السبت، ٤ أغسطس ٢٠١٢

خــــريف الحـــرمان

02-12-2005
سيدي‏..‏ قرأت رسالة الزواج الحرام التي نشرت في بريد الجمعة الأسبوع الماضي‏,‏ والغريب أني لم أغضب من هذه السيدة‏,‏ ولم أدنها‏,‏ والأغرب أني رأيت مشكلتها بسيطة‏,‏ بدءا من اختيار الانفصال عن زوجها مضحية بحياة مستقرة‏,‏ بحثا عن الحب لدي شاب أصغر منها بعشر سنوات‏,‏ وانتهاء باكتشافها سوء خلقه‏.‏ تفهمت ضعفها وتعاطفت مع عدم مقدرتها علي تجاوز أزمة هذا العمر عند المرأة الأربعينية‏.‏

لا أقصد من مقدمتي هذه التعليق علي ماجاء في الرسالة‏,‏ ولكني وجدتها صورة أخري لمأساة نعيشها كأسرة منذ شهور‏,‏ تجسد وجها أصعب لمثل هذه المشكلة‏,‏ ولانعرف طريقا للخروج‏.‏

فأنا سيدة عمري‏36‏ عاما من أسرة عريقة‏,‏ كنت الوسطي بين شاب وفتاة‏..‏ والدي كان يشغل مركزا مرموقا‏,‏ ووالدتي كانت موظفة حتي وصلت إلي سن المعاش‏.‏

كنا أسرة نموذجية‏:‏ أب وأم متفاهمان‏,‏ كلاهما له شخصيته القوية مع احترام كامل لدور الآخر في الحياة‏..‏ كانت أمي تعشق أبي‏,‏ لا تستطيع إغضابه‏,‏ حتي لا تغضب الله‏,‏ فالله سبحانه وتعالي كان حاضرا بقوة في بيتنا‏,‏ نصلي جماعة في البيت‏,‏ لا نشاهد في التليفزيون‏,‏ إلا ماهو مفيد وأخلاقي‏..‏ نجتمع نهاية كل أسبوع في النادي‏.‏

سارت حياتنا هانئة حتي تخرجنا نحن الثلاثة من أفضل الكليات‏,‏ وتزوجنا من مستويات تقاربنا‏,‏ تصادفنا العواصف التقليدية‏,‏ حتي هبت رياح القدر ورحل والدي عن دنيانا منذ‏11‏ عاما‏,‏ وهو يوصينا بأمنا خيرا‏,‏ ويوصيها بنا طويلا‏,‏ لأنه كان يلمس مقدار رغبتها في السيطرة الدائمة علينا‏.‏

مات أبي تاركا أمي علي عتبات الخمسين من عمرها‏,‏ وكان هذا الرحيل هو بداية التغيير‏..‏ أصبحت أمي أكثر استبدادا‏,‏ فرضت علينا مجموعة من القوانين‏,‏ لانخرج بدون أن تعرف إلي أين نذهب‏,‏ لانشتري‏,‏ لا نبيع‏,‏ لا نحلم إلا بعد عرض الأمر عليها‏,‏ فإذا وافقت فعلنا‏,‏ وإذا اعترضت لانملك إلا الرضوخ‏,‏ ومن يخرج علي هذا القانون‏,‏ يجد صدا وموقفا عنيفا منها‏..‏ كنا نقبل هذا راضين‏,‏ مبررين كل هذه التصرفات بحبها الشديد لنا‏,‏ وإن كان الأمر لايخلو من تذمر صامت غالبا ومعلن أحيانا‏.‏

تعمقت أمي في الدين أكثر‏,‏ هجرت التليفزيون نهائيا‏,‏ وبدأت في حضور الدروس الدينية في منازل صديقاتها‏,‏ ثم أصبحت تقيم ندوة دينية كل أسبوع في بيتها‏..‏ أصبحت لاترتدي إلا الملابس المسدلة‏,‏ لا تضع الماكياج‏,‏ لاتصافح الرجال‏,‏ ثم تتابع كل واحد فينا هل أدي فروضه في أوقاتها أم لا‏.‏

خلال هذه السنوات ياسيدي‏,‏ زادت المشكلات بيني وبين زوجي‏,‏ الذي بدأ يضيق بتدخل أمي‏,‏ بالإضافة إلي إساءته معاملتي‏,‏ حتي فاض بي الكيل‏,‏ فأخبرت والدتي برغبتي في الطلاق بعد أن أيدني شقيقي وشقيقتي‏,‏ ولكن والدتي ثارت في وجهي‏,‏ وهددتني إن انفصلت عن زوجي‏,‏ وقالت لي إن المرأة وجدت لخدمة أولادها‏,‏ وعليها أن تضحي بسعادتها وحياتها من أجلهم‏,‏ وعلي الرغم من عدم مقدرتي علي الاستمرار إلا أني رضخت مؤقتا لقرارها‏.‏

لا أذكر تحديدا منذ متي بدأ التغير في علاقتنا بأمي‏,‏ انشغلنا بحياتنا‏,‏ أو ابتعدنا عمدا بحثا عن راحة أو استقلال‏,‏ تباعدت اللقاءات‏,‏ والاتصالات‏,‏ مرة في اليوم‏,‏ كل يومين‏,‏ لقاء وحيد يوم الجمعة‏,‏ حوارات مبتورة‏,‏ ودفء قديم هارب خلف نظرات العيون‏,‏ حتي حدث ما جمعنا من جديد‏..‏ مصيبة‏,‏ فاجعة‏,‏ صدمة لم يكن أحد فينا يتخيلها‏..‏

أمي ياسيدي‏,‏ الجدة لثمانية أحفاد‏,‏ بعد أن بلغت الخامسة والستين من عمرها‏..‏ فجأة ودون مقدمات‏,‏ غيرت من طريقة ملابسها‏,‏ بدأت تهتم بمكياجها‏,‏ لا تعاتبنا علي عدم الاتصال‏,‏ وإذا سألنا عن سر غيابها‏,‏ أخبرتنا باقتضاب بأنها كانت مع صديقاتها في النادي‏.‏

شك ما تسلل إلينا‏,‏ خصلة الشعر التي بدأت تسقط من أسفل حجابها‏,‏ المبالغة في الأناقة‏,‏ ثم هذا التورد الذي تسلل إلي وجهها‏,‏ وتلك القوة التي دبت في جسدها الذي كان يشكو من آلام الشيخوخة‏..‏ هل يمكن أن يكون هو‏...‏ الحب؟‏..‏ سؤال طرحناه علي أنفسنا‏,‏ لا‏,‏ مستحيل‏,‏ صعب‏..‏ لماذا لا؟‏..‏ هكذا قلت لشقيقي وشقيقتي‏,‏ حقها‏,‏ ربما تكون قد تعرفت علي رجل قريب لها في العمر‏,‏ ونس‏,‏ ولكن لماذا لاتخبرنا؟‏..‏ طلب أخي أن ننتظر علي أن يأتي لنا بالخبر اليقين‏,‏ ولم تمر أيام طويلة حتي جاءنا بالخبر الفاجعة‏,‏ أمنا‏,‏ تلك السيدة العظيمة‏,‏ علي علاقة بسائق تاكسي‏,‏ شاب يقترب من نصف عمرها‏,‏ تلتقي به يوميا‏,‏ منظرهما مخز‏,‏ يتصرفان كأنهما عروسان في شهر العسل‏.‏

كارثة حلت بالعائلة‏,‏ ماذا لو عرف الناس‏,‏ أزواجنا‏,‏ الأقارب‏,‏ الأحفاد‏..‏ هل جنت؟ لابد من إيقافها عند حدها‏.‏

ذهبنا إليها‏,‏ واجهناها بما لدينا من معلومات‏,‏ ثارت في وجوهنا‏,‏ فتراجعنا‏,‏ قالت لنا‏:‏ الآن فقط تذكرتموني‏,‏ ليس لكم شأن بي وبحياتي‏,‏ لم تؤكد ولم تنف‏,‏ وتركتنا في حيرتنا وأزمتنا‏,‏ وكادت تطردنا من بيتها‏.‏

الحل‏,‏ اقترحته أنا سيدي‏,‏ وليتني مافعلت‏,‏ لقد انفجر في وجوهنا بركان‏,‏ ليتنا ما فجرناه‏...‏ أحضرت جهاز تسجيل لمراقبة هاتفها الذي كان ينشغل طوال الليل‏,‏ وجلسنا نستمع للمكالمات‏,‏ كارثة حقيقية‏,‏ أمي علي علاقة بهذا الشاب‏,‏ السائق‏,‏ النصاب‏,‏ متزوجة منه سرا‏,‏ يقول لها كلاما معسولا لايليق بفتاة صغيرة‏,‏ يعترف لها بأنه متيم بها‏,‏ وأنه لايري إمرأة سواها‏,‏ وبعدأن يغرقها في بحر من الكلام‏,‏ يطلب منها مايشاء من نقود وأشياء أخري‏,‏ وهي تعده بالتنفيذ في الحال‏.‏

وصلنا جميعا إلي طريق مسدود‏,‏ تحولت حياتنا إلي جحيم دائم‏,‏ نخشي من مواجهتها بما عرفناه‏,‏ ونخشي أن تطردنا تماما من حياتها‏,‏ ونخشي أن نتركها فريسة لهذا النصاب‏,‏ ونخشي الفضيحة‏,‏ ونخشي أن نتركها حتي تفيق علي الوهم الذي عاشته‏.‏
أعيانا التفكير‏,‏ فلجأنا إليك‏..‏ فهل من رأي تنصحنا به؟‏..‏

سـيدتي‏..‏ قبل أن أشاركك في إدانة السيدة والدتك‏,‏ أسألك هل انشغلت مع شقيقيك وأنتم تواجهون الأزمة بتفسير‏:‏ ما الذي دفع تلك المرأة المحترمة إلي هذا الطريق؟ ولماذا تغيرت هكذا فجأة من امرأة ملتزمة جدا‏,‏ إلي امرأة تمارس المراهقة في هذا العمر؟‏!‏
إنها الوحدة ياعزيزتي‏,‏ هي التي دفعت أمك في البداية إلي التشدد دينيا‏,‏ فوصلت في هذا العمر إلي عدم مصافحة الرجال‏,‏ لجأت أكثر إلي الله بحثا عن أمان لم تجده في وجودكم حولها‏,‏ فقد انشغلتم عنها بحثا عن راحة أو استقلال دون أن تلتفتوا إلي أن الإنسان بعد أن يضحي بعمره من أجل أولاده‏,‏ يحتاجهم معه في خريف العمر‏,‏ ولكن كلا منكم انشغل بحياته تاركا إمرأة وحيدة‏,‏ غاضبة‏,‏ وهي التي إعتادت أن تأمر وتنهي‏,‏ فتجيبوا‏,‏ ويبدو أن ابتعادكم طال‏,‏ ابتعاد سمح لها بالخروج إلي النادي‏,‏ ثم إلي الشارع لينقض عليها قناص‏,‏ يشغل وحدتها‏,‏ ويمنحها الفرصة للانتقام منكم‏,‏ تلاقت الأهداف‏,‏ فهو يبحث عن ممول‏,‏ عن صيد دائم‏,‏ وهي تريد أن تؤكد لنفسها أنها مازالت تعيش‏,‏ ويجب عليها ألا تجلس في بيتها وحيدة تنتظر الموت‏...‏ فرصة جديدة ــ من وجهة نظرها ــ للحياة‏,‏ قد تكون في قرارة نفسها توقن أنه مخادع ونصاب‏,‏ ولكنه يمنحها السعادة في الحلال‏,‏ يعطيها الوقت والكلام الجميل‏..‏ الأمان لها في الليل عبر الهاتف‏,‏ والثمن له في الصباح‏,‏ تراه مثلكم‏,‏ بل ربما أفضل منكم‏,‏ لقد أخذتم منها الكثير‏,‏ فأين أنتم الآن‏,‏ أما هو فيعطي ثم يحصل علي المقابل‏,‏ صفقة مغلوطة وخادعة ولكنها تمتلك تبريرا كافيا لتقبل بها‏.‏

ماذا فعلتم أنتم لاستعادة أمكم التي ضلت الطريق‏,‏ لقد انشغلتم بالفضيحة‏,‏ والأهل والأصدقاء‏.‏ ماذا لو عرف الناس؟‏..‏ وكان السؤال الأهم كيف ننقذ تلك الأم المسكينة؟

إنها الأنانية التي مارستموها طويلا‏,‏ وعليكم أن تعيدوا النظر فيما ارتكبتموه‏,‏ فالخطأ ليس مقصورا عليها‏,‏ بل هي التي في أشد الحاجة إلي مساعدتكم‏,‏ فالله سبحانه وتعالي أمرنا أن نقول لهما قولا كريما حتي لو جاهدانا للشرك به‏,‏ فما بالكم والخطأ ليس في حق الخالق ولكن في حقكم‏,‏ هل هذا يمنحكم حق التجاوز في حديثكم معها؟‏!‏

سيدتي‏..‏ عليكم التوقف عن الحديث معها في هذا الموضوع‏,‏ أحيطوها أولا بحبكم ورعايتكم‏,‏ صاحبوها في يومكم وهمومكم وسعادتكم‏..‏ اجعلوها تصدق أنكم تحبونها وتحتاجون إليها ولن تتركوها أبدا وحيدة‏,‏ وقتها فقط ستعترف لنفسها بخطئها وتعود إلي حياتها وحياتكم‏..‏ وسامحيني إذ لم أقس علي تصرفها‏,‏ فأنا لا أستطيع القسوة علي أم في مثل هذا العمر‏,‏ حتي لو أخطأت الطريق‏..‏ ومن منا لا يخطئ يا عزيزتي‏..‏ المهم أن يجد من يأخذ يده إلي شاطئ الأمان‏.‏
وفي النهاية أقول لوالدتك ليس عارا علي الإنسان أن يسقط أمام الألم ولكن العار أن ينهار أمام اللذة وإلي لقاء إنشاء الله‏..‏
المزيد ....

الزواج الحرام

25-11-2005
سيدي ها أنا ذا مثلت بين أيديكم لا لمحاكمتي كمتهمة‏..‏ بل لتنفيذ الحكم مباشرة‏..‏ فهذا أقل الإيمان كي تبرد نار صدري بعض الشيء‏..‏ ولكن أرجو منكم جميعا تغليظ الحكم بالتنفيذ لا لرغبة مني في الانتقام من نفسي‏..‏ ولكن للتكفير عن بعض الجرم الذي أعانيه في خلجات نفسي الأمارة بالسوء‏.‏

فأنا سيدة قد قاربت علي الأربعين خريفا‏..‏ أعمل بإحدي الشركات السياحية الكبري‏,‏ متزوجة ولدي طفلان‏..‏ عشت حياة مستقرة نوعا ما‏...‏ حتي جاء ذلك اليوم المشئوم الذي ألحت علي فيه صديقة حميمة بأن نكمل المشوار الدراسي ـ الذي لم نكن قد اكملناه حين أكتفينا بالمرحلة فوق المتوسطة ـ من خلال الجامعات المفتوحة‏..‏ وما أدراك ياسيدي ماهي حياة الجامعات‏..‏ ساعتها فكرت جيدا في الاستجابة لإغراءاتها لا رغبة مني في تحسين دخلي المادي فحسب‏..‏ بل لوضع حد للنظرة الدونية التي كنت ألقاها من زوجي مرارا كل يوم لفارق المستوي التعليمي الشاسع بيننا‏..‏

ولا أخفيك سرا سيدي بأن هذه الفكرة قابلها زوجي بالرفض الشديد‏..‏ ربما لما قد يتكلفه من نفقات إضافية‏..‏ وربما ليظل متربعا علي عرش الزعامة الأسرية التعليمية وربما للاثنين معا‏...‏ وبذلت جهدا كبيرا للضغط عليه حتي تمت الموافقة‏..‏ إلي هنا لا توجد المشكلة‏..‏ المشكلة بدأت عندما قابلته‏..‏ شاب وسيم يلفت اليه أنظار كل من يراه‏..‏ طلبت مساعدته في الدراسة‏..‏ قابل طلبي ـ برغم خجله ـ بالموافقة‏,‏ وأصبحنا نتعاون فيما يخص الدراسة في ذلك الوقت‏..‏ مرت الأيام التي ليست بالقليلة وتوطدت العلاقة حتي صرنا تحت مسمي المساعدة نتقابل مرتين أسبوعيا‏..‏ شعرت بالأمان والحنان معه برغم فارق السن بيننا فهو يصغرني بعشر سنوات‏..‏ وربما بهره جمالي الأخاذ الذي لم تغيره الأيام إلا يسيرا ـ هكذا سولت لي نفسي ـ ربما‏,‏ المهم زادت الفجوة بيني وبين زوجي الذي لا يزال ينظر نفس نظراته الجارحة‏..‏ وقلت معها الفوارق بيني وبين ذلك الشاب‏..‏ حتي صارحني في يوم مشرق بحبه وبحاجته لي حيث كان يعاني من تجربة عاطفية فاشلة خرج للتو منها أفقدته اتزانه وصوابه في اتخاذ القرار‏...‏ لم أتردد في توثيق العلاقة شيئا فشيئا حتي استجاب زوجي بعد إلحاح لطلب الطلاق وترك لنا
المنزل وسافر متعاقدا لإحدي دول الخليج‏,‏ ساعتها أحسست بأن طوقا حديديا تحطم من حول عنقي قفزت فرحة منتصرة‏..‏ فبعد سنوات أكمل دراستي الجامعية وتنتهي بذلك المصيبتان‏...‏

شعرت بأنني في فراغ عاطفي جارف وبتيار غريب يملؤه ذلك الشاب الذي وعدني بإتمام عزمه علي الزواج مني‏..‏ صدقته فورا‏,‏ وبالفعل قبلت الزواج منه عرفيا علي أن نتزوج رسميا بعد فترة يكون هو قد استعد ماديا لها وأنا لمواجهة أهلي وأطفالي‏.‏

وافقت علي أن يظل زواجنا عرفيا مؤقتا وليس إلي الأبد بالطبع‏..‏ ووجدته يغمرني بحبه وحنانه وعطفه مما عوضني عن كل ما أصابني مع زوجي السابق‏.‏

حتي جاء اليوم الذي طلب مني أن أترك شقتي وأنتقل للإقامة معه في بيته المتواضع الذي يقيم فيه وحده‏..‏ بحجة أن أقاربه سيزورونه قريبا ليمكثوا أسبوعا علي الأكثر معنا وبرغم أن أولادي الذين كان أكبرهم في عمر خمسة عشر عاما لم يتقبلوا أمر سفري المفاجيء لمأمورية عمل إلا أنهم رضخوا في النهاية ليستقر بهم الحال عند والدتي التي لم تعد هي الأخري تجد مبررا لكل ما يجري لي منذ فراقي عن زوجي بحجة انشغالي بعملي وبدراستي‏...‏

مرت الأيام حتي منتصف الزيارة بسلام وأنا معه في شقته الخاصة لأفاجأ أثناء تقليبي دون قصد في أوراقه بعشرات من صور شهادات زواج عرفي وجميعها لزملائنا في الجامعة‏..‏ صرخت في وجهه بمجرد عودته منهكا طالبة الاستفسار‏...‏ وبرغم هروبه من الإجابة مرة بأن هذه أمور لا تخصني ومرة بأنه وجد هذه الأوراق في أرشيف المكتبة بالجامعة‏..‏ إلا أنه في نهاية المطاف صارحني بأن الذين يزورنه في شقته ليسوا أقاربه كما ادعي‏..‏ بل هي سلسلة طويلة وحلقة في مسلسل دنيء كان يقوم ببطولته فيؤجر شقته مفروشة لطالبي المتعة الحرام المسماة بالزواج العرفي لا لرغبة منهم في تشويه الحقائق بتغير الاسم‏..‏ بل للفرار من عذاب ووخز ضمائرهم بعد تحريم أهل العلم لهذا النوع من الزواج‏.‏

صدمت‏..‏ صعقت من نذالة زوجي‏..‏ أبعد كل هذه التضحية أكون حلقة أنا الأخري في تلك الشبكة‏.‏ لقد صرخ في وجهي قائلا إنه لا يملك مصدر دخل غيرها لأن معظم رواده من شباب الجامعات يأتون ليوفر لهم مكانا مناسبا مرة أو مرتين في الأسبوع لممارسة العلاقة المحرمة المسماة بالزوجية وقال إن هذا ليس عيبا وأن عددهم زاد علي الألف بقليل حتي الآن فهل يترك هذه الفرصة من أجل غضبي‏..‏ طلبت منه الطلاق الفوري غير أنه رفض متعللا بأنه يحبني ولا يستطيع الاستغناء عني‏..‏ وأقسم لك سيدي أنه برغم أفعاله هذه إلا أنني مازلت أحبه ولا أستطيع أيضا البعد عنه‏..‏

فهل أجد حلا لهذه المأساة التي أعيشها حتي أهدأ ويرتاح ضميري؟

*‏ سيدتي‏..‏ أي حب هذا الذي تتحدثين عنه في نهاية رسالتك؟ أتعرفين الصفة التي يجب أن تقال علي زوجك الذي لا تستطيعين البعد عنه؟‏..‏ لا تستطيعين البعد عن مثل هذا الرجل‏,‏ واستطعت بكل سهولة وأنت أم لطفلين أن تطلبي الطلاق من زوجك لأسباب واهية وتافهة اختلقتها حتي تبرري قراراتك التي تصل إلي حد الجرائم‏.‏
لقد ترددت كثيرا في نشر رسالتك‏,‏ ولكني توقفت أمام حكاية الزواج العرفي هذا المسمي الكاذب لعلاقة محرمة‏,‏ مسمي تعاملنا معه باستهانة ولم نجرمه‏,‏ فسمحنا لمثل هذا الشاب باستثماره دون خوف من عقاب‏.‏ نشرت رسالتك حتي تلتفت طالبات الجامعة لإغواءات الشباب‏,‏ وليرين الصورة الحقيقية التي يكون عليها‏.‏

أما أنت فليس أمامك إلا الانسحاب السريع من هذه الحياة‏,‏ حماية لطفليك أولا ثم لنفسك‏,‏ تجرعي الندم‏,‏ لأن من يتزوج علي عجل يندم علي مهل‏,‏ وندمك سيطول‏,‏ أما إذا استمرت علاقتك بهذا الشاب فإن ندمك لن ينتهي‏.‏

الحب هو أن يتنفس الإنسان هواء نقيا في أمان مع من يطمئن إليه قلبه‏,‏ الحب يكون لرجل يعرف معني الشرف ولا يقبل أن ينفق علي أسرته من مال حرام‏.‏ أفيقي‏..‏ وتعاملي مع ما عشته علي أنه انتقام إلهي عما اقترفته تجاه زوجك السابق وطفليك وكل من سهلت لهم ارتكاب المعاصي في شقتك‏,‏ وتوبي إلي الله الذي لا يغلق باب رحمته في وجه عبده متي صدقت توبته‏.‏
المزيد ....

العـــــــــــــــار

18-11-2005
سيدي‏..‏ لم أكن أفهم منذ طفولتي المعني المتكرر في الأفلام والقصص فقدت أعز ما تملكه الفتاة‏,‏ وشاءت الأقدار أن أفهمه مبكرا‏,‏ فيما أودع طفولتي البريئة‏..‏ فهمت المعني وفهمت أيضا أشياء كثيرة‏,‏ لم أتمن يوما أن أفهمها‏!‏

فقدت أعز ما تملكه الفتاة بعد اتمام عامي السادس عشر بأيام معدودة‏..‏ لقد كنت ضحية اعتداء من سائق تاكسي واثنين من أصدقائه‏..‏ لن أذكر ماحدث ليس بحجة نسيانه‏,‏ فإنه يحيا بداخلي لأني مازلت أتذكر كل لحظة‏..‏ كان يغشي علي من كثرة الألم ثم أفيق أتألم وأبكي حتي أقع مغشيا علي ثانية‏..‏ كانت أربعة أيام‏..‏ عدت بعدها إلي أمي التي كادت تموت من كثرة البكاء علي‏..‏ عدت لأبي الذي لم يترك مكانا إلا وسأل عني فيه‏..‏

لم أبدأ أشعر بما حولي إلا بعد ثلاثة أيام‏..‏ كنت حامدة لله وشاكرة له لعودتي لأني لم أتصور أني سوف أعود أبدا‏..‏ لكن عندما نظرت حولي لم أجد أحدا سعيدا بعودتي‏.‏ لقد صدمت لهذا‏,‏ فأنا بالنسبة لهم سودت وجوههم وجلبت لهم العار‏,‏ كانت المرة الأولي التي بدأت أنظر لما حدث وأستوعبه‏,‏ لم يسألني أحد أين كنت؟ بل قالوا لي إنهم لا يريدون أن يعرفوا‏.‏ المهم أني بينهم الآن‏..‏ كانوا يقولونها‏.‏ وهم يوارون عيونهم عني‏,‏ أردت أن يربت أبي علي كتفي‏,‏ أن تقول لي والدتي إن كل شئ سيكون بخير‏,‏ أن أروي ما حدث وأبكي وأصرخ‏..‏ أردت من أختي أن تبتسم في وجهي وأن تأخذني في حضنها بحنان‏..‏ أردت أن تثور عائلتي وأن يأخذوا الثأر لشرفي‏..‏

لقد كنت خائفة‏,‏ ضعيفة‏,‏ هشة‏,‏ لكن أحدا لم يرد أن يسمع‏..‏ فقط سألني أبي إن كان حدث شئ؟ هززت رأسي له باكية‏..‏ أي نعم ــ وأخذت أبحث عن كتفه لأستند عليها وأروي له‏,‏ لكنه استوقفني وقال لي انه لا يريد أن يعرف كيف حدث هذا وأمارات الألم علي وجهه‏,‏ ولمح لي ألا أقول شيئا لأحد خوفا من الفضيحة‏...‏ هذا أفضل لي ولمستقبلي‏.‏

ولقد كنت قوية والحمد لله‏..‏ ووقفت ثانية لأواجه حياتي‏..‏ لكن لم أكن نفس الفتاة التي كنتها‏,‏ فهذا المعتدي لم يأخذ مجرد غشاء‏,‏ ولكنه أخذ معه شيئا آخر‏..‏ أخذ معه الإحساس بالأمان وكسر معه شيئا بداخلي‏.‏ ورجعت لحياتي بعد معافاة آلام جسدي‏,‏ لكن لم أجد أصدقاء يهنئونني بعودتي‏..‏ لم أجد زميلا أو زميلة يساعدانني علي اجتياز هذه المرحلة‏,‏ بل وجدت زملائي هم أعدائي الذين وجدوني مادة ملائمة للشائعات‏..‏ أبواب البيوت تغلق في وجهي‏..‏ لم يعد أحد يتصل بي‏,‏ ولا أجد أحدا عندما اتصل أنا‏..‏ وإذا وجدت إنسانة تدافع عني يمنعها والدها من صحبتي فتقاطعني نهائيا‏..‏ في المدرسة الكل ينظرون ويتهامسون‏,‏ حتي مدرسي لم تعد معاملتهم محبة لتلميذتهم النجيبة‏..‏ بل كانت جافة مشمئزة‏..‏ مستهزئة‏.‏

كنت أتألم كثيرا عندما لا أجد أحدا يريد أن يجلس بجانبي في المدرسة أو في الدروس الخصوصية‏..‏ كنت أجلس وحيدة في مكان يتسع لأربع طالبات‏..‏ لم أشتك أو أشرك أهلي مرة ثانية‏..‏ فكفاهم مامروا به‏..‏ لقد عوملت كأني أنا المذنبة‏,‏ حتي صرت أشعر فعلا بأني مخطئة‏..‏ لقد كنت أدخل للاستحمام في اليوم الواحد أكثر من خمس مرات لإحساسي بأني لست طاهرة‏.‏

سيدي إنني أواجه الكثير من العروض لحياة الرذيلة والوقوع فيها‏,‏ إنني أقاوم شياطين الانس هنا‏...‏ أحاول صابرة ألا أضعف وأن أكون من عباد الله الصابرين‏..‏ فبماذا ترد علي‏..‏ بماذا تنصحني؟

في نفس الوقت أتمني أن تقرأ أمي هذه الرسالة الآن أو والدة أي فتاة أخري تعرضت لمثل هذه الظروف‏..‏ أمي‏..‏ أعرف أن سنين مرت علي هذه الحادثة‏..‏ لكني أراها في عينيك وبين كلماتك‏..‏ أريدك فقط أن تعلمي أنني أحبك كثيرا يا أماه‏..‏ لم أقصد في أي يوم أن أجرحك أو أن أشعرك بالعار‏..‏ هل تعتقدين أن طفلتك الصغيرة تريد لك هذا‏..‏ هل تعرفين كم أحتاج إلي حضنك الذي تحرمينني منه‏..‏ أماه أنا في أمس الحاجة إليك‏..‏ أرجوك كفي جفاء ويا أبي أنا لم أفقد الأمل بعد‏....‏ ومازلت أعمل علي إكمال حلمي القديم بحياة مستقرة وناجحة لأجعلكما يوما ــ تنظران لي وتقولان بكل فخر‏..‏ هذه ابنتنا‏.‏

{‏ لا تستحمي يا عزيزتي كي تتطهري‏,‏ فروحك وجسدك طاهران‏,‏ أما كل من حولك فهم الذين في أشد الحاجة إلي التطهر‏,‏ لأنهم بدلا من مطاردة القتلة‏,‏ سلخوا الذبيحة وراحوا يتوضأون بدمائها‏,‏ مستمتعين بالعيش في ظلال الفضيحة‏.‏

لم تذكري ياصغيرتي شيئا عن الجناة‏,‏ وإن كنت أشك في أن أبا وأما يفكران بهذه الطريقة سيحرصان علي اعادة حقك المغتصب‏.‏ انكسر والدك وكأنه يستعيد صوتا من الجاهلية بتمني وأدك‏,‏ لأنك جلبت له العار‏,‏ واسود وجه والدتك لأنها فكرت في مجتمعها ولم تفتح صدرها لتحتويك في حنان وتعيد إليك الأمان الذي سرقه منك الذئاب‏.‏

الذئاب ليسوا هم فقط من اغتصبوك ولكنهم الذين يحيطون بك من زملاء ومدرسين وجيران‏,‏ يقتاتون علي شرفك‏,‏ دون أن يتحسس كل منهم رأسه‏,‏ راضيا بالذئب الذي يستعير حكمة الحمل في العلن مدينا الطرف الأضعف‏,‏ المجني عليه‏,‏ الذي تخلي عنه الجميع‏.‏

عودي إلي سابق عهدك ياصغيرتي‏,‏ إرفعي رأسك‏,‏ لأنك اخترت الشرف‏,‏ إن مجتمعك هو الذي فقد أعز ما يملكه‏,‏ الأعز دائما هو دفع الظلم والقبض علي الظالم وحماية المظلوم لا اغتياله‏.‏

استعيدي روحك الطاهرة‏,‏ وواجهي الجميع‏,‏ وانجحي‏..‏ ليس من أجلهم ولكن من أجل نفسك‏,‏ فالمهم أن يرضي عنك ربك وترضين عن نفسك‏,‏ والأيام ستصفو حتما‏,‏ لا أعتقد أن شياطين الإنس سينجحون معك‏,‏ لأنك بعون الله أقوي‏.‏

الشئ الأخير الذي أعرضه عليك‏,‏ إذا كان الجناة قد فلتوا بجريمتهم فإني علي استعداد لتحريك عمليات البحث عنهم من جديد ومطاردتهم‏,‏ لأن الساكت عن هؤلاء المجرمين شريك معهم في جرمهم‏..‏ لاتفرطي في حقك وسأكون بعون الله معك‏..‏ فقط اتصلي بي‏.‏
المزيد ....

رحيق الذكريات

11-11-2005
قرأت رسالة حرائق الذكريات لتلك السيدة التي تعتقد أن والدها رحمه الله قد قضي علي مستقبلها عندما اختار لها شريك حياتها المناسب من وجهة نظره‏,‏ لأنه كان عريسا مبسوطا علي حد قوله مما حرمها من الارتباط بمن اختاره قلبها‏..‏ وبدلا من أن ترضي بنصيبها وتحاول أن تسعد بنعمة الله عليها وتفرح بأسرتها الصغيرة راحت تبحث عما في يد غيرها‏,‏ وتقارن بين زوجها الذي اختاره لها والدها وحبيب القلب الذي أصبح أكثر ثراء وسعادة مع زوجة أخري‏,‏ ولا تزال حتي الآن تعيش في قصة والدها الذي جانبه الصواب وحرمها من حياة رغدة وسعيدة كانت في متناول يدها‏!!‏ وجاء ردك عليها بردا وسلاما علي قلبها المتأجج بنيران الحقد علي تلك التي فازت بحبيب القلب‏,‏ وبالغضب من الوالد الذي أخطأ في حقها‏..‏ وحسنا ما فعلت عندما نصحتها بأن تحاول إسعاد نفسها وأسرتها وأن ترضي بما قسم الله لها حتي تفوز بجوائز السماء‏.‏
ولقد رأيت أن أشارك بالرأي والنصيحة لصاحبة تلك الرسالة بقصة لسيدة تتشابه في بدايتها مع قصة حرائق الذكريات ولكنها تختلف عنها تماما في النهاية‏,‏ لعلنا نتأمل ونتعلم من حكمة المولي عز وجل في توزيع الأرزاق وقد كان لي شرف متابعة صاحبة تلك القصة علي مدي خمسة وعشرين عاما‏,‏ واستأذنتها في الحديث باسمها فوافقت بعد تردد مادام فيها ما قد يفيد الآخرين‏!!.‏
نشأت هذه السيدة وترعرعت في إحدي محافظات الوجه البحري في أسرة ريفية كبيرة العدد قوامها دستة من الأبناء والبنات بقي منهم علي قيد الحياة تسعة‏,‏ خمسة ذكور وأربع اناث‏,‏ وكانت هي تحتل المرتبة الرابعة في الترتيب وكان والدها من رجال الدين الذين يعملون في مجال التعليم تسانده في الحياة سيدة فاضلة تزوجها وهي في الثالثة عشرة من عمرها دون أن تنال أي قسط من التعليم وعاشت حياتها تكافح إلي جواره برجاحة عقل وحكمة فطرية ساعدتها علي تربية الأبناء التسعة علي الدين والعلم والأخلاق‏..‏ وكان الوالد يؤمن بأن العلم هو رأس المال الحقيقي في الحياة ولا زواج للأبناء الذكور قبل الانتهاء من مشوار الدراسة‏,‏ أما البنت فمكانها هو البيت ويكفيها أن تقرأ وتكتب أو تتعلم ما يفيدها في تنشئة أبنائها تنشئة صالحة حتي ما إذا ما جاء قطار الزواج ودق بابها صاحب النصيب فلابد أن تفتح له مادام إنسانا طيبا ومن أسرة طيبة‏.‏
وكانت هي تتمتع بجمال هادئ وعقل راجح يؤهلها إلي استكمال دراستها‏,‏ ولكن لسوء حظها وقفت ظروف الحياة ضدها‏,‏ فلم يكن هناك في قريتها سوي مدرسة ابتدائية واحدة‏,‏ ولم يكن أحد يجرؤ في ذلك الوقت علي قبول فكرة أن تسافر الفتاة الي البندر يوميا للالتحاق بالمدرسة الاعدادية‏,‏ فقرر الوالد أن تترك المدرسة بعد أن انتهت من مرحلتها الابتدائية لتساعد والدتها في تربية الأبناء خاصة بعد زواج شقيقتها الكبري‏..‏ وثارت تلك الفتاة ثورة صامتة لم تتعد حدودها الشخصية ولكنها رضخت في النهاية مؤثرة مصلحة الأسرة علي مصلحتها الشخصية‏,‏ ولكنها لم تمنع نفسها من التفكير في أن والدها قد ظلمها وحرمها من حقها في حياة أفضل‏.‏
إلي أن جاء يوم طرق بابها مدرس طيب ينحدر من أسرة بسيطة طيبة ويكبرها بنحو ستة عشر عاما‏,‏ وحاولت أن ترفض أو تسوف في قبول هذا العريس أملا في أن يتغير الحال وتستطيع اللحاق بأشقائها الكبار الذين انخرطوا في التعليم الجامعي أو حتي انتظار من تكون سنه مناسبة لها‏,‏ ولكن يبدو أن والدها كان قد حزم أمره للمرة الثانية بعد إخراجها من المدرسة وأصدر قراره لتتزوج هذا القادم الذي لم تتحمس له كثيرا‏,‏ ولكن من يملك أن يعترض علي قرار الوالد الذي لم تتعود الأسرة علي أن ترفض له طلبا خاصة أنه ظل يلح عليها بطلبه لأنه وجد فيه فرصة العريس المتعلم الذي سيوفر لها حياة سعيدة‏!!.‏
وللمرة الثانية رضخت لرأي والدها برغم إرادتها‏,‏ وتم الزواج بسرعة في حفل تقليدي ريفي بسيط خال من مظاهر الأبهة أو البهرجة وانتقلت إلي بيت زوج لم تختره‏,‏ ولكنها لم تكن ترفضه مسلمة أمرها إلي الله‏,‏ وهي تأمل في حياة أفضل من تلك التي تعيشها وسط تسعة أفواه وأرانب يصارعون الحياة بإمكانات الوالد المحدودة التي كانت لا تكاد تكفي لتلبية الاحتياجات الضرورية للأسرة ولكنها البركة التي كانت تستعين بها والدتها الطيبة علي تدبير أمور حياة أسرتها‏..‏
وبعد شهور قليلة وجدت نفسها مضطرة إلي السفر مع زوجها بعد إعارته مدرسا بإحدي الدول العربية الشقيقة‏,‏ وهي التي لم تخرج عن محيط قريتها من قبل‏,‏ وهكذا انفصلت عن أسرتها وانتقلت من سجنها في مصر إلي سجن آخر في تلك الدولة العربية‏,‏ فلم تكن تري الشارع إلا نادرا‏,‏ فتعلمت حياكة الملابس واشترت ماكينة متطورة‏,‏ وأصبحت تعتمد علي نفسها في تفصيل وحياكة ملابسها‏..‏ وظلت تدور في نفس طاحونة العمل مع زوجها فلم يؤنس وحدتها ويخفف عنها سوي أن رزقهما الله بزهرتين جميلتين توءم‏,‏ ثم زهرة ثالثة في العالم التالي بناء علي طلب زوجها الذي كان يسابق الزمن ويأمل في أن يرزقه الله سريعا بمولود ذكر يحمل اسمه‏!!‏ وكانت تلك هي نقطة الخلاف المحورية بين سميحة وزوجها فهي مؤمنة بأن لله حكمة في أن يهب البعض ذكورا والبعض إناثا وفي كل خير‏..‏ واستمرت الخلافات بينهما حتي زادت من همومها وأعبائها النفسية في الغربة ولكنها صبرت صبرا جميلا حتي شاءت إرادة الله وحملت للمرة الثالثة وجاء الولد الذي كان ينتظره زوجها ولكن الله الذي لا راد لقضائه استرد وديعته بعد تسعة أيام فقط من مولده وسبحان الله تعالي جلت قدرته وحكمته‏..‏
وازدادت حدة الخلاف بينها وبين زوجها بعد أن ثقل العبء ولم يعد دخل زوجها يكفي لإعاشتهم في الغربة فعادت إلي مصر مع زهراتها الثلاث لتعيش في القاهرة بجوار والدها الذي أحيل إلي المعاش ووالدتها التي تستمد منها الحكمة ولتكون في رعاية أشقائها الذكور الذين تخرجوا في الجامعات وبدأوا حياتهم العملية‏,‏ وبقي زوجها وحيدا يعمل في الدولة العربية علي أمل العودة بعد انتهاء مدة الإعارة‏,‏ ولم تمض سوي شهور قليلة حتي هاجمه فيروس الكبد الوبائي وعاد هو الآخر إلي مصر للعلاج حتي لقي ربه في يناير‏1980,‏ وهنا وجدت نفسها علي أعتاب مرحلة جديدة من حياتها وهي لاتزال في الثلاثين من عمرها‏..‏
ومرت أيام الحداد ثقيلة واجتمعت الأسرة لتري ماذا ستفعل الأرملة بحياتها الجديدة ووسط دهشة الجميع فوجئت الأسرة بإنسانة قوية تتحدث بعزيمة وإصرار عن مستقبل أفضل ورفضت أن تلقي اللوم علي والدها الذي سبق أن حال بينها وبين قطار التعليم ثم عاد واختار لها حياتها مع زوج لم تختره لنفسها‏,‏ ولكنها قبلت بنصيبها في الحياة وقررت التعامل مع الواقع بموضوعية برغم فداحة الكارثة‏..‏ وأحس الجميع بأن بركان الحزن الذي بداخلها بدأ يتحرك نحو تحقيق أمل قديم كان يراودها منذ زمن بعيد وهو أن تستكمل دراستها وتختار حياتها بطريقتها‏..‏ ووافقها الجميع دون تردد برغم أنهم كانوا متشككين من نجاحها في الدراسة بعد توقف دام أكثر من عشر سنوات‏,‏ ولكنهم كانوا يأملون فقط في أن تشغل نفسها بأي شيء يخرجها بسلام من آثار الكارثة التي حلت بها‏..‏
وقررت دخول امتحان إتمام الدراسة الابتدائية الذي سيعقد في مايو‏1980‏ أي بعد شهور قليلة من وفاة زوجها واجتازته بنجاح مما أثار دهشة الجميع وإعجابهم‏!!‏ وفور ظهور النتيجة بدأت في البحث عن كتب المرحلة الاعدادية دون انتظار لبداية العام الدراسي الجديد وعاشت حياتها الجديدة مقسمة بين تربية بناتها الثلاث وبين دراستها‏..‏ فكانت ترعي بناتها نهارا حتي يعدن من مدارسهن لتبدأ دراستها في المدرسة الاعدادية المسائية التي التحقت بها والتي لم تكن تبعد كثيرا عن مقر سكنها ثم تعود لتذاكر لنفسها ومع بناتها حتي ينام الجميع في سلام‏..‏ وراحت أسرتها تراقبها وهي تتقدم في دراستها دون أي تقصير في حق زهراتها الثلاث فكانت تحاول دائما تعويضهن عن فقد والدهن بمزيد من الحب والحنان والرعاية الكاملة‏.‏
وحصلت علي شهادة الإعدادية ووجدت نفسها في خيار صعب أمام استكمال دراستها وبين بناتها اللاتي كبرن ويحتجن إلي رعاية أكبر من قدرتها‏,‏ ولكن تصميمها علي تحقيق حلمها القديم كان يداعبها بشدة‏,‏ ولايزال يسكن هناك في عقلها الباطن‏,‏ فقررت بناء علي نصيحة من أشقائها الالتحاق بمدرسة ثانوية تجارية قريبة من سكنها سرعان ما حصلت منها علي دبلوم المدارس الثانوية التجارية وسط إعجاب وتشجيع من الجميع خاصة من بناتها اللاتي كبرن الآن وأصبحن علي دراية كافية بما تفعله أمهن من أجلهن‏,‏ فكن يساعدنها في بعض الأعمال المنزلية لتخفيف العبء عنها ومشاركتها في مشوار الحياة‏..‏
وتوقع الجميع‏,‏ أنها ستستريح بعد هذا الماراثون‏,‏ وقد تفكر في الزواج أو العمل‏,‏ خاصة أن بناتها كبرن وأصبحن مستقلات إلي حد كبير‏!!‏ فالتحقت البنتان التوءم بكلية التجارة جامعة القاهرة‏,‏ ولحقت بهما شقيقتهما والتحقت بكلية الخدمة الاجتماعية بالقاهرة وهو بكل المقاييس إنجاز ضخم يحسب لها وإن لم تفعل غيره‏..‏ ولكنها أعلنت أنها لم تحقق حلمها بعد ورفضت كل عروض الزواج من أجل بناتها والتحقت بكلية التجارة بالجامعة المفتوحة وبدأت الحياة تبتسم وشمس السعادة تشرق علي هذا المنزل التي تقيم فيه أسرة صغيرة يجمعهم الإصرار علي النجاح‏..‏ أم في الأربعينيات من عمرها وتدرس في الجامعة المفتوحة جنبا إلي جنب مع بناتها الثلاث طالبات الجامعة‏..‏ وكأنهن أربع صديقات يقمن تحت سقف واحد يتبادلن الأدوار في العمل بالمنزل والدراسة في الجامعة‏..‏
وبعد أربع سنوات بالتمام والكمال كانت قد حصلت علي بكالوريوس التجارة وسط فرحة غامرة وإعجاب من أسرتها وكل من حولها وانهمرت دموع الفرح والسعادة من عينيها بعد أن حققت حلمها القديم في استكمال مشوار تعليمها حتي النهاية‏.‏ وكان من دواعي سرورها أيضا أن ابنتيها التوءم حصلتا أيضا علي بكالوريوس التجارة بتقدير جيد جدا فالتحقت احداهن بكلية التجارة كمعيدة‏,‏ بينما اتجهت الأخري إلي مجال العمل كمحاسبة في شركة مقاولات كبري بالقاهرة‏,‏ وفي العام التالي تبعتهما شقيقتهما الثالثة التي حصلت علي بكالوريوس الخدمة الاجتماعية واستطاعت بتوفيق من الله وبفضل دعاء والدتها أن تلتحق بالعمل في نفس الشركة التي تعمل بها شقيقتها‏.‏
ومال أشقاؤها الكبار علي شقيقتهم يسألونها‏:‏ ألم يحن الوقت بعد للزواج بعد أن أتممتي رسالتك في الحياة نحو زهراتك الثلاث فتزوجت ابنتك الكبري وحصلت الثانية المعيدة بالجامعة علي درجة الماجستير‏,‏ وتستعد الآن لدرجة الدكتوراه‏,‏ واستقرت الثالثة في عملها‏,‏ وبعد كل الذي قمت به علي المستوي الشخصي‏,‏ والذي يعد انجازا بل إعجازا‏,‏ يستحق أن ينحني له الجميع؟ فتضحك وهي تهمس في أذن شقيقها الذي يكبرها مباشرة والذي حصل منذ سنوات قليلة علي درجتي الماجستير والدكتوراه في الإدارة برغم أنه في الخمسينيات من عمره‏:‏ صدقني يا أخي ان قلت لك إنني أشعر وكأنني أحلم وغير مصدقة لما حدث من حولي‏..‏ إنني أنظر خلفي واستمتع برحيق ذكريات أيام وسنوات طويلة مضت بحلوها ومرها‏..‏ ولم أكن يوما واثقة من استطاعتي علي تحقيق أحلامي بعد أن بعدني والدي ـ رحمه الله وغفر له ـ عن الدراسة وزوجني بمن يكبرني بأكثر من خمسة عشر عاما‏.‏ ولكني كنت دائما راضية بقضاء الله وقدره وأشعر دائما بأنه معي يساندني ويشد من أزري ويترفق بضعفي‏..‏ لقد كان الله كريما معي فأعطاني ما أردت وكل ما أريد أن أفعله الآن هو أن أسجد لله عز وجل شاكرة فضله ونعمته‏,‏ وأسأله أن يغفر لي يوما اعتقدت فيه أن والدي قد ظلمني أو أساء إلي‏..‏ فقد كان لنا نعم الأب الذي يختار الأفضل من وجهة نظره‏..‏ ولقد كان اختياره هذا سببا في كل ما أنا فيه الآن من خير وراحة بال‏..‏ وهذه نعمة لا تعادلها كل كنوز الدنيا‏..‏ وربما ـ إذا ما كان في العمر بقية ـ يعطيني الله القوة والرشاد واستطيع أن أحصل مثلك علي درجتي الماجستير والدكتوراه‏.‏
ويضحك شقيقها وهو ينظر إليها بمزيد من الإعجاب والتقدير والاحترام‏,‏ وهو لا يستبعد ان تفاجئه شقيقته في القريب العاجل بدعوة لحضور مناقشة رسالة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة القاهرة وهي نفس الجامعة التي حصلت منها ابنتها علي درجة الماجستير في العام الماضي‏..‏ من يدري؟
دكتور هاني عبدالخالق
أستاذ إدارة الأعمال

*‏ سيدي‏..‏ أشكرك علي تلك الرسالة‏,‏ التي انتظرتها طويلا‏,‏ فبريدي متخم بالأحزان والإحباطات واليأس‏,‏ وكنت أتمني أن يطل علينا من أصدقاء البريدمن يقتلع الحكمة من قلب الوجع‏,‏ ويقدم لنا سعادة مختبئة في ألم آن لا نفهم في أحيان كثيرة لماذا خصنا به الله سبحانه وتعالي‏.‏ وإذا كان من الصعب علي الكثيرين أن يتعاملوا مع عذاباتهم ومحنهم علي أنها محطة من محطات الحياة‏,‏ لن يطول وقوفهم عليها‏,‏ ويرون أنها المحطة الأخيرة‏,‏ فيستسلمون ليأسهم ويلومون الأقدار والبشر‏,‏ متغافلين أو جاهلين حكمة قد تكون مستكينة في ركن ما من التجربة تنتظر من يزيح عنها غبار الغضب واليأس‏.‏
هناك قليلون ـ مثل صاحبة تلك الحكاية ـ يؤكدون أن الإنسان وحده القادر علي مواجهة عثرات الأيام واختباراتها‏,‏ بالإصرار علي عدم الركون إلي اتهام الآخرين ولوم الأقدار علي ما أصابهم‏,‏ ومواصلة الزحف نحو تجاوز المحنة‏,‏ وبناء الحياة التي يرون أنهم يستحقونها‏,‏ فليس من الطبيعي أن يكون فشلنا أو ألمنا من صنع الآخرين‏,‏ سواء وضعونا فيه حبا أو جهلا‏,‏ متجاهلين إرادتنا واختياراتنا لأنفسنا ولمن نحب‏.‏ ما أسهل سيدي البكاء علي العسل المسكوب‏,‏ فقد يبكي حولنا الكثيرون ويتجمع علي رؤوسنا الذباب‏,‏ أما الصعب والأحلي‏,‏ فهو بناء المنحل وجني العسل من جديد بأيدينا‏,‏ عسل الحياة يا سيدي الذي جنته تلك السيدة العظيمة‏,‏ التي لم تهن يوما‏,‏ إنثنت أمام رياح الأيام ولم تنكسر‏,‏ وعندما هدأ صفير الرياح‏,‏ استجمعت قواها واختارت بنفسها ولنفسها ولمن أحبتهم‏,‏ الحياة التي كانت تتمني والتي كان تستحقها‏.‏
وإلي لقاء بإذن الله
المزيد ....