الأربعاء، ١ أغسطس ٢٠١٢

الشـــــــــــــبح

08-06-2007
قرأت رسالة عيون المعصية‏,‏ وكيف يضعف صاحبها أمام نزواته‏,‏ ويلاحق النساء في كل مكان‏,‏ ثم يندم بعد ارتكابه الخطيئة‏,‏ فيكره نفسه ويلعن ضعفه‏,‏ ويشعر بتناقض قاتل‏,‏ فهو محترم ونموذج أمام زوجته وأبنائه وأهله وأصدقائه‏,‏ بينما هو لايستحق أي شئ من هذا التقدير والاحترام‏.‏ وبعد أن انتهيت من الرسالة‏,‏ انهمرت دموعي‏,‏ وبكيت كما لم أبك من قبل‏.‏ بكيت علي نفسي‏,‏ وبكيت شفقة علي هذا الرجل‏,‏ الذي لايعرف مقدار الثمن الذي سيدفعه‏.‏

فليت ما يعانيه يقف عند عذاب الضمير والتناقض الذي يعيشه‏,‏ وليته يقف فقط عند حد خوفه من عقاب الله سبحانه وتعالي في الآخرة‏.‏ فتجربتي الخاصة‏,‏ تؤكد أن الله العزيز المقتدر منتقم جبار‏,‏ حتي لو طالت حبال عفوه ومغفرته سبحانه وتعالي‏.‏ فكثيرون منا يعتقدون‏,‏ بمرور الزمن‏,‏ وبعد أن يهدهم العمر‏,‏ فتتوقف مغامراتهم ونزواتهم‏,‏ أن كل شئ قد مضي إلي حال سبيله‏,‏ وأن الله حليم ستار‏,‏ فيواصلون حياتهم وهم شاعرون بالامتنان لأنهم أفلتوا بخطاياهم‏,‏ ويبررون ذلك بأن الله يحبهم فسترهم في الدنيا وسيسترهم في الآخرة‏

بينما هم غافلون عن أن لحظة الانتقام ودفع الثمن هو وحده سبحانه وتعالي الذي يحددها‏,‏ وكم من مثل أمامنا لشخصيات وصلت إلي قمة الشهرة والمجد والسلطان‏,‏ ثم نفاجأ بها تهوي أمام عيوننا‏,‏ مجلجلة بفضائحهم لتدمرهم وأبناءهم‏.‏ وأترك للسادة القراء استعادة الأسماء الشهيرة كما يشاءون‏.‏ واسمح لي أن أذكر فقط أن بعضهم هوي وانزوي خلف القضبان وكثيرون لايفهمون أسباب هذا السقوط‏,‏ بتفسيرهم المادي للأشياء والتصرفات الواضحة أمامهم‏,‏ فيما أتاحت لي الظروف وطبيعة عملي معرفة جرائم بعضهم وخطاياهم‏,‏ وكنت أتساءل لماذا تأخر عدل الله مع هؤلاء‏,‏ حتي سلمت بحكمته عندما وصل الأمر والانتقام إلي أنا شخصيا‏.‏

سيدي‏..‏ أنا رجل تجاوزت الخمسين من عمري بقليل‏..‏ أعمل في وظيفة مرموقة‏,‏ لدي أسرة صغيرة أحمد الله عليها وعلي السعادة التي غمرتنا طوال حياتنا‏..‏ نشأت في بيئة طيبة‏,‏ ابن بار لوالدين صالحين وضعهما الاجتماعي مرتفع‏,‏ ما أن تخرجت حتي وجدت وظيفة مناسبة‏,‏ تليق بمستوي عائلتي‏,‏ وظيفة جعلتني أشعر بالتميز والتباهي‏,‏ خاصة اني كنت شابا وسيما‏,‏ جذابا‏,‏ لدي سيارة مميزة‏,‏ وأصدقائي من العائلات المرموقة في مصر‏.‏ هذه البدايات جعلتني مطمعا لفتيات عديدات‏,‏ فكنت أستغلها فرصة للعبث والتسلية والتباهي أمام الأصدقاء‏.‏لم أترك شيئا لم أفعله‏.‏ كم غررت بفتيات باسم الحب‏,‏ كم هتكت أعراضا‏,‏ وفضحت عائلات‏,‏ وجعلت بنات يدفعن أثمانا باهظة لعلاقاتهن بي‏.‏

يمكن قبول ذلك من شاب لم يتعمق دينيا‏,‏ مندفع‏,‏ يغره شبابه ومركزه‏,‏ وكنت أقول لنفسي دائما‏,‏ إني لم أجبر فتاة علي شئ‏,‏ وانها مرحلة ستنتهي مع الزواج‏.‏

سيدي‏.‏ حتي لا أطيل عليك‏..‏ تزوجت من فتاة مناسبة اجتماعيا‏,‏ وأقنعت نفسي بأن الله راض عني‏,‏ لأنه رزقني هذه الزوجة الصالحة‏,‏ الملتزمة‏,‏ خاصة بعد تأكدي من انني أول رجل في حياتها‏.‏

سارت حياتنا في سعادة وهناء‏,‏ رقيت في وظيفتي‏,‏ ورزقني الله ولدا وبنتا‏,‏ وعاهدت الله أن أخلص لزوجتي‏,‏ وأبتعد عن طريق المعاصي‏.‏ ولكن كيف لمن بدأ حياته بمعاص لم يكفر عنها أن ينتهي‏.‏

سكنني الشيطان مرة أخري‏,‏ وغرني نجاحي‏,‏ فرفعت عيني اللتين كنت قد غضضتهما سنوات‏,‏ وبدأت أتلفت حولي‏..‏ إنها البداية دائما لأي معصية‏,‏ ارفع عينيك كي ترصد الفريسة‏,‏ تعرف نقاط ضعفها‏,‏ ترصد مفاتنها‏,‏ فتشتهيها‏,‏ ثم تنسج خيوطك حولها‏..‏ إنها متعة للقناصين من أمثالي‏.‏

عدت مرة أخري لأنغرس في وحل الخطيئة‏,‏ سيدات متزوجات‏,‏ بنات صغيرات‏,‏ زميلات عمل‏,‏ أتوقف قليلا‏,‏ ثم آمن لستر الله فأعود من جديد‏,‏ كنت أهنئ نفسي علي ذكائي في عدم معرفة زوحتي أو إحساسها بخيانتي‏.‏

لم يشفع لي أو يجعلني أراجع نفسي أني تجاوزت الخامسة والأربعين من عمري‏.‏ بل شجعتني التكنولوجيا الجديدة علي أن أكون متصابيا‏,‏ فتعرفت علي فتيات عبر النت‏,‏ واستخدمت الموبايل في التصوير‏,‏ صورت وصورت‏.‏ وكلي ثقة في أن أي بنت أو سيدة لن تفضح نفسها‏,‏ ستسألني ألم تكن تخشي أن يقع الموبايل في يد زوجتك أو أبنائك‏,‏ أجيبك‏,‏ بأني كنت شديد الحرص وكان لي رقم ليس باسمي علي جهاز موبايل احتفظ به في سيارتي أو مكتبي‏,‏ كما كنت أستخدم اسما مستعارا مع كثير ممن تعرفت عليهن‏.‏

لا أعرف ــ سيدي ــ كيف كنت أجد الوقت لكل هذا‏..‏ ولا كيف كنت أتحول من أب وزوج وقور وعاقل ومتزن إلي شخص عابث مستهتر مغامر‏.‏

استمررت هكذا حتي عامين مضيا‏,‏ وبالتحديد منذ لامست الخمسين‏,‏ وأصبحت صحتي لاتساعدني علي السهر أو الانحراف‏,‏ ولا أخفيك أصبحت أخجل من ابنتي التي كبرت‏,‏ وابني الذي يصادق بنات في مثل عمر من أعرفهن‏,‏ كما اكتشفت‏,‏ علي الرغم من ادعائي بأني قريب منهم وأعرف كل شئ عن أسرتي‏,‏ أني بعيد‏,‏ وأن الأولاد كبرت وأصبحت لهما حياتهما الخاصة التي لا أعرفها‏.‏ أيضا بدأ الإحساس بالذنب والمعصية يتضخم داخلي‏,‏ وأشعر بأن الموت أصبح قريبا مني‏,‏ فبدأت أداوم علي الصلاة وعلي الجلوس أكثر مع أسرتي‏.‏

إعتقدت ياسيدي‏,‏ أني نجوت بما فعلت وأن الله سيغفر لي‏,‏ حتي أصدقائي الذين كنت أحكي لهم عن مغامراتي‏,‏ وأحيانا كانوا يشاركونني فيها‏,‏ قاطعتهم‏.‏ ولكن الانتقام كان كامنا حولي بدون أن أدري‏.‏

ذات مساء وصلتني رسالة علي موبايلي من رقم لا أعرفه‏,‏ رسالة تقول لي إن ما فعلته لن أنجو منه‏,‏ وأنه يعرف كل خياناتي وسفالاتي‏,‏ وأن الانتقام بدأ فعلا‏.‏ كدت أفقد صوابي‏,‏ من هذا الوقح الذي أرسل هذه الرسالة‏,‏ اتصلت بالرقم عشرات المرات‏,‏ لأجده خارج الخدمة‏,‏ هرب النوم من عيني‏,‏ من هذا ياتري؟‏,‏ هل هو زوج واحدة ممن عرفتهن‏,‏ هل والدها‏,‏ شقيقها‏,‏ ابنها؟‏..‏ لن تصدقني أحضرت ورقة وقلما أحاول حصر من عرفتهن بقدر ما أسعفتني الذاكرة‏,‏ ومن منهن يمكن أن تفعل ذلك أو تخبر أسرتها؟‏..‏ هل وقعت رسائلي علي الموبايل أو مشاهد فيديو من تلك التي كنت أسمح بها‏,‏ في يد أحد ممن انتهكت أعراضهن‏..‏

في الصباح اتصلت بصديق له علاقات بإحدي شركات المحمول‏,‏ لعله يساعدني في اسم صاحب الرقم‏,‏ واكتشفنا أنه رقم غير مسجل‏,‏ أي أن صاحبه فعل مثلي إشتري كارتا بغير إسم‏.‏

وبدأت الرسائل تتوالي‏,‏ من أرقام مختلفة‏,‏ كلها خارج الخدمة‏,‏ رسائل تسبني وتحكي لي عن أسماء وعلاقات وأماكن وتفاصيل لايعرفها غيري والأطراف الأخري‏.‏ ثم تطور الأمر وبدأ يخبرني بعنوان وهاتف بيتي‏,‏ وأرقام هواتف ابني وابنتي وزوجتي‏.‏

بدأت أجلس في البيت وقتا طويلا حتي ألاحق التليفونات في البيت قبل أن يرد غيري‏,‏ يغلق التليفون في وجهي‏,‏ فيما يمتد الحوار للحظات مع زوجتي ثم يغلق الهاتف‏,‏ لتقول لي بهدوء يقتلني‏:‏ مكالمة غلط‏.‏

إنه الجحيم ياسيدي‏,‏ أن تشعر بشبح يطاردك‏,‏ يقتلك‏,‏ وأنت لاتراه‏.‏ هرب النوم وهربت معه السعادة‏,‏ عرف الشحوب وجه زوجتي بدون أن تنطق بكلمة‏.‏ نظرات عينيها تقتلني‏,‏ أحوم حولها كالقاتل الذي يحوم حول ضحيته‏,‏ أبوح‏,‏ أتحدث عن أخطاء الإنسان‏,‏ عن مراجعة النفس‏,‏ وهي لاتنطق بكلمة واحدة‏,‏ حتي ابني وابنتي كنت أشعر في عيونهما بنظرات غريبة‏,‏ نظرات فيها تجاهل وعدم احترام‏..‏ هل هذا كان حقيقيا أم وهما‏.‏ فلم يكن هناك ما يؤكد أن الذي أو الذين يطاردونني يتصلون بهم أو أخبروهم بحقيقتي‏.‏

عام كامل وأنا في هذه الدائرة اللعينة‏,‏ رسائل شبه يومية في أوقات متفرقة‏,‏ تم تنقطع أسابيع‏,‏ ألتقط أنفاسي‏,‏ ثم يعود الشبح مرة أخري‏.‏

أسير في الشارع أتلفت حولي‏,‏ أنظر لسكرتيرتي بريبة ولزملائي بتوجس‏,‏ حتي وصلتني تلك الرسالة اللعينة‏:‏ ابنتك شربت من نفس الكأس‏.‏ مبروك‏.‏ لك أن تتخيل ما حدث لي‏,‏ أصابني الجنون‏,‏ لم أنم حتي تسللت ليلا إلي غرفة إبنتي النائمة مثل الملائكة‏,‏ فكرت في إيقاظها لسؤالها‏,‏ ولكن وقعت عيناي علي هاتفها‏,‏ فسحبته بسرعة وانسحبت كاللصوص‏.‏ بدأت أفتش فيه كالمجنون‏.‏ رسائل غرامية‏,‏ منها في الـ‏'Sent'‏ فيها استعطاف وذل لإنسان ترجوه أن يتقدم لي من أجل الزواج بها‏,‏ تعده بأنها ستصر علي إختياره‏,‏ تقول له أن ما فعلته كان بعد وعده بالزواج‏.‏ لا أستطيع إكمال ما قرأت‏.‏

الغريب أني لم أغضب من ابنتي‏,‏ بكيت بحسرة‏,‏ توضأت وصليت الفجر‏,‏ ودعوت الله أن يرفع غضبه عني‏,‏ أن ينتقم مني كما شاء‏,‏ ولا يجعل أسرتي تدفع ثمن خطاياي‏.‏ أعدت الهاتف إلي حجرة ابنتي‏,‏ بعد أن دونت رقم هاتف هذا الشخص‏.‏ ولم يغمض لي جفن‏.‏ وفي الصباح بادرت بالاتصال به‏,‏ وقلت له اسما وهميا‏,‏ وطلبت لقاءه في مكان عام لأمر مهم‏,‏ وبعد تردد منه وإلحاح مني وافق علي اللقاء‏.‏

رجل تجاوز الأربعين بقليل‏,‏ أنيق‏,‏ تعارفنا‏,‏ ودخلت إلي الموضوع مباشرة‏,‏ قلت له إني والد تلك الفتاة التي خدعها باسم الحب وغرر بها‏,‏ فقال لي بكل هدوء إنه لم يجبرها علي شئ وأنها فعلت كل شئ بإرادتها‏,‏ ثم فاجأني باتهامه لي بأني أيضا كان لي علاقاتي‏,‏ وأن إبنتي حكت له الكثير عني‏,‏ وعن معرفة أمها بخياناتي‏,‏ لذا كانت واثقة من أنها ستجبرني علي الزواج منه‏.‏

رجوته أن يتزوجها‏,‏ فأخبرني أنه متزوج ولن يهدم بيته من أجل علاقة عابرة‏.‏

تمنيت في هذه اللحظة أن أموت‏,‏ انسحبت من أمامه وأنا أرجوه ألا يخبر ابنتي بهذا اللقاء‏.‏

سيدي‏..‏ بعد عام كامل توقف الشبح الذي كان يطاردني بدون أن أعرفه‏..‏ لم أفهم ولم أعرف‏,‏ لماذا ظهر ولماذا اختفي ومن هو؟‏..‏ لم أخبر ابنتي بما عرفت ولم أواجه زوجتي‏.‏ نعيش حياة صامتة مهزومة‏.‏ أصلي لله كثيرا أطلب عفوه ومغفرته‏,‏ لا أعرف كيف أكفر عما فعلت أو كيف أستعيد أسرتي‏.‏ فالماضي قاس‏,‏ وندمي يبدو أنه جاء متأخرا‏..‏ ادعوا لي‏.‏

{‏ سيدي‏..‏ ترددت كثيرا في الرد عليك‏,‏ وفكرت في ترك رسالتك بلا تعليق‏,‏ ففي سطورها الداء والدواء‏.‏ ولكنك أربكتني‏,‏ واستوقفني الكثير مما جاء في حكايتك‏.‏ أعرف أن الحكمة التي جاءت في بداية رسالتك‏,‏ ومقدرتك علي الرصد والتأمل‏,‏ جاءت متأخرة‏,‏ ولكن هكذا الحياة‏,‏ علينا أن نتعلم من أخطاء الآخرين ونحترم آلامهم التي ولدت هذه الحكمة‏..‏ ولا أريد أن أتوقف طويلا أمام ماجاء عن مبرراتك للخطيئة وأنت في بدايات الشباب يمكن قبول ذلك من شاب لم يتعمق دينيا‏,‏ مندفع‏,‏

يغره شبابه ومركزه هذه الجملة التي جاءت في رسالتك للأسف هي منحدر الرذيلة السهل يبرر بها الشباب أخطاءهم‏,‏ ويتساهل بسببها الآباء مع أبنائهم‏,‏ وتكون النتيجة هي ما وصلت إليه‏.‏ أقصد أني لا أعفي والديك‏,‏ أو أيا من أولي الأمر‏,‏ الذين يتهاونون مع أبنائهم بمبررات النزوة‏,‏ واندفاع الشباب‏,‏ ويعيش يومين بعد كده هيشيل الهم‏..‏ هذه كلها مفاهيم تؤصل للخطيئة والمعصية‏,‏ ومن اعتاد في صغره علي التفريط في حق من حقوق الله‏,‏ يصعب عليه أن يتراجع عن المعصية‏.‏ والتصميم ياسيدي هو الذي يصنع المعصية لا القدر‏.‏ تضع الخطط‏,‏ وتبيت ليلك تفكر فيما يجب أن تفعله لتقتنص فريستك‏,‏ وتبيت سعيدا بعد أن تظفر بها مكتفيا بقليل من اللوم حتي يهدأ ضميرك وتواصل زحفك‏.‏

لم يثنك الزواج ولا الزوجة الصالحة‏,‏ ولا الأبناء‏,‏ ولا العمل الناجح‏,‏ ولا ستر الله لك وأنت تعصيه‏,‏ عن السير في طريق الخطيئة‏,‏ بل علي العكس‏,‏ جاهرت بالمعصية‏,‏ سترك الله‏,‏ فهتكت سترتك‏,‏ وأشركت أصدقاءك فيما تفعله‏..‏ زرعت الشوك وأردت أن تحصد العنب‏,‏ هل لو حدث هذا يمكن لنا أن نؤمن بعدل الله؟‏!‏

سيدي‏.‏ إن الذي يشتريه الشيطان‏,‏ يبيعه الشيطان‏,‏ وكما اشتراك باعك‏,‏ وأغواك‏,‏ فأطعت هواك‏,‏ وبعت دينك بدنياك‏.‏

اغفر لي‏,‏ لا أريد الآن وأنا أتألم لحالك أن ألومك أو أزيد من آلامك‏,‏ ولكني أنتهزها فرصة لتنبيه الغافلين أو الغارقين في وحل الخطيئة‏,‏ معتقدين أنهم في مأمن من عين الله التي لا تنام قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله صدق الله العظيم‏,‏ هذا عما في الصدور‏,‏ فماذا عن المعصية والمجاهرة بها؟

لا أريد أن أخوض في الشبح الذي ظهر في حياتك ليكشف لك غشاوتك ويعيدك إلي نفسك‏,‏ فكما لم تصل إلي شئ علي مدي عام‏,‏ لن أستطيع معك الوصول إلي تخمينات‏.‏ دعنا نفترض أنه صوت ضمير جاء ليكشف الستار عن خطاياك وجعلك تواجه نفسك وتدفع حسابك بأثر رجعي‏,‏ ودعنا نفكر معا في كيفية إنقاذ أسرتك‏,‏ وحتي نفعل هذا‏,‏ لابد أن نسلم بأن أبواب التوبة مفتوحة حتي لو لامست خطاياك السماء‏,‏ والقرآن والإنجيل مليئان بآيات التوبة والمغفرة‏,‏ وتأمل قوله سبحانه وتعالي في كتابه الحكيم‏:‏ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما‏.‏

هذا وعد الحق‏,‏ الاستغفار‏,‏ الحسنات يذهبن السيئات‏,‏ والتوبة النصوح‏,‏ وعن التوبة يحضرني قول رائع للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه‏:‏ التوبة اسم يقع علي ستة معان‏:‏ علي الماضي من الذنوب الندامة‏,‏ ولتضييع الفرائض الإعادة‏,‏ ورد المظالم‏,‏ وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما ذوقتها حلاوة المعصية‏,‏ وتعويدها علي الطاعة كما عودتها علي المعصية‏,‏ والبكاء بدل كل ضحك ضحكته‏.‏

ما أقصده ــ سيدي ــ أن تصالح الله أولا‏,‏ تسترضيه‏,‏ تستجدي عفوه وكرمه‏,‏ ترجوه أن يحمل عنك ما لعباده الذين هتكت أعراضهم‏.‏ فإذا اطمأنت نفسك وهدأت وأحسست بحلاوة الإيمان‏,‏ عليك أن تجلس إلي زوجتك العظيمة‏,‏ التي تحملت ما لايطيقه بشر‏,‏ قبل يديها‏,‏ ابك علي قدميها‏,‏ أطلب منها الصفح والعفو‏,‏ ولا أشك لحظة فيمن تحملت كل هذا‏,‏ أن يرق قلبها وتعفو عنك‏,‏ خاصة بعدما تشاهدك وأنت عبد ذليل لله سبحانه وتعالي‏,‏ وحتي لو قست أو تمنعت ــ لها الحق ــ اصبر وحاول‏,‏ فمثلها طريقك إلي الجنة‏.‏

بعدها حاول بمساعدتها استعادة ابنتك وابنك‏,‏ إعترف أمامهما بأنك نادم علي خطايا ارتكبتها في حياتك‏,‏ وطمئن ابنتك بأنك بجوارها بدون أن تفصح عن معرفتك بخطيئتها‏,‏ ودع مداواة الأمر لأمها‏.‏ وهنا دعني أقول لك‏,‏ إن ما حدث لابنتك لم يكن انتقاما منها بسبب أفعالك‏,‏ فالله العادل لا يأخذ أحدا بإثم الآخر‏,‏ ولكن ماحدث لغيابك وإهمالك في تربيتها‏,‏ وتقديمك صورة سلبية للأب‏.‏

سيدي‏..‏ دورك الآن أن تنقذ أسرتك‏,‏ وتعيد ابنيك إلي حضن الأب الملتزم‏,‏ وأملي أن تقرأ زوجتك الكريمة سطور رسالتك وتغفر لك‏,‏ وتحتسب صبرها عند الذي لايضيع عنده إحسان‏,‏ إنقاذا للأبناء‏,‏ فما ضاع ضاع‏,‏ والتوبة تكون للمستقبل لا للماضي‏.‏ أتمني لكم جميعا مستقبلا أكثر شرفا وسعادة‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق