الثلاثاء، ١ فبراير ٢٠٠٠

أسباب الحياة‏!‏

25-10-2002
أنا رجل في السادسة والأربعين من عمري‏..‏ تخرجت في الجامعة وعمري‏23‏ عاما‏,‏ وعملت بشركة كبري‏,‏ وبدأ الأهل والأصدقاء يرشحون لي فتيات في سن الزواج‏,‏ فأذهب لأشاهد العروس المرشحة وأبدي رأيي فيها‏..‏ ولأنني كنت مغرورا بنفسي وإمكاناتي في ذلك الوقت‏,‏ فلقد استغرقت رحلة البحث عن عروس أربع سنوات كاملة‏,‏ دخلت خلالها بيوت ما يقرب من‏26‏ فتاة دون أن أقتنع بإحداهن‏,‏ ثم أصابتني نوبة من اليأس وتوقفت عن البحث لمدة عامين‏,‏ اتجهت إلي الله ودعوته أن يوفقني إلي العروس التي تكون مناسبة لي وتسعدني وأسعدها‏..‏ وبلغت الثلاثين دون أن ارتبط بالعروس الموعودة‏..‏ ثم رشحت لي والدتي قريبة لنا كانت مخطوبة وفسخت خطبتها وتعلمت في المدارس الفرنسية وتخرجت في إحدي كليات القمة‏,‏ وكانت عادية الشكل وضعيفة الجسم للغاية ورقيقة جدا‏.‏ كما صارحني أهلها منذ البداية بأنها مريضة بالكلي ولن تستطيع الإنجاب إلابعد إجراء عملية زرع الكلي حين تحتاج إليها في المستقبل‏,‏ وكنت قد اتجهت إلي الله منذ فترة‏..‏ وهزتني حادثة وفاة صديق في عنفوان رجولته بلا مرض سابق تاركا وراءه أطفالا صغارا‏..‏ فقلت إن الأعمار بيد خالق الكون وليست بالصحة أو بالمرض ولم أتوقف أمام مرضها‏..‏ وخطبتها فإذا بكل شئ يمضي في سهولة ويسر‏..‏ وكانت أسعد أوقاتي حين أذهب إلي بيتها خلال فترة الخطبة فهي ذكية ونشيطة وتحب الجميع وتخدم الكل بالرغم من أنها كانت نحيلة وضعيفة كالخيال‏..‏ وبعد ثلاثة أشهر من الخطبة لم تشبها شبهة كدر واحدة تزوجتها وسعدنا بحياتنا معا وأقمنا في شقة باسمها في عقار يملكه والدها‏,‏ وازداد وزن زوجتي فأصبحت جميلة وجذابة ومضت ثلاث سنوات من السعادة الخالصة‏..‏ والود المتبادل والتفاهم المشترك‏,‏ وفي السنةالرابعة اشتد عليها المرض وتحول إلي فشل كلوي كامل وبدأت زوجتي تقوم بعمليات الغسيل الكلوي ثلاث مرات أسبوعيا‏,‏ وكل مرة لمدة‏8‏ ساعات‏,‏ وكنت أذهب معها إلي وحدة الغسيل ثم أتركها في المستشفي واذهب لعملي وأرجع لاصطحابها إلي البيت‏,‏ وبدأنا نبحث عن متبرع لها بالكلية إلي أن عثرنا علي شخص ملائم‏..‏ وصادف موعد عملية الزرع موعد العمرة التي كنت قد ارتبطت بها قبلها بشهور ورفضت ترك زوجتي عند إجراء العملية‏,‏ لكنها أصرت علي أن أذهب لأداء العمرة في نفس موعدها‏,‏ مؤكدة لي أنها تحتاج إلي دعائي لها في البيت الحرام أكثر من حاجتها لوجودي إلي جوارها خلال الجراحة‏.,‏ ونفذت ذلك‏..‏ ودعوت لها ربي من أعماق قلبي في الرحاب الطاهرة‏,‏ واستجاب الله سبحانه وتعالي لدعائي فنجحت الجراحة ورجعت إلي المطار إلي غرفتها بالمستشفي‏,‏ وبعد سنة من إجراء الزرع طمأنني الطبيب إلي إمكان حمل زوجتي دون متاعب صحية‏,‏ فسعدت بذلك‏,‏ وحملت زوجتي وكان والدها قد وعدها بأن يصطحبها معه للحج‏..‏ فوقعنا في حيرة خوفا من مشقة الحج علي حملها الذي أكمل شهرا واحدا وصحتها الضعيفة‏,‏ وسألتني عن رأيي‏,‏ وبالرغم من تشوقي الشديد للانجاب فلقد شجعتها علي أداء الفريضة‏..‏ وقلت لها انني لن أستطيع توفير فرصة حج مريحة بنفس الدرجة التي سيوفرها والدها فلتذهب إذن علي بركة الله‏..‏ وليحفظ الله جنينك‏..‏ وسافرت وأدت مناسك الحج وشعائره وأكرمها وأكرمني ربها فاكتمل حملها ولم يتأثر بمشقة الرحلة‏..‏ وأنجبت طفلة جميلة أصبحت قرة أعين لنا جميعا‏,‏ وكنا ندعو الله أن يزيدنا من فضله ويرزقنا كذلك بالولد‏,‏ وحملت بالفعل وأنجبت طفلا في المرة الثانية لكنه جاء إلي الحياة ميتا‏,‏ وحزننا عليه كثيرا‏,‏ وأرادت زوجتي أن تؤكد لنفسها إنها إنسانة طبيعية فحملت للمرة الثالثة وأنجبت هذه المرة طفلة جميلة وسعدت زوجتي بانتصارها علي المرض وحملها لثلاث مرات رغم ظروفها الصحية‏..‏ وواظبنا علي المتابعة الدورية للكلية المزروعة‏,‏ وأردنا أن نشكرالله علي ما أنعم به علينا فقررنا أن نؤدي معا العمرة لأول مرة‏,‏ وحجزنا للرحلة بالفعل‏,‏ لكن زوجتي شكت من آلام في المعدة تجئ وتذهب كل حين‏,‏ وأردنا الاطمئنان قبل السفر فذهبنا إلي الطبيب الذي يتابع حالتها فوصف لها بعض الأدوية‏,‏ فلم تتحسن حالتها وذهبت إلي طبيبين آخرين فلم يحددا سبببا واضحا لهذه الآلام‏,‏ وعدنا إلي الطبيب الذي يتابعها فأجري لها بعض الفحوص ثم طلب إدخالها المستشفي لمزيد من التحاليل والاختبارات‏,‏ ثم صدمني بأنها أصيبت بالمرض اللعين في المعدة‏..‏ وخيرني بين إجراء الجراحة لها أو تركها علي حالها إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا‏,‏ فكتمت الخبر المؤلم عن زوجتي وداعبني الأمل في أن تشفي من مرضها هذا‏,‏ كما قهرت المرض في أربع عمليات جراحية سابقة‏..‏ وقررنا إجراء الجراحة لها‏..‏ وغادرت غرفة العمليات إلي العناية المركزة‏,‏ وقال لي الأطباء إن مرحلة الخطر تنتهي بعد‏48‏ ساعة‏,‏ فرفضت العوة إلي البيت وقررت البقاء في المستشفي إلي أن تنقضي الساعات العصيبة‏,‏ وفي الفجر أديت الفريضة في المسجد‏,‏ الملحق بالمستشفي وذهبت إلي العناية المركزة ورأيتها نائمة‏,‏ فعدت إلي الحجرة ورحت اقرأ القرأن وأدعو الله لها بالنجاة وأنا خائف بشدة من شيئين‏:‏ الباب والتليفون‏!‏ خائف من أن يطرق أحدهم الباب ويبلغني بما أخاف منه‏,‏ أو يرن التليفون ويحمل إلي النبأ المفجع‏..‏ وتحقق ما تخوفت منه للأسف‏,‏ وجاء من يطرق الباب ثم أبلغتني الممرضة بأن زوجني قد لقيت وجه ربها يرحمها الله‏.‏ وبعد‏7‏ أشهر علي رحيلها الحزين فاني مازلت أبكيها باستمرار في الليل وفي النهار وعند النوم وعند النهوض من الفراش‏,‏ وأعرف أنها في الجنة‏..‏ فقد كانت تزكي عن مالها وتتصدق كثيرا وتسخر مني لأني لا أخرج سوي الزكاة المحسوبة وتقول لي إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه حث المؤمنين علي أن يداووا مرضاهم بالصدقة‏,‏ كما كانت نعم الزوجة الوفية المخلصة‏,‏ والأم الحنون لأبنتيها رحمها الله‏.‏
والآن ياسيدي ماذا أفعل إنني أحب اإبنتي حبا جما ولا أستطيع الافتراق عنهما‏,‏ لقد استغرقت ست سنوات من عمري لكي اهتدي إلي زوجتي التي شاركتني حياتي‏,‏ كما أننا نسكن في نفس العقار الذي تملكه أسرة زوجتي الراحلة‏..‏ وصلتي بأهلها قوية ومتينة‏,‏ والمسكن الذي نقيم فيه يقع في عقار مملوك لأسرتها وهي شقة قريبة من عملي ومن مدرسة البنتين‏.‏
وأنا أخشي المستقبل‏..‏ وأخشي ألا أستطيع احتمال وحدتي إلي نهاية العمر‏,‏ وأخشي أن أحضر لبنتي زوجة أب قد لاتكون رحيمة بهما‏..‏ أو أن يقطع ذلك ما بيني وبين أهل زوجتي من مودة ورباط متين‏,‏ فبماذا تشير علي؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
قدر الله وكما شاء فعل‏.‏ فإن كان ثمة عزاء ففي أن الرحلة مع زوجتك الراحلة كانت معطرة بالحب والفهم والوفاق والعطف المتبادل‏..‏ فإن كانت قصيرة‏..‏ فلقد كانت السعادة فيها كذلك مكثفة كأنما كانت ساعات مسروقة من عمر مشحون بالآلام‏,‏ ولقد أثمرت الرحلة القصيرة ثمارها الغالية فانبتت حديقتك زهرتين جميلتين تمتد فيهما روح أمهما الطيبة وخصالها الوديعة‏..‏ وطبيعتها المسالمة الملائكية‏..‏ وفي ذلك أكبر العزاء‏..‏
ولقد تذكرت وأنا أقرأ رسالتك هذه قصة حياة الروائية الانجليزية كاترين كوكسن التي رحلت عن الحياة قبل سنوات وقد تشاربت كئوس الحب والصفاء مع زوجها لما يقرب من‏48‏ عاما‏,‏ وأنجبت في بداية زواجها‏3‏ أطفال ماتوا تباعا وهم رضع فيئست من الانجاب مرة أخري واستسلمت لبراثن الاكتئاب‏,‏ ووقف زوجها المحب إلي جوارها يرعاها ويحنو عليها ويشد أزرها حتي نجح بعد‏15‏ عاما كاملة من مرضها في إخراجها من اكتئابها‏,‏ وشجعها علي الكتابة ونشر قصصها‏,‏ فنشرت أولي قصصها‏..‏ ولقيت بعض النجاح وحثها علي مواصلة الكتابة والنشر ليشغلها عن أحزانها فتدفقت قصصها الناجحة وأصبحت روائية شهيرة‏,‏ ثم وقف إلي جانبها بعد ذلك في خمس أزمات قلبية شديدة وجراحة كبري‏,‏ وراح‏.‏ يمرضها في صبر وحب ويهون عليها بصحبته المخلصة آلام الحياة إلي أن رحلت عن الدنيا في شيخوختها‏..‏ فما أن عاد من وداعها الأخير حتي استسلم للفراش لأول مرة في حياته‏,‏ وبعد‏18‏ يوما فقط رحل عن الحياة‏,‏ وقال أقرب أصدقائه إليه إنه لم يمت بسبب المرض وإنما مات بانكسار القلب حزنا علي رفيقة حياته‏,‏ فقد كانت بالنسبة له كل أسباب الحياة‏,‏ وبعد رحيلها عن الدنيا لم يعد لديه ما يحيا من أجله‏!‏
غير أن ظروفك الشخصية تختلف عن ظروف هذا الزوج المحب‏,‏ في جانب مهم هو أن لديك من أسباب الحياة الكثير والكثير لكي تحيا من أجله‏,‏ وفي مقدمتها ابنتاك الجميلتان اللتان تجددان صورة أمهما الراحلة‏,‏ كما أنك في عنفوان رجولتك‏,‏ ولقد يشق عليك احتمال الوحدة والحرمان إلي ما لانهاية‏,‏ لكنه نظرا للظروف الانسانية المحيطة وعلاقتك الوثيقة بأسرة زوجتك فإن الفضل يقتضي أن تصبر علي نفسك بعض الوقت‏..‏ وأن تنتظر أنتجئ الإشارة من أهل زوجتك الذين يحتضنون ابنتيك‏..‏ فيكون الاقتراح من جانبهم فضلا جديدا يضاف إلي سابق كرمهم معك وحرصهم عليك وعرفانهم لحسن عشرتك لابنتهم وصدق رعايتك لها خلال رحلة العمر القصيرة‏..‏ ولربما يكون الأوفق أن تشعرهم بغير كلام بحاجتك إلي من ترعي ابنتيك وتؤنس وحدتك وتترك لهم اختيارها فكأنما تحملهم بذلك هذه المسئولية الانسانية وتعفي نفسك من مظنة التلهف علي إحلال امرأة أخري محل ابنتهم الغالية‏,‏ بعد فترة قصيرة من غيابها عن عالمهم‏,‏ خاصة أنك تعيش في جوارهم وفي عقارهم وهم يرعون ابنتيك ويحتضنونهما‏,‏ ولقد يرون الحل الموفق في ارتباطك ذات يوم بواحدة من أهل زوجتك الراحلة‏..‏ تربطها بابنتيك صلة الرحم والقربي ويطمئنون هم إلي أنها ستقوم بحق هاتين الابنتين وتحسن رعايتهما من بعد أمهما وتعوضهما عن فقدها‏.‏
إنه موقف دقيق‏...‏ والكلمة غير المحسوبة فيه قد تجدد الأحزان وتثير المرارات وتكدر الصفو‏,‏ ولا مفر من الصبر علي الحرمان‏..‏ وفقدان شريكة الحياة إلي أن يتمالك أهل الزوجة الراحلة أنفسهم ويجدون من واجبهم أن يفكروا معك بجدية وإخلاص في مستقبل هاتين الابنتين خلال وقت قصير إن شاء الله‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق