة‏..‏ واديتها بالفعل ودعوت لها بالشفاء والسعادة‏,‏ وما دفعني لان أكتب لك رسالتي هذه هو وساوس الشيطان التي توسوس لي من حين لآخر وتسألني لماذا تحكم الأقدار بالمرض علي من يرغب في الحياة ويأمل فيها؟ اسأل الله تعالي لفتاتي السلامة وان يخفف عنها ماهي فيه ويجعله في ميزانها يوم العرض العظيم وان يرزقها الصبر والارادة وقوة التحمل‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
أجد حرجا كبيرا في محاولة التعبير عما أريد قوله لك في هذا الشأن رعاية لمشاعر الأبرياء‏,‏ وحرصا عليهم‏,‏ ولهذا فأني سأجمل رأيي لك دون تفصيل واعتمد علي ذكائك في ادراك المسكوت عنه تقديرا للظروف‏.‏
وفي هذا الاطار فأني اقول لك إنك كنت تستطيع أن تحول تعاطفك السلبي مع فتاتك الي تعاطف إيجابي لا يكتفي فقط بالأسي الصادق لها ولا بالتعجب لمفارقات القدر والاستسلام لوساوس الشيطان‏,‏ أو السقوط في بئر الاكتئاب‏,‏ وانما يتجاوز كل ذلك الي فعل قد لا يكلفك الشيء الكثير‏..‏ وقد لا يلزمك ايضا بالشيء الكثير‏,‏ لكنه يسهم اسهاما نبيلا في رفع الروح المعنوية لهذه الفتاةالمعذبة بأقدارها‏..‏ ويبث فيها روح الأمل في مقاومة المرض والانتصار عليه‏.‏

فلقد كنت تستطيع ودون اية حسابات أو مغارم ان تعلن لوالدة هذه الفتاة امامها انك ترغب في الارتباط بها وتتقدم لطلب يدها وهي في فراش المرض‏..‏ مؤجلا بقية الخطوات الأخري الي ما بعد تمام الشفاء الناجع بإذن الله من مرضها‏..‏ فتشعرها بجدارتها بالحب وبنيل نصيبها العادل من السعادة‏.‏وتجدد أمالها في الحياة حين تجد الي جوارها قلبا مخلصا يشاركها محنتها‏..‏ ويأمل في السعادة معها‏,‏ فتسعد بأيامها وتتشاغل عن آلامها واحزانها‏,‏ ويقدر لك الجميع نبل دوافعك ويعفونك غالبا من اية اعباء حقيقية لمثل هذا الالتزام الادبي خاصة انه ليست لديك بالفعل خطط أخري الآن للارتباط بغيرها‏,‏ فإن تحققت الاحلام‏,‏ فلقد ظفر القلب بما تطلع اليه‏..‏ وأسهم بأثر فعال في اعانة فتاته المعذبة علي أمرها ومنحها أسبابا اضافية لمقاومة المرض‏,‏ واسبابا أخري لتعميق روابطها بالحياة‏,‏ لأنه كلما قويت أسباب تعلقنا بالحياة قويت ارادة الحياة فينا وازدادت قدرتنا علي مقاومة اسباب الفناء‏.‏
وإن قست علينا الحياة فلقد رضينا عن أنفسنا لأننا لم ننكص عن أداء واجب كان الأجدر بنا ألا نتقاعس عن أدائه ولم نتردد في العطاء الصادق لمن نحب‏.‏ وإنما اسعدنا قلبا حزينا في أيامه العصيبة وخففنا عنه بعض آلام الحياة‏,‏ ورشحنا انفسنا فيما بعد لجوائز السماء‏..‏ وتعويض الأقدار‏.‏

ولقد تذكرت وأنا اكتب لك هذه الكلمات ماقاله بطل رواية القنصل الفخري للروائي الانجليزي جراهام جرين مبررا زواجه وهو في الستين من عمره من فتاة فقيرة بائسة لم تكن لتظفر ذات يوم بزوج مثله‏:‏
ـ حين تصل إلي مثل عمري ستكون قد كدست اكواما من الندم علي أشياء فعلتها‏..‏ وأشياء أخري كان ينبغي لك أن تفعلها ولم تفعلها‏.‏

لهذا فإنه شيء عظيم حقا أن تشعر بأنك قد جعلت شخصا واحدا علي الاقل أكثر سعادة مما كان عليه من قبل‏..‏ ولو بدرجة قليلة‏!.‏
وأخشي أن يكون احجامك عن إعلان نيتك أو رغبتك في الارتباط بهذه الفتاة قبل فوات الأوان ـ وحتي لو كنت قد فعلت ذلك مراعاة للحال ـ واحدا من الاشياء التي يندم المرء كثيرا فيما بعد علي أنه لم يقدم عليها في وقتها المناسب‏,‏ وحين كانت تعني الكثير والكثير لمن يهمه أمرهم‏.‏

والمؤكد هو أننا كنا نستطيع أن نحذف من كومة الندم التي تتكدس لدينا علي مر السنين الكثير والكثير من الاشياء لو كنا فقط قد تسلحنا في الوقت المناسب ببعد النظر‏..‏ وشجاعة الاختيار‏..‏ فهل تلقيت الرسالة أيها الصديق؟
المزيد ....

الخدعة القاسية‏!‏

04-04-2003
أنــا سيدة أبلغ من العمر‏29‏ عاما كانت حياتي تعسة بين أبوين لا أشعر بحبهما لي‏..‏ ويتركز اهتمامهما علي المادة فقط‏,‏ إلي أن التحقت بالجامعة وتعرفت علي شاب أسرني برقته وحنانه البالغ‏..‏ فازداد تقاربنا حتي أصبحنا قصة حب جميلة يتناقلها زملاؤنا‏..‏ وشعرت بأن الدنيا قد عوضتني بهذا الشاب عن كل ما حرمت منه‏..‏ وبعد تخرجنا التحق فتاي بوظيفة بمرتب جيد‏,‏ وقررنا أن الوقت قد حان لتتويج حبنا بالزواج‏,‏ خاصة أن حبيبي لديه الشقة ولن يواجه أي مشكلة في هذا الشأن‏..‏ فكانت المفاجأة الكبري هي معارضة والده في زواجه مني بعد أول لقاء بيني وبينه‏..‏ ولأسباب تافهة منها أنني أكبر من فتاي بثلاثة أشهر‏,‏ وواجهنا الحيرة والألم إذ هل يمكن أن تنتهي قصة حبنا التي دامت خمس سنوات بهذه السهولة؟ وحاول فتاي كثيرا وطويلا مع والده لكي يتنازل عن معارضته ويبارك مشروع زواجنا دون جدوي‏..‏ واستمرت المشاكل بين أهلي وأهله بسبب هذا الرفض وطلب مني أهلي الابتعاد عنه فلم أستطع أن أفعل‏..‏ كما لم يستطع هو أيضا الابتعاد عني‏..‏ وفكرنا في أن نتزوج ونضع والده أمام الأمر الواقع‏,‏ لكن ضميري لم يسمح لي بذلك‏..‏ وراح أهلي يضغطون علي لقبول من يتقدمون لي لكنني لم أستطع تقبل أحد منهم‏..‏ واستمر الوضع علي هذا النحو أربع سنوات كاملة وحبنا يزداد عنفوانا وثباتا وقوة إلي أن خطرت لي هذه الفكرة المجنونة وعرضتها علي فتاي كحل أو كسهم أخير نطلقه في سبيل إتمام زواجنا‏..‏ وقد وافق عليها حبيبي وبدأ بالفعل في تنفيذها‏..‏ وكانت فكرتي أن يتظاهر أمام والده بأنه مريض ويتفق مع طبيب من أصدقائه‏,‏ علي أن يبلغ والده أن ابنه مريض بالقلب وحالته متقدمة‏,‏ وقد لا يمتد به العمر لأكثر من‏9‏ أو‏10‏ شهور‏..‏ وتم تنفيذ ما دبرته وأدعي فتاي الارهاق والتعب الدائمين‏..‏ وأجري عدة فحوص وإشعات ثم اختلي الطبيب الصديق بوالده وأبلغه بما تم الإتفاق عليه‏..‏ وأكد له أن الانفعالات خطر عليه‏..‏ ومن واجبه أن يحاول إسعاده بكل وسيلة خلال الأيام المقبلة وانهار الجبل الصلب دفعة واحدة وتغير موقفه تماما من ابنه وأصبح مستعدا لفعل أي شيء لأنقاذه وإسعاده‏..‏ وأعلن موافقته له علي زواجه مني واشترط عليه أن يصارحني قبل كل شيء بحالته الصحية لكي يكون قبولي له مبنيا علي علم بكل الظروف‏..‏ واحترمني كثيرا حين عرف بموافقتي علي الارتباط بابنه رغم كل شيء واعتبرني مضحية ومخلصة‏.‏ أعرف أن ما فعلته قد يكون خطأ وخداعا لكنه كان الحل الأخير أمامي بعد أن جرحني والده برفضه لي‏,‏ وهذا هو ما حدث‏..‏ وتم حل المشاكل السابقة بين أهلي وأهله‏,‏ وقام والد حبيبي بتحمل كل تكاليف تشطيب شقة ابنه والأثاث والفرح‏,‏ لاعتقاده أنه يسعد ابنه في أيامه القليلة‏,‏ وتم كل شيء سريعا وتزوجنا وقضينا أجمل أيام عمرنا ومرت الشهور هانئة وسعيدة ولم يحدث شيء بالطبع لزوجي‏..‏ وبدأ والده يسأل ويتحري ويستقصي الحقيقة‏,‏ وعرف الخدعة التي حدثت‏..‏ وثار هو وأهله علي من جديد وتغيرت معاملتهم الحسنة وحبهم السابق لي وطلبوا من زوجي أن يطلقني‏,‏ وراحوا يضغطون عليه لكي يستجيب لهم لكن زوجي لم يستجب واستمر زواجنا عامين وضغوط أهله عليه لا تتوقف‏..‏ ورغم ذلك فقد كنا نعيش في سعادة إلي أن بدأت والدته تقول عني إنني سيئة السلوك واستطاعت أن تؤثر علي زوجي فساوره الشك في‏.‏ واشتعلت النيران بيننا وتركت له البيت ورجعت إلي أهلي‏,‏ وفكرت جديا في إجهاض نفسي حيث إنني حامل في ثلاثة أشهر لكني تراجعت‏..‏ وبعد فترة جاءني زوجي وقال لي إن والدته قد اعترفت له بعد مرضها بأنها قد أساءت الظن بي‏,‏ واعتذر وأكد لي أنه لايزال يحبني‏..‏ وأنا مترددة هل أعود إليه بعد أن جرحني جرحا بليغا بشكه في خاصة أنني مازلت أحبه‏..‏ أم أستمر في موقفي وأحزم أمري وأجهض نفسي وأنفصل عنه وأطوي صفحته من حياتي؟‏!‏
ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
وماذا كنت تتوقعين يا سيدتي أن يفعل معك أهل زوجك بعد أن يكتشفوا الخدعة القاسية التي تعرضوا لها منك؟ هل كنت تتوقعين أن يزدادوا حبا لك وإعجابا بك‏,‏ ويواصلوا التعامل معك باحترام شديد باعتبارك انسانة مضحية لم تتخل عن ابنهم في محنته المرضية وآثرت أن تسعد بقربها أيامه الباقية؟
إن تجهم الآخرين في وجوهنا وسوء ظنهم بنا وبأخلاقياتنا هو ما نجنيه منهم مقابل التوائنا معهم وخداعنا لهم‏.‏ وليس من حقنا أن نغضب ممن خدعناهم خدعة قاسية لأنهم قد تغيروا تجاهنا وتبدلت مشاعرهم نحونا‏..‏ وإنما من واجبنا أن نغضب من أنفسنا لأننا قد بددنا رصيد الثقة فينا بسوء فعالنا ونقص أمانتنا مع الآخرين ومع الحياة‏..‏ ثم نصبر علي من دفعناهم بسوء تصرفنا لإساءة الظن بنا إلي أن نقنعهم بالتزامنا الخلقي الكامل مع الحياة‏,‏ أن ما فعلناه معهم كان خطأ لم يتكرر في حياتنا بعد ذلك وقد ندمنا عليه ندما صادقا‏,.‏ فما فعلتماه بهذا الأب وأسرته يستحق بالفعل ثورته وثورة ذويه عليكما وعليك أنت أكثر لأنك العقل المدبر للخدعة المؤلمة من ناحية ولأنك قد حظيت لديهم من ناحية أخري وبغير حق بمكانة الزوجة المضحية التي لم تتخل عن ابنهم في محنته المرضية وربطت مصيرها بمصيره رغم علمها بأن أيامه الباقية في الحياة قصيرة‏!‏ وكلما كانت الخدعة قاسية ومؤلمة ازداد سخطنا علي من خدعونا بها حين نكتشف ذلك‏.‏

ومن عجب أنك تقولين إنكما قد فكرتما في الزواج علي غير إرادة الأهل ووضع والد زوجك أمام الأمر الواقع‏..‏ لكن ضميرك الأخلاقي لم يسمح لك بقبول هذا الحل‏..‏ في حين سمح لك نفس هذا الضمير الأخلاقي وبلا أي عناء بخداع والد زوجك وابتزازه عاطفيا بأبشع وسائل الابتزاز‏,‏ وهو العزف علي وتر خوف الأب علي حياة فلذة كبده واعتقاده المؤلم بقصر أيامه مع الحياة واستعداده الأبوي لأن يبذل كل ما في الوسع لإسعاده وإدخال البهجة إلي قلبه‏..‏ فأي ضمير أخلاقي هذا الذي رفض إحراج أهلك بالزواج من فتاك في غير وجود أهله وأبيه‏..‏ واختار لوالد زوجك بلا تردد هلع الخوف علي حياة الابن وكرب الاعتقاد بسوء حالته الصحية إلي الحد الذي ينذر باقتراب الخطر منه؟
إن الاحتجاج بالحب والرغبة الملحة في تتويجه بالزواج لا يجديان هنا في تبرير هذا الابتزاز المؤلم لمشاعر أب‏,‏ واثارة مخاوفه القاتلة علي حياة ابنه حتي ولو كان موقفه من زواجه متصلبا أو متعسفا‏..‏ ومهما حاولت أنت تفسير ذلك بأنه قد جرحك حين رفضك زوجة لابنه لأسباب ارتآها‏..‏ فالغايات الشريفة في الحياة لابد من اتخاذ وسائل شريفة أيضا لبلوغها‏.‏

ولم تكن تلك الحيلة الشيطانية التي ابتدعها خيالك الجامح‏.‏ونفذها للأسف دون أي وازع أخلاقي أو ديني فتاك وصديقه الطبيب غير الأمين من هذه الوسائل الشريفة لبلوغ الغايات الشريفة في الحياة‏,‏ ومن العدل أن نتقبل بواقعية عقاب الآخرين لنا علي خداعنا لهم وإيلامنا إياهم وابتزازنا القاسي لمشاعرهم الأبوية والأمومية‏,‏ فتقبل العقاب العادل بلا تذمر هو الخطوة الأولي علي طريق تطهرنا من خطايانا‏,‏ ولقد دخل الأديب والشاعر الألماني هانز ابندورفر‏(1942‏ ـ‏1999)‏ السجن وهو في السابعة عشرة من عمره لقتله في لحظة طيش سيدة كانت بمثابة أم بديلة له‏,‏ وقضي في الحبس الانفرادي عشر سنوات كاملة ولقد صدر حكم بالعفو عنه بعد قضاء نصف المدة لحسن سلوكه‏..‏ ولصغر سنه وقت ارتكاب الجريمة‏,‏ فرفض هذا العفو بلا تردد وأصر علي تمضية مدة السجن كاملة لكي يطهر نفسه من جريمته‏,‏ واستغل وجوده في السجن في القراءة والاطلاع والكتابة واستكمال تثقيف نفسه إلي أن خرج وصنع اسمه الأدبي الكبير وأحب مصر كثيرا وحي الحسين في القاهرة علي وجه الخصوص‏,‏ وعاش حياته وهو يشعر بأنه انسان أمين مع الحياة أخطأ ونال عقابه وتطهر من جريمته‏,‏ فإذا كان الأمر كذلك فتقبلي تغير مودة أهل زوجك لك وسوء ظنهم بك وتأثر زوجك العابر بذلك كتطهير عادل لك من جريمتك السابقة في حقهم‏..‏

والتزمي جادة الحق والعدل والأمانة المطلقة مع الحياة ومع الآخرين لكي تنجحي في استعادة ودهم المفقود وثقتهم الضائعة وتبدئي صفحة جديدة من التعامل الأمين معهم بلا ابتزاز عاطفي من جانبك لهم‏..‏ وبلا معاملة تفضيلية لك من جانبهم باعتبارك مضحية من أجل ابنهم كما كان الظن بك في السابق‏.‏ ولا داعي لإجهاض نفسك ولا للانفصال عن زوجك بعد كل هذا العناء للزواج منه والارتباط به‏..‏ وإلا أصبحت القصة كلها عبثا من العبث‏.‏
المزيد ....

حــد الانتــقام‏!‏

11-04-2003
أكتب إليك الآن وأنا جالس في سيارتي أنتظر عودة ابني الذي يبلغ عمره‏14‏ عاما وابنتي البالغة من العمر‏10‏ سنوات‏,‏ من زيارتهما لأمهما في بيت والدتها‏,‏ فأنا مهندس في التاسعة والأربعين لاأعرف في الحياة سوي الصلاة وطاعة ربي أولا‏,‏ ثم عملي وبيتي وعلاقاتي الأسرية بعد ذلك‏,‏ وقد بدأت بعد تخرجي في كليتي البحث عن الزوجة الملائمة ولم أوفق في العثور عليها حتي بلغت الثالثة والثلاثين من العمر‏,‏ ثم اقترحت علي والدتي وأختي التقدم لإحدي قريباتي وهي فتاة ذات جمال لافت للنظر وتصغرني بـ‏16‏ عاما‏,‏ فرفضت الفكرة في البداية لفارق السن‏..‏ لكنهما أقنعتاني بخطبتها وعلي ضوء ما تسفر عنه التجربة أتخذ قراري‏,‏ وتعرفت علي هذه الفتاة بالفعل وكانت وقتها طالبة بالثانوية العامة وساعدتها في استذكار اللغة الانجليزية والرياضيات حتي حصلت علي الشهادة‏,‏ وتزوجنا بعد اقتناعنا التام بأنه لا أثر لفارق السن علي تفاهمنا‏,‏ وارتدت زوجتي الحجاب بعد الزواج ورزقنا الله بالولد ومن بعده بثلاث سنوات بالابنة‏,‏ وبذلت قصاري جهدي لتوفير الحياة الكريمة لأسرتي فانتقلنا بعد خمس سنوات من زواجنا من مسكننا في الحي الشعبي إلي مسكن أجمل وأوسع في حي راق ـ واستبدلنا بالسيارة الصغيرة القديمة التي كنا نركبها سيارة كبيرة وجديدة‏,‏ وطلبت مني زوجتي أن تكمل تعليمها في الجامعة المفتوحة وتحصل علي البكالوريوس ورحبت بذلك من منطلق الحب وإيمانا بأن أي تقدم تحققه زوجتي هو نجاح وتقدم لي أيضا‏,‏ والتحقت بالجامعة المفتوحة وبدأت أقوم بتوصيلها إليها يوم الجمعة من كل أسبوع وأتركها لمحاضراتها وأصطحب ابني وابنتي وأتوجه إلي حديقة الحيوان إلي أن تنتهي الدراسة وأرجع إلي زوجتي ونعود كلنا إلي البيت‏.‏
وبعد فترة طلبت مني زوجتي التي علمتها قيادة السيارات أن تذهب بمفردها إلي الجامعة لأنها لم تعد كما قالت تلميذة صغيرة فوافقت علي ذلك ثقة فيها وحبا لها‏.‏
وفي عامها الأخير بالجامعة المفتوحة بدأت زوجتي تهملني كثيرا وتثير معي المشاكل العديدة وتفعل ما تعلم أنه يغضبني‏,‏ ومنه المكالمات الطويلة حتي الثانية صباحا بدعوي أنها تذاكر بالتليفون مع زميلة لها‏.‏
وبدأ الشك يتسرب إلي نفسي في تغير مشاعر الزوجة التي أحببتها بكل جوارحي تجاهي‏,‏ وبدأت أفتش خلفها في دولاب الملابس‏..‏ وتحت مرتبة السرير لعلي أجد شيئا يخرجني من حيرتي‏..‏ وعثرت بالفعل علي قنبلة فجرت بيتنا وحياتنا‏.‏ فقد وجدت خطابات غرامية من زميل في الجامعة وصورا له مع زوجته وأطفاله قبل أن يطلقها‏,‏ ومادت الأرض تحت أقدامي وواجهت زوجتي فادعت أن هذه الأوراق تخص صديقة لها تحمل نفس اسمها‏,‏ ولم أصدقها للمرة الأولي في حياتي‏,‏ وطلبت منها الامتناع عن الذهاب إلي الجامعة وفوجئت بها تقول لي إنها ستواصل تعليمها ولو أدي ذلك إلي الطلاق‏,‏ وازدادت حدة المشاكل بيننا وطلبت زوجتي الطلاق مرارا وتكرارا وبإلحاح شديد‏,‏ ورفضت‏,‏ فبدأت تهرب من البيت وتختفي بصحبة الطفلين‏..‏ وأبحث عنها في كل مكان إلي أن أعثر عليها في شقة مفروشة تقطن بها وتخبرني زوجة البواب أن هناك رجلا يتردد عليها في هذه الشقة‏,‏ ويقول إنه زوجها وتصفه لي فأجده هو نفسه صاحب الخطابات الغرامية‏!‏
وأدركت في النهاية أنه لا أمل في إصلاحها فاتفقت معها في حضور والدتها والمأذون علي الطلاق بشرط تنازلها عن حقوقها خاصة حضانة الابنين‏,‏ كما طلبت منها رد الأموال التي أدخرناها معا في دفتر التوفير الخاص بها لغوائل الأيام‏,‏ ووافقت علي كل ذلك وكتبت لي شيكا بالمبلغ وطلقتها‏.‏
وفي اليوم التالي للطلاق حررت لي زوجتي السابقة محضرا في قسم الشرطة زعمت فيه أنها قد تنازلت عن حضانة الأبناء تحت تهديد السلاح‏,‏ وتحت ضغط معنوي شديد هو رغبتها في التخلص من الزواج‏.‏ ولم أستسلم لهذه المحاولة وخضت معها صراعا طويلا في المحاكم وأقسام الشرطة حول حضانة الابنين وطلبها للنفقة ورد مبلغ الشيك‏,‏ وبعد أربع سنوات من هذا الصراع المرير أنصفني القضاء وحكم لي بحضانة الابنين ورفض دعوي النفقة‏,‏ كما حكم عليها بالحبس سنة مع الشغل في قضية الشيك‏,‏ وكان ردها علي ذلك أن اختفت مع ابني وابنتي والعاشق صاحب الخطابات الغرامية والذي تزوجها بعد طلاقي لها‏.‏ وبدأت تبعث إلي برسائل شفوية مع والدتها وشقيقاتها بأن أتنازل عن قيمة الشيك مقابل عودتها للظهور ورؤيتي لأبني وحاولت جاهدا حل المشكلة سلميا علي أساس تسليمي ابني تنفيذا لحكم المحكمة مع تعهدي لأسرتها بألا أبحث عنها بعد ذلك‏,‏ وألا أسعي لإيذائها في مسألة الشيك‏.‏ لكن كل المحاولات باءت بالفشل‏..‏ وتلقيت منها رسالة استفزازية تنصحني فيها بشرب ماء الأحكام القضائية التي حصلت عليها‏!‏
ووجدت أن الحل السلمي قد أصبح مستحيلا وأنني فقدت أعز ما أملك وهم ابناي‏,‏ فلملمت شتات نفسي وعزمت علي خوض الطريق الصعب الذي جعلته مطلقتي الخيار الوحيد أمامي‏..‏ ولجأت إلي وزارة الداخلية وكتبت طلبا بسرعة تنفيذ حكم الحبس الصادر ضد زوجتي السابقة‏..‏ واستجابت السماء لدعاء المظلوم واهتمت الوزارة مشكورة بطلبي‏,‏ واتصل بي مقدم من وحدة تنفيذ الأحكام تليفونيا ورتب معي خطة للبحث عن مطلقتي وابني‏,‏ وبعد ثمانية أيام توصلنا لمكان وجودها في احدي المدن الجديدة وتم إلقاء القبض عليها وإيداعها السجن تنفيذا لحكم الحبس الصادر ضدها في قضية الشيك‏..‏ وبحثت عن ابني وابنتي حتي توصلت إلي المدرسة التي التحقا بها وتسلمتهما وسحبت أوراقهما من المدرسة ونقلتهما لمدرسة قريبة من مسكني‏,‏ وصممت علي ألا أتنازل عن حكم الشيك‏,‏ وأن أترك مطلقتي تقضي عقوبة السجن‏,‏ بعد أن رفضت والدتها اعطائي قيمة الشيك‏,‏ وأمضيت السنة التي غابت خلالها وراء الأسوار مع ابني وابنتي أقوم لهما بدور الأب والأم‏..‏ ووجدت صعوبة شديدة في التوفيق بين عملي الخاص وأعمال البيت وإعداد الطعام وخدمة الأبناء‏..‏ وتشتت طاقتي بين هذه وتلك‏,‏ ولم أستطع حل المعادلة الصعبة بالحصول علي زوجة تقبل بتنشئة أبني وتتوافر فيها في نفس الوقت المواصفات التي أتمناها من جمال وحسن المظهر والثقافة والتعليم المناسب‏,‏ فهل أجد لديك حلا لهذه المعادلة الصعبة مع العلم بأنني لن أتخلي عن ابني وابنتي مادمت حيا؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
كان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول‏:‏ رغبتك في زاهد فيك مذلة نفس‏,‏ وزهدك في راغب فيك نقصان حظ‏.‏
ولقد تحققت هذه المقولة بشطريها في قصتك المؤلمة للأسف‏,‏ فرغبت بشدة فيمن زهدتك وتحولت مشاعرها عنك ولم تتورع عن الغدر بك والارتباط بغيرك‏,‏ وزهدت هي فيمن أحبها بكل جوارحه وسعي لإرضائها بكل السبل وأمل في أن ينشأ ابناه في ظلال حبه الغامر لها‏,‏ غير أننا لا نختار أقدارنا بأيدينا‏,‏ وإنما نملك فقط ألا نمتهن أنفسنا إذا أعرض عنا من أنت لهم احشاؤنا‏..‏ وأن نتعفف عن استجداء مشاعرهم أو الضغط عليهم لكي يواصلوا الحياة معنا‏.‏ وفي تقديري أن فارق السن بينك وبين زوجتك السابقة لم يكن هو العامل الأساسي في نسج خيوط هذه القصة المؤسفة‏..‏ وإنما كان العامل الأهم هو صغر سنها عند ارتباطها بك وزواجها منك‏,‏ فلقد تقدمت إليها وهي طالبة في الثانوية العامة لايتعدي عمرها الثامنة عشرة‏,‏ لم يكتمل بعد نضجها العقلي والنفسي وتزوجتها بعد شهور‏,‏ وبالتالي فلم يكن اختيارها لك هو الاختيار العاطفي الناضج الذي يصمد للزمن وللتحديات‏,‏ ولهذا فسرعان ما ضعفت مناعتها أمام أول إغراء جدي تعرضت له في الجامعة المفتوحة‏..‏ ولم يشفع لك لديها حبك العارم لها والتزامك بها ولا التزامها هي بأبنيها في ألا تسقط في هاوية الخيانة والانسياق وراء الأهواء‏.‏ ولم يكن هناك مفر في النهاية من التسليم بالحقيقة والاستجابة لطلبها الطلاق‏..‏ حتي ولو كنت قد تأخرت طويلا في الاستجابة لهذا الطلب‏,‏ حتي بدأت مسلسل الهروب بالأبنين والاختباء في الشقق المفروشة حيث يزورها شريكها في القصة المخزية بلا حرج‏,‏ فأما سعيك لاسترداد ابنيك من هذه السيدة بعد أن حكم لك القضاء بحضانتهما‏..‏ فلقد كان سعيا مشروعا وعادلا‏..‏ ولقد وفقك الله سبحانه وتعالي فيه‏,‏ واسترددت ابنيك وضممتهما إلي رعايتك‏,‏ غير أن اصرارك علي ألا تتنازل عن تنفيذ حكم الحبس فيها في قضية الشيك واستمساكك بأن تقضي مدة العقوبة كاملة وراء الأسوار بعد رفض والدتها أن تدفع عنها قيمة الشيك‏..‏ أمر يختلف فيه التقدير‏,‏ ذلك أنك كنت تستطيع بعد أن استجابت السماء لدعاء المظلوم وعثرت عليها وعلي أبنيك ونجحت في استردادهما‏,‏ أن تكتفي من العقاب بالقبض عليها واتخاذ الاجراءات الأولية ضدها‏..‏ ثم تتنازل عن تنفيذ الحكم فيها‏,‏ ليس لأن هذه السيدة تستحق منك الصفح والعفو وإنما لأنها أم ابنيك في النهاية ولأنك بسجنك لها قد ألحقت بهما الأذي المعنوي وحرمتهما من أمهما عاما مظلما طويلا‏,‏ وحفرت في ذاكرتهما أسوأ الآثار والذكريات في حين أن علاقتهما بها وعلاقتها بهما أبدية ولا مفر من تواصلها واستمرارها قبل الحبس وبعده‏..‏ بدليل أنك كتبت إلي رسالتك هذه وهما في زيارتها بعد الافراج عنها‏,‏ فما ضرك إذن لو كنت قد أعفيتها حبا لهما وحرصا عليهما من هذه المحنة‏!‏ خاصة وأنك قد سجنت أم ابنيك في قضية مادية تتعلق بالمال والحقوق المادية‏,‏ وهو عذر أقبح من الذنب كما يقولون‏,‏ ولم تسترد مالك ولم تجن نفعا ماديا من سجنها‏,‏ والرحماء من البشر هم الذين يحاذرون دوما من أن يتجاوزوا حد الدفاع عن النفس واسترداد الحقوق المغتصبة إلي حد الأنتقام من الآخرين والتشفي فيهم‏..‏ والارتياح لإيذائهم واقتضاء رطل اللحم كاملا من أجسامهم كما في القصة الشهيرة‏,‏ ويرددون دعاء العادل العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ رب قدرني علي من ظلمني لكي أجعل عفوي عنه شكرا لك علي قدرتي عليه‏!‏
ويتذكرون دائما أن كل إنسان ينفق مما عنده كما يقول لنا السيد المسيح عليه السلام‏..‏ ولقد كان اعفاؤها من عقوبة الحبس أمرا يليق بك كأب وكإنسان حتي ولو لم تكن تستحقه منك‏.‏
وأنت الآن يا سيدي تبحث عن حل للمعادلة الصعبة التي تواجهها‏..‏ وتتساءل ألا من سيدة تقبل بتنشئة هذين الابنين ورعايتهما بعطف الأمهات وتتوافر فيها في نفس الوقت المواصفات التي ترغبها في الزوجة وهي الجمال والثقافة والتعليم‏..‏ وأقول لك إنك قد نسيت ما هو أهم من كل هذه المواصفات وهو التدين والقيم الأخلاقية والفطرة الوفية المخلصة التي تنفر من الخيانة والغدر والإثم‏..,‏ وهي معادلة ليست صعبة إلي الحد الذي تتصوره‏,‏ ذلك أن من تتوافر فيهن هذه المواصفات الشاملة ويتطلعن للحياة الفاضلة الآمنة لسن قليلات لكني أخشي فقط ألا ترحب كثيرات منهن بالارتباط بمن لم يتنازل عن سجن أم أبنائه لأسباب مادية حتي ولو كانت قد أساءت إليه وإلي نفسها وأبنائها ولم تكن المثال الطيب للزوجة المخلصة‏..‏ والأم الحريصة علي سعادة أبنائها‏!‏
المزيد ....